تحقيقات وتقارير

مؤتمر برلين: تفكيك “هندسة الوصاية” ومخاطر تذويب الدولة السودانية

ينعقد مؤتمر برلين في 15 أبريل 2026 برعاية وتمويل مباشر من قوى دولية وإقليمية كبرى تشمل: ألمانيا، الاتحاد الأوروبي، فرنسا، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة، بالإضافة إلى الاتحاد الأفريقي. هذا التحالف الذي يوصف بـ “الرعاة الدوليين” يسعى لفرض مسار تراكمي يربط مخرجات برلين بمؤتمرات باريس ولندن السابقة.  

أولاً: التحديات والمخاطر الاستراتيجية

تجمع الأوراق التحليلية على أن الخطر الحقيقي لا يكمن في “اللغة الدبلوماسية” للمؤتمر، بل في “هندسته السياسية” التي قد تؤدي إلى النتائج الآتية:

• نزع الصفة السيادية عن الدولة: يواجه السودان خطر تحويله من “دولة ذات سيادة” تواجه تمردًا مسلحًا، إلى مجرد “ملعب سياسي” يتكون من أطراف متساوية في المكانة (الدولة مقابل المليشيا) تحت مسمى “أصحاب المصلحة”.  

• إنتاج “شرعيات موازية”: يسعى المؤتمر عبر “الشق السياسي والمدني” إلى إنتاج واجهة تمثيلية منتقاة بعناية، ومنحها “صك اعتراف” دولي لتتحدث باسم “الصوت السوداني”، مما يهمش مؤسسات الدولة الرسمية.  

• خطر “الوصاية الناعمة”: تستخدم مسودة المؤتمر شعارات مثل “الملكية السودانية” كغطاء لإدارة العملية السياسية بالكامل من الخارج عبر “الخماسية الدولية” (الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، إيغاد، الاتحاد الأوروبي، جامعة الدول العربية).  

• المساواة الأخلاقية والسياسية: يبرز خطر “التبسيط المدروس” الذي يساوي بين الجيش الوطني والمليشيا في المسؤولية والذنب، مما يمهد لفرض ترتيبات “اليوم التالي” من قبل القوى الخارجية فوق رؤوس الجميع.  

• غموض الالتزامات الدولية: أظهرت تجربة مؤتمر لندن أن البيانات العامة حول السيادة ووحدة السودان تفتقر إلى إرادة سياسية قاطعة أو آليات ملزمة لوقف التمويل والتسليح الخارجي للمليشيا.  

ثانياً: الجهات المنظمة وآليات التحكم

يكشف برنامج المؤتمر عن آليات فرز وانتقاء دقيقة تُديرها الجهات الممولة والمنظمة:

• الخماسية الدولية (Quintet): تتولى استضافة وإدارة الشق السياسي والمدني، وتتحكم في صياغة المدخلات وتوحيدها.  

• آلية الاختيار: يتم توزيع مسودة “نداء مشترك” على فئات مختارة من السياسيين والمجتمع المدني، ثم يتم انتقاء 10 ممثلين فقط للقاء الوزراء الرؤساء المشاركين، مما يجعل من هؤلاء العشرة “طبقة ناطقة جديدة” مفروضة دولياً.  

• التوقيت المشبوه: تزامنت ضغوط الممولين مع مقالات ترويجية (مثل مقال “مو إبراهيم” في فايننشال تايمز) تهدف لتحفيز الغرب للتدخل عبر لغة “الخطر على أوروبا” بدلاً من لغة “حق السيادة السودانية”.  

ثالثاً: توصيات لمواجهة التداعيات

لمحاصرة أثر المؤتمر ومنع تحويل مخرجاته إلى مرجعية دولية، توصي الأوراق بضرورة:

• نزع القيمة المرجعية: مطالبة الجهات الدولية رسمياً بالتأكيد كتابةً أن ما صدر عن برلين لا يشكل بديلاً عن المؤسسات الوطنية السودانية.  

• المواجهة بالنصوص: إعداد ورقة “تفكيك مقارنة” تفضح التناقض بين شعار “الملكية الوطنية” وآليات “الوصاية” الفعلية التي تضمنها برنامج المؤتمر.  

• فرض السيادة كقاعدة تنظيمية: إبلاغ الممولين والمنظمين صراحةً بأنه لا يُعتد بأي مسار يُبنى على تجاوز الحكومة السودانية أو تحييدها.  

الخلاصة: إن مؤتمر برلين هو “اختبار تعريف”؛ حيث يسعى الممولون لإدارة الأزمة كملف إنساني يبرر التدخل السياسي، بينما يجب على السودان التمسك بتعريفها كحرب دفاع عن الدولة ضد تمرد مدعوم خارجياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى