مقالات الرأي

الشريف محمد بن علي الحسيني يكتب : بين القوة والتفاوض: من يكتب نهاية الصراعات؟

بين القوة والتفاوض: من يكتب نهاية الصراعات؟

✍️ الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

كلما انتهت أزمة دولية أو وضعت حرب أوزارها عاد السؤال القديم في ثوب جديد: من المنتصر الحقيقي؟

الجواب لا يكمن دائماً في حجم القوة العسكرية المستخدمة، ولا في عدد الضربات التي وُجهت، ولا حتى في مقدار الدمار الذي لحق بالأطراف المتصارعة. فالسياسة الدولية تعلمنا أن الانتصارات العسكرية لا تتحول تلقائياً إلى مكاسب سياسية، وأن ما يُحسم في الميدان قد يُعاد تشكيله بالكامل على طاولة المفاوضات.

ولهذا فإن قراءة الاتفاقات الدولية لا ينبغي أن تقتصر على بنودها الظاهرة، بل يجب أن تمتد إلى ما وراء النصوص، حيث تتجلى موازين القوى الحقيقية، وتظهر قدرة الأطراف على تحويل أوراق الضغط إلى مكاسب استراتيجية.

لقد شهد التاريخ الحديث نماذج عديدة لدول امتلكت تفوقاً عسكرياً ساحقاً لكنها لم تحصل في نهاية المطاف على جميع أهدافها السياسية، في مقابل أطراف أخرى نجحت في استثمار قدرتها على الصبر وإدارة الأزمات لتحقق نتائج تتجاوز حجمها العسكري أو الاقتصادي.

وفي عالم السياسة لا يكفي أن تكون قوياً، بل يجب أن تعرف كيف تستخدم القوة، ومتى تستخدمها، وكيف تحولها إلى مكسب دائم. فالقوة التي لا تُترجم إلى نتائج سياسية تبقى حدثاً عابراً، أما التفاوض الناجح فيستطيع أن يحول الوقائع المؤقتة إلى ترتيبات طويلة الأمد.

ومن هنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته بـ«القوة التفاوضية». فالدول لا تدخل المفاوضات متساوية في أدواتها. بعضها يمتلك المال، وبعضها يمتلك النفوذ العسكري، وبعضها يمتلك الموقع الجغرافي، وبعضها يمتلك القدرة على تحمل الضغوط لفترات طويلة. وفي كثير من الأحيان يكون العامل الحاسم هو القدرة على إدارة الوقت أكثر من القدرة على إدارة السلاح.

فالأنظمة السياسية التي تفكر بمنطق العقود تمتلك عادة ميزة تفاوضية أمام الأنظمة التي تعمل تحت ضغط الانتخابات أو الإعلام أو الأسواق المالية. ولهذا تصبح معركة الزمن جزءاً من معركة السياسة نفسها.

أما في منطقتنا الخليجية، فإن الدرس الأهم لا يتعلق بمن ربح جولة تفاوضية أو خسرها، بل بضرورة أن تمتلك دول المنطقة رؤيتها الخاصة وأوراقها المستقلة. فالقوى الكبرى تتفاوض وفق مصالحها، والدول الإقليمية الكبرى تتفاوض وفق حساباتها، لكن مصالح المنطقة لا يحميها إلا حضورها المباشر وقدرتها على تحويل مطالبها إلى ملفات موثقة ومواقف واضحة.

لقد دفعت المنطقة خلال العقود الماضية أثماناً أمنية واقتصادية وسياسية باهظة نتيجة الصراعات والتوترات المتراكمة. وهذه الحقائق لا يكفي أن تبقى في نطاق الذاكرة السياسية أو الخطاب الإعلامي، بل يجب أن تتحول إلى وثائق ومؤشرات وملفات قابلة للحضور في أي نقاش دولي أو تفاوض مستقبلي.

فالسياسة الدولية لا تتعامل مع المشاعر ولا مع الروايات المجردة، وإنما مع الوقائع الموثقة والمصالح المحددة والالتزامات المكتوبة. وما لا يجد طريقه إلى الطاولة يبقى خارج الحسابات مهما كانت أهميته.

إن أحد أهم دروس القرن الحادي والعشرين هو أن الحروب لم تعد وحدها التي تصنع التاريخ. فالتاريخ الحديث تكتبه أيضاً قاعات التفاوض، وغرف الوساطة، والنصوص القانونية، والاتفاقات الدولية. وقد يكون الفارق بين الربح والخسارة في كلمة واحدة داخل وثيقة أكثر مما يكون في عشرات الطائرات أو آلاف الجنود.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي في أي أزمة دولية ليس: من أطلق النار أولاً؟ بل: من نجح في كتابة الفصل الأخير من القصة؟

ففي عالم السياسة قد تُحسم المعارك بالقوة، لكن المستقبل غالباً ما يُصاغ بالتفاوض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى