سراج الدين عبد الغفار يكتب: من أقوال الشيخ أبي الحسن الشاذلي
من أقوال الشيخ أبي الحسن الشاذلي: الجمع بين الشريعة والحقيقة طريق التحقق
سراج الدين عبد الغفار عمر
يعد الشيخ أبو الحسن الشاذلي، رضي الله عنه، أحد أبرز أقطاب التصوف الإسلامي ومؤسس الطريقة الشاذلية، وقد تميزت أقواله بالتأكيد على الجمع بين الشريعة والحقيقة، والتلازم بين صلاح الظاهر واستقامة الباطن.
ومن الأقوال المنسوبة إليه: «يا ولدي، ارجع عن منازعة ربك تكن موحداً، واعمل بأركان الشرع تكن سنياً، واجمع بينهما تكن متحققاً، وما ثم أعظم من كرامة الإيمان ومتابعة السنة. والتصوف هو تدريب النفس على العبودية وردها لأحكام الربوبية».
وتكشف هذه الكلمات عن رؤية متكاملة للتصوف، تقوم على الالتزام بأحكام الدين، ومجاهدة النفس، وتحقيق العبودية لله تعالى، بعيداً عن أي انفصال بين السلوك الروحي وأحكام الشريعة.
منازعة الرب والتسليم للقدر
يقصد بقول الشيخ «ارجع عن منازعة ربك» النهي عن الاعتراض على أقدار الله تعالى والتسخط منها، والدعوة إلى التسليم والرضا بما قدره الله، مع الأخذ بالأسباب المشروعة.
ويأتي ذلك في إطار الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق والآمر، كما قال تعالى: «أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ». فالخلق كله لله، والأمر له وحده، وهو المتصف بصفات الجلال والكمال، رب العالمين.
الالتزام بالشرع ومتابعة السنة
يؤكد الشاذلي في قوله «واعمل بأركان الشرع تكن سنياً» أن العمل بأحكام الشرع ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم هما الميزان الصحيح للاستقامة.
ويشير هذا المعنى إلى أن محبة الله تعالى لا تكون بمجرد الدعوى، وإنما تتحقق بالاتباع، مصداقاً لقوله تعالى: «قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» [آل عمران: 31].
فقد بينت الآية الكريمة أن من أبرز علامات محبة العبد لربه اتباعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن هذا الاتباع سبب لمحبة الله تعالى للعبد ومغفرة ذنوبه.
الجمع بين الشريعة والحقيقة
أما قوله «واجمع بينهما تكن متحققاً»، فيشير إلى بلوغ مرتبة التحقق، أي توافق باطن العبد مع ظاهره؛ فيكون الباطن سليماً والظاهر مستقيماً.
وبحسب هذا الفهم، فإن التصوف لا يمثل انفصالاً عن الشريعة، بل هو سلوك روحي وأخلاقي يقوم على تطبيق أحكام الدين وتزكية النفس، بما يحقق للعبد معنى العبودية لله تعالى.
الإيمان ومتابعة السنة أعظم الكرامات
يرى الشيخ أبو الحسن الشاذلي أن أعظم كرامة ينالها العبد ليست خوارق العادات أو مظاهر التميز، وإنما نعمة الإيمان والاستقامة على هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن هذا المنطلق، تصبح متابعة السنة والتمسك بأحكام الشرع معياراً أساسياً في تقييم السلوك الديني والروحي.
التصوف أخلاق وترويض للنفس
ومن المعاني التي ارتبطت بمنهج الشاذلي أن «التصوف كله أخلاق»، بما يعكس أهمية تهذيب النفس والتحلي بمكارم الأخلاق.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
وتتمثل حقيقة التصوف، وفق هذا الفهم، في ترويض النفس البشرية حتى تتذلل لله تعالى بالعبودية، وتستسلم لأوامره، وتتعامل مع قضائه وقدره بالرضا والتسليم.
ويخلص هذا المنهج إلى أن التصوف القائم على الكتاب والسنة هو طريق يجمع بين صلاح الباطن واستقامة الظاهر، ويجعل الأخلاق والاستقامة ومتابعة السنة معياراً أساسياً للتحقق والعبودية.
المصدر:
كتاب «لطائف المنن في مناقب الشيخ أبي العباس المرسي وشيخه أبي الحسن الشاذلي» للإمام ابن عطاء الله السكندري.




