الشريف محمد بن علي الحسني يكتب : كيف تلاعبت إسرائيل بأزمة الهجرة للضغط على إسبانيا؟
سبتة في مرآة فلسطين
كيف تلاعبت إسرائيل بأزمة الهجرة للضغط على إسبانيا؟
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
لم تكن موجة العبور البشري التي اجتاحت مدينة سبتة مجرد أزمة حدودية عابرة؛ فقد عبر أكثر من خمسين ألف شخص خلال وقت بالغ القصر، بينما رفعت تقديرات محلية العدد إلى قرابة ستين ألفًا، وسقط عشرات الضحايا غرقًا أو تحت الأقدام، قبل أن يعود معظم الداخلين إلى المغرب خلال أيام قليلة. كانت مأساة إنسانية وأمنية ثقيلة، لكن صورها لم تبقَ طويلًا في إطار الهجرة، بل تحولت سريعًا إلى مادة تستخدم في صراع دولي أوسع، وفي مقدمته الصراع المتصاعد بين إسرائيل وحكومة بيدرو سانشيز الإسبانية.
ولا يمكن فهم دخول إسرائيل المفاجئ على خط سبتة بعيدًا عن التدهور غير المسبوق في علاقاتها مع مدريد. فقد اعترفت إسبانيا بدولة فلسطين، ثم اتخذت إجراءات شملت تثبيت حظر السلاح على إسرائيل، ومنع السفن والطائرات التي تحمل وقودًا أو مواد عسكرية إليها من استخدام الموانئ والأجواء الإسبانية، وحظر استيراد منتجات المستوطنات غير القانونية. وفي مارس 2026 سحبت مدريد سفيرها من إسرائيل بصورة دائمة، وأبقت سفارتها تحت إدارة قائم بالأعمال، بعد سلسلة طويلة من المواجهات الدبلوماسية بشأن غزة وإيران والقانون الدولي.
في هذه اللحظة المتوترة ظهر مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون، لا ليتحدث عن مصير المهاجرين ولا عن الضحايا، وإنما ليهاجم إسبانيا بسبب مواقفها من إسرائيل. سأل دانون مدريد لماذا لا تزال تحتفظ بما سماه «جيوبًا استعمارية في أفريقيا»، في إشارة إلى سبتة ومليلية، وربط ذلك صراحة بما وصفه بإصرار إسبانيا على تلقين إسرائيل الدروس. ورد وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي على المنشور بقوله: «بدأت الأمور تتضح»، في إشارة تعكس أن التصريح الإسرائيلي لم يُفهم في مدريد باعتباره رأيًا عابرًا، بل جزءًا من المواجهة السياسية القائمة.
وهنا يظهر جوهر التلاعب الإسرائيلي بالأزمة؛ فإسرائيل لم تتناول سبتة ومليلية انطلاقًا من موقف ثابت ومعلن دفاعًا عن حقوق المغرب، ولم تعلن تغييرًا دبلوماسيًا رسميًا في موقفها من السيادة على المدينتين، وإنما استدعت قضيتهما في اللحظة التي احتاجت فيها إلى الرد على إسبانيا بسبب فلسطين. وحين أثار كلام دانون أزمة دبلوماسية، سارعت أعلى ممثلة إسرائيلية في مدريد إلى القول إن تصريحه لا يمثل الموقف الرسمي للدولة. وهكذا تحققت الفائدة السياسية من الهجوم، ثم استُخدمت المسافة الدبلوماسية للتخفف من تبعاته.
لم يكن المقصود إذن نصرة المغرب بقدر ما كان استعارة القضية المغربية لمعاقبة إسبانيا. لقد حوّلت إسرائيل سبتة ومليلية إلى مرآة تضعها أمام مدريد كلما تحدثت عن احتلال الأراضي الفلسطينية؛ والرسالة التي أرادت إيصالها واضحة: لا تتحدثوا عن الاحتلال في فلسطين، بينما توجد تحت سيادتكم مدينتان يطالب بهما المغرب.
وهي رسالة تقوم على قلب موقع الخصم في النقاش. فإسبانيا كانت تتحدث من موقع الدولة التي تعترف بفلسطين وتطالب بوقف الحرب وتحاسب إسرائيل على الاستيطان والاحتلال، فجاءت أزمة سبتة لتدفعها إلى موقع الدولة التي تدافع عن حدودها وسيادتها وتواجه اتهامًا مضادًا بالاستعمار. وبهذه المناورة انتقل النقاش، ولو مؤقتًا، من مأساة الفلسطينيين إلى سؤال سبتة ومليلية، ومن مساءلة إسرائيل إلى مساءلة إسبانيا.
هذا هو التلاعب السياسي في أوضح صوره: ليس المطلوب إثبات تطابق الحالتين تاريخيًا أو قانونيًا، بل يكفي خلق تشابه إعلامي قابل للتداول. فحين توضع صورة المستوطنات الإسرائيلية إلى جانب صورة سبتة، وتستبدل كلمة «الاحتلال» بكلمة «الجيوب الاستعمارية»، يصبح في الإمكان إرباك الجمهور، وتبديد الفارق بين القضايا، وتحويل الاتهام الأخلاقي إلى سجال متبادل لا يُدان فيه أحد لأن كل طرف يستطيع اتهام الآخر.
وتكشف سرعة تدخل دانون أن إسرائيل كانت تنتظر فرصة يمكن من خلالها ضرب الموقف الإسباني في موضع حساس. لقد وقعت الأزمة على الحدود المغربية الإسبانية، لكن دانون أعاد تعريفها فورًا باعتبارها شاهدًا على ازدواجية مدريد تجاه الاحتلال. ولم تكن عبارته منفصلة عن الخلاف؛ فقد بدأ هجومه بتذكير إسبانيا بأنها لا تفوت فرصة لانتقاد إسرائيل، ثم انتقل مباشرة إلى سبتة ومليلية. وبذلك جمع في منشور واحد بين فلسطين والهجرة والسيادة الإسبانية، وجعل الأزمة أداة انتقام دبلوماسي.
ولا تحتاج إسرائيل، لكي تحقق هذا الغرض، إلى أن تكون قد نظمت عملية العبور نفسها. فالمتاح علنًا حتى الآن لا يقدم دليلًا قاطعًا على أن جهة إسرائيلية خططت لتحرك عشرات الآلاف أو أدارت شبكات التحريض السابقة له. وقد خلصت مراجعة لوكالة أسوشيتد برس إلى عدم وجود أدلة منشورة تثبت يدًا إسرائيلية أو أميركية في صناعة موجة العبور، مع بقاء السبب الكامل للاندفاع المفاجئ غير محسوم، ووجود مؤشرات إلى دور المعلومات المضللة وشبكات التهريب وسوء تفسير حكم قضائي إسباني.
لكن عدم ثبوت صناعة الحدث لا ينفي استثماره والتلاعب بتفسيره. وهذه نقطة جوهرية في أي قراءة رزينة: فهناك فرق بين القول إن إسرائيل دفعت ستين ألف شخص إلى الحدود، وهو أمر لا دليل علنيًا عليه، وبين القول إنها استغلت الأزمة فور وقوعها لتصفية حسابها مع إسبانيا، وهو أمر تكشفه تصريحات مسؤولها في الأمم المتحدة والسجال الدبلوماسي الذي أعقبها.
وقد خدمت موجة اليمين الأوروبي والأميركي هذا الاتجاه، حتى وإن اختلفت دوافعها عن الدافع الإسرائيلي. فقد هددت جورجيا ميلوني بفرض قيود ضمن ترتيبات شنغن مع إسبانيا، مع أن القادمين إلى سبتة لا ينتقلون تلقائيًا إلى البر الأوروبي، وأكد مسؤول الهجرة في الاتحاد الأوروبي أن أحدًا منهم لم يصل إلى أراضي الاتحاد القارية. وفي الولايات المتحدة، حوّل دونالد ترامب المشاهد إلى مادة انتخابية، واعتبرها نموذجًا لما قد يحدث للأميركيين إذا خسر الجمهوريون انتخابات التجديد النصفي.
وهكذا التقت مصالح إسرائيل مع سردية اليمين الدولي حول نقطة واحدة: إضعاف حكومة سانشيز. إسرائيل أرادت معاقبة مدريد على فلسطين، واليمين الأوروبي أراد إدانة سياساتها في الهجرة، والجمهوريون الأميركيون أرادوا تحويل صور سبتة إلى تحذير انتخابي للناخب الأميركي. ولم يكن ضروريًا وجود غرفة عمليات تجمع هذه الأطراف؛ فقد كان الحدث الواحد كافيًا لكي يجد كل طرف فيه المادة التي تخدم صراعه مع الحكومة الإسبانية.
أما المغرب، فليس من الدقة وضعه في مقدمة المستفيدين؛ لأن معظم الذين عرّضوا حياتهم للخطر كانوا من المغاربة، ولأن السلطات المغربية واجهت عبء عودة عشرات الآلاف، فضلًا عن الأضرار السياسية والأمنية والاجتماعية التي خلفتها الأزمة. ولم ينتج عن الواقعة اعتراف إسباني أو أوروبي بمغربية سبتة ومليلية، وإنما جرى استخدام اسم المغرب وقضيته داخل معركة لم يكن هو المستفيد الأكبر منها.
لقد كان المستفيد السياسي الأول إسرائيل؛ لأنها حوّلت مأساة بشرية إلى فرصة لإسكات الدولة الأوروبية الأكثر صراحة في مواجهتها. ولم تقل لإسبانيا إنها ستغيّر موقفها من سبتة ومليلية أو إنها ستتبنى مطالبة المغرب بهما، وإنما قالت لها بصورة عملية: سنفتح أمامكم ملف المدينتين كلما فتحتم ملف فلسطين.
وهذا هو البعد الأخطر في الواقعة؛ إذ تحولت قضية سبتة ومليلية من حق تاريخي وسيادي يخص المغرب وإسبانيا إلى أداة إسرائيلية للاستخدام عند الحاجة. فإسرائيل لم ترفع القضية لخدمة المغرب، بل استخدمتها لإضعاف حجته الأخلاقية المحتملة أيضًا، حين جعلتها ورقة مساومة في صراعها مع حكومة سانشيز.
وعليه، فإن التحقيق الرزين لا يحتاج إلى الجزم بأن إسرائيل صنعت اندفاع عشرات الآلاف، وإنما يكفي أن يثبت كيف سارعت إلى اختطاف الحدث، وتغيير معناه، وتوجيهه نحو فلسطين، ثم تركت اليمين الأوروبي والأميركي يضاعف الضغط على مدريد من بوابة الهجرة. لقد تلاعبت إسرائيل بإسبانيا حين نقلتها من موقع مساءلة الاحتلال إلى موقع الدفاع عن سبتة ومليلية، وحين استعارت قضية المغرب لتقول لحكومة سانشيز:
اصمتوا عن فلسطين، وإلا فتحنا أمامكم ملف وجودكم في شمال المغرب.
وهكذا لم تكن سبتة بالنسبة إلى إسرائيل قضية سيادة مغربية، بل كانت زرّ ضغط على مدريد؛ تضغط عليه كلما ارتفع صوت إسبانيا دفاعًا عن فلسطين.




