أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

“ما هي الشعبوية؟”

تشريح الوهم السياسي

في حقبة تتسم بتحولات جيوسياسية عميقة وتغيرات هيكلية في بنية النظام الدولي، تتجه الأنظار غالباً نحو التهديدات الخارجية التي قد تعصف باستقرار الدول وتوازن القوى. لكن المفارقة التي يطرحها العصر الحالي هي أن الخطر الأكبر الذي يهدد الديمقراطيات المعاصرة لا ينبع من أيديولوجيات شمولية خارجية تسعى لتقويضها، بل ينبع من داخلها. هنا يتدخل المفكر وعالم السياسة جان-فيرنر مولر عبر كتابه بالغ الأهمية “ما هو الشعبوية؟” ليقدم تشريحاً دقيقاً لظاهرة باتت تمثل “شبحاً يطوف بالعالم”.

يقدم هذا الكتاب، الصادر عن مطبعة جامعة بنسلفانيا ، إطاراً نظرياً صارماً لتفكيك مصطلح استُهلك حتى بات أشبه بوعاء فارغ يُلقى فيه كل ما لا يروق للنخب السياسية. إن فهم الشعبوية، كما يطرحها مولر، ليس مجرد ترف أكاديمي، بل هو ضرورة حتمية لإدراك طبيعة الصراعات السياسية التي تعيد تشكيل مفاهيم السيادة والتمثيل السياسي في عالمنا المعاصر.

فوضى المفاهيم: هل الجميع شعبويون؟

تبدأ الإشكالية الكبرى من فوضى الاستخدام الاصطلاحي؛ ففي الحملات الانتخابية والخطاب الإعلامي، يتم إلصاق تهمة “الشعبوية” بكل حركة تمرد سياسي أو تيار مناهض للمؤسسات التقليدية. لقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها مصطلح “الشعبوية” يُستخدم كمرادف للغضب والإحباط الذي يعتري الناخبين ، دون النظر إلى المحتوى الفكري أو السياسي الفعلي.

يستدعي مولر في هذا السياق مؤتمراً تاريخياً عُقد في كلية لندن للاقتصاد عام 1967، والذي جُمع فيه حشد من الأكاديميين بهدف صياغة تعريف موحد للشعبوية. كانت النتيجة اللافتة هي فشل المشاركين في التوصل إلى أي اتفاق حول ماهية هذا المفهوم. واليوم، يتكرر المشهد ذاته؛ إذ نرى المعلقين السياسيين يطلقون وصف “الشعبوي” على أقطاب اليمين المتطرف مثل مارين لوبان في فرنسا وخيرت فيلدرز في هولندا ، وبالتزامن يطلقونه على حركات اليسار الراديكالي مثل “سيريزا” في اليونان و”بوديموس” في إسبانيا. بل إن التسطيح المفاهيمي وصل إلى حد مساواة خطاب دونالد ترامب بخطاب بيرني ساندرز تحت المظلة نفسها، باعتبارهما مجرد أصوات متمردة مناهضة للمؤسسة الحاكمة.

يطرح هذا الخلط سؤالاً جوهرياً يتحدى قدرتنا على التمييز السياسي: هل الشعبوي ببساطة هو أي سياسي ناجح لا نروق له؟. أم أن استخدام النخب لهذا المصطلح بات في حد ذاته ممارسة شعبوية تهدف إلى إقصاء الخصوم؟.

المأزق المنهجي: الطرق المسدودة في فهم الظاهرة

قبل أن يشرع مولر في وضع تعريفه الخاص، يقوم بتفكيك ثلاثة مناهج تقليدية أثبتت عقمها في فهم الشعبوية:

  • المنظور السيكولوجي (الاعتماد على سيكولوجيا الجماهير): يرفض مولر التفسيرات التي تختزل الشعبوية في كونها نتاجاً لـ “الغضب” أو “الإحباط” أو “الاستياء”. إن اختزال مواقف ملايين الناخبين في تشخيصات نفسية – وكأنهم مرضى يحتاجون إلى مصحة سياسية – ليس مجرد استعلاء نخبوي، بل هو تجاهل أعمى لحقيقة أن هذا الغضب غالباً ما يستند إلى أسباب وتبريرات عقلانية يمكن للمواطنين التعبير عنها. هذه النظرة الأبوية تكرر، ويا للمفارقة، نفس الإيماءات الإقصائية لبعض مفكري القرن التاسع عشر الذين رفضوا توسيع حق الاقتراع بحجة أن الجماهير “عاطفية جداً”.

  • المنظور السوسيولوجي (حتمية الطبقة): يفند مولر الرأي القائل بأن الشعبوية هي حكر على طبقات بعينها، مثل البرجوازية الصغيرة أو العمال الأقل تعليماً. فالدراسات الاستقصائية تظهر أن الدعم للأحزاب الشعبوية لا يرتبط دائماً بالوضع الاجتماعي والاقتصادي الشخصي للناخب، بل ينبع أحياناً من تقييم أعمق لحالة التراجع القومي أو الخطر الذي يهدد هوية الدولة. بل إن هناك مواطنين ناجحين اقتصادياً يدعمون اليمين الشعبوي بناءً على مواقف داروينية اجتماعية.

  • معيار تقييم السياسات (مسطرة العقلانية): يخطئ الكثيرون حين يعتبرون أن السياسات “غير المسؤولة” أو التبسيطية هي المؤشر الحصري للشعبوية. فرغم أن بعض القادة، مثل نيكولاس مادورو في فنزويلا، قد تبنوا سياسات كارثية اقتصادياً ، إلا أن تقسيم الساحة السياسية إلى سياسات “مسؤولة” وأخرى “غير مسؤولة” يتجاهل حقيقة أن هذه التقييمات تعتمد في النهاية على القيم الأساسية التي يتبناها المجتمع.

الجوهر النظري: التمثيل الحصري والأخلاق الإقصائية

بعد إغلاق هذه المسارات المضللة، يضع مولر يده على الجوهر الحقيقي للشعبوية. يجادل الكتاب بأن الشعبوية ليست عقيدة مقننة، بل هي “خيال أخلاقي” محدد للسياسة. هي طريقة لإدراك العالم السياسي تضع شعباً خيالياً، نقياً ومتجانساً أخلاقياً، في مواجهة نخب تُعتبر فاسدة أو أدنى أخلاقياً.

ولكن مناهضة النخب وحدها لا تصنع شعبوياً؛ فمعارضة الوضع الراهن هي حق مشروع في أي ديمقراطية. الشرط الحاسم الذي يضعه مولر هو “مناهضة التعددية” (Anti-pluralism).

الشعبويون، حصراً، هم من يدّعون أنهم، وهم فقط، يمثلون الشعب الحقيقي. يعبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن هذا المنطق بأوضح صوره حين صرخ في وجه معارضيه: “نحن الشعب.. فمن أنتم؟”. هذا الادعاء لا يستند إلى تمثيل تجريبي أو إحصائي، بل هو ادعاء ذو طبيعة أخلاقية محضة. الشعبوي لا يقول، كما فعلت حركات مثل “احتلوا وول ستريت”، “نحن الـ 99 بالمائة” ، بل يقول ضمناً وعلانية: “نحن الـ 100 بالمائة”.

وماذا عن بقية المواطنين الذين لا يتفقون معهم؟ هنا تكمن الخطورة البالغة: في المنطق الشعبوي، أي بقية باقية أو أقلية معارضة يتم إسقاط شرعيتها فوراً، وتُصنف على أنها كيان غير أخلاقي، وبالتالي فهي لا تشكل جزءاً من الشعب “الحقيقي” أساساً. ولهذا السبب، يتفق مولر مع الفيلسوف يورغن هابرماس في قاعدته الذهبية القائلة بأن فكرة الشعب الواحد المتجانس هي مجرد وهم، وأن “الشعب” لا يمكن أن يظهر سياسياً واجتماعياً إلا في صيغة الجمع والتعددية.

الشعبوية إذن هي شكل متطرف من أشكال “سياسات الهوية” الإقصائية. الشعبويون يزعمون قدرتهم على استخراج جوهر “الشعب الأصيل” من إجمالي المواطنين الفعليين، ليتحدثوا باسم هذا الكيان النقي الذي لا يخطئ. هذا الافتراض ينسف أسس الديمقراطية التمثيلية التي تقوم على الاعتراف المتبادل، وتوازن المصالح، والتسليم بوجود تنوع لا يمكن اختزاله في صوت واحد أو زعيم أوحد.

وهم الفشل الحتمي: هل تسقط الشعبوية في امتحان السلطة؟

هناك حكمة تقليدية ومريحة تتردد دائماً في أروقة التحليل السياسي التقليدي، مفادها أن الأحزاب الشعبوية هي في جوهرها حركات احتجاجية، وبطبيعة الحال، لا يمكن للمرء أن يحتج ضد نفسه. بناءً على هذا المنطق، يُفترض أن الشعبويين سيفشلون حتماً بمجرد وصولهم إلى سدة الحكم؛ فالكاريزما ستتبدد في روتين العمل البرلماني واليومي، والسياسات التبسيطية ستصطدم بتعقيدات الواقع الاقتصادي والبيروقراطي، وبمجرد أن يصبحوا هم “النخبة” الحاكمة، سيفقدون مبرر وجودهم المتمثل في “مناهضة النخب”.

يصف جان-فيرنر مولر هذا الافتراض بأنه “وهم مريح ولكنه خطير”. فالشعبويون يستطيعون الحكم، والأهم من ذلك، أنهم يحكمون كشعبويين. إن إخفاقاتهم الإدارية أو الاقتصادية لا تؤدي بالضرورة إلى إسقاطهم، إذ يمتلكون قدرة فائقة على إعادة تدوير الأزمات. أي إخفاق يُنسب فوراً إلى “النخب الخفية” أو قوى الدولة العميقة أو المؤامرات الخارجية التي تحاول تخريب الإرادة الشعبية. وهكذا، يستمر الحاكم الشعبوي، حتى وهو في قمة السلطة، في لعب دور “الضحية” والمتمرد. لقد جسّد هوغو تشافيز هذا النموذج ببراعة، فكلما تعثرت “ثورته البوليفارية”، كان يشير بأصابع الاتهام إلى الأوليغارشية القديمة أو إلى الإمبريالية الأمريكية. الأزمة، في العقل الشعبوي، ليست حالة موضوعية تحتاج إلى حلحلة، بل هي “أداء مسرحي” مستمر وحالة حصار دائمة تُبرر المزيد من تركيز السلطة.

ثلاثية الهيمنة: كيف تُدار آلة الحكم الشعبوية؟

لا يكتفي الشعبويون بالخطابات الرنانة؛ فعندما يمسكون بمقاليد الأمور، يطبقون تقنيات محددة تتسق تماماً مع ادعائهم الأخلاقي بأنهم الممثلون الحصريون للشعب. يحدد مولر ثلاث تقنيات أساسية ومترابطة للحكم الشعبوي:

  • أولاً: استعمار الدولة (اختطاف الأجهزة المؤسسية): بمجرد وصولهم إلى السلطة، يسعى الشعبويون إلى تفكيك الخط الفاصل بين الحزب والدولة. ما يعتبره الديمقراطيون بيروقراطية محايدة وخدمة مدنية مستقلة، يراه الشعبويون عائقاً أمام تنفيذ “الإرادة الشعبية الأصيلة”. في المجر وبولندا، على سبيل المثال، كانت أولى تحركات حزبي “فيدس” (Fidesz) و”القانون والعدالة” (PiS) هي تطهير الخدمة المدنية، والسيطرة على وسائل الإعلام الرسمية، وتحييد السلطة القضائية أو شل حركتها. التبرير الأخلاقي هنا جاهز دائماً: لماذا يجب أن تقف هذه المؤسسات المحايدة عقبة أمام الشعب الذي استعاد أخيراً دولته عبر ممثليه الحقيقيين؟

  • ثانياً: الزبائنية الجماعية والقانونية التمييزية: تقوم الأنظمة الشعبوية على تبادل المنح المادية والوظائف مقابل الدعم السياسي المستمر، وهو ما يُعرف بالزبائنية. لكن اللافت هنا، كما يشير مولر، هو أن الشعبويين يفعلون ذلك في العلن وبضمير أخلاقي مرتاح. بما أن مؤيديهم هم وحدهم “الشعب الحقيقي”، فهم وحدهم من يستحقون رعاية الدولة ومواردها. وفي المقابل، تُمارس ضدهم ما يُعرف بـ “القانونية التمييزية”؛ فالقانون يُطبق بصرامة بل وبقسوة على المعارضين والأقليات، بينما يُطوى أو يُتجاهل عندما يتعلق الأمر بالحلفاء. هذا يفسر لماذا لا تتأثر شعبية القادة الشعبويين عادةً بفضائح الفساد المالي؛ فالجماهير ترى أن هذا “الفساد” يُدار لصالح “نحن” (الشعب الأصيل) وليس لصالح “هم” (النخب الفاسدة أو الأعداء).

  • ثالثاً: القمع الممنهج للمجتمع المدني: يشكل المجتمع المدني المستقل، وخاصة المنظمات غير الحكومية، تهديداً وجودياً ورمزياً لادعاء الشعبويين بأنهم الممثل الوحيد للشعب. المعارضة القادمة من داخل المجتمع المدني تنسف أسطورة “الشعب المتجانس الواحد”. لذا، يعمد الشعبويون، كما رأينا في سياسات فلاديمير بوتين وفيكتور أوربان، إلى شيطنة هذه المنظمات، وتصويرها كعملاء ممولين من الخارج، و”أعداء للوطن”. عبر هذا القمع، يخلق الشعبويون، فعلياً على الأرض، ذلك الشعب السلبي والمتجانس الذي كانوا يتحدثون باسمه منذ البداية.

فخ “الديمقراطية غير الليبرالية”

من أهم المساهمات النقدية في هذا الكتاب هو الهجوم الصارم الذي يشنه مولر على مصطلح “الديمقراطية غير الليبرالية” (Illiberal Democracy)، والذي روّج له الكاتب فريد زكريا في التسعينيات وبات شائعاً في التحليلات الغربية.

يرى مولر أن استخدام هذا المصطلح هو خطأ فادح؛ فهو يقدم هدية مجانية للقادة الشعبويين. عندما يعلن فيكتور أوربان بفخر أنه يبني “دولة غير ليبرالية”، فإنه يستغل الكراهية المتنامية لمفهوم “الليبرالية” (التي ارتبطت في الأذهان بالرأسمالية المتوحشة والأسواق غير المنضبطة)، ليحتفظ في الوقت نفسه بلقب “الديمقراطية” المرموق.

يؤكد مولر أنه لا يمكن فصل الحقوق السياسية الأساسية، مثل حرية التعبير والتجمع وحرية الصحافة وحماية الأقليات، عن الديمقراطية بحجة أنها مجرد إضافات “ليبرالية”. هذه الحقوق هي الأسس التي تجعل التنافس الديمقراطي ممكناً. ضرب هذه الأسس ليس مجرد تراجع عن الليبرالية، بل هو تشويه وتدمير لجوهر الديمقراطية ذاتها. الأنظمة الشعبوية التي تقوض سيادة القانون وتلغي التعددية هي ببساطة ديمقراطيات معيبة أو مشاريع استبدادية في طور التكوين، ويجب تسميتها بأسمائها الحقيقية دون الاختباء خلف مصطلحات مخففة.

دساتير شعبوية: التناقض الظاهري

قد يبدو من التناقض أن نتحدث عن “دستور شعبوي”؛ فالدساتير، في جوهرها، صُممت لكبح إرادة الأغلبية، ووضع ضوابط وتوازنات، وحماية الأقليات. فكيف يمكن لحركة تدعي تمثيل الإرادة الشعبية المطلقة أن تخضع لدستور؟

يصحح مولر هذا المفهوم الخاطئ، مبيناً أن الشعبويين ليسوا أعداء للمؤسسات أو الدساتير في المطلق؛ هم فقط أعداء للمؤسسات التي لا تسيطر عليها أدواتهم، والدساتير التي لا تعكس أيديولوجيتهم. عندما يصلون إلى السلطة وبأيديهم أغلبية كافية، يُسارعون إلى صياغة دساتير جديدة، أو تعديل الدساتير القائمة جذرياً، ليس بهدف توسيع المشاركة الديمقراطية الحرة، بل لـ “دسترة” هيمنتهم.

الدستور الشعبوي (كما حدث في المجر أو فنزويلا) هو “دستور إقصائي وحزبي”. إنه مصمم خصيصاً لتخليد رؤيتهم المحددة للمجتمع، وتقييد أي حكومة معارضة قد تأتي في المستقبل. من خلال تعيين قضاة موالين لفترات طويلة جداً، وتغيير قوانين الانتخابات لتناسبهم، يخلق الشعبويون دساتير تعمل كأدوات للهيمنة بدلاً من أن تكون أطراً للتوافق والتعددية. إنهم يغلقون ساحة اللعب الديمقراطي، ويحولون القواعد الحاكمة إلى سلاح موجه نحو صدور خصومهم.

وعود الديمقراطية المنكوصة: كيف صنعنا هذا الوحش؟

لعل السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يطرح نفسه بعد استيعاب الخطورة الكامنة في البنية الشعبوية هو: لماذا إذن ينجذب الملايين طواعية نحو هؤلاء القادة؟ هل يعاني نصف الكوكب فجأة من ميول استبدادية؟

يأخذنا جان-فيرنر مولر في هذا الجزء من كتابه بعيداً عن التفسيرات السطحية، ليغوص في سوسيولوجيا المعرفة السياسية وتاريخ الأفكار، مجادلاً بأن جاذبية الشعبوية تتغذى بشكل أساسي على ما أسماه المنظر الديمقراطي الإيطالي نوربيرتو بوبيو بـ “وعود الديمقراطية المنكوصة”. هناك ما يمكن تسميته بـ “النظرية الشعبية للديمقراطية” (folk theory of democracy)، والتي تتأسس على فكرة بديهية وجذابة مفادها أن “الشعب قادر على أن يحكم نفسه بنفسه”.

تكمن المأساة في أن الديمقراطيات التمثيلية المعاصرة، المثقلة بتعقيدات العولمة، وهيمنة رأس المال المالي، وتداخل المؤسسات فوق القومية، باتت عاجزة عن الوفاء بهذا الوعد. لقد تآكلت “الديمقراطية الحزبية” التي كانت تلعب دور الوسيط بين المجتمع التعددي والنظام السياسي. الأحزاب التقليدية، التي كانت تمثل مصالح واضحة (عمال، محافظين، مسيحيين ديمقراطيين)، تماهت في وسط سياسي باهت، ما خلق شعوراً بالاغتراب لدى قطاعات واسعة من المواطنين الذين لم يعودوا يجدون من يمثل مصالحهم الاقتصادية أو هويتهم الثقافية.

هنا يتدخل الشعبوي متحدثاً وكأن هذه الوعود المثالية يمكن تحقيقها على أرض الواقع. إنه يتحدث وكأن الشعب يمتلك إرادة واحدة، وحكماً واحداً، وتفويضاً حتمياً لا لبس فيه. الشعبوية تقدم حلاً سحرياً وهمياً لأزمة التمثيل السياسي، مقترحة إزالة “الوسطاء” (الأحزاب، البرلمانات المعقدة، الصحافة التقليدية) لخلق تمثيل مباشر بين القائد والكتلة المتجانسة.

التكنوقراط والشعبوية: وجهان لعملة واحدة

يقدم مولر التفاتة تحليلية بالغة الذكاء، خاصة عند مقاربته للسياق الأوروبي المعاصر وتداعيات الأزمات الاقتصادية. يجادل الكتاب بأن صعود الشعبوية لا يمكن فهمه بمعزل عن صعود نقيضها الظاهري: “التكنوقراطية” (حكم الخبراء).

في مفارقة عجيبة، يعكس التكنوقراط والشعبويون بعضهما البعض كمرآة مشوهة. فالتكنوقراطية (التي تجلت بوضوح في طريقة إدارة أزمة اليورو) تدّعي أنه “لا يوجد سوى حل سياسي وعقلاني واحد صحيح” للمشاكل الاقتصادية، مستبعدة بذلك أي مساحة للنقاش الديمقراطي التعددي. في المقابل، تدعي الشعبوية أنه “لا توجد سوى إرادة شعبية أصلية واحدة”، مستبعدة بدورها أي معارضة أو تعددية.

كلاهما، التكنوقراط والشعبوي، كائنان “غير سياسيين” بالمعنى العميق للكلمة؛ فهما يرفضان مبدأ التداول والنقاش العقلاني والمساومة الديمقراطية. الأول يستبدل السياسة بلغة الأرقام والضرورات الحتمية، والثاني يستبدلها بلغة الهوية الصارمة والجوهر الأخلاقي الذي لا يُمس. وبذلك، يمهد التكنوقراطي الطريق للشعبوي، لأن إفراغ الديمقراطية من محتواها التداولي يترك الساحة فارغة لمن يصرخ بأعلى صوت مدعياً امتلاك الحقيقة المطلقة.

بين كارل شميت ويورغن هابرماس: المعركة الفلسفية حول “الشعب”

تصل أطروحة مولر إلى ذروتها عند تفكيك مفهوم “الشعب”. يستدعي مولر شبح المنظر القانوني الألماني كارل شميت، الذي عبّد الطريق فكرياً للأنظمة الشمولية في العشرينيات والثلاثينيات. كان شميت يرى أن البرلمانات الديمقراطية مجرد واجهة زائفة، وأن الإرادة الشعبية الحقيقية يمكن التعبير عنها بشكل أفضل من خلال “الهتاف” (Acclamation) لقائد يجسد هوية الشعب المتجانسة، مفضلاً ذلك على جهاز الإحصاء المعقد لفرز بطاقات الاقتراع السرية.

هذا التقسيم المفاهيمي الخبيث الذي صاغه شميت – بين “جوهر الشعب” كنتيجة للهوية، وبين “نتائج الانتخابات” كعملية إجرائية – هو الضبط الذي يستخدمه الشعبويون اليوم. عندما يخسر الشعبوي الانتخابات، فإنه لا يعترف بالهزيمة، بل يدعي أن النظام فاسد وأن “الأغلبية الصامتة” لم تُسمع بعد.

في مواجهة هذا المفهوم الخطير، يتبنى مولر بوضوح الأطروحة المضادة التي صاغها الفيلسوف يورغن هابرماس، والتي تشكل حجر الزاوية للديمقراطية التواصلية والعقلانية. يؤكد هابرماس أن “الشعب لا يمكن أن يظهر إلا في صيغة الجمع” (in the plural). التعددية هنا ليست مجرد واقع سوسيولوجي يجب التسامح معه، بل هي التزام أخلاقي بالسعي لإيجاد شروط عادلة للعيش المشترك في فضاء سياسي واحد مع آخرين نحترمهم كمواطنين أحرار ومتساوين، حتى مع اختلافاتهم الجذرية.

ما العمل؟ استراتيجيات المواجهة بلا إقصاء

كيف يمكن للديمقراطيات الليبرالية أن تدافع عن نفسها أمام هذا التحدي الذي ينخر عظامها من الداخل؟

يحذرنا مولر من الوقوع في فخ “الطوق الصحي” (Cordon sanitaire)؛ أي مقاطعة الشعبويين تماماً ورفض النقاش معهم أو إقصائهم من الفضاء العام. إن إقصاء الشعبويين يؤدي ببساطة إلى تأكيد سرديتهم الأساسية بأن “النخب المتواطئة (الكارتل) تقمع صوت الشعب الحقيقي”. علاوة على ذلك، كيف يمكن لنا أن ننتقد الشعبويين لكونهم إقصائيين، ثم نقوم نحن بإقصائهم؟ ألا يقلل ذلك من التعددية التي ندعي الدفاع عنها؟.

الحل، كما يطرحه الكاتب، يكمن في قاعدة ذهبية: “الحديث مع الشعبويين لا يعني الحديث مثلهم”. يجب على السياسيين الديمقراطيين والإعلام المستقل الانخراط مع الادعاءات الشعبوية ومواجهتها بالحجج والأدلة، دون الانجرار إلى قبول الطريقة التي يؤطرون بها المشاكل. إذا أثار الشعبويون قضايا حقيقية مثل التفاوت الاقتصادي أو أزمات الهجرة، فيجب مناقشة هذه القضايا بجدية، ولكن مع رفض الإطار الأخلاقي الإقصائي الذي يطرحه الشعبوي كحل.

يجب تفكيك خطابهم عبر إظهار أن سياساتهم (مثل الفساد الزبائني والاعتداء على سيادة القانون) ستضر في النهاية بالشعب كله. والأهم من ذلك، يجب التوقف عن تشخيص الناخبين الشعبويين كمرضى تحركهم مشاعر “الغضب والإحباط” فقط، بل يجب التعامل معهم كمواطنين أحرار لديهم مظالم ومخاوف قابلة للنقاش العقلاني والتفاوض السياسي.

يختتم مولر بالقول الديمقراطية الحقيقية تعاني من “أزمة تمثيل دائمة”، وهذا ليس عيباً فيها، بل هو محركها الأساسي. إنها الساحة التي تسمح دائماً للفئات المهمشة بالظهور والقول: “نحن أيضاً جزء من الشعب” ، في سلسلة مستمرة من المطالبات بالشمول الديمقراطي. الخطر الأكبر للشعبوية يكمن في أنها تسعى لكسر هذه السلسلة، فارضةً “إغلاقاً نهائياً” ومحتكرةً تعريف من يستحق الحياة داخل المشهد السياسي.

?What Is populism

Jan-Werner Müller

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى