النزيف الهادئ: لماذا تُعد الجريمة المنظّمة والعنف الأسري أكثر فتكاً من الصراعات المسلحة؟

الخداع البصري لوسائل الإعلام والحروب المشتعلة
إن المتابع للتغطيات الإخبارية اليومية، لا يملك إلا أن يخرج بانطباع راسخ ومخيف؛ وهو أن عالمنا الذي نعيش فيه هو مكان مفرط في العنف والدموية. فالصور المتدفقة للدمار والخراب القادمة من غزة، وأوكرانيا، وسوريا، تبدو في قسوتها ووحشيتها مشابهة تماماً لتلك الصور المنشأة بواسطة الحاسوب في استوديوهات هوليوود، والتي تصور عوالم ما بعد الكارثة ونهاية العالم. لقد أصبحت الهجمات الإرهابية بالقنابل وحوادث إطلاق النار الجماعي مشاهد روتينية معتادة في نشرات الأخبار. وإلى جانب ذلك، تستمر الصراعات المسلحة المتعددة في جر أذيالها لسنوات، تتخللها تصعيدات مفاجئة تعيدها إلى صدارة العناوين لفترة من الزمن. وتضم قائمة هذه الدول المشتعلة بالنزاعات أسماء عديدة، منها أفغانستان، والكونغو، وإثيوبيا، والعراق، وكشمير، وليبيا، وميانمار، والصومال، وجنوب السودان، والسودان، وسوريا، وأوكرانيا، واليمن، والقائمة تطول.
إذا اعتمدنا فقط على عناوين الأخبار، فسنصل حتماً إلى استنتاج مفاده أن معظم العنف البشري الموجه ضد بشر آخرين في عالمنا يتخذ شكل حروب أهلية وحروب بين الدول، وربما صراعات مسلحة أخرى منخفضة المستوى. وقد نستنتج أيضاً أن الهجمات الإرهابية تشكل مصدراً رئيسياً للوفيات الناتجة عن العنف. وإذا نظرنا إلى الأموال والوقت والجهد التي ينفقها صناع السياسات ووكالات الإغاثة على أشكال العنف المختلفة، فسنجد أن انطباعاتنا المستمدة من التغطية الإعلامية تتأكد إلى حد كبير. ومما لا شك فيه على الإطلاق، أن هذه الصراعات والحروب تمثل مشاكل كبرى تستحق اهتمام المواطنين وصناع السياسات على حد سواء.
لكن الكاتبين، أنكه هوفلر وجيمس د. فيرون، في كتابهما الصادر عام 2026 عن مطبعة جامعة برينستون، يقدمان أطروحة تصحيحية وصادمة في آن واحد. فهما يلفتان الانتباه إلى مدى غرابة ألا يقوم أي زعيم وطني، أو استطلاع دولي، بإدراج العنف المنزلي، أو جرائم القتل العمد، أو العقاب البدني الشديد للأطفال كأولويات ومشاكل دولية قصوى تستحق المزيد من الموارد والتركيز في السياسات العالمية. يحدث هذا التجاهل على الرغم من الحقيقة الساطعة التي يثبتها الكتاب: وهي أن هذه الأشكال من العنف الشخصي أكثر انتشاراً بكثير جداً من العنف الجماعي المتمثل في النزاعات المسلحة والإرهاب.
يقوم هذا السفر بجمع وتحليل البيانات المتاحة حول الانتشار العالمي والتكاليف المترتبة على أشكال العنف المختلفة، مع التركيز بشكل أساسي على التناقض بين العنف الجماعي وأشكال العنف الشخصي. ويقصد بالعنف الشخصي تلك الاعتداءات العنيفة التي يرتكبها أفراد لا يتصرفون كجزء من مجموعة سياسية. النقطة الجوهرية التي يطرحها الكتاب هي أنه من حيث أعداد الأشخاص المصابين أو المقتولين، فإن العنف الشخصي أوسع انتشاراً وأكثر توزعاً عبر البلدان بشكل يفوق بكثير العنف الجماعي. ويجادل المؤلفان بأنه نظراً لأن الفروق في معدلات الانتشار هائلة جداً، فحتى عند استخدام نهج محافظ في تقدير التكاليف المجتمعية، يتبين أن تكاليف العنف الشخصي كانت أعلى بكثير من تكاليف العنف الجماعي على الأقل خلال العشرين عاماً الماضية.
عند عرض نسخ من هذا العمل الأكاديمي، وجد المؤلفان أن بعض الناس يتفاعلون مع هذه الملاحظات بدرجة من المفاجأة. وربما يعود السبب في ذلك إلى أنه إذا احتكمنا إلى التغطية الإعلامية، فإن أمثلة مثل غزة وأوكرانيا تتصدر المشهد وتهيمن على عقولنا. بينما يرد عدد قليل من الناس بعبارات من قبيل: “بالطبع، ليس هناك الكثير من الحروب الأهلية والدولية، ولكن هناك جرائم قتل وعنف منزلي في كل مكان”. وهذا صحيح تماماً، ولكن من اللافت للنظر والمهم أن هذه الأشكال الأكثر انتشاراً من العنف تحظى برؤية وتغطية أقل بكثير، سواء في وسائل الإعلام أو كمشكلة سياسية محلية أو دولية.
الكتاب ومنهجيته البحثية
لفترة من الوقت، ظل باحثو الصحة العامة يجادلون بضرورة وضع العنف الشخصي في مرتبة أعلى على أجندات السياسات المحلية والدولية. وفي هذا الصدد، يسير هوفلر وفيرون على خطاهم، آملين أن يشكل كتابهما مساهمة رئيسية ومحاولة منهجية لجمع البيانات المتاحة من أجل تقديم أفضل حساب ممكن لمعدلات أشكال العنف المختلفة والتكاليف المرتبطة بها. وبصرف النظر عن عملية حساب التكاليف، فإن تقدير مدى انتشار أشكال العنف المختلفة يحمل أهمية كبيرة في حد ذاته. إذ من المفيد بكل بساطة معرفة عوامل الحجم والتناسب المعنية: كم عدد جرائم القتل التي تحدث مقابل كل حالة وفاة في العنف الجماعي؟. وكم عدد حالات الانتحار؟. وما هو التواتر النسبي لجرائم القتل مقارنة بالاعتداءات من قبل الشريك الحميم؟. وحتى لو كنت من معسكر من يتقبلون الأمر كبديهية، فإن المؤلفين يشتبهان في أنك قد تجد بعض هذه الأرقام ضخمة وصادمة بشكل يفوق التوقعات.
قبل عشرين عاماً فقط، كان من المستحيل الإجابة على هذه الأسئلة على الإطلاق، أو على الأقل كانت “نطاقات الخطأ” حول التقديرات ستكون كبيرة جداً لدرجة أن المشروع ربما لم يكن ليحقق أي جدوى علمية. وكما يوضح الكتاب، لا تزال مشاكل البيانات هائلة؛ فهذه أمور يصعب تقديرها حتى بالنسبة للبلدان ذات الدخل المرتفع والتي تمتلك قدرة قوية على جمع البيانات. ومع ذلك، يعتقد المؤلفان أن تطورين رئيسيين جعلا هذه المحاولة جديرة بالاهتمام: الأول هو الانفجار الهائل في الأبحاث حول الحرب الأهلية والعنف الجماعي بعد نهاية الحرب الباردة، والذي تضمن جهوداً منهجية لترميز الوفيات في مختلف أشكال الصراع المسلح. والثاني هو أنه خلال العشرين عاماً الماضية، تم إجراء المزيد والمزيد من استطلاعات الإيذاء ومسوحات الضحايا في عدد متزايد من البلدان. هذه المسوحات تسأل أفراداً يتم اختيارهم عشوائياً عن تجاربهم مع العنف في العام الماضي، بما في ذلك أشكال الاعتداء والتأديب البدني للأطفال. ورغم أن هذه المقاييس تعاني من مشاكل، أبرزها الافتقار إلى التغطية الشاملة واحتمالية التشويه بسبب تحيز الإبلاغ الناقص (خاصة فيما يتعلق بالعنف الجنسي وعنف الشريك الحميم، وكذلك العقاب البدني الشديد للأطفال)، إلا أن المؤلفين يريان أدلة كافية للاعتقاد بأنها تحمل مؤشرات جوهرية بشأن المعدلات الحقيقية على المستوى الوطني.
لكي نتمكن من تقدير انتشار العنف وتكاليفه، من الضروري أن نكون واضحين بشأن ما يعنيه مصطلح “العنف” بالضبط. ولذلك، يبدأ الكتاب استقصاءه في الفصل الثاني بمناقشة تعريف العنف، مستنتجاً أن التعريف الذي يظل قريباً من مفاهيم اللغة العادية هو الأكثر منطقية لأغراض الدراسة. وبناءً عليه، يُعرّف العنف بأنه الاعتداء البدني أو الفعل الذي يقوم به شخص على جسد شخص آخر، بقصد الإيذاء أو مع وجود تصور مبرر لضرر عام يلحق بالضحية. ونظراً لأن ما يشكل “تصوراً مبرراً للضرر” يختلف عبر الثقافات، ويعد في كثير من الحالات مسألة خلافية اجتماعياً وسياسياً، فإن المناقشة تغطي بالضرورة بعض القضايا المتنازع عليها بشدة، بدءاً من زواج الأطفال وصولاً إلى العنف الذي يستخدمه وكلاء إنفاذ القانون.
التضاريس الوعرة لتعريف “العنف” والمناطق الرمادية
يقتبس الكتاب في مستهل فصله الثاني مقولة مارك فوروبي: “نحن جميعاً نعيش حياة غارقة في العنف إلى حد غير عادي”. يعرّف قاموس أوكسفورد الإنجليزي العنف بأنه الممارسة المتعمدة للقوة البدنية ضد شخص، أو ممتلكات، وما إلى ذلك؛ السلوك أو المعاملة البدنية العنيفة. ورغم أن هذه بداية جيدة، إلا أنها واسعة جداً وتتضمن ممارسات لا تعتبر بالضرورة عنفاً سيئاً، كالجراحات الطبية والرياضات العنيفة كالرجبي والمصارعة. لذلك، يضيف المؤلفان مفهوم الضرر والتصور المبرر للضرر.
هذا التعريف يستبعد بشكل متعمد العنف الهيكلي المتمثل في الهياكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تؤدي إلى حرمان الأفراد والجماعات، ليس لأنها غير ضارة، بل لأن التهديد باستخدام القوة والعواقب النفسية والسياسات التي تؤدي إلى الحرمان الاقتصادي يصعب قياسها ومراقبتها بشكل موثوق وقابل للمقارنة عبر المجتمعات المختلفة. يقارن الكاتبان تعريفهما بتعريف منظمة الصحة العالمية الذي يشمل الانتحار، والضرر النفسي، والتهديد بالعنف، والأفعال التي تؤدي إلى الحرمان الاقتصادي وسوء التنمية. وفي حين يقران بأهمية هذه الأضرار بالنسبة للسياسات الصحية وضرورة اعتبارها أهدافاً لسياسات الصحة العامة، إلا أنهما يمتنعان عن محاولة قياس تهديدات العنف أو وضع تكلفة مباشرة للأضرار النفسية المجردة عن القوة البدنية.
يظهر التحدي المنهجي جلياً في المناطق الرمادية، مثل عنف العصابات. فرغم أن العصابات تستخدم العنف بشكل جماعي ومنظم لإلحاق أضرار بالغة، إلا أنها نادراً ما تبرر أفعالها بالرجوع إلى أهداف سياسية أو سياساتية. مدن مثل شيكاغو ولوس أنجلوس تعتبر عواصم العصابات في الولايات المتحدة، حيث يقدر المركز الوطني للعصابات أن حوالي نصف جرائم القتل فيها ترتبط بالعصابات. وهذا النمط من العصابات المنظمة يتكرر بقوة في أمريكا اللاتينية، والهند، وإيطاليا، وجنوب أفريقيا، والمملكة المتحدة. وبينما يعتبر الباحث بنجامين ليسينج من جامعة شيكاغو أن صراع العصابات مع الدولة، حين تحاول الدولة قمعها فتقاوم، يرقى إلى صراع إجرامي (كما حدث في المكسيك وكولومبيا والبرازيل)، تضطر وكالات جمع البيانات في الغالب إلى تصنيف عنف العصابات كعنف شخصي لغياب القدرة على فرز الدوافع بشكل دقيق ومنهجي.
كذلك، يبرز التحدي في قياس عنف الدولة المتمثل في عمليات القتل على أيدي الشرطة وحالات الإعدام التي تنفذها الدول. فهذه الأفعال هي بلا شك هجمات جسدية متعمدة بقصد الإيذاء. يشير الكتاب إلى تحقيق أجرته صحيفة واشنطن بوست، والذي كشف أن أقسام الشرطة في الولايات المتحدة أبلغت مكتب التحقيقات الفيدرالي بحوالي ثلث فقط من أصل 7000 حادث إطلاق نار مميت تورطت فيه الشرطة بين عامي 2015 و2021، متذرعة بأنها جرائم قتل مبررة قانونياً. وعلى المستوى العالمي، يقدر مشروع العبء العالمي للأمراض (GBD) أن هناك في المتوسط 7700 حالة وفاة سنوياً بسبب الشرطة أو الإعدام منذ عام 1990، وهو رقم يصفه المؤلفان بأنه بالتأكيد منخفض للغاية. ففي الولايات المتحدة وحدها تتراوح التقديرات بين 1100 و1500 قتيل سنوياً، بينما تقدر إحدى المنظمات غير الحكومية في البرازيل عمليات القتل على أيدي الشرطة بحوالي 4800 حالة سنوياً بين عامي 2013 و2021. وفي آسيا، أدت حرب الرئيس الفلبيني رودريجو دوتيرتي على المخدرات إلى تقديرات تتراوح بين 1000 و2200 قتيل سنوياً في بعض السنوات، مع تقديرات أعلى تصل إلى عشرة أضعاف ذلك. ورغم هذه التعقيدات، يؤكد الكتاب على ضرورة احتسابها ضمن البيانات لتوفير صورة واقعية.
حروب الظل: العنف خلف الأبواب المغلقة
ننتقل من ساحات القتال المفتوحة وشوارع العصابات إلى ساحات أكثر عتمة وغموضاً، حيث تدور رحى حروب صامتة لا تحظى بتغطية إخبارية ولا تثير استنفاراً دولياً. يوجه الكتاب عدسته التحليلية نحو العنف المنزلي، والعنف ضد الشريك الحميم، والعنف الموجه ضد الأطفال، باعتبارها الأشكال الأكثر شيوعاً وتدميراً في الخريطة العالمية للعنف. يتحدى المؤلفان بجرأة التصورات التقليدية التي تقلل من شأن هذه الممارسات أو تدرجها ضمن خانة “الخصوصية العائلية” أو “التأديب المقبول اجتماعياً”، مؤكدين أن الأرقام والإحصائيات تكشف عن وباء عالمي يتجاوز في ضحاياه وتداعياته أعتى الصراعات المسلحة.
يفكك الكتاب في فصوله التالية منهجية جمع البيانات المتعلقة بالعنف الجنسي والجرائم الموجهة ضد النساء، موضحاً حجم المعاناة المنهجية التي تتعرض لها الفئات المستضعفة في مختلف المجتمعات. المشكلة الكبرى التي تواجه الباحثين هنا تتمثل في ظاهرة “نقص الإبلاغ” المتجذرة في الوصمة الاجتماعية، والخوف من الانتقام، وانعدام الثقة في أنظمة العدالة الجنائية. ومع ذلك، حتى مع الاعتماد على التقديرات المتحفظة وما تسفر عنه استطلاعات الإيذاء المستقلة، تبرز صورة مرعبة لحجم الانتهاكات اليومية. يشدد الكاتبان على أن هذه الأشكال من العنف الشخصي لا تدمر حياة الضحايا فحسب، بل تمزق النسيج الاجتماعي وتخلق دورات متوارثة من الصدمات التي تعيق أي تنمية بشرية حقيقية، مما يجعل تجاهلها في دوائر صنع القرار العالمي والمنظمات الدولية خطأً استراتيجياً فادحاً.
ولا يتوقف الاستقصاء عند العنف الموجه ضد البالغين، بل يفتح ملفاً بالغ الحساسية يتعلق بالعقاب البدني الشديد للأطفال. في العديد من الثقافات، لا يزال ضرب الأطفال مبرراً كأداة تربوية وتأديبية، لكن التحليل العلمي يضعه في سياق العنف الجسدي الصريح الذي يترك ندوباً نفسية وجسدية عميقة ومستدامة. تشير مسوحات الضحايا التي يستند إليها الكتاب إلى أن مئات الملايين من الأطفال يتعرضون سنوياً لدرجات متفاوتة من العنف داخل منازلهم ومدارسهم، مما يشكل بيئة حاضنة ومؤسسة للعنف المستقبلي؛ حيث يتحول الضحايا غالباً إما إلى جناة يعيدون إنتاج العنف، أو إلى أشخاص مستضعفين يسهل استغلالهم في حلقات العنف المجتمعي والسياسي الأوسع.
اقتصاديات الألم: كيف نقيس تكلفة العنف؟
لعل الإسهام الأكثر ريادية في كتاب “أسوأ من الحرب” يتجلى في محاولة المؤلفين ترجمة هذه المعاناة الإنسانية البحتة إلى لغة تفهمها حكومات العالم ووزارات المالية: لغة الأرقام والتكلفة الاقتصادية. الانتقال من قياس “الانتشار” إلى تقدير “التكلفة” يتطلب منهجية معقدة تتجاوز مجرد إحصاء أعداد القتلى والمصابين. يناقش الكتاب بتوسع كيفية حساب التكاليف المباشرة وغير المباشرة لأشكال العنف كافة، مبيناً أن الفاتورة النهائية تتضمن أبعاداً مرعبة تستنزف الاقتصادات الوطنية وتعرقل مسارات التنمية والنمو.
تشمل التكاليف المباشرة بطبيعة الحال النفقات الطبية الباهظة لعلاج الإصابات الجسدية والنفسية، وتكاليف تشغيل أنظمة إنفاذ القانون، والشرطة، والمحاكم، والسجون، فضلاً عن نفقات الرعاية الاجتماعية والدعم النفسي للضحايا. لكن المؤلفين يشيران بوضوح إلى أن هذه الأرقام الظاهرة لا تمثل سوى قمة جبل الجليد. فالتكاليف غير المباشرة، وهي الأضخم والأشد فتكاً بالاقتصاد، تتمثل في الخسائر الفادحة في الإنتاجية الناتجة عن الوفيات المبكرة، والإعاقات الدائمة، والتغيب المستمر عن العمل، وتسرب الأطفال من المدارس نتيجة التعرض للعنف أو الصدمات المرتبطة به. كل فرد يخرج من دائرة الإنتاج أو يفشل في استكمال تعليمه بسبب العنف يمثل خسارة تراكمية صافية في الناتج المحلي الإجمالي لأي دولة على المدى الطويل.
للوصول إلى تقديرات أكثر شمولاً ودقة، يلجأ الباحثان إلى أدوات اقتصادية متقدمة لقياس “التكلفة الاجتماعية” الشاملة، متجاوزين الحسابات المحاسبية البسيطة. يستكشف الكتاب مفاهيم مثل “الاستعداد للدفع”، وهو مقياس اقتصادي يحاول تقدير الموارد المالية التي قد يكون المجتمع أو الأفراد مستعدين لإنفاقها من أجل تقليل مخاطر العنف وتجنب آثاره المستقبلية. من خلال تطبيق هذه المقاييس، يبرهن الكتاب رياضياً واقتصادياً على أن العنف الشخصي بشتى صوره يقتطع نسباً مئوية هائلة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، متفوقاً في استنزافه للموارد على الميزانيات المخصصة لإدارة الصراعات المسلحة، وهو ما يمهد الطريق لإعادة تقييم جذرية لكيفية توزيع العالم لاهتمامه وموارده.
الصدمة الرقمية: عندما تتفوق الجريمة الشخصية على الحروب
تأكيداً لأطروحة الكتاب في ترجمة الأضرار إلى أرقام صادمة، يكشف التحليل الاقتصادي المقارن لـ “هوفلر” و”فيرون” عن مفارقة مذهلة تجبرنا على إعادة نظر جذرية في ترتيب أولويات العالم البشري. فعند وضع الخسائر المادية والإنتاجية التي يخلفها العنف الشخصي جنباً إلى جنب مع خسائر الحروب والصراعات السياسية المسلحة، تتلاشى الانطباعات الذهنية الراسخة وتظهر الحقيقة العارية. تظهر الحسابات الدقيقة أن الخسائر الناجمة عن جرائم القتل العمد، والعنف المنزلي، وإيذاء الأطفال تفوق بعدة أضعاف التكلفة الإجمالية للحروب الأهلية والدولية والإرهاب مجتمعة. إن الأرقام التي يقدمها المؤلفان لا تدع مجالاً للشك في أن العنف الشخصي ليس مجرد سلسلة من الحوادث الفردية المعزولة، بل هو نزيف اقتصادي واجتماعي مستمر يمارس تدميراً بطيئاً وهادئاً لثروات الأمم وطاقاتها البشرية دون أن يثير صخباً إعلامياً.
يتناول العمل بالبحث المتعمق أثر هذا العنف اليومي على عرقلة النمو المستدام وتقويض جهود التنمية في الدول النامية والحديثة النمو على حد سواء. فالاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية يفقد كفاءته عندما يظل أفراد المجتمع، وخاصة النساء والأطفال، يعانون من الخوف والضرر الجسدي داخل البيئة المنزلية والمجتمعية. يعرج المؤلفان على تحليلات دقيقة تكشف كيف يمتص العنف الشخصي جزءاً كبيراً من الميزانيات المخصصة للخدمات العامة والعدالة الجنائية، وهي موارد كان يمكن توجيهها لتحسين جودة الحياة وبناء المستقبل. ويتجاوز النزيف الأرقام المباشرة ليصل إلى إضعاف رأس المال الاجتماعي وتدمير الثقة بين أفراد المجتمع، مما يخلق بيئة غير جاذبة للاستثمار ويفاقم من معدلات الفقر والبطالة، ليتحول العنف من مجرد نتيجة للفقر إلى سبب رئيسي في ترسيخه وتعميقه.
هذه النتيجة المذهلة تقود الكتاب إلى توجيه نقد لاذع للسياسات الدولية والمؤسسات العالمية التي تصب معظم اهتماماتها ومواردها المالية الهائلة في إدارة الحروب، ودعم عمليات السلام، ومكافحة الإرهاب، بينما لا يخصص للعنف الشخصي سوى حصة ضئيلة لا تتناسب إطلاقاً مع حجم الأضرار والتكاليف الحقيقية. يوضح الكاتبان أن هذا الخلل في التوزيع ليس مجرد خطأ تقني في تخطيط الميزانيات، بل هو نتيجة رؤية قاصرة تتعامل مع العنف السياسي بوصفه المهدد الوحيد للاستقرار، بينما تغفل العنف البنيوي والشخصي الذي يهدد حياة الملايين يومياً. إن استمرار هذا النهج التمييزي في التعاطي مع أنواع العنف يكرس دائرة الفشل العالمي، ويجعل الاستراتيجيات التنموية العاجزة عن معالجة العنف الأسري والمجتمعي مجرد حلول ترقيعية لا تلامس جذور الأزمة الشاملة.
نحو استراتيجية عالمية جديدة للحد من العنف
تكتمل الرؤية التحليلية للكتاب بالانتقال من تشخيص الداء إلى استكشاف أفق العلاج، حيث يقدم المؤلفان نقدًا بناءً للنماذج الحالية ويعرضان التصورات الكفيلة بتغيير هذا الواقع المرير. يشدد الكاتبان على أن الخروج من هذا المأزق يتطلب أولاً تغيير الفلسفة التي تُدار بها ملفات العنف عالمياً، والمطالبة بإدراج العنف الشخصي، بكافة أشكاله، كأولوية أمنية وتنموية قصوى في جميع المحافل الدولية. ينبغي للحكومات والمنظمات التنموية أن تدرك أن الوقاية من العنف الأسري والمجتمعي ليست مجرد عمل خيري أو استجابة إنسانية أخلاقية، بل هي استثمار اقتصادي ذكي وحيوي يحمي رأس المال البشري ويضمن استدامة النمو. إن إعادة توجيه جزء يسير من النفقات العسكرية والسياسية الضخمة نحو برنامح الوقاية وحماية الفئات المستضعفة يمكن أن يحقق نتائج باهرة وغير متوقعة على المدى الطويل.
وفي هذا الصدد، يستعرض العمل النجاحات النسبية لبعض السياسات القائمة على أدلة علمية، مثل الاستثمار في برامج دعم الأسرة، وتثقيف الوالدين، وتحسين الاستجابة الشرطية والقضائية لحوادث العنف المنزلي، إلى جانب تشديد القوانين التي تحظر العقاب البدني للأطفال. يثبت الباحثان بالأرقام أن كلفة الاستثمار في الوقاية المبكرة تبلغ كسراً بسيطاً من التكلفة الباهظة التي تتحملها المجتمعات لاحقاً لمعالجة أضرر العنف وآثاره المزمنة. كما يشدد المؤلفان على أهمية الاستمرار في تحسين أدوات جمع البيانات ومسوحات الإيذاء، لمحو المناطق الرمادية وإجبار صناع القرار على مواجهة الحقائق المجرّدة دون تجميل أو تهميش، إذ لا يمكن معالجة ظاهرة تصر المجتمعات على إبقائها طالعة في الظل.
يختتم الكاتبان هذا السفر البحثي الهام بالتأكيد على أن تغيير البوصلة العالمية نحو مواجهة العنف الشخصي ليس بالأمر المستحيل إذا ما توفرت الإرادة السياسية الواعية. إن إعادة تعريف مفهوم “الأمن” ليصبح شاملًا لأمن الفرد داخل بيته ومحيطه الاجتماعي بنفس قدر اهتمامه بأمن الحدود والدولة، هو الخطوة الأولى والأهم للوصول إلى عالم أكثر عدلاً وأقل دموية. بهذه الرؤية المتكاملة، يضع كتاب “أسوأ من الحرب” حجر الأساس لخارطة طريق جديدة تستحث الباحثين، وصناع السياسات، والرأي العام العالمي على التحرر من سطوة العناوين الإخبارية البراقة، والالتفات نحو الحروب الصامتة التي تدور خلف الأبواب المغلقة والتي تستنزف البشرية كل يوم.




