مقالات الرأي

د. مزمل سليمان يكتب : زمن عجيب… واختيارات أعجب!

حين يُقصى أهل الإعلام من ملتقى أهل الإعلام

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

حين يُقصى أهل الإعلام من ملتقى أهل الإعلام

زمن عجيب… واختيارات أعجب!

د. مزمل سليمان حمد

ليس الاعتراض على أن يجتمع بعض الإعلاميين مع الدولة، وليس الخلاف حول أسماء حضرت وأخرى غابت، فليس من حق أحد أن يحتكر تمثيل المهنة أو أن يضع نفسه حكماً على زملائه.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: *بأي معيار اختير المشاركون في ملتقى حمل اسم «أهل الإعلام»؟ ومن الذي قرر أن هذه المجموعة تحديداً تمثل الإعلام السوداني بكل تنوعه وخبراته ومدارسه وأجياله؟*

هنا تكمن القضية.

لقد قال المدير العام لجهاز المخابرات العامة إن «لم يكن بالإمكان دعوة جميع الصحفيين». وهذا التبرير، من حيث المبدأ، مفهوم؛ فلا يمكن أن يجتمع كل صحفيي وإعلاميي السودان في لقاء واحد. لكن محدودية العدد ليست هي المشكلة، وإنما **غياب الوضوح حول معايير الاختيار*.

كان يمكن أن يقال ببساطة إن هذا اللقاء يمثل الجولة الأولى من حوار أوسع، وإن المشاركين اختيروا وفق معايير مهنية محددة، على أن تتبع ذلك لقاءات أخرى تضم بقية مكونات الوسط الإعلامي.

عندها كان يمكن أن يتفهم الجميع الأمر، حتى الذين لم تشملهم الدعوة.

أما أن يسمى اللقاء «ملتقى أهل الإعلام»، بينما يغيب عنه عدد كبير من أهل المهنة وخبراتها وتخصصاتها وولاياتها وأجيالها، فمن الطبيعي أن يطرح الناس سؤالاً مشروعاً:

*هل كان هذا ملتقى للإعلام السوداني، أم ملتقى لبعض الإعلاميين؟*

والفرق بين السؤالين ليس شكلياً، وإنما يمس جوهر العلاقة بين الدولة والإعلام في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ السودان.

الإقصاء لا يصنع التعافي

التعافي الوطني لا يبدأ بإعادة إنتاج الإحساس بالإقصاء.

فالحرب لم تدمر المباني والمؤسسات وحدها؛ لقد أحدثت شرخاً عميقاً في المجتمع والدولة، وأضعفت الثقة بين الناس والمؤسسات، وشتتت الكفاءات، وقطعت مسارات مهنية وإنسانية كثيرة.

ولهذا فإن مرحلة ما بعد الحرب تحتاج قبل كل شيء إلى *إعادة بناء الثقة*.

والإعلام في مقدمة القطاعات التي تحتاج إلى هذه المراجعة.

فإذا بدأنا إعادة بناء المشهد الإعلامي بالعقلية ذاتها التي تقسم الناس إلى دوائر مغلقة: هذا قريب، وذاك بعيد؛ هذا مقبول، وذاك مستبعد؛ هذا يمثل الإعلام، وذاك لا يمثل، فإننا لا نعالج الأزمة، وإنما نعيد إنتاجها بأسماء جديدة.

ليس المطلوب أن يحضر الجميع في لقاء واحد، فهذا أمر غير ممكن.

*المطلوب أن تكون هناك عدالة وشفافية في اختيار من يحضر.*

وحين يكون العدد محدوداً، تصبح المعايير أكثر أهمية، لا أقل.

كان يمكن مثلاً أن تراعي عملية الاختيار تمثيل الإذاعة والتلفزيون، والصحافة الورقية والإلكترونية، والإعلام الولائي والقومي، والإعلام المجتمعي، وصحافة الميدان، والإعلاميات، والشباب، وأصحاب الخبرات الطويلة، والعاملين الذين فقدوا مؤسساتهم بسبب الحرب، والذين واصلوا العمل في ظروف استثنائية.

عندها، حتى من لم تصله الدعوة، سيعرف أن هناك معياراً واضحاً.

أما حين يغيب المعيار، فإن مساحة التأويل تتسع، ومع التأويل تأتي الشكوك، ومع الشكوك تتآكل الثقة.

وماذا عن الذين فقدوا مؤسساتهم وأعمالهم؟

هذه ربما هي القضية الأكثر إيلاماً.

*أين الإعلاميون الذين فقدوا أعمالهم؟*

أين العاملون الذين أغلقت مؤسساتهم أبوابها؟

أين الذين دمرت الحرب استوديوهاتهم ومكاتبهم ومقار عملهم؟

أين أبناء الإذاعة والتلفزيون الذين أفنوا أعمارهم في خدمة المهنة، ثم وجدوا أنفسهم خارج المشهد؟

أين العاملون في الإذاعات؟
أين العاملون في الفضائيات والقنوات الخاصة.
أين الإعلاميون في الولايات؟

أين الصحفيون الذين غادروا الخرطوم إلى مناطق أخرى واضطروا إلى مواصلة عملهم في ظروف بالغة القسوة؟

أين صحفيو الميدان الذين حملوا هواتفهم وكاميراتهم إلى قلب الأحداث؟

أين الإعلاميات اللائي واصلن العمل في أصعب الظروف؟

وأين الشباب الذين دخلوا المهنة خلال الحرب، وقدموا نماذج جديدة في الصحافة الرقمية والإعلام المجتمعي؟

هؤلاء جميعاً جزء أصيل من
رأس المال الإعلامي السوداني. .

فالحرب لم تأخذ الأرواح والممتلكات والمؤسسات فقط، وإنما أخذت أيضاً سنوات من أعمار المهنيين، وقطعت مسارات وظيفية، وشتتت خبرات، وأخرجت أعداداً كبيرة من العاملين من دائرة الإنتاج الإعلامي.

ولهذا لا يمكن أن نتحدث عن مستقبل الإعلام، بينما نتجاهل أولئك الذين فقدوا حاضرهم الإعلامي بسبب الحرب.

الإذاعة والتلفزيون… ذاكرة وطن وليسا مجرد مبانٍ

ومن أكثر الأسئلة إلحاحاً: *ماذا فعلنا تجاه العاملين في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون؟*

الإذاعة السودانية ليست مجرد استوديوهات وأجهزة إرسال.

والتلفزيون ليس مجرد مبنى وشاشة.

إنهما ذاكرة وطنية، وخبرة تراكمت عبر عقود، ومدارس مهنية خرجت أجيالاً من المذيعين والمخرجين والمحررين والمصورين والفنيين والمنتجين والإداريين.

لكن المشهد الحالي يبعث على الحزن والاستغراب.

قطاع إذاعي يعمل بأعداد محدودة للغاية، وقطاع تلفزيوني يواجه ظروفاً صعبة، بينما بقيت أعداد كبيرة من الخبرات الإعلامية والعاملين في المؤسسات المختلفة خارج دائرة الفعل أو في انتظار إعادة ترتيب أوضاعهم.

فكيف نتحدث عن إعادة بناء الإعلام السوداني من دون أن نبدأ بإعادة الاعتبار إلى الإعلاميين أنفسهم؟*

وكيف نطلب من الإعلام أن يقود المصالحة المجتمعية، ومكافحة خطاب الكراهية، وإعادة بناء الثقة، وتوثيق الحرب، وحماية الذاكرة الوطنية، بينما يعاني جزء كبير من العاملين فيه التهميش والغياب وعدم وضوح المصير؟

الإعلام الذي نريده للمستقبل لا يمكن أن يبنى على أنقاض العاملين فيه.

أين اتحاد الصحفيين من المعايير المهنية؟

وهنا تبرز مسؤولية **اتحاد الصحفيين السودانيين**.

فالمنظمات والاتحادات المهنية ليست جهات لتوزيع الدعوات أو منح صكوك التمثيل، وإنما يفترض أن تكون بيوتاً مهنية جامعة، تدافع عن تكافؤ الفرص، وتحمي المهنة من التسييس والتصنيف والإقصاء.

ومن حق الصحفيين والإعلاميين أن يسألوا:

هل كانت هناك معايير مهنية معلنة للاختيار؟

هل روعي التمثيل الجغرافي؟

هل حضرت الولايات؟

هل حضرت الصحافة الرقمية؟

هل كان للشباب حضور مناسب؟

هل حضرت الإعلاميات بصورة تعكس وجودهن الحقيقي في المهنة؟

هل حضر صحفيو الميدان؟

هل حضرت الخبرات التاريخية في الإذاعة والتلفزيون؟

هل كان هناك تمثيل لمن فقدوا مؤسساتهم وأعمالهم بسبب الحرب؟

هذه ليست أسئلة عدائية، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها محاولة لإفساد الحوار.

إنها أسئلة مهنية ضرورية إذا كنا نريد بناء اتحاد قوي ومشهد إعلامي أكثر عدلاً.

لا نريد استبدال إقصاء بإقصاء

وفي المقابل، علينا أن نكون منصفين.

لا يجوز أن ننتقد الإقصاء ونحن نطالب بإقصاء آخر.

ولا يجوز أن نقول إن هذه المجموعة لا تمثل الإعلام، ثم نزعم أن مجموعة أخرى وحدها تمثله.

**الإعلام السوداني أكبر من كل القوائم.**

فيه المخضرم والشاب، والقديم والجديد، والصحافة الورقية والإلكترونية، والإذاعة والتلفزيون، والإعلام القومي والولائي، والإعلاميون داخل السودان وخارجه.

وهذا التنوع ليس عبئاً ينبغي التخلص منه، بل **ثروة وطنية ينبغي إدارتها بحكمة**.

المشكلة ليست في اختلاف الإعلاميين، وإنما في تحويل الاختلاف إلى تصنيف، والتصنيف إلى إقصاء، والإقصاء إلى سياسة.

## الإعلام مهنة مدنية… والتكامل لا يعني التداخل

هناك أيضاً مسألة ينبغي أن تناقش بهدوء ومسؤولية.

الإعلام مهنة مدنية، لكنه في الوقت نفسه جزء مهم من منظومة الأمن القومي بمعناها الواسع؛ فهو يؤثر في الاستقرار والسلم الأهلي وصورة الدولة والوعي المجتمعي.

لكن هذا لا يعني الخلط بين الدور الأمني والدور المهني.

هناك فرق بين أن تستمع الأجهزة الأمنية إلى الإعلاميين بشأن قضايا الأمن الوطني، وبين أن تصبح الجهة الأمنية هي التي تحدد وحدها من هم «أهل الإعلام».

**الأدوار ينبغي أن تتكامل، لا أن تتداخل.**

الدولة تحتاج إلى الإعلام، والإعلام يحتاج إلى الدولة، لكن كلاً منهما يحتاج أيضاً إلى احترام حدود دوره.

## السؤال الحقيقي: أي إعلام نريد بعد الحرب؟

ربما ينبغي أن نتجاوز سؤال: *من حضر الملتقى؟*

وننتقل إلى السؤال الأكبر:

ما الإعلام الذي نريده للسودان بعد الحرب؟*

هل نريد إعلاماً يعيد إنتاج الاصطفافات القديمة؟

أم نريد إعلاماً مهنياً ومسؤولاً؟

هل نريد إعلاماً يتحدث من المركز فقط؟

أم إعلاماً يرى السودان كله، من حلفا إلى نمولي، ومن الجنينة إلى بورتسودان؟

هل نريد أن تظل الإذاعة والتلفزيون أسيرين للترتيبات المؤقتة؟

أم نريد إعادة بناء المؤسسة الإعلامية القومية على أسس مهنية حديثة؟

هل نريد إعلاماً يكتفي بنقل الأخبار؟

أم نريد إعلاماً شريكاً في المصالحة الوطنية، ومواجهة خطاب الكراهية، وإعادة بناء الثقة، وتوثيق الحرب، وحماية الذاكرة الوطنية؟

*هذه هي القضايا التي ينبغي أن يجتمع حولها أهل الإعلام.*

زمن عجيب… واختيارات أعجب

نحن أمام لحظة تاريخية لا تحتمل الحسابات الصغيرة.

الإعلام السوداني دفع ثمناً باهظاً خلال الحرب.

فقد مؤسسات، وفقد منصات، وفقد كوادر، وفقد جزءاً من جمهوره وتأثيره.

وأخطر من كل ذلك أن يفقد الإعلاميون أنفسهم الثقة في بعضهم وفي مؤسساتهم.

لا نريد إعلاميين مقسمين إلى مدعوين وغير مدعوين، ومقربين ومبعدين، وقدامى وجدد، وأهل مركز وأهل هامش.

نريد إعلاماً يتسع للجميع.

وإذا كانت هناك أسباب موضوعية لاختيار قائمة محددة، فلتعلن.

وإذا كان اللقاء أولياً، فلتعلن اللقاءات التالية.

وإذا كان العدد محدوداً، فلتعلن المعايير.

وإذا كانت هناك جهات مهنية أخرى تمثل الصحفيين والإعلاميين، فلتشارك بصورة حقيقية.

هكذا تُبنى الثقة.

## كلمة أخيرة

يا سادة…

لسنا ضد أحد.

ولسنا ضد الملتقى.

ولسنا ضد أن تجلس الدولة مع الإعلاميين.

بل على العكس تماماً، نحن في أمس الحاجة إلى هذا الحوار، وربما أكثر من أي وقت مضى.

لكننا نحتاج إلى **حوار واسع لا حوار مغلق**.

نحتاج إلى أن نسمع صوت من بقي في المؤسسة، وصوت من فقد المؤسسة، وصوت من خرج منها، وصوت من واصل العمل في الميدان، وصوت المرأة الإعلامية، وصوت الشباب، وصوت الولايات، وصوت الخبرات التي أفنت أعمارها في خدمة الإعلام السوداني.

نحتاج إلى إعلام لا يخاف من السؤال.

وفي المقابل، لا ينبغي للدولة أن تخاف من النقد.

فالدولة القوية لا تبني علاقتها بالإعلام على التصفيق، وإنما على الحوار، ولا تخشى من الأصوات المختلفة، لأنها تدرك أن النقد المهني يمكن أن يكون أداة للإصلاح لا وسيلة للهدم.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب ألا نهرب منه:

*هل يبدأ التعافي بانتقاء «أهل الإعلام»؟*

أم يبدأ بالاعتراف بأن كل من حمل القلم، وكل من وقف خلف الميكروفون، وكل من أمسك بالكاميرا، وكل من عمل في الاستوديو، وكل من نقل الحقيقة من قلب الميدان، وكل من أفنى عمره في خدمة الإعلام السوداني، هو جزء من أهل الإعلام؟

ربما آن الأوان أن ننتقل من سؤال:

**«من ندعو؟»**

إلى سؤال أكثر أهمية:

«كيف نفتح الباب أمام الجميع؟»

فالسودان الذي نريد بناءه بعد الحرب لا يحتاج إلى قوائم جديدة من المقربين.

إنه يحتاج إلى **عقلية جديدة**.

عقلية لا تسأل:

**زولي منو؟**

ولا:

**شِلتي شنو؟**

ولا:

**من يعرف من؟**

بل تسأل:

**ماذا قدمت؟ ماذا تستطيع أن تقدم؟ وكيف نضع خبرتك في خدمة وطن يحتاج إلى كل أبنائه؟**

فالتعافي الحقيقي لا يبدأ باختيار بعض أهل الإعلام…

*التعافي يبدأ عندما يشعر كل أهل الإعلام أنهم جزء من المستقبل.*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى