اقتصاد الظل يحكم السودان

يقدم تقرير “الآفاق القطرية للسودان 2026” (Country Focus Report 2026 Sudan)، الصادر عن مجموعة البنك الإفريقي للتنمية تحت عنوان “تعبئة تمويل التنمية في السودان على نطاق واسع في عالم مجزأ”، تشريحاً دقيقاً لواحد من أعقد المشاهد الاقتصادية في القارة الإفريقية. تتجاوز هذه الوثيقة التحليلية مجرد رصد الأرقام لتغوص في الجذور العميقة للأزمات المتلاحقة التي تعصف بالاقتصاد السوداني، مقدمة قراءة متدرجة لمعضلة استعادة الاستقرار. يرتكز الكتاب في مقاربته على تفكيك التحديات المتعلقة بالاقتصاد الكلي، وتعبئة الموارد المحلية، وبناء نظام مالي قادر على الصمود في وجه الصدمات الجيوسياسية في بيئة تتسم بالهشاشة.
اقتصاد يتعافى على حافة الهاوية يستهل التقرير مساره برسم صورة لتعافٍ دوري متواضع يشهده الاقتصاد السوداني، حيث سجل نمواً بنسبة 1.2% في عام 2025، لينهي بذلك مرحلة من الانكماش الحاد والقاسي الذي بلغ 13.5% في عام 2024. استند هذا التعافي الهش في جانب العرض إلى تحسن الإنتاج الزراعي والتعافي التدريجي في قطاع الخدمات، بينما دعمه في جانب الطلب الاستقرار النسبي في المناطق الشمالية والشرقية والوسطى، مما أدى إلى انتعاش متواضع في الاستهلاك الخاص وعمليات إعادة الإعمار المحلية. وتتوقع التقديرات أن يتعزز هذا النمو تدريجياً ليصل إلى 2.1% في عام 2026، ثم 3.2% في عام 2027.
رغم هذه المؤشرات، يظل عدم الاستقرار في الاقتصاد الكلي حاداً وعميقاً. فقد ظلت معدلات التضخم عند مستويات مرتفعة للغاية لتبلغ 150.2% في عام 2025، مسجلة تراجعاً طفيفاً عن 170.1% في عام 2024. ويعود هذا التضخم الجامح إلى استمرار البنك المركزي في تسييل العجز المالي، والنقص الحاد في السلع الاستهلاكية، والتدهور الكبير في قيمة العملة المحلية. فقد الجنيه السوداني حوالي 90% من قيمته بين عامي 2021 و2025، مما يعكس اختلالات تعيق أي استقرار نقدي حقيقي.
وعلى الصعيد الاجتماعي، ارتفعت معدلات الفقر لتشمل حوالي 71% من السكان بحلول عام 2025، مقارنة بنحو 36% قبل اندلاع الحرب. وتزامن ذلك مع بقاء معدلات البطالة عند مستويات مرتفعة بلغت 20.6% في عام 2022، وتراجع مؤشر التنمية البشرية ليضع السودان في المرتبة 176 من أصل 193 دولة في عام 2023، مما يبرز التآكل الحاد في مستويات المعيشة.
فجوة التمويل البالغة 13.3 مليار دولار يضع التقرير يده على جوهر المعضلة المتمثلة في قيود التمويل التنموي، حيث يواجه السودان فجوة تمويلية تقدر بنحو 13.3 مليار دولار سنوياً. تمثل هذه الفجوة الهائلة حوالي 40% من الناتج المحلي الإجمالي ونحو 1.9% من الإيرادات، وتكشف عن شلل في القدرة على تمويل أولويات التنمية والمساعدات الإنسانية. تتفاقم هذه الأزمة بفعل ضعف التدفقات الخارجية؛ إذ لا تتجاوز المساعدة الإنمائية الرسمية (ODA) نسبة 3% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تقف تحويلات المغتربين عند 2%، والاستثمار الأجنبي المباشر عند 3%، وهي مستويات تعكس عجزاً حاداً في القدرة التمويلية.
داخلياً، اتسع العجز المالي إلى 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025 ارتفاعاً من 1.6% في عام 2024. ويُعزى ذلك إلى زيادة الإنفاق الحكومي الموجه لتلبية احتياجات إعادة الإعمار، في ظل نظام ضريبي يعاني من ضعف واعتماد مفرط على الضرائب غير المباشرة (مثل ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية)، مع قاعدة ضريبية ضيقة وإعفاءات واسعة النطاق.
ارتدادات الصدمات العالمية وأزمة الديون يواجه السودان ضغوطاً خارجية إضافية نتيجة أزمة الشرق الأوسط المستمرة، والتي أدت إلى ارتفاع أسعار الوقود والغذاء بنسبة تقدر بنحو 30% بسبب ارتفاع تكاليف الاستيراد واضطراب سلاسل التوريد. هذا التضخم المستورد يستنزف احتياطيات النقد الأجنبي التي تراجعت إلى مستويات حرجة تبلغ 1.17 مليار دولار، وهي تغطي بالكاد شهراً واحداً من الواردات.
يتزامن ذلك مع أزمة ديون خانقة، فرغم وصول السودان إلى نقطة اتخاذ القرار بموجب مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC) في يونيو 2021، وتوقع خفض ديونه الخارجية البالغة 56 مليار دولار (163% من الناتج المحلي الإجمالي في 2020) بنسبة 50% بحلول عام 2022، إلا أن هذا المسار توقف. تعطلت المناقشات مع الدائنين في أعقاب الأحداث السياسية في أكتوبر 2021، ليظل السودان غارقاً في ضائقة الديون وتراكم المتأخرات، مما أدى إلى اتساع عجز الحساب الجاري ليبلغ 6% من الناتج المحلي في 2025.
القطاع غير الرسمي ورأس المال الطبيعي يحلل الكتاب ظاهرة القطاع غير الرسمي الذي يمثل السمة الغالبة للاقتصاد، بمساهمة تقدر بنحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي واستيعاب أكثر من 70% من العمالة. يرى التقرير أن هذه النسبة تعكس استراتيجية بقاء وليدة انهيار الوظائف الرسمية والنزوح وضعف مؤسسات الدولة. لذا، يوصي بضرورة أن يكون التحول نحو القطاع الرسمي تدريجياً ومحفزاً عبر تبسيط أنظمة التسجيل وتوسيع الشمول المالي، بدلاً من التركيز حصراً على فرض الضرائب.
كما يتناول التقرير الاعتماد الكثيف على تصدير رأس المال الطبيعي، وتحديداً الذهب الذي أصبح المصدر المهيمن للنقد الأجنبي. هذا الاعتماد المفرط يعرض الاقتصاد لمخاطر “المرض الهولندي” (Dutch disease)، حيث تؤدي التدفقات النقدية إلى إضعاف القدرة التنافسية لقطاعي التصنيع والزراعة الموجَّهين للتصدير على المدى الطويل، ما يحتم تعزيز الشفافية وإدارة الإيرادات بصرامة.
قطاع مالي هش يبحث عن العمق يتطرق التقرير للقطاع المالي السوداني، واصفاً إياه بـ “الضحل” والمعتمد حصراً على البنوك، إذ يضم حوالي 37 بنكاً تجارياً وعدداً محدوداً من مؤسسات التمويل الأصغر وشركات التأمين. تظل الوساطة المالية ضعيفة للغاية؛ فلا تتجاوز الودائع المصرفية 15% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يقف متوسط الائتمان المحلي للقطاع الخاص عند 12% فقط للفترة (2023-2025).
شهدت جودة الأصول المصرفية تدهوراً حاداً، حيث بلغت نسبة القروض المتعثرة 16.5% من إجمالي القروض، مدفوعة بتعطل الأعمال جراء النزاع. وفي ظل غياب أسواق رأس مال فاعلة، يظل الوصول إلى التمويل طويل الأجل شبه معدوم. يطرح التقرير حزمة حلول تبدأ بتوسيع الخدمات المالية الرقمية والأموال عبر الهاتف المحمول، وتطوير أدوات التمويل الإسلامي، وتعبئة مدخرات المغتربين كقنوات بديلة قادرة على إعادة دمج الاقتصاد السوداني تدريجياً في دورة إنتاجية مستقرة.
يمتد تقرير “الآفاق القطرية للسودان 2026” في تحليله العميق ليتجاوز المؤشرات النقدية والمالية المباشرة، ويغوص في البنية التحتية والمؤسسية التي تشكل العصب الحقيقي للاقتصاد. لعل من أبرز المحاور التي يوليها التقرير اهتماماً استثنائياً هو ضرورة إعادة هندسة الشكل المالي العالمي ليتناسب مع طبيعة الدول التي تعاني من الهشاشة المركبة مثل السودان. يرى التقرير أن النظام المالي الدولي بشكله الحالي، والمتمثل في مؤسسات التمويل الدولية المتعددة الأطراف، لا يمتلك المرونة الكافية للتعامل مع السياقات المعقدة التي تتشابك فيها النزاعات المسلحة مع الأزمات الاقتصادية وتداعيات التغير المناخي. فالشروط الصارمة المرتبطة بالتمويل التقليدي، ومقاييس تقييم المخاطر الكلاسيكية، تجعل من شبه المستحيل على السودان الولوج إلى أسواق رأس المال العالمية أو الاستفادة المثلى من القروض الميسرة. بناءً على ذلك، يدعو التقرير إلى تبني آليات تمويل مبتكرة تتضمن أدوات تقاسم المخاطر، والضمانات السيادية المدعومة من المجتمع الدولي، وإعادة توجيه حقوق السحب الخاصة (SDRs) لتمويل مشاريع إعادة الإعمار، وتأسيس صناديق استئمانية مخصصة للتعافي المبكر يمكنها العمل بمرونة بعيداً عن بيروقراطية الإقراض التقليدي.
صدمات المناخ ومعضلة الانتقال الزراعي والأمن الغذائي ينتقل السرد التحليلي للوثيقة إلى واحد من أخطر التهديدات الوجودية التي تواجه الاقتصاد السوداني، وهو التداخل المدمر بين الصدمات المناخية وهشاشة الأمن الغذائي. يُعتبر السودان من أكثر دول العالم عرضة لتداعيات التغير المناخي، حيث تتجلى هذه الظاهرة في موجات الجفاف القاسية والمتكررة، وتذبذب معدلات هطول الأمطار، وزحف التصحر الذي يبتلع مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة، فضلاً عن الفيضانات المدمرة التي تضرب البلاد موسمياً وتدمر البنية التحتية الهشة. يشير التقرير إلى أن القطاع الزراعي، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد والمشغل الأكبر للقوى العاملة، يعتمد بشكل شبه كلي على الزراعة المطرية التقليدية، مما يجعله مكشوفاً تماماً أمام هذه التقلبات المناخية. هذا الانكشاف لا يهدد فقط حصيلة الصادرات وتقييم العملة الوطنية، بل يضرب في صميم الأمن الغذائي لملايين المواطنين، مما يفاقم من معدلات سوء التغذية والنزوح الداخلي بحثاً عن الموارد. يضع التقرير خارطة طريق للانتقال نحو “زراعة ذكية مناخياً”، تعتمد على استنباط بذور مقاومة للجفاف، وتحديث أنظمة الري، وتفعيل آليات الإنذار المبكر، ويدعو بوضوح إلى ضرورة تخصيص جزء معتبر من التمويل المناخي العالمي (والذي لا يحصل السودان حالياً إلا على فتاته) لدعم صغار المزارعين وبناء قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.
فجوة البنية التحتية: شرايين التنمية المقطوعة في تشريحه للبيئة المادية الداعمة للاقتصاد، يسلط التقرير الضوء على العجز الهائل في البنية التحتية والذي يشكل عنق الزجاجة أمام أي محاولات جدية للتعافي الاقتصادي. لقد أسفرت عقود من الإهمال، وتوجيه الموارد نحو الإنفاق الاستهلاكي، والدمار الواسع الذي طال المرافق الحيوية مؤخراً، عن انهيار شبه تام في الخدمات الأساسية. قطاع الطاقة، على سبيل المثال، يعاني من فجوة إنتاجية ضخمة وتهالك في شبكات النقل والتوزيع، مما يؤدي إلى انقطاعات مستمرة للتيار الكهربائي تشل القطاع الصناعي وترفع من تكاليف الإنتاج بشكل يخرج المنتجات المحلية من دائرة المنافسة. وتنسحب هذه الصورة القاتمة على شبكات الطرق والسكك الحديدية التي باتت عاجزة عن ربط مناطق الإنتاج (خاصة الزراعي والتعديني) بموانئ التصدير ومراكز الاستهلاك، مما يتسبب في هدر هائل للموارد وتلف للمحاصيل. لا يغفل التقرير أيضاً البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، والتي يعتبر تدهورها قنبلة صحية موقوتة. يتطلب سد فجوة البنية التحتية هذه، وفقاً لتقديرات التقرير، استثمارات رأسمالية ضخمة لا يمكن للموازنة العامة المثقلة بالعجز تحملها. الحل المطروح يكمن في هندسة نماذج فعالة لـ “الشراكة بين القطاعين العام والخاص” (PPP)، شريطة إيجاد بيئة قانونية وتنظيمية شفافة تحمي حقوق المستثمرين وتضمن في الوقت ذاته مصالح الدولة والمواطنين.
رأس المال البشري: النزيف الحاد وتحديات إعادة البناء لا يمكن الحديث عن تعافٍ اقتصادي بمعزل عن المورد الأهم: الإنسان. يخصص التقرير مساحة واسعة لتحليل التآكل غير المسبوق في رأس المال البشري السوداني. فمن جهة، يشهد السودان أكبر موجة “هجرة عقول” في تاريخه الحديث، حيث تتسرب الكفاءات والكوادر المهنية المتخصصة (من أطباء، ومهندسين، وأكاديميين، وتقنيين) إلى الخارج بحثاً عن الأمان والاستقرار المعيشي، مما يترك مؤسسات الدولة والقطاع الخاص في حالة من الفراغ الإداري والمهني. ومن جهة أخرى، يرزح من تبقى في الداخل تحت وطأة انهيار أنظمة الرعاية الصحية والتعليم. المدارس والجامعات تعاني من تعطل مستمر، مما يهدد بخلق جيل كامل فاقد للتعليم الأساسي والمهارات المطلوبة في سوق العمل الحديث. النظام الصحي، الذي كان يعاني أصلاً من هشاشة ، يواجه انهياراً شاملاً مع نقص حاد في الأدوية المنقذة للحياة والمستلزمات الطبية وتدمير المستشفيات المركزية. يرى التقرير أن الاستثمار العاجل في شبكات الأمان الاجتماعي ليس ترفاً، بل هو خط الدفاع الأخير لمنع الانهيار المجتمعي الكامل. ويشدد على ضرورة توجيه التمويل التنموي نحو برامج التحويلات النقدية المباشرة للأسر الأكثر فقراً، وإعادة تأهيل المرافق الصحية والتعليمية الأساسية، مع التركيز بشكل خاص على تمكين المرأة والشباب، حيث يمثلون الكتلة الديموغرافية الأكبر والقوة الكامنة القادرة على قيادة قاطرة إعادة الإعمار إذا ما تم تسليحهم بالتعليم والمهارات اللازمة.
الحوكمة وبناء المؤسسات: حجر الأساس لاستعادة الثقة يصل التقرير إلى العقدة المركزية التي تحول دون استدامة أي نمو اقتصادي: أزمة الحوكمة وضعف القدرات المؤسسية. يخلص التحليل إلى أن كافة الإصلاحات النقدية والمالية ستتبخر في الهواء ما لم ترتكز على أساس صلب من المؤسسات الفاعلة والشفافة. يعاني السودان من اختلالات عميقة في نظام “إدارة المالية العامة” (PFM)، تتسم بضعف الرقابة على الإنفاق، وتسرب الإيرادات خارج المظلة الرسمية للدولة، وغياب الشفافية في إدارة الموارد الطبيعية (خاصة قطاعات التعدين والبترول). يضاف إلى ذلك بيروقراطية معقدة وبيئة تنظيمية طاردة للاستثمار ومحفزة للفساد والأنشطة الريعية. يعتبر التقرير أن استعادة وظائف الدولة الأساسية، وبناء قدرات الخدمة المدنية، وإرساء مبادئ المساءلة وسيادة القانون، هي شروط مسبقة لنجاح أي عملية لتعبئة الموارد المحلية أو جذب التمويل الخارجي. ويدعو إلى تبني استراتيجية شاملة للتحول الرقمي في الإدارة الحكومية (E-Government)، ليس فقط كأداة لتسهيل الإجراءات وتحسين جودة الخدمات، بل كسلاح فعال لتجفيف منابع الفساد وتقليل التدخل البشري المباشر في المعاملات المالية والاقتصادية، مما يعزز من ثقة المواطن والمستثمر في مؤسسات الدولة.
التكامل الإقليمي وديناميكيات التجارة العابرة للحدود أخيراً، يضع التقرير الاقتصاد السوداني في سياقه الإقليمي والجغرافي الاستراتيجي. يتمتع السودان بموقع فريد كجسر يربط بين منطقة القرن الإفريقي، وشمال إفريقيا، والشرق الأوسط، ويمتلك واجهة بحرية استراتيجية على البحر الأحمر (بورتسودان). ورغم هذه الميزات، يظل الأداء التجاري ضعيفاً ومقتصراً على تصدير المواد الخام غير المصنعة. يرى التقرير فرصة ذهبية في تفعيل دور السودان ضمن “منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية” (AfCFTA)، والتي يمكن أن تفتح أسواقاً ضخمة للمنتجات السودانية، شريطة التركيز على إضافة القيمة للمنتجات الزراعية والحيوانية قبل تصديرها. كما يبرز التقرير أهمية تنظيم وتطوير تجارة الحدود العابرة مع دول الجوار، والتي تمثل حالياً جزءاً كبيراً من الاقتصاد غير الرسمي، وتحويلها إلى قنوات تجارية نظامية ترفد خزانة الدولة بالإيرادات وتعزز من الاستقرار الإقليمي من خلال التشابك الاقتصادي والمصالح المشتركة.
يواصل تقرير “الآفاق القطرية للسودان 2026” الصادر عن مجموعة البنك الإفريقي للتنمية غوصه المعرفي والتحليلي في تعقيدات المشهد الاقتصادي السوداني، منتقلاً من تشريح الأزمات الكلية إلى اقتراح مسارات دقيقة لهندسة التعافي، ومسلطاً الضوء على آليات تعبئة التمويل الإنمائي في بيئة تتسم بالهشاشة الشديدة والانقسامات العالمية. يرى التقرير أن الاعتماد الحصري على تدفقات رأس المال الخارجي في ظل الظروف الجيوسياسية الراهنة يعد رهاناً محفوفاً بالمخاطر، مما يضع مسألة “تعبئة الموارد المحلية” (Domestic Resource Mobilization) في صدارة الأولويات الاستراتيجية للدولة السودانية. لا يقتصر المفهوم هنا على مجرد زيادة الجباية الضريبية، بل يمتد ليشمل إعادة تشكيل شاملة للنظام المالي الوطني ليكون أكثر عدالة وكفاءة ومرونة. يعاني النظام الضريبي السوداني حالياً من تشوهات عميقة، حيث يعتمد بشكل مفرط على الضرائب غير المباشرة التي ترهق كاهل الفئات الأقل دخلاً، بينما تظل القاعدة الضريبية ضيقة للغاية بسبب الانتشار الواسع للإعفاءات الضريبية غير المبررة التي تُمنح لقطاعات وشركات محددة دون أن يقابلها عائد تنموي حقيقي أو خلق لفرص العمل. يدعو التقرير بوضوح إلى مراجعة شاملة وصارمة لهذه الإعفاءات، وتوسيع المظلة الضريبية لتشمل القطاعات ذات الربحية العالية التي لا تزال تعمل خارج النظام المالي الرسمي أو تدفع أقل من نصيبها العادل.
إلى جانب ذلك، يفتح التقرير ملف الإيرادات غير الضريبية، مشدداً على ضرورة حوكمة وإدارة الموارد الطبيعية المملوكة للدولة بشفافية مطلقة. فالرسوم والعوائد المتأتية من قطاعات التعدين، وخاصة الذهب، والاتصالات، وعبور النفط، يجب أن تخضع لنظام خزانة موحد يمنع التسرب المالي ويعزز من قدرة وزارة المالية على التخطيط الاستراتيجي للإنفاق. ولتحقيق ذلك، يعتبر التحول الرقمي في الإدارة الضريبية والجمركية شرطاً لا غنى عنه، ليس فقط لتبسيط الإجراءات وتقليل تكلفة الامتثال على الممولين، بل كأداة حاسمة لتقليص مساحات الفساد والتهرب الضريبي. يرى خبراء البنك الإفريقي للتنمية أن تطبيق أنظمة الفوترة الإلكترونية والربط الشبكي بين مختلف المؤسسات الإيرادية يمكن أن يضاعف من حصيلة الإيرادات المحلية دون الحاجة إلى فرض ضرائب جديدة، مما يوفر حيزاً مالياً حيوياً للإنفاق على الصحة والتعليم والبنية التحتية.
وفي سياق متصل، يفرد التقرير مساحة تحليلية واسعة لمناقشة دور “القطاع الخاص” باعتباره المحرك البديل والأساسي للنمو في ظل عجز القطاع العام عن أداء هذا الدور. غير أن بيئة الأعمال في السودان لا تزال مكبلة بجملة من العوائق البيروقراطية والقانونية التي تخنق المبادرة الفردية وتطرد الاستثمار المحلي والأجنبي على حد سواء. يشير التحليل إلى أن تكلفة بدء الأعمال التجارية، واستخراج التراخيص، وتسجيل الملكية، وإنفاذ العقود، تعتبر من بين الأعلى والأكثر تعقيداً في المنطقة. هذا الواقع المؤسسي المعقد يفرز نتيجتين كارثيتين: الأولى هي إحجام المستثمرين الاستراتيجيين عن الدخول إلى السوق السوداني وتفضيلهم لأسواق مجاورة أكثر استقراراً ووضوحاً، والثانية هي لجوء صغار ومتوسطي المستثمرين المحليين إلى العمل في الظل داخل الاقتصاد غير الرسمي هرباً من التعقيدات التنظيمية والجبائية. من هنا، يطرح التقرير حزمة من الإصلاحات الجذرية التي تتطلب إرادة سياسية حازمة، بدءاً من تحديث قانون الاستثمار ليكون أكثر شفافية ويوفر ضمانات حقيقية لحماية حقوق الملكية وتحويل الأرباح، مروراً بتفعيل آليات التحكيم التجاري المستقل لسرعة الفصل في النزاعات، وصولاً إلى نافذة موحدة حقيقية (One-Stop Shop) تتمتع بصلاحيات تنفيذية كاملة لإنهاء معاناة المستثمرين مع تعدد المرجعيات الحكومية.
لا ينفصل الحديث عن القطاع الخاص عن أزمة “الشمول المالي” التي تعتبر من أعمق الفجوات في الاقتصاد السوداني. يؤكد التقرير أن غالبية رواد الأعمال وأصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل العمود الفقري للتشغيل، لا يمتلكون القدرة على الوصول إلى التمويل المصرفي. القطاع المصرفي السوداني يتسم بالتركيز الشديد وتفضيل تمويل العمليات التجارية قصيرة الأجل ذات العوائد السريعة والمضمونة، متجاهلاً تمويل القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة التحويلية التي تتطلب رؤوس أموال طويلة الأجل وتحمل مخاطر أعلى. لمعالجة هذا الخلل، يوصي التقرير بتطوير أدوات تمويلية مبتكرة، وتأسيس صناديق ضمان مخاطر الائتمان التي يمكن أن تشجع البنوك على إقراض القطاعات الإنتاجية، بالإضافة إلى تعزيز دور التكنولوجيا المالية (FinTech) لتقديم خدمات مالية ميسرة ومنخفضة التكلفة للشرائح الواسعة من المجتمع التي لا تتعامل مع الجهاز المصرفي التقليدي، وخاصة في المناطق الريفية والطرفية.
ومن الزوايا الحيوية التي يتعمق فيها التقرير بشكل ملفت، قضية “التدفقات المالية غير المشروعة” (Illicit Financial Flows) وتهريب ثروات البلاد. يمثل غياب الرقابة الصارمة على حركة رؤوس الأموال، وتهريب السلع الاستراتيجية، وفي مقدمتها الذهب والمحاصيل النقدية عبر الحدود المفتوحة، استنزافاً مستمراً للاحتياطيات الوطنية من النقد الأجنبي وحرماناً للاقتصاد من موارد هو في أمس الحاجة إليها لتحقيق الاستقرار النقدي. يضع التقرير مكافحة هذه الظاهرة كأولوية قصوى تتطلب تنسيقاً أمنياً وقانونياً ومؤسسياً عالي المستوى، وتعزيز قدرات وحدة التحريات المالية، والتعاون الوثيق مع المؤسسات الدولية لمكافحة غسل الأموال واسترداد الأصول المنهوبة. إن السيطرة على هذه التدفقات ودمجها في القنوات الاقتصادية الرسمية من شأنه أن يقلب موازين الحساب الجاري للسودان ويخفف من حدة الضغوط التضخمية التي تسحق القوة الشرائية للمواطنين.
على صعيد آخر، يتناول التقرير معضلة “الديون الخارجية” كعقبة كأداء تقف أمام اندماج السودان في النظام المالي العالمي. رغم الآمال الكبيرة التي عُقدت على مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC)، إلا أن التطورات السياسية المتعاقبة جمدت هذا المسار، مما ترك السودان يرزح تحت وطأة جبل من الديون القديمة والمتأخرات التي تتزايد بفعل الفوائد الجزائية. يوضح التحليل أن هذه الديون لا تقتصر أضرارها على الحرمان من التمويل التنموي الجديد، بل تمثل رسالة سلبية مستمرة للمستثمرين الدوليين حول مستوى المخاطر السيادية للبلاد. يقدم التقرير مقاربة براغماتية تدعو إلى استئناف الحوار التقني والفني مع الدائنين الدوليين، وتحديداً نادي باريس والمؤسسات المالية الدولية، وتقديم ضمانات وتعهدات واضحة بمسار إصلاحي اقتصادي صارم يمكن أن يمهد الطريق لإعفاء جزء كبير من هذه الديون أو إعادة جدولتها بشروط ميسرة للغاية تتناسب مع قدرة الاقتصاد السوداني على السداد دون الإخلال بمتطلبات الإنفاق الاجتماعي الضروري.
يأخذنا التقرير بعد ذلك إلى استكشاف ديناميكيات “الاقتصاد الأخضر” و”التمويل المناخي”، وهو بُعد استراتيجي لم يعد بالإمكان تهميشه. السودان، رغم مساهمته شبه المعدومة في الانبعاثات الحرارية العالمية، يدفع ثمناً باهظاً للتغير المناخي الذي يهدد سلة غذائه وموارده المائية. يتطلب الانتقال نحو اقتصاد أكثر مرونة مناخياً استثمارات ضخمة في البنية التحتية، مثل السدود الصغيرة لتخزين مياه الأمطار، وأنظمة الإنذار المبكر للكوارث الطبيعية، ومحطات توليد الطاقة المتجددة (الشمسية وطاقة الرياح) لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المكلف والمستورد. يرى التقرير أن السودان يمتلك فرصة استراتيجية للاستفادة من الصناديق المناخية العالمية، مثل “صندوق المناخ الأخضر” (GCF)، إلا أن الوصول إلى هذه الأموال يتطلب بناء قدرات مؤسسية متقدمة قادرة على صياغة مشاريع قابلة للتمويل وتلبي المعايير البيئية والاجتماعية الدولية الصارمة، وهو تحدٍ يجب على الحكومة والقطاع الخاص السوداني العمل على تجاوزه بشراكة مع بيوت الخبرة الدولية.
في خضم هذا التحليل، لا يغفل التقرير “البعد الاجتماعي والديموغرافي” بوصفه الغاية النهائية لأي عملية تنموية. يقف السودان أمام ظاهرة “تضخم فئة الشباب” (Youth Bulge)، وهي ظاهرة تحمل وجهين: فإما أن تتحول إلى “عائد ديموغرافي” هائل يدفع بعجلة الإنتاج والابتكار إذا ما توفرت له فرص التعليم والتدريب والعمل، أو أن تتحول إلى قنبلة اجتماعية موقوتة تغذي الصراعات والهجرة غير الشرعية إذا ما تُركت فريسة للبطالة والتهميش. يشدد التقرير على ضرورة إعادة توجيه الاستثمارات العامة نحو تطوير المناهج التعليمية لربط مخرجاتها باحتياجات سوق العمل الحديث، والتوسع في برامج التعليم الفني والمهني. كما يفرد مساحة خاصة لتمكين المرأة اقتصادياً، مشيراً إلى أن إزالة العوائق القانونية والاجتماعية التي تحول دون مشاركة المرأة الفاعلة في الاقتصاد الرسمي يمكن أن يضيف نقاطاً مئوية هامة إلى الناتج المحلي الإجمالي، ويحسن من مستويات معيشة الأسر بشكل ملحوظ.



