أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

ألمانيا السوداء

تاريخ أوروبا الحديث مليء بالفجوات التي ابتلعت قصصاً بأكملها، ولعل واحدة من أكثر تلك القصص إثارة للدهشة والتأمل هي قصة الوجود الأسود في ألمانيا. عندما نتحدث عن تاريخ الشتات الأفريقي في القارة العجوز، تقفز إلى الأذهان فوراً العواصم الاستعمارية الكلاسيكية؛ لندن بضبابها الذي استقبل أجيالاً من المهاجرين الكاريبيين والأفارقة، وباريس التي احتضنت مفكري حركة “الزنجية” وعازفي الجاز وحركات التحرر. لكن، نادراً ما تلتفت الأنظار نحو برلين أو هامبورغ. هنا، يتدخل كتاب “ألمانيا السوداء: صعود وانهيار مجتمع الشتات 1884-1960” (Black Germany: The Making and Unmaking of a Diaspora Community) للباحثين روبي أيتكين (Robbie Aitken) وإيف روزنهافت (Eve Rosenhaft)، ليقلب هذه المفاهيم رأساً على عقب، ويضيء زاوية معتمة ومهمشة من التاريخ الأوروبي الحديث.

يتجاوز هذا الكتاب السرديات التقليدية التي تتعامل مع الوجود الأسود في ألمانيا كحوادث عرضية، أو كظاهرة ارتبطت حصراً بالاحتلال العسكري (مثل أطفال جنود الاحتلال الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى، أو جنود الاحتلال الأمريكي بعد الثانية). بدلاً من ذلك، ينسج المؤلفان ببراعة صحفية وأكاديمية محكمة، قصة متصلة، حية، شديدة التعقيد، تبدأ من أواخر القرن التاسع عشر، وتستمر عبر تقلبات الإمبراطورية الألمانية، ثم سنوات الغليان في جمهورية فايمار، وصولاً إلى المحرقة النازية الكارثية وما بعدها. إنه ليس مجرد كتاب تاريخ جاف؛ بل هو سيرة درامية لمجتمع تشكل من رحم التناقضات الاستعمارية، وحاول النجاة وصنع حياة ذات معنى في قلب واحدة من أشرس الآلات العنصرية في القرن العشرين.

بذور الشتات: من أروقة مؤتمر برلين إلى شوارع العاصمة

في عام 1884، وبينما كانت القوى الأوروبية تتهافت لتقاسم قارة أفريقيا وتمزيقها بمسطرة مؤتمر برلين الشهير، كانت ألمانيا تؤسس بهدوء دموي إمبراطورتيها الاستعمارية في الكاميرون وتوغو وشرق وجنوب غرب أفريقيا. ومع رفع العلم الألماني فوق هذه الأراضي البعيدة، بدأت رحلة عكسية لم تكن في الحسبان. لم يأتِ الأفارقة الأوائل إلى ألمانيا كعبيد مقيدين بالسلاسل، وهو النمط الشائع في التخيّل التاريخي لحركة السود عبر الأطلسي، بل جاء كثير منهم كأفراد من النخب الطموحة.

تركز النخبة الساحلية في الكاميرون، وتحديداً من شعب “الدوالا” (Duala)، في بؤرة هذا المشهد. كانت هذه النخبة تمتلك تاريخاً طويلاً من التفاعل الدبلوماسي والتجاري مع الأوروبيين قبل وصول الألمان بزمن طويل. كانوا طبقة كوزموبوليتانية من الوسطاء التجاريين، يجيد الكثير منهم التحدث بالإنجليزية، ويتفاعلون مع المبشرين الأوروبيين بندية مدهشة. وعندما فرضت الإمبراطورية الألمانية سطوتها، قرر زعماء هذه العائلات –ببراغماتية سياسية– إرسال أبنائهم إلى قلب الإمبراطورية الجديدة؛ إلى مدن كبرلين وهامبورغ، لتعلم لغة “السادة الجدد”، والتدرب على تقنياتهم، واكتساب المعرفة التي تمكنهم من الحفاظ على نفوذهم في أوطانهم.

في أبريل 1885، التقطت الصحف المحلية في برلين خبراً عن وصول القنصل الألماني في الكاميرون ترافقه شخصية لافتة للأنظار: الأمير الشاب “إيبوبسي ديدو” (Ebobse Dido). جاب الأمير شوارع برلين في عربة مكشوفة، مثيراً فضول وإعجاب المارة. كانت تلك مجرد البداية لتوافد مئات من الشباب الأفريقي. يسرد الكتاب تفاصيل مذهلة عن هؤلاء الرواد الأوائل، مثل “ألفريد بيل” (Alfred Bell) الذي وصل في عام 1887 ليتدرب في مصانع المعادن والبناء في هامبورغ وبريمن.

لم يكن ألفريد مجرد متدرب صامت وممتن للمنحة الاستعمارية، بل كان مراقباً ذكياً وناقداً لاذعاً للمجتمع الذي استضافه. تكشف الرسائل التي كان يبعثها إلى أخيه في الكاميرون –والتي اعترضتها السلطات الألمانية وقرأتها بتوجس– عن وعي سياسي وطبقي مبكر. فقد سخر من التناقض الصارخ بين ادعاءات الحضارة الأوروبية وبين العنصرية الفجة التي واجهها في الشوارع. والأهم من ذلك، أنه أدرك بعين ثاقبة هشاشة الوضع الطبقي في أوروبا الصناعية؛ حيث سجل ملاحظاته حول كيفية استغلال العمال البيض الفقراء وعملهم في ظروف لا تختلف كثيراً عن ظروف العبودية. هذا الوعي النافذ وتلك البصيرة المبكرة جعلت من ألفريد وأمثاله “رعايا مزعجين” بالنسبة للإدارة الاستعمارية التي كانت تتوقع منهم الطاعة العمياء والاندهاش الأبدي بعظمة “الرجل الأبيض”.

صدام التوقعات: أسطورة “الزنجي المرتدي للسراويل”

كانت السلطات الألمانية في برلين والكاميرون تأمل، بسذاجة استعمارية كلاسيكية، في تشكيل طليعة أفريقية “مُتألمنة” وموالية لها، تعود إلى المستعمرات لتكون ترساً طيعاً في آلة الإدارة الاستعمارية ومشاريع البنية التحتية. ومع ذلك، فقد انقلب السحر على الساحر بسرعة.

الشباب الأفريقي الذي تلقى تعليمه في المدارس الألمانية، وعاش مع عائلات ألمانية، وتلقى وعوداً بالتنوير والإخاء الديني (خاصة في أوساط الكنائس المعمدانية التي فتحت أبوابها ومنازل قساوستها لهم)، بدأ يطالب بحقوقه كاملة. هؤلاء الشباب، الذين أصبحوا يرتدون البدلات الأوروبية الأنيقة، ويحملون بطاقات تعريف شخصية، ويلتقطون صوراً استوديوية احترافية لأنفسهم، أربكوا التسلسل الهرمي الصارم الذي كان يقوم عليه الاستعمار.

حينما حاول هؤلاء العودة إلى الكاميرون أو الانخراط في مجتمعاتهم، اصطدموا بواقع الهرمية العنصرية التي ترفض مساواتهم بالبيض أو منحهم الوظائف والرواتب التي تتناسب مع خبراتهم الأوروبية. تحول الإعجاب المبدئي بـ “التقدم” الأفريقي إلى سخرية وعداء. وفي هذا السياق، صكّت الأدبيات والصحافة الاستعمارية الساخرة مصطلحاً عنصرياً لئيماً هو “Hosenneger” (الزنجي المرتدي للسراويل). كان هذا المصطلح يُستخدم للسخرية من الأفريقي “نصف المتأورب” الذي يُنظر إليه على أنه فقد أصالته “البدائية” ولم يصل (ولن يصل في نظرهم) إلى مصاف الرجل الأبيض المتحضر. لقد عكست هذه السخرية في جوهرها رعباً عميقاً لدى المستعمر من انمحاء الخطوط الفاصلة بين الأبيض والأسود، ومن فكرة أن الأفريقي يمكنه إتقان أدوات الحداثة لدرجة تهدد شرعية الاستعمار ذاته.

فخ المركز المتروبولي والتحول إلى مجتمع

بحلول منتصف تسعينيات القرن التاسع عشر، ومع تزايد التمردات والشكاوى التي كان يقودها هؤلاء الشباب العائدون بأفكار أوروبية حول العدالة والقانون، بدأت السلطات الاستعمارية تدرك أن سياسة التعليم في المركز (المتروبول) تحمل بذور دمارها. استُبدلت سياسة التشجيع بفرض قيود إدارية صارمة لمنع سفر الكاميرونيين إلى ألمانيا. اشترطت القوانين الجديدة الحصول على إذن مباشر من الحاكم الاستعماري ودفع كفالات مالية باهظة كضمان.

ورغم هذا التضييق، استمر التدفق بأشكال أخرى. دخلت البعثات التبشيرية على الخط لتوفير مسارات بديلة لتعليم الأفارقة في ألمانيا. وظهر مسار آخر أكثر قتامة وإثارة للجدل: “معارض الشعوب” (Völkerschauen). كان منظمو العروض، مثل “كارل هاغنبيك”، يجلبون مجموعات من الأفارقة لتقديم عروض أدائية تجسد “حياتهم البدائية” أمام جمهور ألماني متعطش للغرائبية. وكانت ذروة هذا الاستعراض في المعرض الاستعماري ببرلين عام 1916، حيث تم جلب العشرات من الكاميرونيين والتوجوليين لعرضهم. وما لم تتوقعه السلطات هو أن عدداً ليس بقليل من هؤلاء المؤدين، وبعد انتهاء عقود عروضهم المهينة، رفضوا العودة إلى المستعمرات. طلبوا البقاء في ألمانيا، وبحثوا عن وظائف كميكانيكيين، وإسكافيين، وطهاة، وموسيقيين، مندمجين في قاع الطبقة العاملة الألمانية.

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، أُغلق الفخ على الجميع. الأفارقة الذين جاؤوا للتعليم، أو للعمل، أو للزيارة، وجدوا أنفسهم عالقين في ألمانيا، مقطوعين تماماً عن عائلاتهم في أفريقيا، وغير قادرين على العودة. ومع هزيمة ألمانيا المدوية وفقدانها لإمبراطوريتها الاستعمارية لصالح فرنسا وبريطانيا بموجب معاهدة فرساي، تغير كل شيء. لقد توقف المهاجرون عن كونهم “رعايا ألمان”، وتحولوا في ليلة وضحاها إلى أشخاص ذوي وضع قانوني شديد الغموض؛ باتوا “تابعين” لدول الانتداب (فرنسا وبريطانيا)، لكنهم لم يحصلوا على جنسيتها، وفي الوقت نفسه فقدوا الحماية التي كانت توفرها لهم صفتهم الكولونيالية السابقة في ألمانيا.

هنا، وفي قلب هذه العزلة والضياع القانوني، بدأ التحول المذهل. هؤلاء الرجال (وقلة من النساء) الذين تُركوا لمواجهة مصيرهم في مجتمع يمر بأزمات اقتصادية وسياسية طاحنة بعد الحرب، أدركوا أن بقاءهم يعتمد على تكاتفهم. من قلب هذا الشتات، وفي مدن مثل برلين وهامبورغ، بدأت ملامح “مجتمع” فعلي تتشكل. لم يعودوا مجرد زوار أجانب ينتظرون الباخرة التالية للعودة إلى ديارهم، بل أصبحوا جيراناً، وعمالاً، وأزواجاً، وآباء، يصنعون روابط تضامن تتجاوز ان ปرقاء القبيلة الأصلية، لتبني هوية دياسبورية (شتاتية) جديدة تحتفي وتدافع عن كونهم “سوداً” في قلب أوروبا.

متاهة الأوراق الثبوتية: لاجئون في وطنهم الجديد

مع صمت المدافع وانقشاع غبار الحرب العالمية الأولى، استيقظ الأفارقة المقيمون في ألمانيا على كابوس بيروقراطي خانق. لقد خسر الألمان مستعمراتهم، وبموجب معاهدة فرساي ونظام الانتداب التابع لعصبة الأمم، نُقلت السيادة على الكاميرون وتوغو إلى فرنسا وبريطانيا. في ليلة وضحاها، تحول هؤلاء الشبان الذين قدموا إلى ألمانيا كـ “رعايا للإمبراطورية الألمانية” (Schutzgebietsangehörige) إلى أشخاص بلا هوية واضحة؛ فهم لم يعودوا ألماناً، وفي الوقت ذاته رفضت السلطات الفرنسية والبريطانية منحهم جنسياتها واكتفت بتصنيفهم كـ “أشخاص تحت الحماية” (Protected Persons).

يرصد كتاب “ألمانيا السوداء” ببراعة كيف تحولت الورقة الثبوتية وجواز السفر إلى أداة قمع يومية. ففي جمهورية فايمار، أصبح يتعين على الأفارقة حمل وثيقة هوية للأجانب (Personalausweis) تُجدد دورياً، وتجعلهم تحت رحمة ضباط الشرطة في كل تحرك. وعندما حاول بعضهم العودة إلى أفريقيا هرباً من الأزمات الاقتصادية الخانقة في ألمانيا ما بعد الحرب، اصطدموا برفض قاطع من الإدارة الفرنسية في الكاميرون. كانت السلطات الفرنسية تخشى من هؤلاء العائدين، معتبرة إياهم “جواسيس” متعاطفين مع ألمانيا، أو عناصر راديكالية مسيسة قد تنقل عدوى التمرد والمطالبة بالحقوق إلى السكان المحليين في المستعمرة. وهكذا، أُغلق باب العودة، وبات البقاء في ألمانيا قدراً محتوماً.

الحب عبر “الخط الملون”: العائلات المختلطة وتأسيس الجذور

في ظل هذا الحصار الجغرافي والقانوني، لم يكن أمام الجيل الأول من المهاجرين الأفارقة سوى بناء حياتهم في ألمانيا. ونظراً لأن الغالبية الساحقة من الوافدين الكاميرونيين كانوا من الرجال (إذ لم تُسجل سوى حالات نادرة جداً لوصول نساء أفريقيات إلى ألمانيا في تلك الفترة)، كان التزاوج مع نساء ألمانيات أمراً حتمياً.

يغوص المؤلفان أيتكين وروزنهافت في الأرشيفات العائلية وسجلات الحالة المدنية ليكشفا عن ديناميكيات هذه الزيجات المختلطة. لم تكن هذه العلاقات مجرد نزوات عابرة، بل كانت محاولات جادة ومستميتة للاستقرار وتأسيس روابط قرابة ومصاهرة تحمي الأفريقي في مجتمع أبيض. على سبيل المثال، التقى التاجر الكاميروني “ماندينغا ديك” (Mandenga Diek) بزوجته الألمانية الأولى وتزوجها، ثم تزوج لاحقاً من ألمانية ثانية وبنى أسرة مستقرة في مدينة دانزيغ. وبالمثل، ارتبط الميكانيكي ومحصل التذاكر “مارتن ديبوبي” (Martin Dibobe) بعائلات برلينية عاملة وصاهرهم.

لكن هذا الاستقرار العاطفي قوبل بعداء مجتمعي ومؤسسي شرس. فقد تزامنت هذه الزيجات مع حملة دعاية عنصرية مسعورة اجتاحت ألمانيا في أوائل العشرينيات عُرفت باسم “الرعب الأسود” (Schwarze Schmach). اندلعت هذه الحملة رداً على استخدام فرنسا لجنود أفارقة (من السنغال والمغرب) في احتلال منطقة الراين الألمانية، حيث صوّرت الصحافة اليمينية الرجل الأسود كوحش مفترس يستهدف النساء الألمانيات البيض. تأثر الأفارقة المقيمون في ألمانيا بشدة بهذه الأجواء المسمومة؛ فتعرض بعضهم للضرب والبصق في الشوارع، وعانت زوجاتهم الألمانيات من النبذ الاجتماعي والتوبيخ لخيانتهم “العرق” الأبيض. رغم ذلك، يثبت الكتاب أن العديد من هذه الزيجات صمدت، وأنجبت جيلاً ثانياً من “الألمان السود” (Afro-Germans) الذين سيكبرون في ظل صعود النازية.

المسرح كساحة معركة: استغلال “الغرائبية” من أجل البقاء

كيف تكسب عيشك في بلد ممزق اقتصادياً، ويرفض أرباب العمل فيه توظيفك بسبب لون بشرتك أو انعدام جنسيتك؟ يجيب الكتاب على هذا التساؤل المأساوي باستعراض استراتيجيات البقاء التي ابتكرها الأفارقة في ألمانيا.

رغم أن معظم هؤلاء الرجال كانوا ينحدرون من نخب متعلمة، وحصلوا في ألمانيا على تدريب مهني متقدم كحرفيين وميكانيكيين وصناع أحذية، إلا أنهم وجدوا الأبواب موصدة في وجوههم بعد الحرب. وهنا، اكتشفوا مفارقة قاسية: المجتمع الألماني الذي يرفض توظيفهم كعمال متساوين، كان على استعداد لدفع أموال طائلة لمشاهدتهم كـ “كائنات غرائبية”.

وهكذا، تحولت شريحة كبيرة من مجتمع الشتات الأفريقي إلى العمل في مجالات الترفيه، والمسرح، والسيرك، والسينما. استغلوا ولع مجتمع فايمار بثقافة الجاز الأمريكية والإكزوتيكية لتقديم عروض موسيقية وراقصة. ظهرت حانات مثل “البار الهندي” في هامبورغ كأماكن تجمع يعزف فيها الموسيقيون السود. أما في برلين، فقد اقتحم بعضهم صناعة السينما الناشئة، مثل الممثل الكاميروني “لويس برودي” (Louis Brody) الذي أصبح وجهاً مألوفاً في أفلام المخرج الشهير “فريتز لانغ”، حيث كان يُستدعى لتأدية أي دور يتطلب ملامح غير أوروبية، سواء كان الدور لزعيم أفريقي، أو أمير مغربي، أو حتى خادم آسيوي!

وفي تجلٍ درامي لـ “استراتيجية الغرائبية”، يروي الكتاب قصة الشابين الكاميرونيين “فيلهلم مونوميه” (Wilhelm Munumé) و”بيتر ماكيمبي” (Peter Makembe)، اللذين قررا الالتفاف على التهميش الاقتصادي بتنفيذ عملية احتيال هوليودية. في عام 1926، تنكرا في زي مبعوثين رسميين لملك خيالي من غرب أفريقيا يُدعى “بوندونغولو”، وأقنعا تجار ورق ومطابع ألمان –بفضل هندامهما الأرستقراطي الأنيق وعزفهما على وتر الجهل الأوروبي بأفريقيا– بتزويدهم بمعدات لطباعة جنيهات إسترلينية مزيفة بدعوى استخدامها في حملة سياسية ضد الاستعمار البريطاني. ورغم القبض عليهما وسجنهما، إلا أن محاكمتهما تحولت إلى استعراض للأناقة والتحدي، حيث امتلأت قاعة المحكمة بأصدقائهم الأفارقة المرتدين لأفخر البدلات، في رسالة تحدٍ بصرية للصور النمطية المهينة.

ميلاد الوعي السياسي: من تقديم الالتماسات إلى “الأممية السوداء”

لم يقتصر رد فعل مجتمع الشتات على محاولات النجاة الاقتصادية، بل تبلور تدريجياً وعي سياسي متجذر في التجربة الدياسبورية. في البداية، أسس الأفارقة في عام 1918 رابطة تعاضدية في هامبورغ عُرفت باسم “جمعية الإغاثة الأفريقية” (Afrikanischer Hilfsverein)، هدفت إلى تقديم الدعم المالي والقانوني والاجتماعي للمهاجرين المعزولين.

ومع تصاعد التوتر، انتقلوا من العمل الخيري إلى الاشتباك السياسي المباشر. في عام 1919، قدم مارتن ديبوبي عريضة جريئة ومفصلة من 32 نقطة إلى الجمعية الوطنية في فايمار، مطالباً بحقوق متساوية للأفارقة، وتشريع الزيجات المختلطة دون مضايقات، وتعيين ممثل سياسي دائم “لعرقهم” في البرلمان الألماني. كانت هذه العريضة بمنزلة بيان تأسيسي يطالب بالاعتراف بهم كجزء من النسيج السياسي الألماني المستقبلي.

بحلول أواخر العشرينيات، ومع إغلاق الأبواب أمامهم، اتجه الجيل الشاب نحو الأممية الشيوعية وحركات التحرر الأفرو-أمريكية والفرنكوفونية. يبرز هنا نجم “جوزيف بيلي” (Joseph Bilé)، المهندس الكاميروني الذي تطرف سياسياً، وانضم إلى “عصبة مناهضة الإمبريالية” المدعومة من الشيوعيين في برلين. شارك بيلي في تأسيس فرع برلين لـ “عصبة الدفاع عن العرق الزنجي” (LzVN)، وأصبح وجهاً بارزاً في التجمعات السياسية.

سافر بيلي إلى موسكو للدراسة في “الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق” برفقة شخصيات ستصبح تاريخية مثل الكيني جومو كينياتا. وهناك، خاض نقاشات حادة مع قيادات الكومنترن (الأممية الشيوعية)، متبنياً رؤية دياسبورية شديدة الخصوصية. فعلى عكس الشيوعيين الأوروبيين الذين أرادوا حصر نضال الأفارقة في الصراع الطبقي، صرخ بيلي ورفاقه بأهمية “الوعي العرقي”، مطالبين بفهم خصوصية الاضطهاد العنصري كأداة قمع مستقلة لا تقل خطورة عن الاستغلال الرأسمالي. كما ساهم بيلي لاحقاً في الترويج لقضية “فتية سكوتسبورو” (Scottsboro Boys) الأمريكيين في ألمانيا، رابطاً لأول مرة بين عنف الاستعمار في أفريقيا ووحشية الإعدام التعسفي للسود في الولايات المتحدة، ومؤسساً بذلك لخطاب تضامني عابر للقارات.

تحت ظلال “الصليب المعقوف”: التفكيك الممنهج لشتات برلين

عندما صعد أدولف هتلر إلى السلطة في عام 1933، دخل مجتمع السود في ألمانيا مرحلة “التفكيك” (The Unmaking) التي يحملها عنوان الكتاب. لم يكن النظام النازي بحاجة إلى سن قوانين خاصة بالسود في البداية؛ فالعقيدة العرقية التي صاغها هتلر في كتابه “كفاحي” كانت كفيلة بجعل حياتهم جحيماً. لقد نُظر إلى السود كـ “أدوات لليهود” تهدف إلى تلويث “النقاء العرقي الآري”.

يرسم أيتكين وروزنهافت صورة مؤلمة لهذه الحقبة، حيث لم تكن الإبادة دائماً سريعة أو عبر غرف الغاز كما حدث مع اليهود، بل كانت إبادة بالخنق الاجتماعي والبيولوجي. بدأ الأمر بتجريدهم من سبل العيش؛ فقد فُصل الأفارقة من وظائفهم في المصانع والسكك الحديدية، ومُنعوا من الانضمام إلى “جبهة العمل الألمانية”، مما جعلهم عرضة للجوع والتشرد. وبحلول عام 1935، ومع صدور “قوانين نورمبرغ”، سُحبت الجنسية من أولئك الذين كانوا قد حصلوا عليها، وحُرموا من الحق في الزواج أو إقامة علاقات مع “ذوي الدم الألماني”.

لكن، وفي خضم هذا الرعب، يكشف الكتاب عن مفارقة سريالية عاشها مجتمع الشتات. فقد كان النظام النازي يمتلك طموحات استعمارية لاستعادة الكاميرون وتوغو، ومن أجل الدعاية لهذه الطموحات، احتاجت وزارة الدعاية التي كان يرأسها غوبلز إلى ممثلين سود للمشاركة في “أفلام استعمارية” تصور “عظمة ألمانيا في أفريقيا”. وهكذا، وجد بعض الأفارقة، مثل الممثل “لويس برودي”، أنفسهم في وضع غريب؛ ففي الصباح يمثلون كأبطال أو زعماء قبائل بملابس فاخرة في استوديوهات “يوفا” (UFA)، وفي المساء يعودون إلى بيوتهم وهم يرتعدون خوفاً من دوريات الجستابو. كانت السينما بالنسبة لهم “قفصاً ذهبياً” ووسيلة وحيدة لتأمين لقمة العيش وتجنب الاعتقال الفوري، لكنها لم تكن تحميهم من المصير المأساوي في نهاية المطاف.

الجرح المفتوح: التعقيم القسري ومعسكرات الاعتقال

ينتقل الكتاب إلى واحدة من أكثر صفحات التاريخ الألماني قتامة: برنامج التعقيم القسري. تحت مسمى “منع النسل المريض وراثياً”، استهدفت السلطات النازية الجيل الثاني من “الألمان السود”، وخاصة أولئك المعروفين بـ “أطفال الراين” (أبناء الجنود الأفارقة في جيش الاحتلال الفرنسي والأمهات الألمانيات). يوثق المؤلفان حالات مروعة لمراهقين سود تم اختطافهم من الشوارع أو المدارس واقتيادهم إلى المستشفيات لإجراء عمليات تعقيم قسرية لمنع “تلويث الدم الألماني”.

لم يتوقف الأمر عند التعقيم؛ فمع اندلاع الحرب العالمية الثانية، بدأت ملاحقة الأفارقة بتهم “التجسس” أو “النشاط المعادي للدولة”. ينقب الكتاب في سجلات معسكرات الاعتقال النازية (التركيز) مثل “داخاو” و”بوخنفالد” و”زاكسنهاوزن”، ليجد أسماء أفارقة من مجتمع الشتات الأولي. من بينهم “جوزيف بيلي” الذي اختفى أثره في ظروف غامضة، وآخرون قضوا نحبهم بسبب الجوع والتعذيب والعمل الشاق. كانت هذه المرحلة هي “التحلل النهائي” للروابط الاجتماعية التي بنيت بشق الأنفس خلال عقود؛ فالعائلات تشتتت، والآباء سُجنوا، والأبناء عاشوا في خوف دائم من الترحيل أو القتل.

ما بعد الحطام: صراع الاعتراف والذاكرة المغيبة (1945-1960)

في عام 1945، سقط الرايخ الثالث، لكن بالنسبة للناجين من مجتمع السود، لم تكن “ساعة الصفر” (Stunde Null) بداية لعهد من الإنصاف. يسلط القسم الأخير من الكتاب الضوء على المأساة المضاعفة لهؤلاء الناجين؛ فقد وجدوا أنفسهم في ألمانيا محتلة من قبل قوات الحلفاء التي جلبت معها آلاف الجنود السود (الأمريكيين). وفجأة، طغى الوجود الجديد للجنود الأفارقة-الأمريكيين وأطفالهم (الذين سُموا “أطفال براون”) على تاريخ الوجود القديم للأفارقة الألمان من العصر الاستعماري.

لقد خاض الناجون من الجيل القديم، مثل “ثيودور وونجا مايكل”، معركة مريرة للحصول على تعويضات كضحايا للنازية. لكن البيروقراطية الألمانية في مرحلة ما بعد الحرب رفضت طلباتهم في كثير من الأحيان، بحجة أنهم لم يُضطهدوا لأسباب “سياسية” بل لأسباب “عرقية” لا يشملها القانون آنذاك، أو لأنهم لم يكونوا يحملون الجنسية الألمانية رسمياً.

استمر الكتاب في تتبع هذه الخيوط حتى عام 1960، وهو العام الذي شهد استقلال العديد من الدول الأفريقية، بما في ذلك الكاميرون. هنا، يغلق الكتاب الدائرة؛ فبعض أبناء الشتات الذين ولدوا في برلين ولم يروا أفريقيا قط، قرروا “العودة” إلى أوطان أجدادهم، محملين بخيبات أمل أوروبية وخبرات تقنية ألمانية، ليشاركوا في بناء دولهم المستقلة. أما من بقي في ألمانيا، فقد عاش كـ “شاهد صامت” على تاريخ حاول الجميع نسيانه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى