محمد: نبي السلام وسط صراع الإمبراطوريات

السياق الجيوسياسي وميلاد حركة السلام في عالم ممزق
يقدم كتاب “محمد: نبي السلام وسط صراع الإمبراطوريات” للكاتب خوان كول، الصادر عن دار “نيشن بوكس” في نيويورك عام 2018، إعادة قراءة جذرية وعميقة للتاريخ الإسلامي المبكر. يطرح الكاتب رؤية مغايرة تماماً للسرديات الاستشراقية التقليدية، حيث يفكك الصور النمطية التي ربطت الإسلام في بداياته بالحرب، ليقدم بدلاً من ذلك تحليلاً لمؤرخ غير مسلم يبرز كيف نشأ هذا الدين كحركة إصلاحية تسعى للسلام في خضم حرب عالمية طاحنة. اندلعت هذه الحرب في القرن السابع الميلادي بين الإمبراطوريتين الرومانية والساسانية الإيرانية، واتسمت بوحشية منقطعة النظير استمرت لقرابة ثلاثة عقود متواصلة. زحفت الجيوش الإمبراطورية بدموية عبر الشرق الأدنى، والهلال الخصيب، وآسيا الصغرى، وصولاً إلى البلقان، تاركة وراءها دماراً هائلاً.
يوضح النص القرآني بشكل جلي أن هذا الصراع العنيف بين الأباطرة المتنافسين، الذين أطلق عليهم المعاصرون لقب “عيني الأرض”، قد شكل سياقاً أساسياً لا يمكن تجاهله لفهم مهمة النبي محمد. ومع ذلك، فإن المؤرخين لم يبدؤوا إلا مؤخراً في استكشاف حياة النبي وفكره من خلال هذا الإطار الجيوسياسي الواسع. يجادل هذا العمل بأن الإسلام المبكر كان حركة مشبعة بقيم صنع السلام، كرد فعل مباشر على المذابح التي خلفتها تلك الحرب الطويلة وما رافقها من صراعات دينية طائفية. وقد أدت الصراعات التاريخية اللاحقة بين المسيحيين والمسلمين، بدءاً من الحروب الصليبية وصولاً إلى الحقبة الاستعمارية، إلى تركيز الكتاب ذوي الأصول الأوروبية على ثنائية الحرب والإسلام، مما أدى إلى إهمال البعد السلمي والتعاوني بشكل شبه كامل.
يؤكد هذا البحث المستفيض أن القرآن الكريم يشدد بقوة على حرية الضمير والتسامح مع الأعداء، ويحرم بشكل قاطع الحروب العدوانية غير المبررة. كما أنه يعد بالخلاص لجميع الموحدين الصالحين، ولا يقصر ذلك على أتباع النبي محمد فحسب. إن سوء الفهم العميق لهذه المبادئ نتج عن أسباب متعددة، منها الأيديولوجيات الإمبراطورية التي ظهرت لاحقاً في الإمبراطوريتين البيزنطية والعباسية، فضلاً عن الفشل في قراءة النص القرآني مقارنة بالنصوص الرومانية والإيرانية المعاصرة له، وهو الإجراء الذي يسمح بفهم أعمق لقيمه واهتماماته في سياق عصره.
شكل الغزو الإيراني للأراضي الرومانية ابتداءً من عام 603 ميلادية تهديداً مباشراً لاستقلال شبه الجزيرة العربية الغربية، وهي المنطقة التي اتخذها النبي محمد قاعدة له. وقد اعتبر المعاصرون الغزو الساساني لمدينة القدس عام 614 حدثاً مروعاً يحمل طابعاً نهاية العالم، مما أثار استجابة روحية عميقة لدى النبي. تكشف القراءة المتأنية للقرآن أن الشعور بالضيق الشديد من المذابح التي شهدها ذلك العصر دفع النبي محمد لقضاء النصف الأول من مسيرته النبوية (بين عامي 610 و622) في تصور مجتمع بديل يتأسس بثبات على ممارسات السلام. يوجه القرآن المؤمنين مراراً وتكراراً إلى “دفع السيئة بالحسنة”، ومسامحة مضطهديهم، وتمني السلام لأولئك الذين يضايقونهم. تزامنت هذه الآيات مع اندلاع صراعات مريرة بين المسيحيين واليهود والزرادشتيين وبقايا الوثنيين، الذين انخرطوا كأطراف في صراع الإمبراطوريات المحتدم حولهم.
في هذا السياق المضطرب، نشأ النبي محمد في مدينة مكة، وهي مدينة حرم وملاذ آمن في غرب شبه الجزيرة العربية، تمثل منطقة سلام وسط قبائل متناحرة. تولت عشيرته، بنو هاشم، مسؤولية رعاية الكعبة، وهو ضريح مكعب الشكل مكرس لله العلي، حيث حافظوا على الوئام والسلام في المنطقة طوال العام. اعتمدت قبيلة قريش في معيشتها على هذا الضريح المقدس وهالة السلام التي يلقيها على منطقة تهامة الساحلية المحاذية للبحر الأحمر. نظم المكيون رحلات تجارية وأقاموا معارض جذبت التجار من جميع أنحاء المنطقة، في حي تحده الإمبراطورية الرومانية من الشمال والإمبراطورية الساسانية من الجنوب والشرق.
عاش النبي محمد يتمياً، وربما نظر إلى السلام والصراع من منظور بدايته الصعبة في الحياة. تشير التقاليد إلى أن والده عبد الله توفي بحمى في يثرب (المدينة المنورة لاحقاً) أثناء عودته من رحلة تجارية إلى غزة، بينما كانت والدته حاملاً به. في ذلك “عام الفيل”، حوالي 567 ميلادية، صدت مكة غزواً قادماً من اليمن. وعندما بلغ السادسة من عمره، توفيت والدته آمنة أثناء رحلة العودة من زيارة أقاربها في يثرب، ليصبح الطفل يتيماً الأبوين. تولى جده عبد المطلب، كبير بني هاشم، رعايته، وكان يتمتع بمكانة اجتماعية مرموقة كحارس لبئر زمزم المقدس الذي أعاد اكتشافه، والذي وفر المياه للحجاج القادمين إلى مكة.
على الرغم من مكانتهم الاجتماعية كحراس للكعبة، افتقر بنو هاشم إلى الثروة والقوة التي تمتلكها بعض العشائر الأخرى. عانى محمد اليتيم من بعض الإذلال كونه العضو الأقل شأناً في عشيرته، حيث عمل راعياً لجده، وتعرض للمضايقة من أعمامه وأبناء عمومته بسبب افتقاره إلى أب يحميه. تروي الحكايات كيف حاول أعمامه طرده من بساط جده أمام الكعبة، قبل أن يتدخل عبد المطلب لإيقافهم. لاحقاً، سيشير القرآن الكريم إلى ضرورة إطعام اليتيم والمسكين، في انعكاس لهذه التجربة المبكرة. بعد وفاة جده، انتقل محمد إلى كنف عمه أبو طالب، الذي أصبح الزعيم الجديد لبني هاشم.
عندما بلغ الخامسة والعشرين، سنحت لمحمد فرصة لتغيير حياته عندما رشحه عمه أبو طالب لإدارة القافلة التجارية العائدة لخديجة بنت خويلد، أثرى تجار مكة وأكثر أراملها شأناً. كانت خديجة تمتلك رأس مال تجاري ضخم يعادل ربما نصف ما يمتلكه باقي تجار المدينة مجتمعين. بعد أن قابلته وتأكدت من أمانته، أسندت إليه ضعف ما كانت تسنده لغيره من السلع، وأرسلت معه خادمها ميسرة.
انطلقت القافلة في رحلة محفوفة بالمخاطر عبر عالم أواخر القرن السادس المضطرب، ربما في أغسطس من عام 592 ميلادية. ودعهم أهالي مكة بأجواء احتفالية، بينما ارتدى محمد والتجار الآخرون أثواباً بيضاء تشير إلى صفتهم كتجار-كهنة مسالمين، مما أرسل رسالة واضحة للقبائل المعادية بأنهم يسافرون بين المحرمات تحت حماية الله الخالق، ولا يحملون أي نوايا حربية. استمتع بنو هاشم بميزة خاصة في هذا الصدد بفضل دورهم كحراس للكعبة، وهو دور احترمه حتى رجال القبائل الريفية القاسية.
توقفت القافلة في واحة يثرب المليئة بنخيل التمر، حيث تزودوا بالمياه الطازجة والتمور قبل الانطلاق شمالاً في رحلة قاسية عبر الصحراء القاحلة. كان حاكم يثرب في ذلك الوقت تابعاً للإمبراطورية الساسانية من قبيلة الخزرج، لكن المكيين حافظوا على حيادهم الصارم بين إيران والروم. زار محمد أقاربه في المدينة، حيث كانت جدة والده الكبرى، سلمى، امرأة خزرجية من بني النجار.
واجه المسافرون تحديات هائلة خلال رحلتهم، من درجات الحرارة الحارقة والعواصف الرملية إلى احتمال التعرض لقطاع الطرق. كان المجتمع العربي يتكون من قبائل وعشائر تنخرط أحياناً في غارات على قطعان الآخرين. وقد انتعش طريق التجارة من مكة إلى الأراضي الرومانية العربية في الثلث الأخير من القرن السادس، ويرجع ذلك جزئياً إلى الازدهار غير العادي لمنطقة شرق الأردن في تلك الحقبة، وجزئياً إلى الغزو الإيراني لليمن في أوائل سبعينيات القرن السادس، مما جعل التجارة البرية أكثر ربحية بعد سيطرة الساسانيين على مضيق باب المندب.
اعتمدت هذه الرحلات التجارية المكية على معرفة دقيقة بتضاريس الريف الوعر، وأماكن تواجد الآبار، ومواقع تمركز العصابات. بوصفه سليل بني هاشم المتخصصين في تسوية النزاعات وحفظ السلام، وجد محمد نفسه مضطراً للتفاوض مع القبائل المحلية لتأمين مرور القافلة. اعتمد المكيون على شبكة من التحالفات والمعاهدات غير الرسمية مع معظم قبائل الحجاز وشرق الأردن، والتي سمحت لقوافلهم بالمرور بأمان. وقد أشار القرآن لاحقاً إلى هذه الشبكة من الالتزامات المعاهداتية كنعمة إلهية أتاحت لقريش رحلتي الشتاء والصيف.
بهذا الأسلوب الهادئ الذي يعطي الأولوية للسلام وتجنب الصدام، بنى النبي الشاب خبرته في عالم يعج بالاضطرابات، لتبدأ ملامح رؤيته السلمية في التشكل وسط عالم لا يعرف سوى لغة السيف، في انتظار الوحي الذي سيقلب موازين التاريخ.
رحلات الشام، حلف الفضول، وإرهاصات الوحي في عالم مادي
تجاوزت القافلة المكية بقيادة الشاب محمد قسوة الصحراء، لتصل أخيراً إلى مشارف بلاد الشام، وتحديداً إلى المراكز التجارية المزدهرة على تخوم الإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية). في مدن مثل بصرى وغزة، انفتحت أمام عينيه بوابات عالم مختلف تماماً عن العزلة الجغرافية لشبه الجزيرة العربية. كانت هذه المدن الحدودية تعج بالحركة، وتخضع لنفوذ الغساسنة، وهم حلفاء العرب للروم، الذين شكلوا درعاً واقياً للإمبراطورية ضد هجمات البدو ونفوذ الساسانيين الفرس. في تلك الأسواق المزدحمة، لم يقتصر التبادل على السلع المادية من حرير وتوابل وعطور، بل امتد ليشمل تمازجاً عميقاً للأفكار والثقافات والمعتقدات.
راقب محمد بحسه المرهف هذا التنوع البشري الهائل. التقى بالتجار من مختلف الأعراق، واحتك بالمجتمعات المسيحية بطوائفها المتعددة، واليهودية، وغيرها من المعتقدات التي كانت تتعايش – وتتصارع أحياناً – تحت مظلة الإمبراطورية. تتحدث السرديات التاريخية عن لقاءات جمعته برهبان مسيحيين، مثل الراهب بحيرى، وهي تفاصيل وإن أُحيطت بهالة من الأسطورة، إلا أنها تعكس حقيقة تاريخية لا تقبل الشك: لقد تشرب النبي الشاب فهماً عميقاً للتقاليد التوحيدية الكبرى في عصره، واطلع عن كثب على الروحانية النسكية التي تنبذ العنف وتدعو إلى التأمل والتسامح، وهي قيم ستجد صداها لاحقاً في صميم رسالته.
بعد نجاح تجاري لافت، عادت القافلة إلى مكة محملة بأرباح مضاعفة. لم يكن هذا النجاح مجرد انتصار مادي، بل كان إثباتاً لكفاءة محمد ونزاهته، مما أطلق عليه لقب “الأمين”. أعجبت خديجة بنت خويلد، تلك المرأة الحازمة والذكية، بأمانته وسمو أخلاقه، فبادرت بكسر الأعراف الاجتماعية وطلبت الزواج منه. شكّل هذا الزواج نقطة تحول جوهرية في حياته؛ فقد وفر له الاستقرار العاطفي والمادي، وانتشله من قسوة اليتم والتبعية الاقتصادية، ليصبح شريكاً لواحدة من أهم الشخصيات التجارية في مكة.
إلا أن هذا الاستقرار المادي لم يطفئ جذوة القلق الروحي والاجتماعي التي كانت تتقد في داخله. فبينما كانت مكة تزداد ثراءً بفضل التجارة، كانت الفجوة الطبقية تتسع بشكل مخيف. طغت النزعة المادية على سادة قريش، وتراجعت القيم القبلية القديمة التي كانت تتكفل بحماية الضعفاء والمحتاجين. الجشع، واستغلال الأيتام، وتجاهل الفقراء، أصبحت ظواهر يومية تؤلم قلب محمد، الذي لم ينسَ يوماً مرارة طفولته.
في هذا السياق الداخلي المحتقن، برز حدث بالغ الأهمية أظهر بوضوح ميل محمد الفطري نحو العدالة والسلام، وهو مشاركته في “حلف الفضول”. تداعت بعض بطون قريش للتعاقد على ألا يجدوا بمكة مظلوماً إلا قاموا معه حتى تُرد مظلمته. كان محمد من أشد المتحمسين لهذا الحلف، وظل يفتخر بمشاركته فيه حتى بعد النبوة، معتبراً إياه ميثاقاً للسلام الاجتماعي وحماية لحقوق الإنسان في مجتمع كان يحتكم في الغالب لقوة العصبية والسيف. يرى خوان كول في هذا الحلف دليلاً مبكراً على أن الإسلام لم ينشأ في فراغ، بل وُلد من رحم معاناة اجتماعية ورغبة حقيقية في إرساء أسس مجتمع مسالم يرفض الظلم والاستقواء.
مع اقتراب محمد من سن الأربعين، وفي أواخر العقد الأول من القرن السابع الميلادي، بدأت وتيرة الأحداث الجيوسياسية في العالم تتسارع نحو الكارثة. اغتصب الإمبراطور فوكاس عرش بيزنطة بالدم، مما أعطى ذريعة لكسرى الثاني، إمبراطور الفرس الساسانيين، لشن حرب شعواء واجتياح الأراضي الرومانية في الشرق. وصلت أصداء هذه الحرب العالمية المدمرة إلى مكة، وباتت أخبار المذابح وتدمير المدن تثير الرعب في النفوس.
وسط هذا الضجيج العالمي من صليل السيوف، والضجيج المحلي من جشع التجار وصخب الأصنام، اختار محمد العزلة. أخذ ينسحب تدريجياً من زحام مكة إلى غار حراء في جبل النور، باحثاً عن السكينة والتأمل. كان يقضي الليالي ذوات العدد في صمت عميق، يتفكر في الكون، ويبحث عن معنى أسمى يتجاوز عبثية الصراعات البشرية والمادية المفرطة لقومه. لم يكن يعلم أن هذه العزلة الهادئة كانت إعداداً لحدث كوني سيقلب موازين التاريخ.
في إحدى ليالي شهر رمضان من عام 610 ميلادية، وبينما كان العالم الخارجي يغرق في مستنقع من الدماء والظلام، اختُرق صمت الغار فجأة، وبدأت تتشكل أولى كلمات الوحي التي لن تدعو إلى حمل سيف، بل إلى القراءة والتنوير..
المقاومة السلمية في مكة وتحدي النظام الطبقي
في سكون غار حراء، بعيداً عن صخب قوافل مكة وضجيج السيوف المشرعة في ساحات القتال بين الروم والفرس، تجلت اللحظة الفاصلة. لم يكن الوحي الأول الذي نزل على النبي محمد في عام 610 ميلادية نداءً لحمل السلاح أو إعلان حرب، بل كان دعوة قاطعة للمعرفة والتنوير: “اقرأ”. هذا البدء الكوني، كما يحلله خوان كول، لم يأتِ من فراغ، بل كان بمثابة استجابة إلهية لواقع عالمي مأزوم يغرق في ظلام الجهل وسفك الدماء. لقد أسس الوحي منذ اللحظة الأولى لنهج جديد يعتمد على الحجة والكلمة، رافضاً أدوات العصر التي لم تعرف سوى لغة القوة الغاشمة، ومؤسساً لحركة روحية ستسعى لترسيخ السلام وسط فوضى الإمبراطوريات المتناحرة.
خلال المرحلة المكية، التي امتدت لاثني عشر عاماً، ركزت الآيات القرآنية المتنزلة على بناء عقيدة تتمركز حول التوحيد المطلق والعدالة الاجتماعية. كان القرآن يفكك ببطء، ولكن بثبات، البنية الفكرية والأخلاقية التي قام عليها مجتمع قريش الطبقي. لم يكتفِ النص القرآني بتسفيه عبادة الأصنام، بل ربطها مباشرة بالفساد الاقتصادي والظلم الاجتماعي؛ فندد بتطفيف الكيل، واكتناز الثروات، واضطهاد الأيتام والضعفاء. وفي خضم هذا النقد اللاذع للواقع المكي، برزت توجيهات قرآنية صارمة تؤسس لمنهج “المقاومة السلمية”، حيث أُمر المؤمنون مراراً بـ “دفع السيئة بالحسنة”، والهجر الجميل لمن يؤذيهم، والصفح عن الإساءة، وهو ما يعتبره كول دليلاً قاطعاً على الجوهر السلمي العميق للإسلام المبكر الذي يتجاهله المستشرقون.
لم تكن قريش لتمرر هذه الدعوة مرور الكرام. أدرك سادة مكة، أصحاب الثروة والنفوذ، أن رسالة محمد تشكل تهديداً وجودياً لنظامهم الاقتصادي والسياسي. فالإله الواحد يعني إلغاء التعددية الوثنية التي كانت تجلب الحجاج والأموال إلى أسواقهم، والمساواة بين السيد والعبد تعني انهيار الهرمية الاجتماعية التي تمنحهم امتيازاتهم المطلقة. لذلك، تحركت الآلة الإعلامية والسياسية المكية لشن حرب شعواء على النبي وأتباعه القلائل. بدأت حملات التشويه، واتهامه بالسحر والجنون، وسرعان ما تصاعدت إلى أشكال وحشية من التعذيب الجسدي والحصار الاقتصادي، مستهدفة بشكل خاص الفئات الأضعف من العبيد والموالي الذين وجدوا في الإسلام ملاذاً يقر بإنسانيتهم وكرامتهم المسلوبة.
أمام هذا القمع الممنهج، تجلت عبقرية القيادة المحمدية السلمية. يشدد الكاتب على أن النبي محمد لم يسمح لأتباعه بالرد على العنف بمثله، بل ألزمهم بضبط النفس المطلق. كان هذا الموقف الصارم بعدم الانجرار إلى العنف، حتى في أشد لحظات الاستضعاف، استراتيجية مدروسة تهدف إلى كسر حلقة الثأر الدموي التي كانت تحكم المجتمع القبلي العربي. لقد اختار النبي وأصحابه تحمل الأذى ببطولة نادرة، مقدمين نموذجاً فريداً للمقاومة المدنية السلمية في عالم قاسي. حتى عندما اشتد الخناق، لم يكن الحل هو حمل السيف في مكة، بل كان البحث عن ملاذات آمنة أخرى تسمح للدعوة بالبقاء والاستمرار دون الانزلاق إلى مستنقع الحرب الأهلية.
وبينما كان المسلمون الأوائل يواجهون سياط التعذيب في بطحاء مكة بصبر سلمي، كانت الإمبراطورية الساسانية تواصل تقدمها الكاسح، حيث استولت على القدس عام 614 ميلادية، في حدث اعتبره العالم آنذاك كارثة كبرى. تفاعل القرآن الكريم مع هذا الحدث الجيوسياسي الزلزال في سورة “الروم”، متنبئاً بانتصار بيزنطة في بضع سنين. هذا الاهتمام القرآني الدقيق بموازين القوى العالمية يؤكد أن حركة النبي محمد السلمية لم تكن معزولة عن محيطها، بل كانت تراقب صراع الإمبراطوريات الدموي، وتؤسس في ذات الوقت لمجتمع بديل ينبذ طغيان القوة، ويبحث عن النجاة وسط عالم يحترق.
الهجرة وتأسيس التعددية المدنية في دستور يثرب
مع اشتداد قسوة الحصار المكي وتصاعد وتيرة الاضطهاد، بلغ العنف الجسدي والنفسي ضد المسلمين الأوائل مستويات لا تطاق. وفي تلك المرحلة الحرجة، التي عُرفت بـ “عام الحزن”، فقد النبي محمد أقوى داعمين له: زوجته خديجة التي وفرت له السند العاطفي والمادي، وعمه أبو طالب الذي كفل له الحماية القبلية. ومع فقدان هذه الحصانة، باتت حياة النبي وأتباعه في خطر داهم، إلا أن التوجيه النبوي ظل متمسكاً بصرامة بنهج اللاعنف، رافضاً الانجرار إلى مواجهة مسلحة في مكة. يبرز خوان كول في تحليله أن هذا الإصرار على السلمية لم يكن ضعفاً، بل كان التزاماً مبدئياً برفض تكرار دوامة العنف التي كانت تمزق شبه الجزيرة العربية والإمبراطوريات المحيطة بها.
أمام هذا الانسداد التاريخي في مكة، بدأ البحث الحثيث عن ملاذ آمن يضمن حرية المعتقد ويحقن الدماء. تجلت أولى ملامح هذا البحث في الهجرة إلى الحبشة، حيث وجد المسلمون الأوائل في كنف ملكها المسيحي “النجاشي” حماية وتسامحاً، وهو ما يؤكد، بحسب رؤية الكتاب، التقارب الروحي والتعايش الذي سعى الإسلام المبكر لتأسيسه مع التقاليد التوحيدية الأخرى. وبعد محاولة قاسية وغير ناجحة في مدينة الطائف، لاحت بارقة أمل من واحة يثرب (التي ستُعرف لاحقاً بالمدينة المنورة). كانت يثرب تعيش حرباً أهلية طاحنة أهلكت الحرث والنسل بين قبيلتي الأوس والخزرج، وكانت في أمس الحاجة إلى شخصية محايدة، تتمتع بنزاهة أخلاقية وثقل روحي، لتقوم بدور صانع السلام وحل النزاعات المعقدة.
لم تكن الهجرة الكبرى في عام 622 ميلادية مجرد هروب من الاضطهاد المكي، بل كانت تحركاً استراتيجياً وتأسيساً لمشروع حضاري جديد. بمجرد وصوله إلى المدينة، لم يتصرف النبي محمد كقائد عسكري منتصر أو زعيم فصيل، بل كحَكَم ومصلح اجتماعي شامل. وهناك، صاغ وثيقة سياسية واجتماعية غير مسبوقة في تاريخ المنطقة، تُعرف باسم “دستور المدينة” أو “صحيفة المدينة”. يعتبر هذا الدستور إنجازاً سياسياً عبقرياً، حيث أسس لمفهوم “الأمة” ككيان سياسي يتجاوز روابط الدم والقبيلة الضيقة، ليجمع تحالفاً واسعاً يضم المسلمين، والقبائل المشركة، والقبائل اليهودية في يثرب، تحت مظلة واحدة من التعايش السلمي والدفاع المشترك.
كان دستور المدينة إعلاناً صريحاً للتعددية وحرية الاعتقاد، حيث كفل لليهود حريتهم الدينية ولمسلمي المدينة دينهم، وجعل من الجميع شركاء متساوين في حماية المدينة من أي عدوان خارجي. في الوقت الذي كانت فيه الإمبراطوريتان الرومانية والساسانية تفرضان ديناً واحداً بالحديد والنار وتضطهدان الأقليات بوحشية مفرطة، كان النبي محمد يؤسس في يثرب لنموذج سياسي يعتمد على التفاوض، والتعاقد المدني، واحترام الاختلاف. لقد شكل هذا المجتمع المدني الجديد واحة من الاستقرار والتسامح، محاطاً بعالم يغلي بالصراعات الإمبراطورية، ليثبت أن المبادئ التي نزلت في مكة قادرة على بناء دولة سلام حقيقية ومستدامة.
شرعية الدفاع عن النفس وأخلاقيات الحرب العادلة
لم يكد مجتمع المدينة المنورة يتذوق طعم الاستقرار والتعايش السلمي الذي أرساه الدستور الجديد، حتى بدأت التهديدات العسكرية تلوح في الأفق من قِبل قريش وحلفائها. لم تغفر النخبة المكية للمسلمين نجاحهم في النجاة وتأسيس كيان سياسي مستقل، ورأت في واحة يثرب، التي تتحكم في طرق التجارة الشمالية، تهديداً استراتيجياً واقتصادياً لا يمكن التسامح معه. في هذا الظرف الدقيق، وتحت وطأة التهديد الوجودي، يوضح خوان كول في تحليله أن التحول نحو الإذن بالقتال لم يكن تغييراً في المبادئ السلمية للإسلام، بل كان ضرورة حتمية فرضها الحق المشروع في الدفاع عن النفس وحماية الأقليات المضطهدة والمجتمع المدني الناشئ من الإبادة.
جاءت الآيات القرآنية في تلك المرحلة لتؤسس ما يمكن اعتباره، بلغة العصر الحديث، “قانوناً دولياً إنسانياً” و”أخلاقيات للحرب العادلة”. كان الإذن بالقتال مقيداً بشروط صارمة لا لبس فيها؛ فلم يُشرع القتال إلا ضد أولئك الذين بادروا بالعدوان وأخرجوا الناس من ديارهم بغير حق. ويشدد الكاتب على أن النص القرآني حرّم بشكل قاطع حروب التوسع والعدوان، وأمر بوقف القتال فور جنوح العدو إلى السلم. هذا الموقف يتناقض جذرياً مع العقائد العسكرية للإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية في ذلك الزمن، حيث كانت الحروب تُشن بدافع التوسع الإمبراطوري، وجمع الغنائم، وفرض الهيمنة المطلقة، مترافقة مع مذابح جماعية للمدنيين وتدمير وحشي للمدن.
تجلت هذه الأخلاقيات الدفاعية في المعارك الكبرى التي خاضها النبي، مثل معارك بدر وأحد والخندق. لم تكن هذه المواجهات حروباً هجومية تستهدف إكراه الناس على اعتناق الإسلام، بل كانت معارك بقاء دفاعية محضة ضد جيوش تفوقهم عدداً وعتاداً، زحفت من مكة لاجتثاث مجتمع المدينة. وفي خضم هذه المعارك القاسية، أصدر النبي محمد توجيهات عسكرية صارمة وغير مسبوقة في قسوة ذلك العصر، حيث منع منعاً باتاً استهداف المدنيين من الشيوخ والنساء والأطفال، وحرّم قطع الأشجار أو تدمير البنية التحتية والممتلكات، بل وأمر بحسن معاملة أسرى الحرب وإطعامهم، في وقت كانت فيه الإمبراطوريات المجاورة تمارس الاستعباد والإعدام الجماعي كأمر اعتيادي.
من خلال هذا التحليل، يفكك الكتاب المفهوم الاستشراقي المشوه لـ “الجهاد”، موضحاً أن الكلمة في سياقها القرآني المبكر تعني في المقام الأول “بذل الجهد” الروحي والأخلاقي لبناء مجتمع عادل، وعندما تعلقت بالقتال، كانت تشير حصراً إلى النضال العسكري المشروع لصد العدوان ورفع الظلم. لقد قدم النبي محمد نموذجاً استثنائياً للقيادة التي تضطر لخوض الحرب كحل أخير، دون أن تتخلى عن إنسانيتها أو بوصلتها الأخلاقية الساعية نحو السلام. ولم يكن الهدف النهائي من هذه المواجهات العسكرية سوى الوصول إلى طاولة المفاوضات وتأمين بيئة آمنة تضمن حرية الاعتقاد للجميع، وهو ما سيمهد الطريق لواحد من أعظم الانتصارات السلمية في التاريخ.
شكل عام 628 ميلادية منعطفاً دبلوماسياً حاسماً في مسيرة النبي محمد، حيث تجلت عبقريته السياسية والتزامه العميق بالسلام من خلال ما عُرف تاريخياً بـ “صلح الحديبية”. في ذلك العام، قرر النبي التوجه نحو مكة، ليس على رأس جيش غازٍ، بل كحاج أعزل يقصد الطواف حول الكعبة. ارتدى المسلمون ملابس الإحرام البيضاء، وساقوا الهدي، في رسالة بصرية وسياسية واضحة لقريش وللقبائل العربية كافة، مفادها أن نواياهم سلمية بحتة وتخلو من أي رغبة في القتال أو الانتقام. ورغم هذه النوايا، اعترضت قريش طريقهم ومنعتهم من دخول مكة، في لحظة مشحونة كادت أن تنفجر إلى مواجهة دموية لولا حكمة القيادة النبوية التي آثرت التفاوض على لغة السلاح.
أثمرت المفاوضات الشاقة عن توقيع معاهدة سلام امتدت لعشر سنوات، تضمنت شروطاً بدت في ظاهرها مجحفة للمسلمين، مما أثار استياء بعض كبار الصحابة الذين اعتبروها تنازلاً مهيناً. غير أن التحليل الاستراتيجي الذي يقدمه خوان كول يوضح أن هذا الصلح كان انتصاراً دبلوماسياً ساحقاً؛ فقد أوقف شلال الدم، وأجبر قريشاً، القوة الأعظم في الحجاز، على الاعتراف بالمسلمين ككيان سياسي ند وشرعي. كما أتاح هذا السلام للمسلمين فرصة غير مسبوقة للتحرك بحرية ونشر رسالتهم بالكلمة والموعظة الحسنة، متحررين من ضغط الحرب المستمرة، مما أدى إلى دخول أعداد هائلة في الإسلام تفوق كل من أسلموا خلال سنوات الصراع الطويلة.
لم تدم هذه الهدنة طويلاً، حيث نقضت قريش وحلفاؤها بنود المعاهدة بعد عامين فقط من توقيعها، مما استدعى تحركاً حازماً. في عام 630 ميلادية، زحف النبي محمد نحو مكة على رأس جيش ضخم قوامه عشرة آلاف مقاتل، في مشهد مهيب كان يثير الرعب في قلوب المكيين الذين أدركوا أن نهايتهم قد حانت. في أعراف ذلك الزمان، وبحسب الممارسات الشائعة للإمبراطوريات الرومانية والساسانية، كان اجتياح المدن المتمردة أو المعادية ينتهي دائماً بمذابح مروعة، واستعباد للنساء والأطفال، وتدمير كامل للبنية التحتية وحرق للممتلكات. كانت التوقعات في مكة تشير إلى انتقام دموي مروع جزاءً لسنوات من الاضطهاد والتعذيب والحروب التي شُنت ضد المسلمين.
إلا أن لحظة دخول مكة شكلت صدمة حضارية وأخلاقية بكل المقاييس. دخل النبي مسقط رأسه مطأطئاً رأسه تواضعاً، رافضاً أي مظاهر للاحتفال العسكري أو الانتقام المنتشي. وبدلاً من إعطاء أوامر الإعدام الجماعي أو السلب والنهب، أصدر أوامره الصارمة بمنع القتال إلا في أضيق حدود الدفاع عن النفس. وعندما تجمع سادة قريش، الذين تفننوا في إيذائه وقتل أصحابه، يترقبون حكمه القاطع فيهم، أطلق كلمته التاريخية الخالدة: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”. هذا العفو العام والشامل لم يكن مجرد لفتة كريمة، بل كان قراراً استراتيجياً عبقرياً كسر به دائرة الثأر الدموي التي كانت تحكم الجزيرة العربية لقرون، وأسس لنموذج استثنائي في التسامح والعدالة التصالحية يعجز تاريخ الإمبراطوريات المعاصرة له عن الإتيان بمثله.
إرث السلام في مواجهة تحريف الإمبراطوريات
بعد الفتح السلمي العظيم لمكة، دانت معظم شبه الجزيرة العربية لرسالة الإسلام خلال السنوات القليلة المتبقية من حياة النبي محمد. لم تكن هذه الوحدة الإقليمية غير المسبوقة نتاجاً لحملات عسكرية إمبراطورية لإخضاع الشعوب، بل جاءت كثمرة مباشرة للنموذج الأخلاقي والدبلوماسي الذي قدمه النبي، والذي أثبت للقبائل العربية أن هذا الدين الجديد يمثل خلاصاً من الفوضى القبلية وحروب الثأر العبثية. وفي حجة الوداع، قبل أشهر قليلة من وفاته عام 632 ميلادية، ألقى النبي خطبته التاريخية التي مثلت التتويج النهائي لمشروعه السلمي والإنساني؛ حيث أعلن فيها قدسية الدماء والأموال، وألغى فوارق العرق واللون، مؤكداً على المساواة المطلقة بين البشر، ومقرراً حقوق النساء في مجتمع ذكوري صارم، ليترك خلفه إعلاناً عالمياً لحقوق الإنسان يسبق المواثيق الحديثة بقرون طويلة.
ينتقل خوان كول في خاتمة كتابه ليفسر المفارقة التاريخية الكبرى: كيف تحولت صورة هذا الدين السلمي في الأذهان إلى دين مقترن بالسيف والفتوحات؟ يرى الكاتب أن التحول الجذري بدأ بعد وفاة النبي وتأسيس الإمبراطوريات الإسلامية اللاحقة، ولا سيما الأموية والعباسية. فهذه الدول الشاسعة، التي تمددت واحتكت مباشرة بمواريث الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية، وجدت نفسها منخرطة في صراعات نفوذ عالمية ومضطرة لتبني الهياكل السياسية والعسكرية والتشريعية ذاتها التي ميزت تلك الإمبراطوريات القديمة. وهكذا، جرت عملية إعادة قراءة وتأويل للنصوص لتبرير حروب التوسع الإمبراطوري، وتم تهميش السياق التاريخي والدفاعي الأصلي للآيات، ليُصنع فقه جديد يتناسب مع طموحات السلاطين ومتطلبات إدارة دولة مترامية الأطراف، وهو ما اعتبره الكاتب ابتعاداً تدريجياً عن روح رسالة السلام المبكرة.
هذا الانزياح الإمبراطوري هو تحديداً ما التقطه المستشرقون والمؤرخون الأوروبيون لاحقاً، حيث اعتمدوا في دراستهم للإسلام على فقه العصور الوسطى وأدبيات الفتوحات المتأخرة، متجاهلين التحليل النقدي للنص القرآني في سياقه الزمني الأصلي الذي تزامن مع الحرب العالمية الطاحنة في القرن السابع. وقد تضافرت هذه القراءات المجتزأة مع العداء التاريخي الذي أفرزته الصراعات اللاحقة والحروب الصليبية وحقبة الاستعمار، لتكريس صورة نمطية مشوهة تصور الإسلام كحركة عسكرية في جوهرها، متجاهلة تماماً جذوره كحركة روحية إصلاحية ناهضت العنف وأسست للتعايش.
في النهاية، يقدم هذا الكتاب المرجعي المهم دعوة جريئة لإعادة اكتشاف الإسلام المبكر بعيداً عن الروايات الإمبراطورية والاستشراقية على حد سواء. إن السيرة النبوية، كما يكشفها النص القرآني وكما يقرؤها كول في ضوء الصراع الجيوسياسي لعصرها، هي قصة نبي واجه عالماً ممزقاً بالحروب والطائفية والظلم، فاختار ألا يكون جزءاً من آلة الدمار، بل كرس حياته لبناء مجتمع قائم على التعددية، والعدالة الاجتماعية، وحرية الضمير. لقد كان محمد، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، نبي السلام الذي أضاء طريقاً ثالثاً وسط صراع الإمبراطوريات، تاركاً إرثاً روحياً وأخلاقياً لا يزال قادراً على تقديم إجابات عميقة لعالمنا المعاصر.




