أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

حكايات العطش والأوبئة في مخيمات النيل الأزرق

زلزال النزوح وصدمة الجغرافيا.. قراءة في سياق الكارثة والمجال الحيوي

يقدم التقرير الميداني الصادر عن قطاع المياه والإزميل والإصحاح البيئي (WASH Cluster) برعاية منظمة اليونيسف والشركاء المحليين والدوليين، الصادر في يونيو 2026، وثيقة إنسانية وعلمية متكاملة توصّف أبعاد إحدى أعنف الأزمات المركبة التي شهدها إقليم النيل الأزرق بالسودان عقب تصاعد النزاع المسلح مع مطالع عام 2026. هذا التقرير، الذي يستند إلى مسح ميداني شامل شمل أكثر من 1337 أسرة تقطن في مجمع مخيمات «الكرمة» وما حولها، يزيح الستار عن واقع مأساوي يتجاوز مجرد الأرقام المجردة ليلامس حد الكارثة وجودياً؛ حيث تحولت أزمة قطاع المياه والإصحاح البيئي من مجرد نقص في الإمدادات الخدمية إلى مهدد مباشر لحياة أكثر من 170 ألف نازح.

إن الاستعراض التحليلي لسياق هذا التقرير يكشف عن تحول دراماتيكي في الخريطة الديموغرافية للنازحين في ولاية النيل الأزرق؛ فمنذ اندلاع المواجهات المسلحة في يناير 2026 في محليات «باو» و«قيسان» و«الكرمك»، اندفعت موجات جارفة من السكان الفارّين من وطأة الاقتتال باتجاه محليتي الدمازين والروصيرص. وبحسب بيانات مصفوفة تتبع النازحين (IOM DTM)، تراكمت أعداد النازحين لتصل بحلول مايو 2026 إلى عشرات الآلاف، استقر الغالبية العظمى منهم (نحو 72%) في تجمعات ومخيمات عشوائية، بينما توزعت النسب المتبقية بين المدارس، والمباني الحكومية غير المكتملة، أو الاستضافة لدى أسر محلية تفتقر هي الأخرى لأدنى مقومات الصمود.

تتوزع هذه الكتلة البشرية الهائلة على تسعة مخيمات رئيسية تُعرف بمخيمات «الكرمة» (من الكرمة 1 إلى الكرمة 9)، بالإضافة إلى خمسة مواقع وتجمعات فرعية صغيرة في محليتي باو والروصيرص مثل مخيمات «الفاروق»، «حفصة»، ونقاط تجمع «المختار» و«الشيخ يوسف». وتظهر القراءة التحليلية للهرم السكاني داخل هذه المخيمات أن الأزمة تصيب بالفئات الأكثر هشاشة في المجتمع؛ إذ إن 60% من قاطني هذه المخيمات هم من الأطفال دون سن الثامنة عشرة، من بينهم 23% أطفال دون سن الخامسة. علاوة على ذلك، تُدار 57% من الأسر بواسطة عائل واحد (أسر أحادية المعيل)، في حين تضم 46% من الأسر نساءً حوامل أو مرضعات، و14% من الأسر لديها أفراد يسجلون حالات سوء تغذية حاد ومدرجون في برامج العلاج التغذوي.

تكمن الخطورة الكبرى المقترنة بهذه الأرقام الديموغرافية في التقاطع الخطر بين شح الخدمات البيئية والمخاطر الموسمية والصحية؛ فالنيل الأزرق يقع ضمن نطاق مطري مرتفع تشهد فيه المنطقة موسماً مطرياً غزافاً يمتد من يونيو إلى أكتوبر. وتحول الأراضي الهشة والمخيمات المكتظة، التي تفتقر إلى شبكات تصريف المياه والإصحاح الأساسي، إلى المستنقعات المائية والفيضانات السيليّة كفيلٌ بنقل الفضلات والمخلفات البشرية إلى مصادر المياه السطحية والجوفية على حد سواء. هذا التدهور البيئي الشامل أوجد بيئة خصبة لانتشار الأمراض المنقولة بالمياه، وفي مقدمتها التهاب الكبد الفيروسي من الطراز (E) – الذي تحول الإقليم إلى بؤرة ساخنة له برصد مئات الحالات منذ مارس 2026 – إلى جانب التهديدات المتواصلة بتبشير موجات متجددة من الكوليرا والإسهالات المائية الحادة.

تزداد الأزمة تعقيداً بالنظر إلى النهج المنهجي الذي اعتمد عليه هذا التقييم الشامل؛ إذ لم يكتفِ التقرير بالملاحظات العابرة، بل زاوج بين مسح ميداني دقيق عالي التمثيل للأسر الأحد عشر ألفاً المتواجدة في هذه المخيمات، وبين التقييم التقني المباشر لـ 69 منشأة مياه عمومية، والمقابلات مع كبار المخبرين، والتقييم المعياري الممتد عبر استشارات الخبراء. وإن كانت هناك ثغرات لوجستية أشار إليها التقرير بشفافية – مثل اختلال تسجيل إحداثيات المواقع الجغرافية (GPS) للبعض وتغير الطبيعة الديناميكية للنزوح – فإن هذا التقييم يظل الوثيقة الأهم والأشمل لتوصيف الانهيار الوشيك للأنظمة الحيوية لوجه من وجوه السودان المضطرب.

إن البناء المفهومي للتقرير يضعنا أمام لوحة مشبعة بالهشاشة؛ حيث الانهيار الاقتصادي، وارتفاع أسعار الوقود، وانقطاع سلاسل الإمداد، تتضافر جميعاً لتعطل قدرة المساعدات الإنسانية التقليدية على الصمود. فالنازحون ليسوا فقط محاصرين بتبعات الاقتتال والنزوح، بل هم أمام بيئة طبيعية وقاسية تتضافر فيها الفيضانات الموسمية مع شح المياه الجوفية في أواخر الصيف، مما يجعل كل قطرة ماء يتقاتل عليها النازحون سبباً محتملاً للمرض أو للصراع المحلي.

معركة أظماء الأرواح.. واقع مياه الشرب بين الشح والتلوث والمخاطر

حين نغوص في الفصل المخصص لإمدادات المياه داخل تقرير قطاع المياه والإصحاح البيئي لعام 2026، نجد أنفسنا أمام أرقام تحكي قصة عطش معمم يعاني منه الغالبية العظمى من سكان مخيمات «الكرمة». يستعرض التقرير تفاصيل دقيقة تشير إلى أن 68% من أسر المخيمات لا تحصل حتى على الحد الأدنى من المياه في حالات الطوارئ والمحدد بـ 15 لتراً للفرد يومياً، بينما تعيش 49% من الأسر تحت الخط الحرج للبقاء المتمثل في 7.5 لتر للفرد يومياً فقط. وفي المعدل العام، يتلقى الفرد المتوسط في المخيمات نحو 7.7 لتر يومياً، وهو رقم يقل بكثير عن الحدود الإنسانية والأخلاقية المقبولة.

تتفاوت هذه الصورة المأساوية بين المخيمات؛ ففي المخيمات رقم 1 و4 والتجمعات الصغيرة، يصل الحد الأوسط لاستهلاك الفرد إلى أقل من 4 لترات يومياً – وهو ربع الحد الأدنى العالمي للطوارئ! وبينما تنخفض درجة الأزمة نسبياً في مخيم 8 (حيث يصل الاستهلاك إلى 16.7 لتر/فرد/يوم) ومخيم 5 (11.9 لتر/فرد/يوم)، تظل الصورة العامة محكومة بشح هائل يعاني منه الواصلون الجدد بشكل أشد قسوة؛ إذ يحصل النازحون الجدد الذين وصلوا خلال الثلاثين يوماً التي سبقت المسح على متوسط مياه لا يتجاوز 3.1 لتر للفرد يومياً، مما يدل على أن خدمات المياه لا تتوسع بالسرعة المطلوبة لاستيعاب التدفقات البشرية الجديدة.

أما على سلم منظمة الصحة العالمية واليونيسف المشترك (JMP) لتصنيف خدمات المياه، فإن 67% من الأسر تقع في خانة «الخدمة الأساسية»، بينما يقع 24% في خانة «الخدمة المحدودة»، ويبقى 7% من الأسر متكلين بالكامل على المياه السطحية المفتوحة كالمجاري والمستنقعات، وهي الفئة الأكثر عرضة للمخاطر الصحية المباشرة. وتبرز المخيمات رقم 3 و5 و8 كأعلى المناطق استهلاكاً للمياه السطحية الملوثة بنسب تتراوح بين 11% و13%.

إن تحليل مصادر المياه المعتمدة يظهر أن 43% من الأسر تعتمد على ساحات المياه (Water Yards)، و25% على الصهاريج والمثانات المائية المزودة بحنفيات، بينما تعتمد 13% على الشبكات الممتدة من هيئة مياه الولاية. غير أن النسبة الأكبر من المخيمات تستعين بمصادر ثانوية للماء لعدم استقرار المصدر الرئيسي؛ إذ يفيد 58% من الأسر بأنهم يعتمدون على مصدر ثانوي للمياه، وعند انهيار المصدر الأول ينكفئ 15% من الأسر مباشرة نحو المياه السطحية المكشوفة. هذا الانقطاع المتكرر أدى إلى أن 80% من الأسر عانت من نقص حاد في المياه لمرة واحدة على الأقل خلال الأرقام المسجلة في الأسابيع الأربعة التي سبقت المسح.

لا تقف الأزمة عند حد الكمية بل تتعداها إلى جودة المياه المتردية بدرجة مرعبة؛ فالفحوصات الميدانية لعينات المياه على مستوى المنازل كشفت أن 69% من العينات لا تحتوي على أي نسبة من الكلور المتبقي الحر (Free Residual Chlorine)، في حين أن 5% فقط من الأسر تمتالك مياه صحية ذات نسبة كلور متبقية تحميها من التلوث أثناء النقل والتخزين. ورغم أن 58% من الأسر لا تعالج مياهها مطلقاً قبل الشرب، فإن التقرير يوضح أن السبب ليس نقص الوعي، بل الغياب التام لمواد المعالجة وحبوب الكلور؛ إذ أكدت غالبية الأسر غير المعالجة للمياه أنها تفتقر إلى المكونات والمواد الأساسية للقيام بذاك.

ولعل البُعد الأكثر إيلاماً في تقرير المياه يتمثل في العبء الجندري الملقى على عاتق النساء والفتيات؛ حيث تقع مسؤولية جلب المياه على النساء البالغات بنسبة 85% وعلى الفتيات (بين 10 إلى 17 سنة) بنسبة 33%، مقابل 9% فقط للرجال البالغين. وتستغرق رحلة جلب المياه أكثر من 30 دقيقة لنحو 41% من الأسر، بينما تقضي 27% من الأسر أكثر من ساعة كاملة في هذه الرحلة المجهدة. وترافق هذه الرحلة مخاطر أمنية جمة؛ حيث أفادت 30% من الأسر بوجود مخاوف أمنية ومخاطر تعرض للتحرش والتهديد والاعتداء اللفظي والفيزيائي، لا سيما في مخيم 3 الذي سجل أعلى معدلات حوادث السلامة والأمان حول نقاط جلب المياه.

يقدم التقرير هنا تشخيصاً تقنياً للبنية التحتية العمومية للمياه، مؤكداً أن ثلثي المنشآت فقط (64%) تعمل بشكل كامل، بينما تعرضت 82% من هذه المنشآت لأضرار أو أعطال خلال الأشهر الستة الماضية. وإن المأزق الأكبر يكمن في أن معظم الشبكات كبيرة الحجم وتخدم مابين 1000 إلى 5000 أسرة لكل منشأة؛ مما يعني أن عطلاً واحداً في مضخة أو خزان كفيل بحرمان آلاف الأسر من الماء دفعة واحدة وإغراق المخيم في عطش كامل.

 جحيم الإصحاح المفقود.. كارثة التغوط في الخلاء والتلوث البيئي الشامل

يمثل فصل الإصحاح والتواليتات في تقرير تقييم احتياجات المياه والإصحاح لعام 2026 البعد الأكثر سواداً وكارثية في المشهد الإنساني لـ «الكرمة»؛ إذ يصنف التقرير هذا القطاع بأنه الأشد تدهوراً على الإطلاق، مع تسجيل أكثر من 90% من السكان ضمن فئتي الظروف «الحادة» و«الحرجة». يتجاوز هذا الوضع القاسي نطاق الأزمة الإنسانية العادية ليشكل انهياراً كاملاً لنظم الوقاية الصحية والكرامة الإنسانية للنازحين.

تظهر أرقام السلم المعياري للإصحاح (JMP) أن 49% من الأسر في كافة المخيمات تمارس التغوط في الخلاء (Open Defecation) بشكل مباشر يومياً، في حين لا تتجاوز نسبة من لديهم إمكانية الوصول إلى مرحاض أساسي غير مشترك 2% فقط! وتعتمد النسبة الباقية إما على مراحيض غير محسنة تفتقر للبلاطات الخرسانية والأغطية (27%)، أو مراحيض مشتركة ومكتظة تنعدم فيها الشروط الصحية (22%). هذا الوضع ينعكس بصورة صادمة على البيئة السكنية المخاطة بالمخيمات؛ حيث أفادت 79% من الأسر بوجود براز بشري مرئي ومكشوف بالقرب من خيامهم ومساكنهم، وأحياناً على مقربة خطيرة من نقاط جلب المياه والآبار المفتوحة.

تتضاعف المأساة عند النظر إلى توزيع هذه الظاهرة جغرفياً؛ ففي مخيم 4 تبلغ نسبة التغوط في الخلاء 82%، وفي مخيم 9 تصل إلى 79%، وفي مخيم 8 تبلغ 75%، وفي مخيم 3 تسجل 60%. وحده مخيم 1 ينخفض فيه معدل التغوط في الخلاء إلى 20%، وإن كان يعاني هو الآخر من اكتظاظ هائل في المراحيض المشتركة. وتتفاقم الكارثة البيئية مع حقيقة أن 59% من الأسر أفادت بأن أطفالها دون سن الخامسة يمارسون التغوط في الخلاء علناً، نتيجة انعدام المراحيض الصديقة للأطفال أو الخوف من سقوطهم في حفر المراحيض غير المكشوفة أو المنهارة.

أما عن المراحيض القائمة، فإن التقرير يوثق حالة غير مسبوقة من الاكتظاظ الضار؛ إذ تتشارك في المتوسط 21 أسرة في استخدام مرحاض واحد! وبحساب متوسط عدد أفراد الأسرة الواحدة (8 أفراد)، فإن هذا يعني أن نحو 160 إلى 170 شخصاً يستخدمون حفرة مرحاض واحدة! هذا الضغط الهائل يؤدي إلى امتلاء الحفر بسرعة قياسية، وانبعاث روائح كريهة، وانتشار الذباب، وتدهور السلامة الإنشائية للمراحيض. تزيد المخيمات مثل مخيم 8 عن هذا الحد بمراحل، حيث تتشارك 42 أسرة (أكثر من 330 شخصاً) في مرحاض واحد!

يتعمق التقرير في المسببات الهيكلية لهذه الكارثة، مشيراً إلى أن 52% من المراحيض المستعملة هي مراحيض عامة مفتوحة للعموم، مما يعني انعدام الشعور بالمسؤولية الفردية عن نظافتها وصيانتها، واحتياجها الدائم لتدخلات التفريغ والشفط وتطهير الحفر من قبل الجهات الإنسانية. علاوة على ذلك، أظهر تقييم المراحيض في المؤسسات العمومية (كالمدارس ونقاط التجمع) أنها تعمل بدورهـا تحت أدنى المستويات الخدمية، حيث تعاني معظمها من امتلاء الحفر، وانعدام وجود مياه للنظافة الشخصية، مما يحول المدارس والمرافق الاستشفائية داخل المخيمات إلى بؤر إضافية لنقل العدوى.

هذا الانهيار البيئي المروع يرتبط ارتقاءً وتناسباً مع المخاطر الأمنية وحماية الفئات المستضعفة؛ إذ تعاني النساء والفتيات من انعدام الخصوصية، والتعرض للمخاطر الأمنية والتحرش عند الاضطرار للذهاب إلى الخلاء ليلًا أو استخدام مراحيض عامة غير مضاءة وغير مفصولة بين الجنسين. وقد عبّرت 30% من الأسر عن مخاوف وشكاوى أمنية مباشرة ترتبط بالوصول إلى مرافق الإصحاح.

تتحول السلسلة الغذائية والمائية في المخيمات، تحت هذه الظروف، إلى ناقل مباشر للجرثوم المعوي؛ فالتداخل الحاد بين براز البشر المفتوح والمياه السطحية، والفيضانات المتوقعة في الخريف، يضع مخيمات «الكرمة» على شفا انفجار وبائي محتوم للكوليرا والتهاب الكبد الفيروسي، ما لم يُدارك الوضع ببرامج بناء وإصحاح عاجلة وموسعة.

 النظافة المستحيلة ووجع الكرامة.. أزمة الصابون وإدارة الطمث لدى النساء

يميط التقرير اللثام في فصلي النظافة الشخصية (Hygiene) وإدارة الطمث (MHM) عن جانب خفيّ من معاناة النازحين في مخيمات «الكرمة»، حيث تتجلى الأزمة كاختبار يقوض الكرامة الإنسانية الأساسية للأفراد. يوضح التقرير أن 82% من السكان يواجهون ظروفاً شديدة أو حتّى حرجة في قطاع النظافة الشخصية، وهو تدهور صريح ناتج عن التفاعل المباشر بين الشح الشديد للمياه وانعدام القدرة المادية على شراء مستلزمات النظافة.

تُظهر البيانات الحصائية أن 80% من الأسر لا تتمكن من تلبية احتياجاتها الأساسية من الصابون، وأن 84% يواجهون صعوبات جمة في الحصول عليه، من بينهم 38% يواجهون عجزاً مطلقاً. هذا النقص الحاد أدى إلى تراجع ممارسات غسل الأيدي بالصابون في الأوقات الحرجة (بعد استخدام المرحاض، قبل تناول الطعام، أو عند إعداد الوجبات للأطفال)؛ حيث تعتمد 74% من الأسر على استراتيجيات تكيّف سلبيّة ومؤذية صحياً، مثل تقليل غسل الأيدي، أو مشاركة قطعة الصابون الواحدة بين عدة أسر، أو الاستعانة بالرماد والرمال كبدائل للصابون! والأدهى من ذلك أن 42% من الأسر أفادت بأنها باتت غير قادرة على التكيف بأي شكل من الأشكال أمام هذا النقص.

أما القوة الشرائية المنهارة للأسر في المخيمات فتتجلى في معطيات الإنفاق؛ حيث يوضح التقرير أن متوسط إنفاق الأسرة المالي على النظافة الشخصية خلال 30 يوماً يتجه نحو الصفر لدى غالبية النازحين، وتعود الأسباب المباشرة لعدم الحصول على الصابون ومواد التنظيف إلى ارتفاع أسعارها في الأسواق المحلية بشكل يقع خارج قدرة النازحين الذين فقدوا سبل عيشهم، إلى جانب نقص التوريدات المباشرة عبر القنوات الإغاثية.

وفي أكثر صفحات التقرير إيلاماً، يتناول التقييم قضية إدارة الصحة والسلامة أثناء الطمث (Menstrual Hygiene Management – MHM) للفتيات والنساء النازحات. يوثق التقرير أن ما بين 65% إلى 70% من النساء والفتيات في المخيمات يفتقرن تماماً إلى المواد الصحية الملائمة لإدارة الدورة الشهرية بأمان وكرامة. وتعاني أكثر من نصف النساء من صعوبات جليّة أو عجز تام في التعامل مع الطمث بطريقة صحية ومستورة.

إن غياب فوط الطمث الصحية المأمونة والمواد اللازمة للنظافة أجبر الفتيات والنساء على اللجوء إلى آليات تكيّف خطيرة على صحتهن التناسلية والنفسية، من بينها إعادة استخدام أقمشة متسخة وغير مغسولة جيداً بنسبة عالية، أو تقليل الفترات الزمنية لتغيير المواد، أو ملازمة الخيام والامتناع عن الحركة والتعليم والتوزيعات الإغاثية طوال فترة الطمث. يضاف إلى ذلك العبء الكبير المتمثل في انعدام مرافق الإصحاح والمراحيض الخاصة والمفصولة التي توفر المياه والخصوصية والإضاءة الكافية، مما يحرم النساء والفتيات من غسل أو التخلص من المواد المستخدمة بأمان وشرف.

تتصل هذه القيود الصحية والجسدية بمخاطر أمنية جندرية صريحة؛ حيث تسجل 24% من الأسر مخاوف أمنية متزايدة أثناء ممارسة أنشطة النظافة والغسيل. وتتعرض النساء والفتيات بشكل خاص لمخاطر التحرش والمضايقات أثناء البحث عن مساحات خاصة للغسيل أو النظافة الشخصية في ظل مخيمات مكتظة ومفتوحة تنعدم فيها سبل الحماية الاجتماعية.

إن هذه المعطيات حول النظافة وإدارة الطمث تؤكد أن الأزمة في مخيمات «الكرمة» تتجاوز البُعد الطبّي المجرد؛ إنها أزمة صمود كرامة، تحرم النساء والأطفال من أبسط حقوقهم الإنسانية، وتضاعف من معدلات الإصابة بالأمراض الجلدية والتهابات الجهاز التناسلي، وتفتح الباب واسعاً أمام تنامي الأزمات النفسية والاجتماعية داخل مجتمعات النازحين.

خارطة الأولويات وصيحة الاستغاثة.. نحو نموذج استجابة متكامل ومستدام

يختتم تقرير تقييم احتياجات المياه والإصحاح البيئي بمخيمات «الكرمة» لعام 2026 بتقديم تحليل مقارن بين المخيمات التسعة والتجمعات الفرعية، يتبعه بوثيقة «نداء للعمل» (Call for Action) تتضمن توصيات عملياتية واستراتيجية بالغة الأهمية لتوجيه المؤسسات الإنسانية والمانحين.

تظهر الموازنة التحليلية بين المخيمات تبايناً في شدة الاحتياجات وإن كانت جميعها تقبع تحت طائلة ظروف «حادة» أو «حرجة»؛ حيث تتصدر المخيمات رقم 3 و4 و8 و9 قائمة المناطق الأكثر بؤساً وحرجاً، لجمعها بين أعلى معدلات التغوط في الخلاء (التي تتجاوز 75% في بعضها)، وأعلى مستويات الشح المائي والضغوط البيئية. بينما يظهر المخيم رقم 2 والمخيم رقم 9 كأكثر المواقع معاناة من انعدام استقرار الإمدادات المائية وطول أوقات الانتظار، في حين يعاني المخيم رقم 1 من اكتظاظ خانق على مرافق الإصحاح المشتركة رغم نسب التغوط في الخلاء المنخفضة فيه نسبياً. أما التجمعات الصغيرة والفرعية فتعاني من هشاشة مضاعفة نتيجة بعد أطرافها وصعوبة وصول القوافل الإغاثية إليها.

وعند سؤال السكان والنازحين عن أولوياتهم المباشرة، جاءت النتائج حاسمة؛ إذ احتلت «زيادة كمية المياه المتاحة» المرتبة الأولى المطلوبة في كافة المخيمات بلا استثناء، متقدمة على جودة المياه أو تقليل التكلفة، مما يؤكد أن القضية الأساسية لدى النازحين هي معركة «بقاء عددي» للترات المياه. وفي مجال الإصحاح، طالبت الأسر ببناء مراحيض جديدة وتوفير خدمات تفريغ الحفر الممتلئة وإنهاء ظاهرة التغوط في الخلاء. بينما انحصرت أولويات النظافة الشخصية في توفير الصابون، وحقائب النظافة، ومواد الطمث للفتيات والنساء.

وفيما يتعلق بأشكال الدعم المفضلة، عبرت الأسر عن تفضيلها للنماذج المدمجة التي تجمع بين الدعم النقدي/القسائم الشرائية (Cash and Vouchers) لشراء المياه ومستلزمات النظافة من الأسواق المحلية القريبة التي تعمل جزئياً، وبين التوزيع المباشر للمساعدات العينية (In-kind distributions) وخاصة أدوات تخزين المياه والخدمات المباشرة كصيانة الشبكات وتفريغ المراحيض.

بناءً على هذه التفضيلات والمعطيات الميدانية، يطلق قطاع «WASH Cluster» عبر التقرير نداء استغاثة عملي وخارطة طريق استراتيجية تتلخص في المحاور التالية:

  1. الاستقرار والتوسع في الإمداد المائي التحولي: الحفاظ على إمدادات المياه عبر الصهاريج (Water Trucking) كحل طوارئ مؤقت للإنقاذ السريع، بالتوازي مع الإسراع في تحويل الآبار ونقاط المياه إلى الطاقة الشمسية المعتمدة المستدامة، وتوسيع الشبكات لتقليل التكلفة المالية وضمان الاستمرارية.

  2. المعالجة الشاملة للمياه والرقابة الصحية: فرض عملية الكلورة الشاملة (Chlorination) عند جميع نقاط المصدر والتوزيع، وتعزيز سلاسل توريد حبوب تعقيم المياه للمنازل، وتفعيل الفحص الدوري لنُسب الكلور المتبقي الحر (FRC) للحد من مخاطر انتشار التفشيات الوبائية.

  3. التوسع في خدمات الإصحاح الصديقة والمفصولة: التركيز السريع على بناء مراحيض منخفضة التكلفة وقابلة للتطوير، مع توفير مرافق مفصولة جندرياً وصديقة للأطفال، وتفعيل خدمات إدارة وإزالة الفضلات (Fecal Sludge Management) للمراحيض العامة والمؤسسية.

  4. دعم مستلزمات النظافة وإدارة الطمث: الاستمرار في توفير خطوط الإمداد بالصابون، وحقائب MHM للنساء، وتعزيز برامج التوعية الصحية الموائمة لظروف شح المياه.

  5. الدمج الكامل مع برامج الاستجابة للأوبئة: الربط المباشر بين قطاع المياه والإصحاح وبين قطاعي الصحة والتغذية للإنذار المبكر ومواجهة تفشيات الكوليرا والتهاب الكبد الفيروسي (E)، واستباق التدهور البيئي المتوقع خلال موسم الأمطار.

إن تقرير تقييم احتياجات المياه والإصحاح البيئي بمخيمات «الكرمة» في النيل الأزرق لعام 2026 ليس مجرد تقييم إنساني عابر؛ بل هو جرس إنذار صريح يحذر من أن التغاضي عن تمويل ودعم هذه الخدمات الأساسية سيعني حتماً تحول مخيمات النازحين إلى بيئة مفتوحة للكوارث الوبائية والإنسانية. إنها دعوة للمجتمع الدولي والجهات المسؤولة للتحرك الفوري قبل أن تحول الفيضانات القادمة العطش المستتر إلى فاجعة مفتوحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى