كيف ترى الأمم المتحدة الحرب في السودان

سماء تمطر موتاً وشبكات عابرة للحدود تغذي الصراع في السودان
في أروقة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وخلال دورته الثالثة والستين التي تنعقد في الفترة ما بين السابع من سبتمبر والتاسع من أكتوبر لعام 2026، برزت وثيقة أممية تحمل بين طياتها تفاصيل مأساة دامية تتمدد وتتعمق يوماً بعد يوم. هذه الوثيقة التي تحمل الرمز المرجعي “A/HRC/63/23″، تمثل التقرير الأحدث للبعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان. إن هذا التقرير لا يكتفي بمجرد سرد الوقائع الميدانية، بل يضع المجهر على شرايين التسليح وشبكات الدعم الخارجي التي تبقي آلة الحرب دائرة في هذا البلد الممزق، وذلك تحت عنوان معبر ومباشر: “تأجيج الصراع في السودان: الأسلحة، المقاتلون، وشبكات الدعم الخارجية”.
يأتي هذا التقرير ليؤكد في استنتاجاته الرئيسية والجوهرية أن الدعم الخارجي هو العامل الأساسي الذي يحافظ على استمرارية العمليات العسكرية ويوسع من قدرات الأطراف المتنازعة في السودان، وهو ما يعود بعواقب وخيمة وكارثية على المدنيين العزل. ومن أبرز التحولات الاستراتيجية التي رصدها التقرير بدقة هو التطور المتزايد والخطير في قدرات الطائرات المسيرة (الدرونز)، والتي مكنت كلا الطرفين من توجيه ضربات عسكرية عميقة تتجاوز خطوط المواجهة المباشرة وتصل إلى مناطق بعيدة جغرافياً. والمفارقة المأساوية التي يسجلها التقرير هنا هي أن هذا التطور التقني والقدرة الفنية الأكبر لم يجلبا حماية أفضل للمدنيين بأي حال من الأحوال، بل على العكس تماماً، فقد وثقت البعثة الدولية هجمات وحشية طالت المدنيين، والمستشفيات، والمدارس، والأسواق، ومخيمات النزوح، بما في ذلك هجمات قد ترقى بموجب القانون الدولي إلى مصاف جرائم الحرب.
ووراء هذه العمليات الجوية والميدانية المعقدة، تقبع شبكات واسعة خفية تعمل على توريد الأسلحة، وتجنيد المقاتلين، وتوفير التدريب، والدعم اللوجستي المستمر. لقد خلصت البعثة إلى وجود أسباب معقولة ومبنية على أدلة للاعتقاد بأن شبكة وطنية وعابرة للحدود قد قامت بتزويد “قوات الدعم السريع” بالأسلحة، والخدمات اللوجستية، والتدريب، بالإضافة إلى العناصر الأجنبية. ومن بين هؤلاء الأجانب، يبرز دور مقاولين كولومبيين تورطوا بشكل مباشر في تشغيل الأسلحة المتقدمة وأنظمة الطائرات المسيرة المعقدة. كما تم تحديد هوية مقاتلين مدربين خارجياً شاركوا بشكل فعال في عمليات عسكرية حساسة في مخيم زمزم ومدينة الفاشر.
على الجانب الآخر من معادلة النزاع، يشير التقرير بوضوح إلى أن الطائرات المسيرة الموردة من الخارج قد وسعت أيضاً من قدرات “القوات المسلحة السودانية” على شن ضربات جوية بعيدة المدى، رغم أن استنتاجات البعثة بشأن الدعم الخارجي المقدم للقوات المسلحة السودانية لا تزال في مراحلها الأولية وتخضع للتحقيق والتدقيق المستمر. ويشدد التقرير على أن هذا الدعم الخارجي المتبادل يستوجب تدقيقاً متزايداً من المجتمع الدولي، خاصة عندما يكون سبباً مباشراً في استدامة عمليات عسكرية تنطوي على انتهاكات خطيرة وجرائم دولية، كما حدث في مدينة الفاشر التي وثقت فيها البعثة سابقاً حدوث جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وسلوكيات ميدانية تحمل بصمات واضحة للإبادة الجماعية.
وفي إطار سعيها الحثيث لوقف هذا النزيف المستمر، توجه البعثة في تقريرها نداءً عاجلاً وحازماً للدول من أجل إنفاذ حظر الأسلحة المفروض على إقليم دارفور، وتعليق كافة عمليات نقل الأسلحة، والطائرات المسيرة، والمكونات العسكرية، أو المساعدة العسكرية، حيثما يوجد خطر كبير ومحتمل لاستخدامها في ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان. ولا يتوقف التقرير عند هذا الحد التوصيفي، بل يدعو مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشكل صريح إلى توسيع نطاق هذا الحظر ليشمل جميع أنحاء السودان دون استثناء. كما تجدد البعثة نداءاتها السابقة والمستمرة بضرورة حماية المدنيين كأولوية قصوى، وضمان المساءلة والمحاسبة عبر سلسلة المسؤولية بأكملها، وتقديم الدعم اللازم للضحايا والناجين من هذه الفظائع المروعة.
عند الغوص في التفاصيل الإجرائية والولائية للتقرير، يوضح النص أنه قُدم وفقاً لقرار مجلس حقوق الإنسان رقم 60/3 الصادر في 6 أكتوبر 2025، والذي جدد ولاية البعثة وأعرب عن قلقه العميق إزاء استنتاجاتها التي تشير إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن كلاً من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع قد انتهكا القانون الدولي الإنساني بما يرقى إلى جرائم حرب، وأن قوات الدعم السريع قد ارتكبت أيضاً جرائم ضد الإنسانية. كما أدان هذا القرار الأممي كافة أشكال التدخل الخارجي في الشأن السوداني، وطالب بإنهاء الدعم المادي لكلا الطرفين، وحث جميع الدول والكيانات الفاعلة على احترام وإنفاذ حظر الأسلحة المفروض على دارفور.
وقد استجابت البعثة أيضاً لطلب مباشر من مجلس حقوق الإنسان، والذي صيغ عقب نقاشه العاجل في 6 يوليو 2026، بإجراء ما أطلق عليه “تحقيق عاجل” في الوضع الأمني المتردي في مدينة الأبيض ومحيطها الجغرافي. وشجع المجلس البعثة على تقديم تحديث شامل حول نتائج هذا التحقيق في دورته الثالثة والستين، بالإضافة إلى إحاطة الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين. وفي سبيل إعداد هذا التقرير الشامل والموثق، حصلت البعثة على مشورة مكثفة من الخبراء المتخصصين، وروايات ميدانية مباشرة من الشهود والناجين، معربة عن امتنانها العميق لتعاونهم الاستثنائي وشجاعتهم في مشاركة تجاربهم القاسية في ظل ظروف محفوفة بالمخاطر.
إلا أن طريق البعثة لجمع هذه المعلومات لم يكن مفروشاً بالورود على الإطلاق؛ فقد أعربت عن قلقها البالغ إزاء التدهور المستمر في بيئة الحماية، وما يتعرض له الناجون، والخبراء، والضحايا، والشهود، وكل من يُعتقد أنه يتعاون مع جهود التوثيق والمساءلة، من مضايقات وحملات ترهيب ممنهجة. ووصف أصحاب المصلحة أجواء قاتمة من الخوف تهيمن على المشهد، نتيجة المراقبة المستمرة، والاعتقالات التعسفية، والأعمال الانتقامية، والتهديدات المباشرة التي تطال الصحفيين، والمحامين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، سواء داخل السودان أو خارجه، من قبل كلا الطرفين المتنازعين. وزاد الطين بلة في هذه المعادلة الصعبة الانقطاع المتكرر للاتصالات السلكية واللاسلكية ومحدودية الاتصال بشبكة الإنترنت، وهي قيود فرضتها الأطراف المتنازعة عمداً لمنع المواطنين في السودان من التواصل مع العالم الخارجي ونقل صورة معاناتهم.
ورغم هذه التحديات الجسام، واصلت البعثة انخراطها المهني وتواصلها الدبلوماسي مع الكيانات الدولية والإقليمية المتعددة لضمان شمولية التقرير. شمل ذلك التنسيق مع مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، والمبعوث الشخصي للأمين العام للسودان، والمستشار الخاص للأمم المتحدة المعني بمنع الإبادة الجماعية، والمبعوث الخاص للاتحاد الأفريقي المعني بمنع الإبادة الجماعية وغيرها من الفظائع الجماعية، بالإضافة إلى الفريق العامل التابع للأمم المتحدة المعني باستخدام المرتزقة، ولجان خبراء الأمم المتحدة المعنية بالسودان وليبيا وجنوب السودان، وصولاً إلى المحكمة الجنائية الدولية.
كما نظمت البعثة أنشطة مشتركة لتوحيد الرؤى مع بعثة الاتحاد الأفريقي المشتركة لتقصي الحقائق بشأن حالة حقوق الإنسان في السودان. وتضمن هذا الجهد المشترك حدثاً جانبياً عُقد في جنيف في مارس 2026، وإصدار بيان مشترك قوي في الذكرى السنوية لاندلاع الصراع في 13 أبريل 2026. وفي مدينة بانجول بدولة غامبيا، شاركت البعثتان جنباً إلى جنب في فعاليات علنية وسرية مخصصة للمجتمع المدني يومي 12 و13 مايو 2026، وتوجت هذه الجهود بإصدار إعلان مشترك في 12 مايو 2026.
على الصعيد الدبلوماسي البحت، تواصلت البعثة بجدية مع عدة دول أعضاء ذات صلة، من بينها تشاد، وكولومبيا، وإثيوبيا، وليبيا، والصومال، وجنوب السودان، وبنما، والإمارات العربية المتحدة. كان الهدف الأساسي من هذا التواصل هو مناقشة وتوضيح الادعاءات المتعلقة بتقديم الدعم لأطراف النزاع من قبل كيانات مسجلة في بعض هذه الدول. وقد قدمت كل من تشاد، وكولومبيا، والإمارات العربية المتحدة ردوداً كتابية وشفهية، وهو أمر ثمنته البعثة عالياً، في حين لم تتلق البعثة أي رد موضوعي أو تعاون من قبل إثيوبيا، أو ليبيا، أو جنوب السودان، أو الصومال، بينما اكتفت بنما بطلب وقت إضافي للرد على الاستفسارات.
أما الحكومة السودانية، فقد واصلت نهج عدم التعاون التام مع البعثة رغم المحاولات المتكررة والمستمرة لفتح قنوات الحوار. ففي 14 يونيو 2026، وجهت البعثة مذكرة شفوية رسمية إلى حكومة السودان عبر بعثتها الدائمة في جنيف، تطلب فيها عقد اجتماع مباشر وتجدد طلبها القديم لزيارة السودان ميدانياً. وعملاً بالممارسة الإجرائية المتبعة، شاركت البعثة المسودة النهائية للتقرير الحالي مع حكومة السودان في 28 أغسطس 2026 لإبداء الرأي، لكنها لم تتلق أي رد على الإطلاق. وبالمثل، سعت البعثة للحصول على معلومات وإيضاحات من “قوات الدعم السريع”، عبر رسائل وجهتها في 18 مايو و12 أغسطس 2026 تطلب فيها عقد اجتماعات مع قيادتها العليا والإجابة على أسئلة معلقة وإضافية. وفي 8 يونيو 2026، اقترحت قوات الدعم السريع عقد مائدة مستديرة للمناقشة، وهو ما رحبت به البعثة مؤكدة استعدادها الفوري للانخراط في الحوار، إلا أنها لم تتلق أي تواصل أو رد لاحق يترجم هذا الاقتراح إلى واقع.
إن الإطار القانوني الصارم الذي تستند إليه البعثة في تقييمها يتطلب من الأطراف كافة الالتزام غير المشروط بالقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. ويشمل هذا الإطار المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الثاني، فضلاً عن الأعراف المستقرة في القانون الدولي العرفي. كما ينطبق القانون الجنائي الدولي بصرامة، وتخضع الحالة الميدانية في دارفور منذ 1 يوليو 2002 لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية للنظر في أي انتهاكات. وتؤكد المادة الأولى المشتركة من اتفاقيات جنيف بوضوح على التزام الدول باحترام القانون الدولي الإنساني وضمان احترامه من قبل الأطراف الأخرى. أما الأطر القانونية الشاملة التي تحكم تدفق الدعم العسكري الخارجي، فتشمل معاهدة تجارة الأسلحة، والاتفاقيات الدولية والإقليمية الحاكمة لأنشطة المرتزقة، ومنها الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم، فضلاً عن اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الأفريقي حالياً) للقضاء على ظاهرة الارتزاق في القارة الأفريقية.
ويشير هذا التقرير إلى نقطة جوهرية ومفصلية تتعلق بنظام العقوبات الذي فرضه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على إقليم دارفور. هذا النظام، بما في ذلك حظر الأسلحة المفروض بموجب القرارين 1556 لعام 2004 و1591 لعام 2005، هو تشريع دولي ملزم لجميع الدول دون أي استثناء أو التفاف. وتلفت البعثة الانتباه بقوة إلى أن الشركات التجارية ومؤسسات الأمن العسكري الخاصة التي تتورط في تقديم دعم عسكري أو لوجستي أو استخباراتي أو تدريبي لأطراف الصراع قد تتحمل مسؤوليات قانونية جسيمة بموجب القوانين الدولية والمحلية المعمول بها، في حين قد يتعرض أفراد وموظفو هذه الشركات للمسؤولية الجنائية الفردية جراء أفعالهم.
لقد استطاعت البعثة عبر تحقيقاتها المعقدة تحديد هويات أفراد وكيانات أجنبية متورطة بشكل مباشر في شبكات تقدم الأسلحة والمقاتلين الأجانب وأشكالاً أخرى من الدعم العسكري واللوجستي للأطراف المتقاتلة. ولكن التزاماً منها بالشفافية والمسؤولية القانونية الدقيقة، أوضحت البعثة أنها لا تعلن أسماء سوى أولئك الذين تم إدراجهم رسمياً من قبل لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن. في الوقت ذاته، تحتفظ البعثة بملفات سرية وموثقة تضم أسماء هؤلاء الأفراد والكيانات الأخرى، وهي ملفات قانونية يمكن مشاركتها مستقبلاً لأغراض المساءلة والمحاكمة وبما يتماشى تماماً مع ولايتها. وفي مسار قضائي موازٍ، تستمر جهود المساءلة الدولية أمام المحكمة الجنائية الدولية وفي عدد من الولايات القضائية المحلية حول العالم، حيث أعلن مكتب المدعي العام للمحكمة صراحة عن تسريع وتيرة جهوده المتعلقة بالجرائم المروعة المرتكبة في مدينتي الجنينة والفاشر.
إن هذا المدخل التحليلي لتقرير البعثة الدولية يأخذنا مباشرة إلى قلب التحول الأبرز والأكثر دموية في مسار الصراع السوداني، وهو ما يمكن تسميته بـ “إعادة تعريف ساحات المعارك”، وهو المحور الذي سيمهد لفهم حجم الكارثة. لقد أحدث الاستخدام المتسارع للتقدم التكنولوجي، وتحديداً التوسع المخيف في قدرات الطائرات المسيرة، تغييراً جذرياً لا رجعة فيه في طبيعة الصراع. هذا التطور الدراماتيكي أدى إلى تمدد النطاق الجغرافي للأعمال العدائية لتشمل مدناً آمنة، وإطالة أمد القتال العنيف دون أي توقف أو هدوء ظاهر، حتى خلال موسم الأمطار الذي كان يعتبر في الحروب السابقة فترة هدوء تكتيكي إجباري للأطراف.
تاريخياً، وفي البدايات الأولى للنزاع، كانت القوات المسلحة السودانية تحتفظ بتفوق جوي تكتيكي واضح بفضل ما تمتلكه من طائرات حربية تقليدية وبنية تحتية عسكرية راسخة، بينما اعتمدت قوات الدعم السريع بشكل حصري تقريباً على القوات البرية المتحركة والسريعة. ولكن بحلول عامي 2025 و2026، انقلبت هذه المعادلة العسكرية رأساً على عقب؛ حيث امتلك كلا الطرفين المتقاتلين أنظمة تكنولوجية متطورة قادرة على إجراء المراقبة الجوية الدقيقة وشن الهجمات الفتاكة عبر خطوط المواجهة، وعلى مسافات جغرافية بعيدة جداً عن مواقع قواتهما البرية. وتنوعت هذه الأنظمة القاتلة ما بين طائرات مسيرة قصيرة المدى مزودة بمراوح متعددة، إلى أنظمة طيران ذات أجنحة ثابتة قابلة لإعادة الاستخدام في مهام متكررة، وصولاً إلى منصات هجومية ذات اتجاه واحد تُعرف بالمسيرات الانتحارية. وتؤكد الأدلة المتوفرة بين يدي البعثة أن هذا التوسع الكبير والمفاجئ في القدرات التدميرية لم يكن ليحدث إطلاقاً لولا الأنظمة، والمكونات التقنية، والأفراد المدربين، والذخائر التي تم الحصول عليها عبر شبكات من مصادر خارجية.
ولم يقف الأمر عند حدود امتلاك التكنولوجيا، بل تعداه إلى كثافة الاستخدام؛ فقد تم استخدام الطائرات المسيرة التابعة لقوات الدعم السريع على نطاق واسع جداً ومكثف في العمليات العسكرية التي جرت رحاها حول مدينة الفاشر، وكذلك في الهجمات المباشرة التي استهدفت مواقع استراتيجية ومدنية في سد مروي، وبورتسودان، وأم درمان، والخرطوم، والأبيض، وذلك في الوقت الذي كانت فيه هذه المواقع الحيوية تخضع بالكامل لسيطرة القوات المسلحة السودانية. كما تم توثيق ورصد عمليات هجومية للطائرات المسيرة في منطقة النيل الأزرق. وفي الآونة الأخيرة، وفي تصعيد موازٍ، وصلت العمليات الجوية للقوات المسلحة السودانية، بما في ذلك هجمات الطائرات المسيرة الدقيقة، إلى مواقع ومناطق تقع في عمق الأراضي التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع في إقليم دارفور، وتحديداً في مدن مثل الضعين ونيالا.
إن هذه الهجمات الجوية المتواصلة، بما فيها تلك التي تنفذها الطائرات المسيرة بدم بارد، والتي تستهدف بلا هوادة طرق النقل الحيوية والبنية التحتية الأساسية، تضاعف بشكل كارثي من الآثار المدمرة للحصار، والعزلة، والنزوح القسري، وتدهور الخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطن البسيط. فالأضرار الهائلة التي تلحق بالبنية التحتية لمحطات الكهرباء، ومستودعات الوقود، ومحطات المياه، وشبكات النقل، والمرافق الصحية تمتد عواقبها الوخيمة لتتجاوز مجرد الموقع المباشر للضربة، حيث تؤدي إلى تعطيل الأنظمة الخدمية المترابطة التي يعتمد عليها بقاء المدنيين على قيد الحياة يوماً بيوم.
لقد أدى هذا التوسع المريع في حرب الطائرات المسيرة إلى تغيير ديموغرافي وجغرافي في خريطة تعرض المدنيين للأعمال العدائية، وجعل هذا التعرض مستمراً ودائماً في كل زمان ومكان. وفي هذا السياق الإحصائي المرعب، وثق مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان مقتل أكثر من ألف مدني بريء جراء غارات الطائرات المسيرة العشوائية أو الموجهة خلال فترة زمنية قصيرة امتدت بين شهري يناير ومايو من عام 2026 فقط. وقد جمعت البعثة الأممية أدلة دامغة لا تقبل الشك، وسبق أن أبلغت رسمياً عن هجمات بربرية طالت مرافق الرعاية الصحية التي تعج بالمرضى، والمدارس، ودور العبادة، والأسواق المكتظة، ومواقع النزوح الهشة، بالإضافة إلى استهداف تجمعات مدنية سلمية بحتة كحفلات الزفاف ومراسم الجنازات، ناهيك عن التدمير الممنهج للبنية التحتية للطاقة.
حينما تتحول المدن إلى مصائد والأعياد إلى مآتم تحت سماء المسيرات
نستكمل قراءتنا المتعمقة والمفصلة لتقرير البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان، والذي يحمل الرمز المرجعي “A/HRC/63/23”. فبعد أن استعرضنا التحول الاستراتيجي الخطير في مسار النزاع ودور شبكات الدعم الخارجية في تأجيجه، نغوص الآن في التفاصيل الميدانية المروعة التي وثقها التقرير، والتي تكشف كيف أعادت تكنولوجيا الطائرات المسيرة تشكيل ساحات المعارك لتطال شرايين الحياة المدنية. يقدم التقرير الأممي أمثلة نموذجية وحالات دراسية تجسد أنماطاً منهجية من الانتهاكات، حيث لا يقتصر النطاق الجغرافي للهجمات على المواقع العسكرية، بل يمتد بوضوح ليشمل هجمات متتالية تعطل البنية التحتية المدنية المترابطة، وتفاقم من الآثار المدمرة للحصار، والعزلة، والنزوح، والقيود المفروضة على الحركة.
تتجلى أولى هذه المآسي الموثقة في مدينة الأبيض، التي يطرحها التقرير كمثال صارخ على الكيفية التي أدت بها هجمات الطائرات المسيرة المتكررة إلى تدهور تدريجي وممنهج للبنية التحتية الأساسية في مدينة ترزح أصلاً تحت وطأة ضغوط شديدة وحصار جزئي خانق. مدينة الأبيض، التي تعد عاصمة ولاية شمال كردفان وقاعدة لفرقة المشاة الخامسة التابعة للقوات المسلحة السودانية، ظلت تحت سيطرة الجيش السوداني في حين اشتدت ضغوط قوات الدعم السريع عليها في شهر يونيو من عام 2026. وفي الفترة ما بين مايو ويوليو 2026، وثق التقرير هجمات ألحقت أضراراً بالغة أو عطلت بالكامل البنية التحتية للكهرباء والوقود، وهو ما أثر بشكل كارثي ومتسلسل على إمدادات المياه، وخدمات الرعاية الصحية، وقطاع النقل، وغيرها من الخدمات الأساسية. ووصف شهود عيان للبعثة وقوع هجمات شبه يومية بالطائرات المسيرة طالت مواقع عسكرية وأحياء سكنية وإمدادات وقود ومرافق حيوية.
وقد أكدت صور الأقمار الصناعية التي استندت إليها البعثة وجود أضرار وقعت بين 25 مايو و25 يونيو في محطة الكهرباء الرئيسية في الأبيض، والعديد من محطات الوقود، والسوق الكبير، وهي أضرار تم تقييمها على أنها تتوافق تماماً مع القصف الجوي. يشير التقرير بأسى إلى أن مدينة الأبيض كانت تواجه في الأساس ندرة مزمنة في المياه، حيث يعتمد إمداد المياه الصالحة للشرب بشكل كبير على الضخ والمعالجة بالطاقة الكهربائية. وأفاد الشهود بأن الهجمات التي استهدفت شبكة الكهرباء عطلت خدمات المياه، مما أجبر السكان المحاصرين على تقليص استهلاكهم المائي والاعتماد بشكل متزايد على مياه الأمطار ومصادر غير آمنة محفوفة بالمخاطر الصحية. ولم يقف التأثير عند هذا الحد، بل إن الهجمات المتكررة على محطات وصهاريج الوقود عطلت حركة النقل المدني والنشاط التجاري، وقلصت من حجم الوقود المتاح لتشغيل المولدات الكهربائية التي تخدم المستشفيات ومرافق المياه. ونتيجة لذلك، كافحت المستشفيات للحفاظ على إمدادات الأكسجين، وخدمات غسيل الكلى، وتخزين الدم، وإجراء العمليات الجراحية الطارئة، وتضاعف هذا الضغط الخدمي مع تدفق النازحين إلى داخل المدينة.
وفي مشهد يدمي القلوب وثقته البعثة في أواخر يونيو 2026، ضربت طائرة مسيرة صهريجاً فارغاً بالقرب من مدرسة “دار الفكر” في الأبيض. وأكد الشهود للبعثة أن هذه المركبة كانت متوقفة ومعطلة عن العمل لسنوات عديدة، ومع ذلك أسفر الهجوم عن سقوط ضحايا مدنيين، من بينهم تلميذة مدرسة بريئة فارقت الحياة لاحقاً متأثرة بإصابة بالغة الخطورة في رأسها. وبناءً على هذه المعطيات، خلصت البعثة إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن عمليات الطائرات المسيرة المكثفة التابعة لقوات الدعم السريع في يونيو 2026 قد أثرت بشكل متكرر على خدمات الكهرباء والوقود والبنية التحتية الأخرى التي تخدم الأبيض.
وإذا كانت الأبيض تجسد معاناة الحصار وتدمير البنية التحتية، فإن مدينة كالوقي بولاية جنوب كردفان تقدم للتقرير فصلاً أكثر دموية يبرز كيف أدت الضربات المتتالية للطائرات المسيرة إلى توسيع نطاق الضرر المدني ليتجاوز الضربة الأولى ويطال المسعفين والمستجيبين الأوائل وسلاسل الإخلاء الطبي. ففي الرابع من ديسمبر لعام 2025، ضربت طائرة مسيرة روضة “نبع الحنان” في كالوقي، التي كانت آنذاك تحت سيطرة القوات المسلحة السودانية، وذلك في الوقت الذي كان فيه الأطفال الصغار ومعلمتهم يستعدون لإقامة حفل مدرسي مبهج. وبمجرد أن تجمع السكان والآباء المفجوعون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ومساعدة المصابين، وقعت ضربة جوية أخرى في نفس الموقع أو في محيطه المباشر، مما أدى إلى مقتل وإصابة العديد من المستجيبين الأوائل.
ولم تتوقف آلة القتل عند بوابة الروضة، بل تتبعت خطا الضحايا. فبينما كان يتم نقل المصابين إلى مستشفى كالوقي الريفي، الذي يبعد حوالي ستمائة متر فقط، وقعت ضربة ثالثة تزامنت مع وصول الجرحى وأقاربهم بالقرب من مركبة تنقل المصابين، مما أسفر عن مقتل سائقها وركابها. وصف الشهود للبعثة حالات من الحروق الشديدة وإصابات الانفجار المروعة بين الأطفال والمسعفين على حد سواء. لقد أسفرت هذه الهجمات المتسلسلة عن مقتل 114 شخصاً، من بينهم حوالي 60 طفلاً، وإصابة 35 آخرين. وظلت المدارس مغلقة لعدة أشهر بعد هذه المجزرة، في حين توقف المستشفى عن العمل لمدة 45 يوماً تقريباً بسبب الرعب الذي تملك الموظفين والسكان من احتمال وقوع ضربات أخرى. وتؤكد البعثة بشكل قاطع أن روايات الشهود والمعلومات المتاحة لم تشر إلى أي استخدام عسكري لروضة الأطفال أو المستشفى وقت وقوع الهجمات، مما قادها للاعتقاد بمسؤولية قوات الدعم السريع عن هذه المجزرة.
وتتوالى الأمثلة المأساوية في تقرير البعثة الأممية، حيث ينتقل بنا إلى مدينة كادقلي، عاصمة ولاية جنوب كردفان، التي كانت بحلول أواخر أكتوبر 2025 تخضع لحصار مطبق جعل الوصول إلى الغذاء والرعاية الصحية والإمدادات الأساسية مقيداً بشدة. وفي الحادي والثلاثين من أكتوبر، ضربت طائرة مسيرة مباني كانت تابعة سابقاً للمنظمة الدولية للهجرة في منطقة “كُلبة”، والتي كانت تُستخدم كمأوى لإيواء العائلات النازحة والفارة من جحيم الصراع. وصف الشهود اندلاع حرائق مروعة وأضراراً لحقت بالمنازل المجاورة وسقوط ضحايا مدنيين متعددين. وأفاد أحد العاملين في المجال الطبي بإصابة سبعة أطفال، توفي خمسة منهم لاحقاً متأثرين بجراحهم، بينما وصف شاهد آخر قريباً نازحاً بُترت ساقه جراء الهجوم. ولم تجد البعثة أي دليل على وجود عسكري للقوات المسلحة السودانية في الموقع أو بالقرب منه، لتخلص إلى مسؤولية قوات الدعم السريع عن هذا الهجوم الذي استهدف نازحين عزل. ولم يكن هذا الهجوم معزولاً، فقد وثق التقرير أيضاً ضربات بطائرات مسيرة في فبراير 2026 أصابت مركز الشُرطاي الصحي في كادقلي، وهجوماً آخر في 15 يناير 2026 استهدف سوق الدلنج، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 12 مدنياً أثناء خضوع المدينة لحصار طويل قيد بشدة الوصول إلى الغذاء والوقود والأدوية.
وعلى الجانب الآخر من النزاع، يسلط التقرير الضوء على المدى الجغرافي الموسع لعمليات الطائرات المسيرة التابعة للقوات المسلحة السودانية، والتي امتدت لتضرب أهدافاً في عمق الأراضي التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، مسببة خسائر فادحة في البنية التحتية المدنية. ويبرز في هذا السياق الهجوم الكارثي على مستشفى الضعين التعليمي في مدينة الضعين، عاصمة ولاية شرق دارفور، والتي تبعد حوالي أربعمائة كيلومتر عن مناطق القتال البري النشط في كردفان. كان هذا المستشفى يمثل مرفق الإحالة العام الرئيسي والأهم لأكثر من مليوني شخص في جميع أنحاء شرق دارفور.
ففي العشرين من مارس لعام 2026، وفي صبيحة أول أيام عيد الفطر المبارك، حيث يتطلع الناس للسلام والطمأنينة، تعرض المستشفى لضربات جوية متتالية بينما كان يكتظ بالمرضى والأقارب والعاملين الطبيين. حدد أحد العاملين في المجال الطبي وقوع ضربتين بفاصل دقائق معدودة؛ أصابت الضربة الأولى منطقة الطوارئ الحساسة، بما في ذلك الصيدلية، وبنك الدم، والمختبر، في حين وقعت الضربة الثانية بينما كان رجال الإنقاذ يحاولون مساعدة المصابين، مما أدى إلى سقوط المزيد من الضحايا ودفع البعض للانسحاب خوفاً من ضربات لاحقة. وصف الشهود مشاهد مروعة لإصابات الانفجارات الشديدة والحرائق، وجثثاً متفحمة أو ممزقة لم يتم التعرف عليها إلا من خلال بقايا الملابس أو المتعلقات الشخصية. أسفر هذا الهجوم عن توقف المستشفى تماماً عن العمل، وتعطيل خدمات الطوارئ والعناية المركزة والجراحة والولادة وطب الأطفال، مما أدى إلى حرمان المجتمعات المحلية من سعة الإحالة الطبية الحيوية في ظل نقص حاد في المرافق الصحية. واضطر المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية متخصصة لاحقاً إلى السفر لأكثر من 150 كيلومتراً للوصول إلى أقرب مستشفى إحالة تالٍ. ورغم تلقي البعثة تقارير تفيد بأن مقاتلين جرحى من قوات الدعم السريع كانوا يتلقون العلاج في المستشفى، إلا أنها لم تحصل على أي معلومات تشير إلى تخزين أسلحة أو شن هجمات من المستشفى أو أي استخدام عسكري يبرر استهدافه، لتخلص إلى أن القوات المسلحة السودانية هي المسؤولة عن هذا الهجوم الذي خلف ما لا يقل عن 70 قتيلاً و146 جريحاً.
ولم تقتصر هجمات القوات المسلحة السودانية على المستشفيات، بل امتدت لتطال أماكن الترفيه والتجارة. ففي السادس من يونيو 2026، سقطت ذخيرة على متجر صغير مسقوف بالصفيح داخل سوق “أبو زعيمة” في حمرة الشيخ بولاية شمال كردفان، حيث كان المراهقون والشباب يتجمعون لاستئجار ولعب ألعاب الفيديو. وأفاد الشهود بسماع أزيز طائرة مسيرة تحلق فوق المنطقة لمدة ثلاثين دقيقة قبل الضربة التي دمرت المتجر وألحقت أضراراً بمخبز مجاور. وقد تم انتشال تسع جثث من الموقع، بينما توفي ثلاثة مصابين لاحقاً، ولم يبلغ الشهود عن أي وجود مسلح أو نشاط لقوات الدعم السريع في السوق في ذلك الوقت، مما يعزز استنتاج البعثة بمسؤولية القوات المسلحة السودانية عن هذا الهجوم المروع على المدنيين
استهداف التجمعات البشرية وشرايين التسليح العابرة للحدود
نواصل تتبع الخيوط الدامية التي غزلها تقرير البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان،”. إذ لم تتوقف آلة الموت الجوي عند تخوم كردفان ودارفور، بل امتدت أذرعها القاتلة لتطال ولاية النيل الأزرق، وتحديداً منطقة يابوس الواقعة في أقصى الجنوب بالقرب من الحدود الإثيوبية. هذه المنطقة، التي تُعد معقلاً استراتيجياً للحركة الشعبية لتحرير السودان-قطاع الشمال (جناح الحلو)، كانت مسرحاً مفتوحاً لهجمات جوية متكررة نفذتها القوات المسلحة السودانية على مدار عام 2026. وفي التاسع والعشرين أو الثلاثين من مارس لعام 2026، شنت طائرة مسيرة هجوماً مروعاً نُسب إلى القوات المسلحة السودانية، استهدف بوضوح السوق الرئيسي للمدينة والمنطقة الحيوية المحيطة بمضخة المياه الأساسية. وتؤكد شهادات الشهود العيان والمعلومات الاستخباراتية التي تلقتها البعثة، مدعومة بالصور ومقاطع الفيديو الفنية لبقايا الذخائر المنفجرة، أن ذخيرتين على الأقل ضربتا هذه المنطقة المكتظة بالسكان المدنيين. أصابت إحداهما قلب السوق الرئيسي، مما ألحق أضراراً بالغة ودماراً واسعاً بالمتاجر والبنية التحتية التجارية، بينما سقطت الذخيرة الأخرى بالقرب من مضخة المياه، لتخطف أرواح ثلاثة عشر مدنياً على الأقل وتصيب آخرين بجروح متفاوتة، من بينهم نساء وأطفال أبرياء كانوا يبحثون عن شربة ماء. ولم يكتفِ الهجوم بحصد الأرواح فحسب، بل ألحق أضراراً هيكلية بمرفق طبي مجاور، وتسبب في إغلاق السوق لعدة أسابيع متتالية، مما أدى إلى شلل تام في التجارة المحلية وقطع سبل الوصول إلى الخدمات الأساسية للسكان المحاصرين.
وتتواصل سلسلة الفظائع الميدانية التي وثقها التقرير لتشمل استهدافاً مباشراً لتجمعات مدنية سلمية لا تمت للعمليات العسكرية أو جبهات القتال بأي صلة. ففي الثامن من أبريل لعام 2026، تحول حفل زفاف مبهج في منطقة كتم بولاية شمال دارفور إلى مأتم حقيقي بعد أن استهدفته غارة جوية غادرة أسفرت عن مقتل حوالي ثلاثين مدنياً في لحظة واحدة. وفي السابع والعشرين من أبريل، طالت يد الدمار مخيم الحصاحيصا، المعروف أيضاً باسم مخيم الحميدية للنازحين في زالنجي، حيث قتلت غارة موجهة بطائرة مسيرة خمسة مدنيين على الأقل وأصابت اثني عشر آخرين كانوا يبحثون عن مأوى آمن بعيداً عن أزيز الرصاص. وفي مشهد يجسد الانهيار التام لأبسط قواعد التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية في هذا الصراع، ضربت طائرة مسيرة في الثاني من أغسطس جلسة لمحكمة عُرفية تقليدية في قرية غرة الزاوية بولاية شمال دارفور. كانت هذه المحكمة، التي تُعد آلية مجتمعية عريقة ومتعارف عليها لحل النزاعات بين الأهالي، تعج بالمدنيين من قادة المجتمع المحلي وكبار السن والقصر، مما أدى إلى مقتل وإصابة عدد كبير منهم في مجزرة مروعة. ورغم التقارير المتداولة التي أشارت إلى وجود شخصين يُوصفان بأنهما ضابطان في قوات الدعم السريع من بين القتلى في ذلك التجمع، إلا أن البعثة أكدت بصورة قاطعة أن وجودهما المحتمل لا يجرد التجمع من طابعه المدني البحت، ولا يجعل من مباني المحكمة العرفية هدفاً عسكرياً مشروعاً بأي حال من الأحوال، خاصة في غياب أي دليل ملموس على وجود نشاط عسكري أو استخدام للمكان في أعمال عدائية.
وينتقل التقرير الأممي ليسلط الضوء على فئة هي الأكثر هشاشة ودفعاً لثمن هذه الحرب العبثية، حيث رصد كيف تتقاطع هجمات الطائرات المسيرة العشوائية والموجهة مع التفاوتات الهيكلية بين الجنسين وحالات النزوح القسري لإنتاج أضرار مضاعفة ومتباينة الأثر على النساء والفتيات. لقد كانت النساء والأطفال يسقطون باستمرار وبشكل منهجي بين قتيل وجريح في الهجمات التي وثقتها البعثة والتي نُسبت لكلا الطرفين المتنازعين. وعلى صعيد صحة الأمومة، وجهت الهجمات العنيفة على المرافق الصحية والبنية التحتية ضربة قاضية للخدمات الطبية الحيوية المخصصة للنساء. ففي مدينة الأبيض، أدت الهجمات المتكررة التي طالت شبكة الكهرباء والمياه إلى تقليص قدرة الرعاية الصحية المحدودة أصلاً، في حين اضطر مستشفى الولادة الرئيسي إلى تعليق عملياته الطبية بالكامل بعد أن ألحقت غارة قريبة بطائرة مسيرة أضراراً جسيمة بغرف العمليات والصيدلية الملحقة به. ونقل التقرير بوضوح عن عاملين في المجال الصحي وصفهم لنقص حاد ومميت في الأدوية المنقذة للحياة، والكوادر الطبية المؤهلة، وخدمات التوليد المتخصصة، مما ضاعف بشكل كبير من مخاطر وفيات الأمهات وحديثي الولادة بسبب غياب الرعاية الطارئة ومشتقات الدم والجراحة العاجلة. والمفزع أن المهنيين الصحيين أبلغوا البعثة عن زيادات ملحوظة ومقلقة في حالات الإجهاض، وولادة أطفال متوفين، ومضاعفات الحمل الخطيرة خلال فترات الهجمات الجوية المتكررة، مرجعين ذلك علمياً إلى الإجهاد النفسي الحاد، وتقييد الحركة، والتأخر في الوصول إلى الرعاية الطبية. أما الأطفال، فقد كانوا ضحايا مباشرين للانفجارات والحروق، وضحايا غير مباشرين لتدمير المدارس وأنظمة المياه الصالحة للشرب ومواقع النزوح، مما أدى إلى حرمانهم من التعليم والرعاية الصحية الأولية، وزيادة مخاطر الحماية بشكل مفزع، خاصة بالنسبة للفتيات اللواتي باتت تتهددهن مخاطر زواج الأطفال، والاستغلال، وأشكال أخرى من العنف القائم على النوع الاجتماعي في ظل غياب سلطة القانون وانهيار سبل العيش.
وأمام هذا السجل المروع من الدماء والدمار الشامل، تخلص البعثة في تقريرها إلى استنتاجات قانونية صارمة لا تقبل التأويل أو التبرير. فقد وجدت أسباباً معقولة وقوية للاعتقاد بأن قوات الدعم السريع قد نفذت سلسلة الهجمات الموثقة في الأبيض، وروضة نبع الحنان في كالوقي، ومستشفى كالوقي الريفي، ومأوى كُلبة للنازحين في كادقلي، دون أن تجد البعثة أي مبرر عسكري أو استخدام حربي يجرّد تلك الأعيان المدنية من حمايتها القانونية الأصيلة. وتؤكد البعثة بحزم أن هذه الهجمات تنتهك التزامات التحقق من الأهداف واتخاذ الاحتياطات اللازمة في الهجوم، بل وترقى إلى مصاف جرائم الحرب نظراً لاستهدافها المتعمد لمرافق مدنية وطبية وتعليمية تحظى بحماية خاصة. وفي ذات السياق القانوني المحايد، توصلت البعثة إلى أسباب معقولة للاعتقاد بأن القوات المسلحة السودانية قد نفذت الضربات الجوية التي طالت مستشفى الضعين التعليمي وأسواق أبو زعيمة ويابوس، مؤكدة أن هذه الهجمات تتنافى كلياً مع مبدأي التمييز والاحتياط، وأن مجرد علاج الجرحى من قوات الدعم السريع في مستشفى الضعين لا يسقط عنه الحماية الخاصة المكفولة للمرضى والجرحى بموجب المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الثاني، مما يجعل استهدافه المتعمد وتدميره جريمة حرب محتملة توجب المساءلة.
وهنا، يغوص في المستنقع الأخطر والسبب الجذري لاستمرار المحرقة، وهو الفصل الخامس المعنون بـ “الشبكات التي تمكن من استمرار وتصعيد الأعمال العدائية”. فالبعثة المستقلة لم تتوقف عند حدود توثيق الجرائم الميدانية ورصد الانتهاكات، بل تتبعت بعناية مسارات الرصاص وخطوط الإمداد اللوجستية التي تُغذي آلة القتل وتطيل أمد المعاناة. لقد تلقت البعثة معلومات مؤكدة وموثوقة تفيد بأن جهات فاعلة خارجية قد لعبت دوراً محورياً وأساسياً في استدامة هذا الصراع الدموي من خلال ضخ الأسلحة المتطورة، والمعدات العسكرية، والدعم المالي واللوجستي، بل وتجنيد وتسهيل عبور المقاتلين الأجانب. هذا الدعم الخارجي السخي والمستمر هو الذي مكّن من تنفيذ عمليات عسكرية واسعة النطاق شابتها انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وبعضها يرقى ليكون جرائم دولية مكتملة الأركان، وهو أمر تجلى بوضوح صارخ في إقليم دارفور، وخاصة أثناء وبعد عملية السيطرة على مدينة الفاشر. وتطبيقاً وتماشياً مع قرار مجلس حقوق الإنسان رقم 60/3، الذي أدان بوضوح التدخل الخارجي، تركز البعثة في هذا الجزء من تحقيقها على الدعم الخارجي المقدم لقوات الدعم السريع، استناداً إلى أدلة قوية ومتقاطعة كشفت عن وجود شبكة إمداد وطنية وعابرة للحدود تعمل كشريان حياة عسكري لهذه القوات.
هذه الشبكة العابرة للحدود، كما يصفها التقرير بدقة متناهية، تعمل عبر مسارات جوية وبرية وبحرية مترابطة ومعقدة، تربط بين أفراد وكيانات متواجدة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وتشاد، وجنوب شرق ليبيا، وإقليم بونتلاند في الصومال. وقد أثبتت الأدلة المستقاة من التحقيقات أن مواقع جغرافية محددة في تشاد وجنوب شرق ليبيا وبونتلاند الصومالية قد عملت كمراكز عبور نشطة ومحطات لوجستية رئيسية تم من خلالها نقل الأسلحة والأفراد والإمدادات العسكرية بسلاسة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع. ووفقاً لشهود يتمتعون بمعرفة مباشرة وعميقة ومصادر مستقلة أخرى استمعت إليها البعثة، تضمنت الإمدادات العسكرية التي تدفقت بشكل مكثف منذ أبريل 2025 أنظمة مدفعية ثقيلة من طراز “نورينكو إيه إتش-4 عيار 155 ملم”، وأنظمة دفاع جوي متطورة من طراز “إف كيه-2000″، ورادارات، ومركبات مدرعة، وسيارات لاند كروزر ذات دفع رباعي، وزياً عسكرياً، وذخائر حية، بل ومعدات طبية ولوجستية مرتبطة بالطائرات المسيرة، بما في ذلك طائرات الاستطلاع والضرب الدقيق من طراز “سي إتش-95” وقدرات الحرب الإلكترونية المصاحبة لها. وقد تم نقل هذا العتاد العسكري الضخم عبر طرق إقليمية ملتوية مرت بمدينة بوساسو في الصومال، وبنغازي والكفرة والجفرة في ليبيا، والأراضي التشادية، قبل أن ينتهي المطاف بصناديق الأسلحة والذخائر ليتم تفريغها من الطائرات الثقيلة في مطار نيالا، الذي أصبح بوابة الموت الرئيسية لتغذية معسكرات قوات الدعم السريع في دارفور وكردفان ومناطق أخرى.
ولم تعتمد البعثة في بناء استنتاجاتها الخطيرة على الروايات الشفهية والشهادات الفردية فحسب، بل لجأت إلى منهجية استقصائية علمية وصارمة تعتمد على مطابقة الأسلحة التي أبلغ عنها الشهود مع الصور والمقاطع المرئية الفضائية والميدانية الموثقة والمصادق على صحتها تقنياً. وقد تطابقت العديد من الأنظمة الصاروخية والدفاعية المبلغ عنها بشكل دقيق لا يقبل الشك مع الأسلحة والمعدات العسكرية التي تم توثيق وجودها الفعلي في المواقع العملياتية التابعة لقوات الدعم السريع. فعلى سبيل المثال العملي، تحققت البعثة من لقطات حية لبقايا طائرات مسيرة تتوافق تماماً مع خصائص أنظمة “سي إتش-95/إف إتش-95” في مواقع متعددة ومتباعدة عبر الجغرافيا السودانية، شملت مدن الفاشر، ونيالا، والأبيض. وفي مشهد يربط بشكل مباشر بين الدعم الخارجي والقتل الميداني للمدنيين، أظهرت لقطات تم التحقق منها وسُجلت في مدينة الأبيض في الثامن والعشرين من فبراير لعام 2026 طائرة مسيرة محطمة، صُنفت فنياً على أنها من طراز “إف إتش-95″، ملقاة على سطح منزل مدني في قلب وسط المدينة المكتظ. وفي نفس ذلك اليوم المشؤوم، أُزهقت أرواح تسعة أشخاص على الأقل وأُصيب العديد من المدنيين العزل في سلسلة من الهجمات المتتالية بالطائرات المسيرة التي استهدفت أحياء الأبيض. إن هذه التحويلات وعمليات النقل المشبوهة للأسلحة تكتسب أهمية بالغة وخطورة قصوى في نظر القانون الدولي والضمير الإنساني، لأنها لم تقتصر على الحفاظ على القدرات العسكرية لقوات الدعم السريع فحسب، بل إن بعض هذه القدرات الفتاكة والأنظمة المتطورة التي تم توفيرها أو دعمها لوجستياً وتقنياً قد استُخدمت بشكل مباشر ومتعمد في عمليات عسكرية ألحقت أضراراً جسيمة ولا تعوض بالمدنيين والأعيان المدنية.
مرتزقة عبر القارات ومحطات عبور تغذي شريان الحرب
تنتقل عدسة التقرير الأممي، من رصد الأجواء الملبدة بالمسيرات القاتلة وتتبع مسارات الأسلحة والذخائر، لتغوص في التفاصيل الدقيقة والأكثر قتامة للعنصر البشري الأجنبي الذي يتقاطر على ساحات القتال السودانية. ففي هذا الجزء من الوثيقة، تُميط البعثة اللثام عن البنية التحتية المعقدة لشبكات العبور والتسهيلات اللوجستية التي حولت دولاً مجاورة وإقليمية إلى منصات انطلاق وممرات خلفية لتغذية النزاع. لقد حددت مصادر متعددة وموثوقة استمعت إليها البعثة مواقع جغرافية محددة داخل دولة تشاد بوصفها ممراً لوجستياً حيوياً تتحرك من خلاله الكوادر البشرية والإمدادات العسكرية بسلاسة نحو مدينة نيالا وغيرها من المناطق الشاسعة الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع في إقليم دارفور. ولم يقتصر الأمر على مجرد تهريب حدودي عشوائي، بل وصف شهود عيان يتمتعون بمعرفة مباشرة بالأحداث رحلات شحن جوي متكررة ومنتظمة تنطلق من مواقع داخل دولة الإمارات العربية المتحدة لتهبط في الأراضي التشادية، لتبدأ بعدها عملية نقل الإمدادات العسكرية والأفراد، بمن فيهم مقاولون عسكريون أجانب، إلى داخل الأراضي التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع في السودان.
ولا تتوقف جغرافيا الإمداد عند الحدود الغربية للسودان، بل تمتد لتشمل الأراضي الليبية في الشمال الغربي. فقد قدم شهود عيان، وخبراء مختصون، بالإضافة إلى مقاطع فيديو وصور أقمار صناعية تم التحقق من صحتها تقنياً، أدلة دامغة تحدد مواقع في جنوب شرق ليبيا، وتحديداً في مدن بنغازي، والكفرة، والجفرة، بوصفها مراكز تجمع رئيسية للأفراد الأجانب والإمدادات العسكرية المتجهة إلى مناطق سيطرة قوات الدعم السريع. ووصفت هذه المدن الثلاث بأنها مراكز استقبال حيوية تستقبل الأسلحة، والمركبات، والوقود، والإمدادات الغذائية، والكوادر العسكرية قبل نقلها براً إلى السودان، وذلك بدعم وتسهيل من كتائب تابعة للجيش الوطني الليبي، بما في ذلك ما يُعرف بـ “كتيبة سبل السلام”.
ولم تكن ليبيا مجرد محطة عبور، بل تحولت أجزاء منها إلى ساحات تدريب وإعداد عسكري متقدم. فقد حصلت البعثة الأممية على أدلة قاطعة تؤكد وجود مرافق تدريب في بنغازي والكفرة، حيث تلقى مقاتلو قوات الدعم السريع تدريبات فنية متخصصة ومكثفة على كيفية تشغيل وصيانة الأسلحة، بما في ذلك بنادق “إيه كيه-47″، وقاذفات الـ “آر بي جي”، والمدافع الرشاشة الثقيلة من طراز “دوشكا”. والمثير للقلق أن مدربين أجانب، من بينهم مواطنون كولومبيون، هم من تولوا تقديم هذه التعليمات الفنية والتدريبات العسكرية الدقيقة. وتستمر فترات التدريب هذه لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر متواصلة، يتم بعدها نشر المشاركين وتوزيعهم على جبهات القتال الساخنة التابعة لقوات الدعم السريع في مناطق كردفان، ودارفور، ومناطق أخرى. بل إن الأمر تجاوز التدريب في القواعد الخلفية، حيث أفادت التقارير بأن هؤلاء المدربين الأجانب رافقوا المجموعات القتالية لمدة شهر على الأقل بعد نشرهم في جبهات القتال المتقدمة لتقديم المشورة التكتيكية الميدانية. وفي السياق ذاته، أفادت تقارير بأن منطقة الجفرة استضافت معسكراً عسكرياً تلقى فيه مقاتلون من السودان، وتشاد، ودول أخرى تدريبات عسكرية مكثفة تمهيداً لنشرهم للقتال في صفوف قوات الدعم السريع. كما شكلت الجفرة مركز عبور حيوي للأفراد المسافرين بين بنغازي والسودان، حيث حددت مواد مفتوحة المصدر تم التحقق منها مقاتلين تابعين لقوات الدعم السريع تلقوا تدريباتهم في ليبيا وشاركوا لاحقاً بشكل مباشر في الهجمات المروعة التي استهدفت مخيم زمزم في أبريل 2025 ومدينة الفاشر في أكتوبر 2025.
وعلى الساحل الشرقي للقارة الأفريقية، برزت مدينة بوساسو في إقليم بونتلاند بالصومال كعقدة لوجستية متكررة ومحطة عبور تستخدمها جهات خارجية حتى تاريخ إعداد التقرير. وتشمل هذه الجهات الخارجية أفراداً وكيانات تتخذ من دولة الإمارات العربية المتحدة مقراً لها، حيث تُستخدم بوساسو لتمرير الأفراد والبضائع المتجهة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع. وقد وصفت مصادر موثوقة للبعثة رحلات شحن متتابعة لطائرات من طراز “إليوشن-76” تربط في مسارها الجوي بين بوساسو، والكفرة، وبنغازي، وتشاد، ليتم من خلالها نقل البضائع والأفراد لاحقاً إلى داخل الأراضي السودانية المشتعلة. وعلاوة على ذلك، أبلغ شهود عيان البعثة بأن أفراداً وكيانات مقرها الإمارات العربية المتحدة تحتفظ بمرافق خاصة في بوساسو، تشمل قاعدة عسكرية يمر عبرها هؤلاء المقاولون الأجانب قبل انتقالهم إلى ساحات القتال.
وفي تفصيل استقصائي يعكس حجم التدخل الدولي في هذا النزاع، يسلط التقرير الضوء على ظاهرة تجنيد المقاولين الكولومبيين كعنصر بارز ومؤثر في مسار الحرب. فمنذ شهر أغسطس من عام 2024 على أقل تقدير، شكلت عمليات تجنيد ونشر مقاولين أجانب، وتحديداً من حملة الجنسية الكولومبية، مكوناً رئيسياً وأساسياً في شبكة الدعم العابرة للحدود الوطنية لعمليات قوات الدعم السريع. ووصفت مصادر متعددة للبعثة نظاماً هيكلياً دقيقاً ومحكماً يتم من خلاله تجنيد أفراد عسكريين كولومبيين سابقين، وتدريبهم، ثم نشرهم لتقديم الدعم الفني والقتالي لقوات الدعم السريع. وفي حين تباينت التقديرات المتعلقة بأعداد هؤلاء المقاولين الكولومبيين بشكل كبير، حيث تراوحت بين 350 و2000 فرد، إلا أن البعثة، واستناداً إلى مصادر مستقلة وموثوقة بما في ذلك معلومات تشير إلى أن عمليات تجنيد الكولومبيين للانتشار في السودان لا تزال جارية ومستمرة، تُقدر أن العدد الإجمالي قد يقترب بالفعل من ألفي مقاتل وخبير عسكري.
وقد مكنت شهادات الشهود والأدلة الوثائقية التي جمعتها البعثة من تحديد الكيانات الرئيسية المسؤولة عن هذه الشبكة، وهي كيانات مسجلة في كولومبيا ودولة الإمارات العربية المتحدة، وتعمل بتنسيق وثيق ومباشر في عملية تجنيد ونشر هؤلاء المقاولين في السودان. وحصلت البعثة على أدلة موثوقة تشير إلى أن هذه الكيانات لعبت دوراً مهماً وحاسماً في تسهيل ترتيبات التجنيد، وإبرام العقود، وتأمين وسائل النقل، وتنظيم عمليات الانتشار الميداني. والمفارقة هنا، بحسب ما وثقه التقرير، أن بعض هؤلاء المقاولين لم يتم إبلاغهم في وقت التجنيد بأن وجهتهم النهائية ستكون ساحات القتال في السودان، بينما أفاد آخرون بأنهم تلقوا رواتب فعلية أقل بكثير مما تم النص عليه في عقودهم المغرية. وقد أدى هذا النشاط غير المشروع إلى عواقب قانونية دولية، حيث كان مؤسس أحد هذه الكيانات الرئيسية، وهو العقيد “ألفارو أندريس كويخانو بيسيرا”، يقيم في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، في حين تولت زوجته، السيدة “كلوديا فيفيانا أوليفيروس فوريرو”، تنسيق عمليات التجنيد في كولومبيا. ونتيجة لدورهما المحوري في تجنيد ونشر عسكريين كولومبيين سابقين في السودان، تم فرض عقوبات عليهما من قبل لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 28 أبريل 2026.
وتتفرع مسارات تهريب هؤلاء المرتزقة لتأخذ أشكالاً وطرقاً متعددة ومموهة. فقد وصف الشهود للبعثة طرقاً مختلفة استُخدمت لنشر المقاولين الكولومبيين في السودان؛ حيث سلكت المجموعات الأولى مسارات مرت عبر الإمارات العربية المتحدة، ثم بوساسو، فبنغازي، قبل أن تعبر الممرات الصحراوية الوعرة في جنوب ليبيا لتصل أخيراً إلى دارفور. أما المجموعات اللاحقة، فقد أفادت التقارير بأنها سافرت أيضاً عبر بوساسو أو الإمارات، مارة بتشاد، قبل أن تتسلل إلى السودان عبر مطار نيالا الحيوي. وتشير شهادات الشهود بوضوح إلى أنه عند وصول هؤلاء المجندين إلى دبي أو أبو ظبي، كان يتم نقلهم فوراً إلى منشأة عسكرية متخصصة في منطقة “غياثي” بدولة الإمارات، للخضوع لمدة شهرين تقريباً من التدريب العسكري المكثف على يد مدربين محترفين من دول مختلفة، وذلك جنباً إلى جنب مع عناصر من قوات الدعم السريع. وقد غطت هذه التدريبات التكتيكية عمليات الطائرات المسيرة، وأنظمة النيران غير المباشرة المدمرة، وأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة، وغيرها من أنظمة الأسلحة الفتاكة.
وبمجرد وصولهم إلى الأراضي السودانية، لم يقتصر دور المقاولين الكولومبيين على القتال التقليدي، بل لعبوا دوراً استراتيجياً وحيوياً في تشغيل وصيانة طائرات المراقبة الدقيقة، وطائرات الضربات الجوية، والمسيرات الانتحارية، كما دعموا بشكل فعال نشر سلاح المدفعية والأسلحة المتطورة الأخرى، وقدموا دعماً استخباراتياً مهماً، وخدمات صيانة فنية متخصصة، وتعليمات عسكرية متقدمة. وقد تمركز الكثير من هؤلاء الخبراء في معسكرات داخل مدينة نيالا وحولها، بما في ذلك مطار نيالا الاستراتيجي، حيث أداروا بكفاءة أنظمة الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي المعقدة. وفي بعض الحالات الحرجة، بقي المقاولون الكولومبيون مسؤولين بشكل مباشر وحصري عن تشغيل وصيانة أنظمة الطائرات المسيرة دون نقل هذه المهمة التقنية أو تسليمها لأعضاء قوات الدعم السريع. وأشار شهود عيان إلى أن بعض هؤلاء المقاولين ظلوا مدمجين بشكل دائم إلى جانب هذه الأنظمة أثناء العمليات العسكرية الفعلية، نظراً لأن الخبرة الفنية والتقنية اللازمة لتشغيلها لم تكن متوفرة على نطاق واسع داخل صفوف قوات الدعم السريع.
الفاشر تحت الحصار، تدمير المستشفيات، والتجويع الممنهج
ننتقل من تتبع شبكات التسليح والمرتزقة الأجانب، إلى استعراض النتائج الكارثية والمباشرة لهذا الدعم الخارجي الممتد على واحدة من أهم جبهات الصراع وأكثرها دموية، ألا وهي معركة الفاشر. تمثل الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، نموذجاً مصغراً للمأساة السودانية بأكملها، فقد تحولت من ملاذ آمن احتضن مئات الآلاف من النازحين الفارين من جحيم العنف والقتل في مدن دارفور الأخرى، إلى مصيدة موت محكمة الإغلاق. يسرد التقرير بتفصيل مروع كيف أن ترسانة الأسلحة المتطورة، التي شملت المدفعية الثقيلة، وأنظمة الصواريخ، والمسيرات الانتحارية الموجهة بخبرات وتقنيات أجنبية، قد استُخدمت بشكل ممنهج لكسر صمود المدينة وإبادة مظاهر الحياة فيها. فلم تكتفِ القوات المهاجمة بمحاصرة المدينة عسكرياً، بل طبقت استراتيجية خنق بطيء ومحكم، دمرت خلالها كل مقومات البقاء الأساسية التي تبقي ملايين السكان والنازحين على قيد الحياة.
ويبرز التقرير الأممي استهداف البنية التحتية الطبية في الفاشر كواحد من أبشع الانتهاكات الموثقة التي ترقى إلى مستوى جرائم الحرب المكتملة الأركان بموجب القانون الدولي. فقد وثقت البعثة هجمات متكررة ومباشرة على “المستشفى الجنوبي”، الذي كان يُعد المرفق الطبي الرئيسي والوحيد القادر على تقديم الرعاية الجراحية الطارئة لضحايا القصف المستمر. وبدلاً من تحييد هذا المرفق الإنساني الحساس، تعرض لقصف مدفعي مركز وغارات دقيقة أدت إلى تدمير أجزاء واسعة منه، ومقتل وإصابة العديد من المرضى والكوادر الطبية والنازحين الذين احتموا بأسواره أملاً في النجاة. ولم يقتصر الأمر على القصف العشوائي من بعد، بل تزامنت هذه الهجمات الصاروخية مع عمليات اقتحام وتخريب متعمدة، شملت نهب الأدوية والمعدات الطبية النادرة، وتدمير سيارات الإسعاف، مما أدى إلى خروج المستشفى تماماً عن الخدمة، وترك الآلاف من الجرحى، والنساء الحوامل، والمصابين بأمراض مزمنة، يواجهون مصيراً محتوماً في ظل غياب أي بديل طبي قادر على استيعاب هذه الأعداد الهائلة.
وإلى جانب تدمير القطاع الصحي المنهك أصلاً، يسلط التقرير الضوء على بُعد آخر من أبعاد الإبادة المنهجية في الفاشر ومحيطها، وهو استخدام التجويع ومنع المساعدات الإنسانية كسلاح فتاك في العمليات العسكرية. لقد أشار التقرير بوضوح إلى أن الحصار العسكري الصارم ترافق مع إغلاق متعمد للطرق التجارية الحيوية وخطوط إمداد الإغاثة، مما أدى إلى نضوب المواد الغذائية الأساسية، وانعدام مياه الشرب النظيفة، وارتفاع أسعار ما تبقى من سلع إلى مستويات خيالية تفوق قدرة النازحين الذين فقدوا كل مصادر دخلهم وممتلكاتهم. وقد استمعت البعثة إلى شهادات مروعة من ناجين وعاملين في المجال الإغاثي أكدوا فيها تعمد اعتراض قوافل الإغاثة القليلة التي حاولت بشق الأنفس الوصول إلى محيط الفاشر، حيث تمت مصادرة محتوياتها أو تدميرها بالكامل، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني الذي يفرض ضمان المرور السريع وغير المعاق للمساعدات الإنسانية للمدنيين المحتاجين. إن هذا التجويع القسري لم يكن نتيجة ثانوية أو عرضية لتبادل إطلاق النار، بل كان، وفقاً للاستنتاجات القاطعة للبعثة، تكتيكاً مقصوداً ومدروساً يهدف إلى إخضاع السكان، ودفعهم إما للموت البطيء جوعاً ومرضاً، أو إجبارهم على النزوح القسري عبر ممرات وطرق محفوفة بمخاطر التصفية الجسدية.
ولم تقف الانتهاكات عند حد التدمير والتجويع، بل امتدت لتشمل أبعاداً عرقية مخيفة تعيد إلى الأذهان فظائع الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي شهدها إقليم دارفور في مطلع الألفية. فقد وثقت البعثة الدولية عمليات استهداف واسعة النطاق على أساس الهوية العرقية والقبلية في الأحياء المحيطة بالفاشر وفي القرى والبلدات المجاورة لها. وأفاد شهود عيان، نجوا من هذه المجازر، بأن موجات الهجوم البري ترافقت مع خطابات كراهية صريحة وتحريض عرقي، حيث تم إحراق أحياء سكنية كاملة وتدمير مصادر المياه لمنع السكان من التفكير في العودة إلى ديارهم مستقبلاً. وترافقت هذه الهجمات الموجهة والمكثفة مع تقارير مروعة ومقلقة للغاية عن تصاعد معدلات العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، حيث تم استخدام الاغتصاب كسلاح لإذلال المجتمعات وترويعها ودفعها للفرار، في ظل انهيار تام لمنظومة الحماية القانونية والأمنية، وتحول أجزاء واسعة من الولاية إلى ساحة مفتوحة للاستباحة الكاملة التي لا تخضع لأي رادع أخلاقي أو ديني.
وتؤكد البعثة في هذا السياق التحليلي أن توفر الأسلحة المتقدمة بفضل الدعم الخارجي المستمر لم يزد من حدة المعارك فحسب، بل شجع الجناة على التمادي في ارتكاب هذه الفظائع بشعور مطلق بالحصانة والإفلات من العقاب. فالمسيرات الهجومية التي حلقت بكثافة فوق سماء الفاشر لم تكن مجرد أدوات استطلاع عسكري تقليدي، بل كانت تدير مسرحاً حقيقياً للرعب، تلاحق الفارين، وتوجه قذائف المدفعية الثقيلة بدقة قاتلة نحو تجمعات النازحين في المخيمات المكتظة، مثل مخيم أبو شوك ومخيم زمزم، اللذين تعرضا لقصف متكرر أوقع مئات الضحايا الأبرياء. إن هذه السلسلة المتصلة من الجرائم الموثقة بدقة تعكس تحولاً خطيراً في طبيعة النزاع، حيث تضافرت القدرات العسكرية المدعومة أجنبياً مع النوايا التدميرية لإنتاج كارثة إنسانية معقدة لا يمكن استيعاب أبعادها العميقة بمجرد قراءة الأرقام وإحصائيات القتلى والجرحى، بل تتطلب وعياً بحجم الجريمة المرتكبة بحق ملايين المدنيين المحاصرين.
جدار الإنكار الدبلوماسي ونداءات العدالة الدولية المؤجلة
نصل إلى نقطة المواجهة الحتمية بين فظاعة الوقائع الميدانية الموثقة والمواقف الرسمية للدول المتورطة، وصولاً إلى التوصيات الختامية التي تضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني وتاريخي غير مسبوق. فبعد أن عرى التقرير شبكات التسليح المعقدة ومسارات المرتزقة التي غذت آلة الموت، يخصص مساحة هامة لرصد ردود الأفعال الرسمية والدبلوماسية لتلك الدول التي وردت أسماؤها كأطراف فاعلة أو محطات عبور في هذه الحرب المدمرة. وهنا، تصطدم مساعي كشف الحقيقة بجدار صلب من الإنكار الدبلوماسي المتوقع، حيث سارعت الدول المعنية إلى نفي أي تورط رسمي في تأجيج الصراع، متذرعة بتقديم المساعدات الإنسانية والطبية، أو متجاهلة تماماً للرسائل والاستفسارات الرسمية التي وجهتها البعثة الأممية للحصول على توضيحات بشأن الأسلحة والرحلات الجوية المشبوهة.
ويشير التقرير إلى أن البعثة وجهت مراسلات رسمية وطلبات استيضاح إلى حكومات الدول التي تم تحديدها كعقد لوجستية أو مصادر تسليح أساسية. وفي ردودها المكتوبة والبيانات العامة، نفت بعض الدول بشكل قاطع أي تورط في توفير الدعم العسكري أو المالي لأي من الأطراف المتنازعة في السودان، مؤكدة أن رحلاتها الجوية نحو دول الجوار كانت مخصصة حصرياً لأغراض إنسانية بحتة، مثل إقامة مستشفيات ميدانية لدعم اللاجئين السودانيين الفارين من جحيم الحرب. وبالمثل، التزمت دول أخرى الصمت التام أو قدمت إجابات مقتضبة تنفي وجود أي أنشطة لتهريب الأسلحة أو عبور المرتزقة عبر حدودها البرية والجوية والبحرية. إلا أن البعثة، مستندة إلى استقلاليتها ومنهجيتها الصارمة، لم تعتبر هذا الإنكار الدبلوماسي نهاية للمطاف، بل اعتبرته تناقضاً صارخاً مع الأدلة المادية الموثقة، وصور الأقمار الصناعية، وإفادات الشهود العيان، وبيانات تتبع الرحلات الجوية التي تؤكد استمرار تدفق العتاد العسكري الفتاك وتوظيفه المباشر في ارتكاب انتهاكات جسيمة وواسعة النطاق.
ومن رحم هذا التناقض الجذري بين الخطاب الدبلوماسي والواقع الميداني الدامي، تبرز الاستنتاجات القانونية الصارمة للبعثة لتضع النقاط على الحروف وفقاً لنصوص القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. فقد خلصت البعثة، بناءً على معيار الأسباب المعقولة للاعتقاد، إلى أن كلا الطرفين الرئيسيين في النزاع، القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بالإضافة إلى الميليشيات المسلحة والقوات المتحالفة معهما، قد ارتكبوا انتهاكات مروعة ترقى دون أدنى شك إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وتشمل هذه الجرائم الموثقة القتل العمد، واستهداف المدنيين والأعيان المدنية بشكل عشوائي ومباشر، وتدمير المستشفيات والمدارس والبنى التحتية الحيوية، والتهجير القسري الممنهج لملايين البشر، واستخدام التجويع كأداة وأسلوب من أساليب الحرب، فضلاً عن ارتكاب أفظع أشكال العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي. وتؤكد البعثة أن هذه الجرائم لم تكن حوادث معزولة أو أخطاء فردية عابرة، بل مثلت نمطاً منهجياً وواسع النطاق يعكس سياسة متعمدة لتدمير الخصم وحاضنته الاجتماعية بأي ثمن، في استخفاف تام بأرواح الملايين من الأبرياء.
وأمام هذا السجل الكارثي من الانتهاكات المستمرة، لم تكتفِ البعثة بتوصيف الواقع القانوني المشين، بل انتقلت لتطرح حزمة من التوصيات العملية والملحة الرامية إلى كبح جماح هذه المذبحة المفتوحة وضمان عدم إفلات الجناة من العقاب. وتأتي في مقدمة هذه التوصيات الدعوة الصريحة والعاجلة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لتوسيع نطاق حظر الأسلحة المفروض حالياً على إقليم دارفور ليشمل جميع أنحاء السودان دون استثناء، وتفعيل آليات مراقبة دولية صارمة ومستقلة لضمان امتثال جميع الدول ووقف تدفق الأسلحة والذخائر والمرتزقة. كما طالبت البعثة بضرورة التحرك الفوري لتوفير حماية دولية فعلية للمدنيين المحاصرين، وهو ما يتطلب التفكير الجدي والسريع في نشر قوة دولية مستقلة ومحايدة لحماية المدنيين، تمتلك تفويضاً واضحاً وقدرات حقيقية لردع الهجمات، وتأمين ممرات إنسانية آمنة تضمن وصول المساعدات الإغاثية العاجلة إلى ملايين الجوعى والمرضى والنازحين.
وفيما يتعلق بمسار العدالة الشاملة المؤجل، وجه التقرير نداءً حاسماً للمحكمة الجنائية الدولية لتوسيع تحقيقاتها الحالية لتشمل كافة الجرائم المرتكبة في جميع أنحاء السودان منذ اندلاع النزاع الشامل، مع التأكيد على ضرورة إنشاء آلية قضائية دولية متخصصة ومستقلة تتولى محاكمة كبار القادة العسكريين والسياسيين، والجهات الداعمة التي يثبت تورطها في التخطيط أو التمويل أو التنفيذ لهذه الفظائع. وتختتم البعثة تقريرها التاريخي برسالة إنذار واضحة مفادها أن استمرار تقاعس المجتمع الدولي، واكتفائه ببيانات التنديد والمناشدات الخجولة، لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الحرب، وتعميق جراح المدنيين، وتحويل السودان إلى بؤرة فوضى إقليمية شاملة تهدد أمن واستقرار القارة بأسرها، مؤكدة أن تفعيل المساءلة الجنائية وتوفير الحماية الميدانية الفورية هما السبيل الوحيد لإنقاذ ما تبقى من مقومات الحياة لشعب يرزح تحت وطأة حرب لا ترحم.




