Uncategorizedمقالات الرأي
تأهيل مركز صحي ارتدى النموذجي: التأسيس، التاريخ، والتأهيل
بقلم: عثمان إبراهيم (دنقلا – نايل بوست)
بدأت فكرة إنشاء “الشفخانة” في الأصل بالتزامن مع تأسيس مدارس “ارتدى الخناق كوة” الابتدائية، لتقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية لتلاميذ وتلميذات المدارس، ولأهالي القرية والمناطق المجاورة. ولأن قرية ارتدى كانت دوماً سبّاقة وصاحبة مبادرات ومتقدمة في كافة المجالات، شهد هذا الموقع ميلاد الشفخانة بنمط بنائها القديم (نظام غرفة داخل غرفة، وبرندة، وتلتوار صبّة للجلوس).
وضع حجر الأساس باسم الزعيم الراحل والمواطن عباس محمد فضل، مدير عام البوليس السوداني آنذاك، وشيّدها على نفقته الخاصة – رحمه الله وتقبّلها في ميزان حسناته – وذلك وفق ما دُوّن على حجر الأساس الذي جُدّد مؤخراً مع أعمال التأهيل.
تعاقب على العمل بالشفخانة عدد من المساعدين الطبيين ومساعدي التمريض، على رأسهم عمنا المرحوم عبد الله محمد فضل (طيّب الله ثراه)، ثم المرحوم سيف الدين عوض عبد الله الأمين (رحمه الله)، تلاه الدكتور عبد الله عبد الكريم خيري (عبده) الذي عمل بها لفترة طويلة؛ وما يزال الأهالي يذكرون خدماته وتفانيه وهو يطرق أبواب البيوت لعلاج ومداواة وتضميد جروح كبار السن والعجزة والمرضى، فالتحية والتقدير له. ثم عملت بها الأخت عزاز محمد حسين (قميرية)، قبل أن يتوقف النشاط لفترة.
عادت الروح للمشروع مع تولي اللجنة الشعبية برئاسة الأستاذ شيخ الدين خضر عثمان، والتي تبنّت ترفيع الشفخانة إلى مركز صحي كبير يستوعب التردد المتزايد مع التوسع والمد السكاني. جرى الاتصال حينها بهرم ارتدى الأستاذ بدوي الخير إدريس، وزير الصحة بالإقليم الشمالي آنذاك (وكانت الدامر عاصمة الإقليم الذي يضم الشمالية ونهر النيل معاً، في عهد أول حاكم للإقليم البروفيسور عبد الله أحمد عبد الله الذي زار ارتدى). وخلال إحدى زيارات الأستاذ بدوي لارتدى، صادق على ترفيع الشفخانة إلى مركز صحي، كالعهد به دائماً في دعم قضايا المنطقة.
استعانت اللجنة بابن المنطقة الدكتور عبد العزيز صديق لتحديد الاحتياجات الفنية والهندسية، والتي شملت: المكاتب الإدارية، غرفة العمليات، العنابر، المعامل، الصيدلية، وأقسام النساء والتوليد، الأسنان، الباطنية، والجراحة. وتولى المهندس يوسف عبد الله من وزارة التخطيط العمراني والبنية التحتية وضع الخرط والتصميمات الهندسية للمشروع.
وفي إحدى زيارات الشهيد الزبير محمد صالح للولاية الشمالية، أُدرجت ارتدى ضمن برنامجه؛ حيث وضع حجر أساس المركز الصحي وسط لقاء جماهيري حاشد من أهلنا في ارتدى والخناق.

طُرح المشروع لاحقاً في عطاء عام برئاسة وإشراف عضو اللجنة الشعبية الأستاذ عبد اللطيف سعيد عثمان (الحداد). تنافس على العطاء عدد من المقاولين والمهندسين من ارتدى وخارجها، ورسا العطاء على المعلّم عبد الرحمن خضر، لتبدأ أعمال التشييد وفق المواصفات المحددة في كراسة العطاء بكامل مكوناتها، مع الإبقاء على مبنى الشفخانة القديمة كجزء أصيل تخليداً لذكرى الزعيم عباس محمد فضل بمساهمة أبنائه. تم البناء بإشراف اللجنة الشعبية وثلة مخلصة من خيري ارتدى – ونحن شهود على ذلك بصفتنا أعضاءً في اللجنة الشعبية آنذاك – حتى وصل التشييد مستوى “العتب” بكامل المرافق، مع توفر كميات كبيرة من الطوب الأحمر والسيخ والزنك؛ إلا أن انتهاء دورة عمل اللجنة في عام 1997 أدى إلى توقف المشروع لفترة طويلة.
لاحقاً، تبنّى الفكرة الدكتور أحمد بشير والشيخ المرحوم عبد الحليم محمد أحمد وآخرون، بالتعاون مع الدكتور ساتي محمد إدريس. وهنا برز الدور الكبير لصاحب اليد الطولى الأستاذ عوض شريف نقد، الذي تكفّل مشكوراً بأكثر من 96% من تكلفة تأهيل المشروع. واستكملت الخطوات “لجنة تكملة تشييد المركز الصحي” بقيادة الأخوين إدريس محمد إدريس (الفنجري) ومعاذ ساتي خضر ورفاقهم، عبر مجهودات واتصالات وإشراف مباشر حتى اكتمل الصرح بأبهى طراز وأصبح معلماً بارزاً في ارتدى.
تم افتتاح المرفق رسمياً تحت اسم “مركز صحي ارتدى النموذجي” بحضور قيادات رسمية وإشراف مباشر من الدكتور أحمد بشير، وألقى كلمة الترحيب في حفل الافتتاح عضو اللجنة الشعبية المرحوم الأستاذ توفيق الخير إدريس.
يُعد هذا المنجز شاهداً على عطاء اللجان الشعبية السابقة التي نذرت نفسها لخدمة الحي والقرية والمواطن، في زمنٍ كانت فيه ارتدى قبلةً للمسؤولين والتنفيذيين لافتتاح المنشآت والمشاريع التنموية سنوياً؛ حيث استقبلت الرئيس الأسبق المشير عمر البشير في حفل تكريم هرم ارتدى الأستاذ بدوي الخير إدريس ومهرجان الزواج الجماعي الأول بالولاية، وقبله الرئيس جعفر نميري لافتتاح مشروع مياه ارتدى الحيوي، وقبلهم الزعيم الراحل إسماعيل الأزهري في مقر الحزب الاتحادي الديمقراطي بارتدى تحت “الحسينتوني”.
نأمل أن تعود ارتدى إلى سيرتها الأولى لتتصدر الصفوف بفضل تضحيات رجالاتها الأوفياء أمثال: الأستاذ عبد الحليم محمد أحمد، عمنا عوض فخر الدين، الخير إدريس، بطة، وأحمد عثمان جابو (رحمهم الله جميعاً).
والمطلوب اليوم هو الالتفاف حول المبادرة التي أطلقها أبناؤنا: محمد الحلبي، فتاح زبير، الأستاذ خالد صالح (مبادرات)، وخالد عبد اللطيف عبدون؛ إذ يشهد المركز في عهدهم استقراراً إدارياً ومالياً وصحياً، وتوسعاً بإضافة تخصصات وأقسام جديدة ونظام “الطبيب الزائر” أسبوعياً عبر ابننا الدكتور عبد الكريم صديق، إلى جانب جهود شباب وشابات المركز والحي. ولا يفوتنا الإشادة بمساهمات ومبادرات المغتربين، ولا سيما الأخ أزهري شبش وحضوره الدائم ومشاركاته المستمرة مع أبناء المرحوم شعبان عثمان وبقية الخيرين للعودة إلى الجذور وتجديد أمجاد ارتدى وتاريخها التليد.
والله الموفق،،
(رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)
والعتبى والاعتذار لكل من سقط اسمه سهواً.




