أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

السودان عند مفترق طرق: قراءة في مستقبل الدولة ومآلات الصراع الإقليمي

تشكل التحولات الجيوسياسية والتاريخية العميقة التي تعصف بمنطقة وادي النيل والقرن الإفريقي، ولا سيما في السودان، نقطة ارتكاز محورية لفهم مسارات توازن القوى وصراع الإرادات في النظام الدولي المعاصر. وفي هذا السياق الأكاديمي والتحليلي البالغ التعقيد، يبرز تقرير  الوكالة الأوروبية للجوء حول السودان (European Union Agency for Asylum – EUAA)، والذي يتناول تقييم الأوضاع الأمنية والإنسانية، ومظاهر تفكك مؤسسات الدولة، وتداعيات الصراع على السكان والمنظومة الإقليمية.  والصادر في أغسطس من العام ألفين وستة وعشرين تحت عنوان ” كوثيقة تسلط الضوء على البناء والتصدعات المؤسسية التي يشهدها السودان. يقدم هذا التقرير قراءة تعكس وجهة نظر أوربية لطبيعة السلطة المنقسمة، ومآلات سيادة القانون، وتداعيات انهيار المنظومة العدلية، وتأثيرات ذلك كله على البنية المجتمعية والسياسية في دولة تقف على مفترق طرق تاريخي.

لقد أفرزت الديناميكيات العسكرية والسياسية المتسارعة منذ منتصف العام ألفين وثلاثة وعشرين واقعاً انتقالياً مضطرباً، أدى إلى انشطار السلطة الإدارية والسياسية في البلاد إلى هيكلين متوازيين يتنازعان شرعية تمثيل الدولة السودانية. فمن جهة، برزت في مدينة بورتسودان حكومة الأمر الواقع التي تحظى بالاعتراف الرسمي، والتي أُطلق عليها اسم “حكومة الأمل”، وتقودها القوات المسلحة السودانية. ومن جهة أخرى، وفي خطوة تعكس ذروة التشظي المؤسسي، أعلنت قوات الدعم السريع عن تأسيس حكومة موازية أطلقت عليها اسم “حكومة السلام والوحدة”، متخذة من مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، مقراً لها. هذا الانقسام الحاد لم يقف عند حدود الشعارات السياسية، بل تعمق ليخلق واقعاً يتسم بتشرذم الحكم، حيث بدأت النظم الإدارية والضريبية وهياكل السلطة تعمل خارج الإطار الوطني الموحد الذي اعتاد عليه السودانيون، لتؤسس لواقع جديد ومغاير في المناطق التي تقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع.

وفي محاولة لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية وسد الفراغ الدستوري الذي أعقب استقالة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك في العام ألفين واثنين وعشرين، أقدم رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة في شهر مايو من العام ألفين وخمسة وعشرين على خطوة مفصلية تمثلت في تعيين كامل إدريس رئيساً للوزراء. لقد كُلف كامل إدريس بمهمة شاقة تتلخص في تشكيل حكومة تكنوقراطية غير حزبية تتألف من اثنين وعشرين عضواً، وهي مهمة استغرقت عدة أشهر لإنجازها في ظل تقاطعات سياسية وأمنية بالغة التعقيد. لم يكن مسار تشكيل هذه الحكومة يسيراً، بل اصطدم بضغوط هائلة من قبل الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا لسلام السودان في العام ألفين وعشرين. لقد لوح قادة هذه الحركات بوضوح بسحب دعمهم وتحالفهم مع القوات المسلحة في حال تم إقصاؤهم من المناصب التنفيذية، مما فرض واقعاً تفاوضياً جديداً أفضى في النهاية إلى احتفاظ قادة “القوة المشتركة” – وهو تحالف يضم حركات مسلحة تتمركز في دارفور – بحقائب وزارية سيادية واستراتيجية هامة، شملت وزارة المالية، ووزارة التعدين، ووزارة التنمية الاجتماعية.

بالتوازي مع ذلك، مضى مجلس السيادة الانتقالي، الذي أُعيد تشكيله بعد إجراءات العام ألفين وواحد وعشرين، في إحكام قبضته على المفاصل الأمنية والعسكرية للدولة، حيث تولى المجلس بشكل مباشر وحصري تعيين وزيري الدفاع والداخلية. وقد أثارت التشكيلة النهائية للحكومة موجة من الانتقادات الحادة من قبل الفاعلين السياسيين والمدنيين السودانيين، الذين رأوا فيها افتقاراً للتمثيل الواسع والشامل لكافة أطياف المجتمع السوداني. وتزايدت حدة هذه الانتقادات مع تواتر التقارير التي أشارت إلى ارتباط عدد من التعيينات الوزارية بشخصيات تنتمي إلى حزب المؤتمر الوطني المحلول والحركة الإسلامية السودانية، مما أثار هواجس حقيقية حول احتمالية عودة رموز الحقبة السابقة إلى مواقع التأثير وصنع القرار، وتهميش القوى المدنية. ورغم هذا المشهد السياسي المعقد، وفي ظل حقيقة أن الجيش حرر الخرطوم ويتقدم بخطى حثيثة لاستعادة السيطرة الكاملة، أعلن رئيس الوزراء الجديد كامل إدريس في يناير من العام ألفين وستة وعشرين عن العودة الرسمية لمؤسسات الدولة الوطنية إلى العاصمة الخرطوم، وذلك بعد مضي قرابة ثلاث سنوات من انتقال الحكومة الوطنية للعمل من مدينة بورتسودان الساحلية.

إن القراءة المتأنية في السياق الدستوري تكشف عن تحولات جذرية وعميقة طالت البنية التشريعية للدولة، حيث أجرى مجلس السيادة الانتقالي في العام ألفين وخمسة وعشرين تعديلات جوهرية على الوثيقة الدستورية التي تم إقرارها في العام ألفين وتسعة عشر. هذه التعديلات، التي دخلت حيز التنفيذ بعد نشرها في الجريدة الرسمية في الثالث والعشرين من فبراير من نفس العام، تضمنت حزمة من الإجراءات التي تعيد رسم ملامح السلطة، ومن أبرزها تمديد الفترة الانتقالية لمدة تسعة وثلاثين شهراً إضافية، وإلغاء كافة الإشارات والنصوص التي تشير إلى قوات الدعم السريع والقوات المسلحة بمسماها القديم، فضلاً عن منح المؤسسة العسكرية تمثيلاً بأغلبية صريحة داخل مجلس السيادة الانتقالي، وهو ما يعني عملياً إرجاء عملية الانتقال إلى حكم مدني إلى أجل غير مسمى. وعلاوة على ذلك، حظرت التعديلات الدستورية الجديدة تولي حاملي الجنسيات المزدوجة للمناصب الحكومية الرفيعة، وحذفت بشكل كامل أي إشارة إلى تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير. وقد نصت هذه التعديلات صراحة على أن صياغة وتنفيذ السياسة الخارجية للسودان ستخضع للإشراف المباشر والمطلق لمجلس السيادة الانتقالي.

لقد نظر المراقبون القانونيون والخبراء الدستوريون إلى هذه التعديلات بعين التوجس، واصفين إياها بأنها تفتقر إلى الشرعية وتتناقض مع المبادئ الدستورية المتعارف عليها، معتبرين أنها تكرس سيطرة مطلقة على السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. ووفقاً للتقارير الواردة، فقد منحت هذه التعديلات قيادة القوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة سلطات واسعة النطاق للسيطرة على كافة مؤسسات الدولة، بما في ذلك الصلاحية الحصرية لتعيين رئيس القضاء، وقضاة المحكمة العليا، ورئيس الوزراء، وطاقمه الوزاري، والمراجع العام لجمهورية السودان. في ظل هذا التغول على السلطات، سجلت مؤشرات مكافحة الفساد تراجعاً مريعاً، حيث هوى تصنيف السودان في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية إلى مستويات غير مسبوقة، متراجعاً من خمس عشرة نقطة إلى أربع عشرة نقطة من أصل مائة في العام ألفين وخمسة وعشرين، ليقبع في المرتبة المائة وخمسة وسبعين من أصل مائة واثنين وثمانين دولة تم تقييمها. هذا التراجع يضع السودان في مرتبة متأخرة جداً حتى عند مقارنته بمتوسط دول أفريقيا جنوب الصحراء، ويؤكد استمرار حالة الانحدار المؤسسي. وقد أكدت التقارير أن الفساد بات متجذراً بعمق داخل المؤسسات المتحالفة مع السلطات، وأن كبار المسؤولين يقرون علناً بوجوده كجزء لا يتجزأ من هياكل الحكم، حيث تُقابل الشكاوى المقدمة ضد الفساد الإداري بالقمع بدلاً من المحاسبة.

وعلى الضفة الأخرى من الصراع، مضت قوات الدعم السريع في العام ألفين وخمسة وعشرين نحو ترسيخ دعائم حكومتها الموازية التي نصبتها ذاتياً في المناطق الخاضعة لسيطرتها، والتي تشمل أجزاء واسعة من إقليم دارفور وأجزاء من ولايتي كردفان والنيل الأزرق. بدأت هذه الخطوة الاستراتيجية في شهر فبراير من ذات العام بدعوة لتوقيع ميثاق تأسيسي في العاصمة الكينية نيروبي. وقد حظيت هذه المبادرة بدعم تحالف يضم عدداً من الحركات المسلحة القادمة من دارفور وكردفان، ومن أبرزها الحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال، إلى جانب مجموعات سياسية أخرى. وتتويجاً لهذا المسار، أعلنت قوات الدعم السريع في شهر مارس بشكل أحادي عن تشكيل ما أسمته “حكومة السلام والوحدة”، والتي باتت تُعرف باسم “دولة التأسيس”، متزامناً ذلك مع التوقيع على مسودة دستور انتقالي جديد. طالب هذا الدستور الموازي بإلغاء الوثيقة الدستورية لعام ألفين وتسعة عشر وكافة القوانين السابقة لها، وشدد على ضرورة إقامة دولة علمانية تفصل بين الدين والدولة، وتعتمد نظاماً لامركزياً مقسماً إلى مستويات اتحادية وإقليمية ومحلية، مع ضمان المواطنة المتساوية لجميع السودانيين ومنح الأقاليم حق تقرير المصير. ورسمت هذه الوثيقة التأسيسية هيكلاً انتقالياً للحكم يُفترض أن يمهد الطريق لإجراء انتخابات عامة، منادية بتشكيل جيش وطني واحد، مع اعتبار القوى الموقعة على الميثاق هي النواة الأساسية لهذا الجيش.

إلا أن هذه الحكومة الموازية واجهت رفضاً وعزلة قاطعة على المستويين الإقليمي والدولي، حيث سارع الاتحاد الأفريقي إلى مطالبة الدول الأعضاء فيه بعدم الاعتراف بها، مجدداً دعمه الكامل للحكومة الانتقالية السودانية التي شُكلت في بورتسودان في مايو ألفين وخمسة وعشرين. وبدوره، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قراراً يرفض فيه بشكل قاطع إعلان هذه الإدارة الموازية، في حين أعرب الأمين العام للأمم المتحدة عن قلقه البالغ إزاء توقيع ميثاق قوات الدعم السريع، مؤكداً أن مثل هذه التحركات الانفرادية تنذر بتفتيت وحدة الأراضي السودانية وتعميق الأزمة. أما على مستوى التطبيق العملي والممارسة الإدارية داخل المناطق التي تقع تحت نفوذ قوات الدعم السريع، فقد تباينت السياسات بشكل ملحوظ، حيث اعتمدت الإدارة استراتيجيات هجينة ومتعددة تراوحت بين استيعاب البيروقراطية الحكومية التي كانت قائمة مسبقاً، وبين الاعتماد على ممارسات غير رسمية تقوم على الولاءات القبلية والبراغماتية الاقتصادية، متخذة من العنف والقوة والإكراه وسيلة لفرض سطوتها واستمداد سلطتها. وفي إطار سعيها لفرض هذا الواقع، قامت قوات الدعم السريع بتأسيس هيئات لتمثيلها أمام السلطات التشادية المجاورة، مثل “الإدارة المدنية لغرب دارفور”، وبدأت في إصدار تصاريح مرور وجمركية، كما أعلنت الإدارة المدنية التابعة لها في ولاية شرق دارفور في مطلع العام ألفين وستة وعشرين عن خطوة مثيرة للجدل تمثلت في تأسيس أول مؤسسة مصرفية إقليمية مستقلة.

لم يقتصر التشظي على هياكل السلطة العسكرية، بل امتد ليضرب بجذوره في البنية السياسية والمدنية للسودان، حيث شهدت الساحة تبلور كتلتين سياسيتين رئيسيتين متناقضتين. الكتلة الأولى عُرفت باسم “الكتلة الديمقراطية”، والتي جمعت طيفاً واسعاً من الأحزاب السياسية والحركات المسلحة التي أعلنت اصطفافها إلى جانب القوات المسلحة السودانية، في حين عُرفت الكتلة الثانية باسم “تحالف تأسيس”، وهو الائتلاف الذي دعم قوات الدعم السريع. ضمت “الكتلة الديمقراطية” في صفوفها كيانات مثل الحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادة جعفر الميرغني، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان تحت قيادة مني أركو مناوي، وقد عقدت هذه الكتلة اجتماعات في فبراير من العام ألفين وستة وعشرين لبحث آليات تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي. في المقابل، تشكل تحالف “تأسيس” من أربع وعشرين مجموعة، وأقدم في يوليو من العام ألفين وخمسة وعشرين على تشكيل مجلس قيادي وتسمية محمد حسن التعايشي رئيساً للوزراء لهذه الحكومة الموازية.

لقد زاد هذا الاستقطاب الحاد من تعقيد المشهد السياسي، خاصة وأن التحالف الداعم للقوات المسلحة شهد، وفقاً للمصادر، تنامي نفوذ وحضور “الشبكات الإسلامية”، على الرغم من النفي الرسمي، حيث انخرطت هذه التيارات في عمليات التعبئة الشعبية والاستنفار وتجييش المجتمعات على أسس قبلية. وفي العاصمة الخرطوم، تورط مقاتلون يتبعون لما يُعرف بـ “كتيبة البراء بن مالك” في عمليات تضييق استهدفت المتطوعين العاملين في غرف الطوارئ، مما دفعهم للنزوح. وتتويجاً لهذا التصعيد، أقدمت الولايات المتحدة في مارس من العام ألفين وستة وعشرين على تصنيف الحركة الإسلامية السودانية وكتيبة البراء بن مالك ككيانات إرهابية عالمية. وفي خضم هذا الاستقطاب، تعرض التحالف المدني المعارض الرئيسي (تقدم) للتفكك في فبراير ألفين وخمسة وعشرين، ليختار البعض الانضمام إلى “تأسيس”، في حين شكل الرافضون تحالفاً جديداً أطلقوا عليه “صمود” الذي واجه بدوره اتهامات بمولاته لقوات الدعم السريع. وفي مسعى أخير لإيجاد مخرج، اجتمعت قيادات مدنية بارزة يتقدمهم رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك في نيروبي في ديسمبر ألفين وخمسة وعشرين لبناء “قطب ثالث” مستقل وتوقيع إعلان مبادئ يرسم خارطة طريق لإنهاء الحرب، بمشاركة واسعة من قوى سياسية ونقابية وتنسيقيات أهلية.

وفي سياق متصل يغوص في عمق الانهيار المؤسسي الذي وثقه التقرير، تتكشف أبعاد كارثة مست المنظومة العدلية والقانونية في السودان، لتشكل واحدة من أخطر تداعيات هذا الصراع على الإطلاق. لقد تعرضت البنية التحتية لقطاع العدالة لتدمير ممنهج وواسع النطاق، شمل إحراق دور المحاكم، ونهب الأرشيف القضائي، وتخريب مقرات النيابة العامة، مما أدى إلى شلل شبه تام في آليات إنفاذ القانون والتقاضي المدني والجنائي في العاصمة وعدد من الولايات. هذا الشلل لم يكن مجرد نتيجة عرضية لتبادل إطلاق النار، بل بدا وكأنه مسار متوازٍ لتفكيك ذاكرة الدولة الحقوقية وإلغاء مرجعياتها التشريعية. ومع غياب سلطة قضائية مستقلة قادرة على الفصل في النزاعات وحماية الحقوق الدستورية للمواطنين، تحولت مسألة العدالة إلى مفهوم نسبي يخضع لموازين القوى العسكرية على الأرض، مما رسخ ثقافة الإفلات التام من العقاب وجعل المواطن السوداني أعزل تماماً في مواجهة آلة العنف المتصاعدة.

في المناطق التي تقع تحت سيطرة القوات المسلحة السودانية، فرضت حالة الطوارئ المعلنة واقعاً قانونياً استثنائياً أدى إلى تعليق العمل بالعديد من مواد قانون الإجراءات الجنائية، وتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية العسكرية لتشمل الاعتقال التحفظي، والتفتيش دون مذكرات قضائية، ومصادرة الممتلكات. وقد أشار التحليل إلى تنامي ظاهرة المحاكم الميدانية والاستثنائية التي تفتقر إلى أدنى معايير المحاكمات العادلة، حيث باتت تهم مثل “التخابر” أو “التعاون مع التمرد” تُوجه بمرونة مقلقة لتشمل النشطاء السياسيين، وأعضاء لجان المقاومة، والفاعلين في غرف الطوارئ الإنسانية. إن هذا التغول الأمني على المساحة المدنية والقانونية أفرغ منظومة العدالة من محتواها، وحولها إلى أداة من أدوات الضبط السياسي وقمع الأصوات المعارضة لاستمرار الحرب، مما عمق من حالة الاغتراب بين المواطن ومؤسسات الدولة التي يُفترض أن توفر له الحماية.

على الضفة الأخرى، وفي الأقاليم والولايات التي أحكمت قوات الدعم السريع سيطرتها عليها، برز فراغ قانوني مرعب حاولت هذه القوات سده عبر استنساخ هياكل عدلية هجينة ومفتقرة للشرعية. ففي ظل غياب القضاة والوكلاء النظاميين الذين نزحوا أو رفضوا العمل تحت مظلة هذه القوات، تم اللجوء إلى تفعيل آليات الإدارة الأهلية والمحاكم القبلية والعرفية للفصل في النزاعات المدنية والجنائية على حد سواء. هذا التحول نحو “عدالة القبيلة” بدلاً من “عدالة الدولة” لم يؤدِ فقط إلى تراجع مريع في ضمانات حقوق الإنسان وتقييد حريات الأفراد—خاصة النساء والفئات المستضعفة—بل أسهم في تغذية الاستقطاب الإثني والعرقي، حيث أصبحت الأحكام الصادرة تُقرأ من منظور الانتماء القبلي للقاضي والمتقاضي. وعلاوة على ذلك، فإن غياب أجهزة شرطية نظامية محترفة في هذه المناطق ترك الباب مفتوحاً أمام ممارسات الابتزاز، وفرض الجبايات غير القانونية، وشرعنة عمليات النهب الواسعة التي طالت الممتلكات العامة والخاصة تحت مسميات إدارية مختلقة.

ولعل من التجليات المأساوية لتفكك الدولة السودانية هو الانهيار الشامل لمنظومة السجل المدني والجوازات، وهو ما خلق أزمة هوية ووجود لملايين السودانيين الذين وجدوا أنفسهم مجردين من أوراقهم الثبوتية، إما بسبب احتراق المقرات أو تعطل الخوادم المركزية. هذه الأزمة تعمقت بشكل دراماتيكي مع تصاعد موجات النزوح الداخلي واللجوء الخارجي، حيث تحولت مسارات الهروب من جحيم الحرب إلى رحلات محفوفة بالموت والابتزاز. وفي هذا السياق الجيوسياسي والإنساني المعقد، تبرز حركة النزوح الكثيفة باتجاه الشمال نحو الحدود المصرية كواحدة من أهم المؤشرات على انهيار شبكات الأمان الوطني. لقد استحالت المدن والمحطات الحدودية، وعلى رأسها مدينة حلفا، إلى نقاط تجمّع قسرية تعكس حجم المأساة، حيث تكدست جموع هائلة من الفارين من نيران المعارك في ظروف إنسانية بالغة القسوة، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء في انتظار عبور الحدود. إن المشاهد التي تشكلت في حلفا وغيرها من المعابر لم تكن مجرد أزمة لاجئين، بل كانت تجسيداً حياً لفقدان الدولة لقدرتها التشغيلية والسيادية؛ ففي تلك البقعة الجغرافية، تعطلت آليات الإصدار القنصلي، وتلاشت قدرة البيروقراطية الحكومية على تنظيم حركة مواطنيها أو توفير الحد الأدنى من مقومات الإعاشة والرعاية الصحية لهم، مما تركهم فريسة لشبكات التهريب، والاستغلال الاقتصادي، والمرض، في مشهد يعكس قمة العجز المؤسسي والتخلي الرسمي عن مسؤولية حماية المواطن في أحلك لحظات ضعفه.

وبالتوازي مع هذا الانهيار الإداري والإنساني، يرصد التحليل بدقة كيف تحولت بنية الاقتصاد السوداني إلى “اقتصاد حرب” بامتياز، يقوم على الاستنزاف والافتراس بدلاً من الإنتاج والتنمية. فمع توقف عجلة الإنتاج في القطاعات الحيوية، وتدمير البنية التحتية للصناعة في الخرطوم، وتعطل المشاريع الزراعية الكبرى كمشروع الجزيرة، لجأت أطراف الصراع إلى تمويل آلتها العسكرية عبر اقتصاديات الظل والنهب الممنهج. القوات المسلحة، ومن خلال سيطرتها على الموانئ الشرقية وبعض مناطق التعدين، سعت لاحتكار عائدات التصدير وتوجيه ميزانية الدولة المتقلصة بالكامل نحو المجهود الحربي، على حساب إيقاف رواتب العاملين في القطاع العام وتجميد الإنفاق على الصحة والتعليم. في المقابل، انخرطت قوات الدعم السريع في بناء شبكات اقتصادية موازية تعتمد على السيطرة العنيفة على مناجم الذهب في دارفور، وفرض رسوم عبور قسرية على الطرق القومية، ومصادرة المحاصيل الزراعية والماشية، فضلاً عن إعادة تدوير وبيع الممتلكات المنهوبة في أسواق باتت تُعرف شعبياً بأسواق “دقلو”.

هذا التوحش الاقتصادي ترافق مع تدمير ممنهج للقطاع المصرفي، حيث تعرضت البنوك المركزية والتجارية لعمليات نهب واسعة وحرائق أتت على السيولة النقدية والبيانات المالية. ورغم المحاولات الخجولة لاستئناف العمليات المصرفية في بعض المدن الآمنة نسبياً، إلا أن انعدام الثقة، وشح السيولة، وانهيار قيمة الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، جعلت من النظام المالي الرسمي هيكلاً فارغاً. هذا الانهيار دفع المواطنين والمنظمات الإنسانية للاعتماد الكلي على التطبيقات البنكية الرقمية وتحويلات المغتربين كطوق نجاة وحيد، رغم التذبذب المستمر في شبكات الاتصالات والإنترنت التي تُستخدم كأدوات للحرب النفسية والعقاب الجماعي من قبل الأطراف المتحاربة، مما يزيد من عزلة ملايين السودانيين ويحرمهم من أبسط مقومات الصمود في وجه المجاعة الزاحفة.

 يؤسس هذا الواقع المرير لمرحلة من “اللا دولة” التي لا تنحصر تداعياتها في حدود الجغرافيا السودانية فحسب، بل تمتد لتشكل تهديداً استراتيجياً مباشراً للأمن الإقليمي في حوض النيل والقرن الإفريقي. إن تفكك المركز التاريخي للسلطة في الخرطوم، وصعود أمراء الحرب والشبكات الزبائنية، يمهد الطريق لتشظي الكيان الوطني إلى كانتونات متناحرة، تتغذى على التدخلات الخارجية التي تجد في هذا الفراغ فرصة لتصفية حساباتها الجيوسياسية. إن ما يحدث ليس مجرد صراع على السلطة بين جنرالين، بل هو عملية تحلل بنيوي لدولة الاستقلال، تتطلب مقاربات تحليلية تتجاوز القراءات السطحية، وتغوص في جذور الأزمة التاريخية والاجتماعية التي أوصلت البلاد إلى هذه النقطة الحرجة من تاريخها الحديث.

وفي سياق تعميق هذه القراءة التحليلية لما وثقه التقرير حول تفكك الدولة السودانية، يتوجب التوقف ملياً عند ظاهرة شديدة الخطورة تتمثل في “عسكرة الفضاء المجتمعي” وانشطار المشهد الأمني من صراع ثنائي إلى حالة من التعددية الميليشياوية المعقدة. لم يعد مسرح العمليات مقتصراً على المواجهة المباشرة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، بل إن استطالة أمد الحرب وتآكل قدرة المركز على بسط نفوذه أفرزا واقعاً كارثياً تجلى في التكاثر العشوائي للحركات المسلحة، وجماعات الدفاع الذاتي، والميليشيات القبلية. إن سياسة التسليح الشعبي والاستنفار التي انتهجتها أطراف الصراع لسد العجز في القوة البشرية، أدت إلى ضخ كميات هائلة من السلاح المنفلت في أيدي المدنيين، مما حول الأحياء والقرى إلى ثكنات عسكرية مصغرة. هذا التحول ينذر بتأسيس حقبة من “أمرأة الحرب” (Warlordism) حيث تتشكل جيوب نفوذ محلية تخضع لسلطة أمراء حرب صغار لا يأتمرون بأمر القيادات المركزية، مما يجعل أي عملية مستقبلية لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج أقرب إلى المستحيل، ويؤسس لدورة عنف مستدامة تتجاوز الأهداف السياسية الكبرى لتغرق في وحل تصفية الحسابات المحلية والمناطقية.

يترافق هذا الانشطار الأمني مع تمزق غير مسبوق في النسيج الاجتماعي السوداني، حيث تحولت الهوية الإثنية والقبلية إلى السلاح الأكثر فتكاً في هذا الصراع. لقد عمدت الأطراف المتحاربة إلى توظيف العصبيات القبلية كأداة حشد وتعبئة، مما أدى إلى انزلاق الحرب في مناطق مثل دارفور وكردفان، وحتى في بعض مناطق الوسط والعاصمة، نحو اصطفافات عرقية صفرية. إن هذا التخندق الإثني لا يهدد فقط بتمزيق التعايش السلمي الهش الذي ميز أجزاء واسعة من السودان تاريخياً، بل يعيد إنتاج مظالم تاريخية ويحولها إلى مشاريع إبادة وتهجير قسري على الهوية. لقد أصبح الانتماء القبلي للفرد محدداً لفرص بقائه على قيد الحياة، ولحقه في المرور عبر حواجز التفتيش، وحتى في الحصول على المساعدات الإنسانية. هذا التسميم المتعمد للوجدان الوطني ينسف فكرة “المواطنة” من أساسها، ويستبدلها بولاءات ضيقة تجعل من فكرة إعادة بناء دولة وطنية موحدة تحدياً سيكولوجياً واجتماعياً يفوق في تعقيده التحديات العسكرية والسياسية.

على الصعيد الجيوسياسي، وبناءً على المعطيات، فإن الفراغ الاستراتيجي الذي يخلفه تفكك سلطة المركز في الخرطوم يُحدث موجات ارتدادية عنيفة تتجاوز الحدود الجغرافية للسودان، لتضرب في عمق منظومة الأمن الإقليمي لمنطقة وادي النيل والقرن الإفريقي. إن تحول السودان إلى مساحة مستباحة يعيد رسم خرائط النفوذ الإقليمي والدولي، حيث تتداخل أجندات قوى دولية وإقليمية تسعى لتأمين مصالحها الاستراتيجية، سواء كان ذلك في السيطرة على سواحل البحر الأحمر، أو ضمان استمرار تدفق الموارد، أو استخدام الساحة السودانية كمنصة لتصفية الحسابات في إطار التنافس الاستراتيجي العالمي. إن انهيار منظومة ضبط الحدود السودانية الممتدة يفتح الباب واسعاً أمام تدفق السلاح، وتجارة البشر، وتمدد الشبكات الإرهابية والإجرامية العابرة للحدود، مما يضع دول الجوار المباشر—والتي ترتبط بالسودان بتعقيدات ديموغرافية ومصالح أمنية مائية واقتصادية عليا—أمام تحديات وجودية تتطلب إعادة تقييم شاملة لمقارباتها الأمنية والدبلوماسية لتأمين عمقها الاستراتيجي من شظايا هذا الانفجار العظيم.

وفي خضم هذه التحولات ، تتكشف مأساة صامتة ولكنها الأكثر تدميراً لمستقبل البلاد، ألا وهي التدمير الممنهج لقطاعات البنية التحتية الاجتماعية، وعلى رأسها الصحة والتعليم. لقد تحولت المؤسسات الطبية والمستشفيات المرجعية إلى أهداف عسكرية أو ثكنات للمقاتلين، مما أدى إلى انهيار كامل للنظام الصحي وعجز تام عن تقديم الخدمات العلاجية المنقذة للحياة أو إدارة برامج الترصد الوبائي. ومع توقف سلاسل إمداد الأدوية واللقاحات، باتت الأمراض المتوطنة والمعدية مثل الكوليرا والملاريا تحصد أرواحاً تفوق في أعدادها ضحايا الرصاص، في ظل غياب شبه تام للتدخلات الدولية الفاعلة. وبموازاة ذلك، يشهد قطاع التعليم كارثة محققة تتمثل في حرمان ملايين الأطفال والشباب من حقهم في التمدرس للعام الثاني على التوالي، وتدمير الجامعات العريقة، ونهب مراكز البحوث والمكتبات، وحرق الأرشيفات الوطنية. إن هذا الاستنزاف لرأس المال البشري لا يعني مجرد توقف مؤقت لعجلة التنمية، بل هو محو متعمد لذاكرة الأمة وإعاقة هيكلية لنهضتها المستقبلية، مما يضمن بقاء السودان في دائرة التخلف والتبعية لعقود قادمة.

 لا يمكن إغفال التوظيف الاستراتيجي للاتصالات والبنية التحتية الرقمية كأدوات للحرب والعقاب الجماعي. لقد شهد السودان انقطاعات متكررة وشاملة لشبكات الاتصالات والإنترنت، لم تكن مجرد حوادث تقنية، بل تكتيكات عسكرية متعمدة تهدف إلى فرض تعتيم إعلامي شامل يعزل المدنيين عن العالم الخارجي وعن بعضهم البعض. هذا التعتيم لا يخدم فقط أغراض التغطية على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وإخفاء معالم الجرائم المرتكبة بعيداً عن رصد المجتمع الدولي، بل يضرب في مقتل الآليات البديلة التي ابتكرها المجتمع السوداني للصمود، مثل “غرف الطوارئ” والتحويلات البنكية الرقمية التي تعتمد كلياً على توفر الإنترنت. إن شل هذه الشرايين الرقمية يضاعف من حالة العزلة والخوف، ويحرم المدنيين المحاصرين من إطلاق نداءات الاستغاثة أو تنسيق عمليات الإخلاء والإغاثة، مما يحول الجغرافيا السودانية الممتدة إلى سجون مفتوحة تغيب فيها أبسط مقومات الحق في الحياة والتواصل.

وفي مسار تحليلي آخر يكشف عن أبعاد استراتيجية بالغة القسوة في مسار هذا النزاع، يبرز توظيف “سلاح التجويع” كأداة عسكرية وسياسية منهجية لإخضاع المجتمعات وإعادة هندسة الخريطة الديموغرافية والسياسية في السودان. إن الانهيار الشامل للقطاع الزراعي، والذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني ومصدر العيش الأهم لملايين السودانيين، لم يكن مجرد نتيجة جانبية للعمليات العسكرية، بل جاء كثمرة لاستهداف مباشر للبنية التحتية الإنتاجية. لقد تعرضت المشاريع الزراعية القومية الكبرى، وعلى رأسها مشروع الجزيرة الذي يمثل سلة غذاء السودان، لعمليات تخريب واسعة النطاق شملت نهب الآليات، وتدمير قنوات الري، وتخويف المزارعين ومنعهم من زراعة أراضيهم أو حصاد محاصيلهم. هذا الاستهداف الممنهج لوسائل الإنتاج الغذائي، مقروناً بفرض حصار خانق على مسارات الإمداد ونهب القوافل الإغاثية ومستودعات برنامج الأغذية العالمي، أدى إلى خلق واقع كارثي تتسارع فيه خطى المجاعة لتطرق أبواب ملايين الأسر. إن تحويل الغذاء إلى سلاح للابتزاز والمساومة يعكس استراتيجية مروعة تهدف إلى كسر إرادة الصمود لدى المجتمعات المحلية، ودفعها إما للاستسلام أو النزوح القسري، مما يفرغ مناطق شاسعة من سكانها الأصليين ويمهد الطريق لتغييرات ديموغرافية تخدم أجندات السيطرة على الأرض والموارد.

وفي مواجهة هذا الانهيار الشامل لمؤسسات الدولة الحامية والراعية، برزت ديناميكيات مجتمعية بديلة تجسدت في “غرف الطوارئ” واللجان الشعبية التي تشكلت بعفوية وروح تطوعية عالية لمحاولة سد الفراغ الهائل في الخدمات الأساسية. لقد مثلت هذه الكيانات المدنية، التي ولدت من رحم المعاناة، خط الدفاع الأخير للمدنيين، حيث تولت مهام إدارة المستشفيات الميدانية، وتأمين مسارات الإجلاء، وتوزيع الحصص الغذائية الشحيحة، وجمع التبرعات عبر التطبيقات الرقمية. غير أن هذه المبادرات المجتمعية النبيلة لم تسلم من بطش الآلة العسكرية، بل أصبحت هدفاً مباشراً للاستقطاب والتخوين من قبل طرفي النزاع. ففي مناطق سيطرة الدعم السريع، تعرض المتطوعون للاعتقال والتعذيب بتهم العمل لصالح استخبارات الجيش، بينما في المناطق التي تخضع لسيطرة القوات المسلحة—والتي تواصل تقدمها بثبات بعد تحرير الخرطوم في مسعى لاستعادة كامل السيادة الوطنية—واجهت هذه اللجان تضييقاً في بعض الأحيان من قبل الأجهزة الأمنية ومجموعات الاستنفار المسلحة بدعوى ارتباطها السياسي بقوى الحرية والتغيير أو القوى المدنية المعارضة. إن هذا الاستهداف للفاعلين المدنيين يعكس تعقيدات المشهد الأمني، ورفضاً لأي استقلالية مجتمعية قد تُقرأ على أنها خروج عن عباءة الولاء المطلق للمؤسسة العسكرية أو الميليشيات.

ولم يقف قطار التدمير عند حدود البشر والحجر، بل امتد في مسار أكثر خطورة ليستهدف “الذاكرة الوطنية” والتراث الحضاري للسودان، في محاولة تبدو وكأنها مسعى متعمد لمحو الهوية التاريخية والثقافية للدولة. لقد وثقت التقارير المتتالية عمليات نهب ممنهجة وتخريب واسع النطاق طال المتاحف الوطنية، وعلى رأسها المتحف القومي في الخرطوم الذي يضم كنوزاً لا تقدر بثمن من الحضارات النوبية القديمة، بالإضافة إلى استهداف دار الوثائق القومية، ومكتبات الجامعات العريقة، والمراكز الثقافية. إن اختفاء أو تدمير المخطوطات التاريخية، والآثار، وسجلات الدولة، يمثل اغتيالاً لذاكرة الأمة وقطيعة قسرية مع ماضيها، وهو ما يخدم خطاب التفكيك وإعادة التأسيس الذي تتبناه القوى الساعية لفرض واقع جديد من نقطة الصفر. إن هذه “الإبادة الثقافية” تتقاطع مع عمليات التطهير العرقي لترسم لوحة قاتمة لمشروع تفكيكي لا يستهدف الحاضر فحسب، بل يصادر المستقبل ويشوه الماضي، مما يجعل من عملية التعافي الوطني وبناء الوجدان المشترك مهمة في غاية التعقيد تستوجب عقوداً من الزمن لجبر هذا الصدع المعرفي والتاريخي.

وبالتوازي مع تدمير الداخل، تتكشف آليات “اقتصاد الظل والتهريب العابر للحدود” كشريان حياة يغذي استمرارية الصراع ويضمن تمويل الآلة العسكرية بمعزل عن مؤسسات الدولة الرسمية. لقد تحولت الحدود السودانية المفتوحة والممتدة مع دول الجوار إلى ممرات آمنة لشبكات التهريب المعقدة، حيث يتم تصدير الذهب المنهوب من مناجم دارفور وكردفان وبعض مناطق الشمال، بالإضافة إلى الماشية والمحاصيل النقدية، بطرق غير شرعية إلى الأسواق الإقليمية والدولية. وفي المقابل، تتدفق عبر هذه المسارات ذاتها شحنات الأسلحة والذخائر والوقود، في عملية تبادل تجاري وعسكري تديرها شبكات مصالح تتقاطع فيها مافيا التهريب مع القيادات الميدانية للميليشيات. هذا الاقتصاد الموازي لا يكتفي بإهدار ثروات الأمة واستنزاف مقدراتها، بل يخلق طبقة من المستفيدين وتجار الحروب الذين ترتبط مصالحهم وبقاؤهم باستمرار حالة الفوضى وانعدام القانون. إن هذه التشابكات الاقتصادية الإقليمية تجعل من محاولات فرض عقوبات دولية أو محاصرة مصادر التمويل مهمة شبه مستحيلة في ظل غياب الإرادة السياسية الإقليمية والتواطؤ الضمني لبعض الأطراف المستفيدة من هذا النزيف.

وعلى وقع هذه الكارثة متعددة الأبعاد، تتجلى بوضوح حالة العجز والشلل التي أصابت آليات “الدبلوماسية الإقليمية والدولية” في التعاطي مع الأزمة السودانية. لقد كشفت مسارات التفاوض المتعددة، بدءاً من منبر جدة، مروراً بمبادرات الهيئة الحكومية للتنمية (الإيغاد)، وصولاً إلى جهود الاتحاد الإفريقي، عن افتقار المنظومة الدولية لأدوات ضغط حقيقية وفعالة قادرة على إلزام الأطراف بوقف إطلاق النار أو تأمين المسارات الإنسانية. هذا الفشل الدبلوماسي لا يعود فقط لتعنت بعض الأطراف المتحاربة، بل يعكس أيضاً حالة التشظي والانقسام في مواقف القوى الإقليمية والدولية، والتي تتعامل مع الملف السوداني من منظور مصالحها الجيوسياسية الضيقة بدلاً من التركيز على إنقاذ الدولة من الانهيار. إن غياب الرؤية الموحدة وتضارب الأجندات الخارجية أدى إلى تفريغ المنابر التفاوضية من مضمونها، وتحويلها إلى مجرد منصات لشراء الوقت وإعادة التموضع العسكري على الأرض، مما يترك الشعب السوداني وحيداً في مواجهة مصيره، ويسلط الضوء على الهشاشة البنيوية في النظام الدولي العاجز عن حماية السلم والأمن في واحدة من أكثر مناطق العالم حيوية واستراتيجية.

وفي سياق الانتقال من التحليل الداخلي المجهري إلى الرؤية الجيوسياسية الماكرو-استراتيجية، يفرض هذا الواقع قراءة معمقة لتداعيات تصدع بنية الدولة السودانية على توازن القوى في منطقة القرن الإفريقي وحوض البحر الأحمر. إن السودان، بموقعه الجغرافي الحاكم كجسر بين العالمين العربي والإفريقي وإطلالته الاستراتيجية على أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، لا يمثل مجرد ساحة صراع محلي، بل هو بؤرة ارتكاز في هيكل الأمن الإقليمي. إن تآكل سلطة المركز يخلق تدريجياً فراغاً جيوسياسياً يغري القوى الدولية والإقليمية المتنافسة بالتدخل لإعادة رسم خرائط النفوذ. يتجلى هذا التنافس بوضوح في السباق المحموم نحو تأمين التواجد العسكري والاستثماري على الساحل السوداني، حيث تتقاطع المصالح الكبرى لدول تسعى لضمان أمن خطوط إمداداتها البحرية وتوسيع نطاق هيمنتها، مع دول أخرى تتوجس من أي تغيير في الوضع القائم قد يهدد أمنها القومي المباشر. هذا التكالب الاستراتيجي يحول الأزمة السودانية من شأن داخلي إلى معضلة أمنية دولية، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتحولات الكبرى في النظام الدولي، وتجعل من استقرار السودان أو استمرار تشظيه متغيراً حاسماً في معادلات التنافس الجيواستراتيجي الأوسع.

ومن منظور نظريات العلاقات الدولية ودراسات بناء الدولة، فإن المشهد السوداني الراهن يقدم نموذجاً صارخاً لحالة الانهيار السيادي، حيث تفقد الدولة احتكارها الشرعي لوسائل القوة والإكراه، لتتوزع هذه القوة بين فاعلين ما دون وطنيين وعصابات مسلحة. إن محاولة تأسيس نظم إدارية وقانونية مستقلة في مناطق سيطرة الميليشيات تمثل تحدياً جذرياً لمفهوم الدولة الوطنية الموحدة. هذا التشظي لا يقتصر على التقسيم الجغرافي، بل يمتد إلى انهيار العقد الاجتماعي الذي يربط المواطن بالدولة. فعندما تعجز المؤسسات الرسمية مؤقتاً عن توفير الحد الأدنى من الأمن والخدمات في بعض الأقاليم، وتترك مواطنيها فريسة لآلة الحرب واقتصاديات النهب، تبرز الانتماءات الأولية القبلية والمناطقية كبدائل حتمية ومؤقتة للبقاء. إن محاولة إعادة بناء الدولة في هكذا سياق لا يمكن أن تتم عبر الترتيبات الفوقية أو تقاسم السلطة التقليدي، بل تتطلب إعادة صياغة شاملة لأسس المواطنة، وبناء مؤسسات قادرة على استيعاب التنوع وإدارة الموارد بعدالة، وهو تحدٍ يستوجب تجاوز المقاربات القديمة التي أثبتت فشلها في منع انزلاق البلاد نحو حافة الهاوية.

على الصعيد الاقتصادي الكلي، تتجاوز ارتدادات اقتصاد الحرب السوداني الحدود الوطنية لتخلق حالة من العدوى الاقتصادية التي تضرب استقرار دول الجوار المباشر، وتحديداً مصر وجنوب السودان، اللتين ترتبطان بشرايين اقتصادية وتاريخية حيوية مع الخرطوم. فبالنسبة لجنوب السودان، يمثل تعطل خطوط أنابيب تصدير النفط المارة عبر الأراضي السودانية نتيجة التخريب المتعمد والعمليات العسكرية، ضربة قاصمة لميزانية الدولة التي تعتمد بشكل شبه كلي على هذه العائدات، مما يهدد بانهيار اقتصادي سيادي في جوبا. أما على صعيد العلاقات الاقتصادية مع مصر، فقد أدى توقف حركة التبادل التجاري، وانهيار سلاسل الإمداد الزراعي والحيواني، إلى خسائر فادحة طالت قطاعات واسعة، فضلاً عن الأعباء الاقتصادية الكلية المترتبة على استقبال مئات الآلاف من الفارين من جحيم الصراع والمقيمين في المعابر الحدودية. إن هذا التدمير الممنهج للبنية التحتية الاقتصادية ينسف عقوداً من جهود التكامل الإقليمي في وادي النيل، ويعيد تشكيل الأنماط التجارية في المنطقة لصالح مسارات غير رسمية تتحكم فيها شبكات التهريب، مما يعمق من حالة الهشاشة الاقتصادية الشاملة في الإقليم بأسره.

وبموازاة المعارك العسكرية الطاحنة، تدور رحى حرب أخرى لا تقل ضراوة في الفضاء الافتراضي والإعلامي، حيث يتم توظيف حرب المعلومات كأداة استراتيجية لصناعة الرأي العام وحشد التأييد وتشويه الحقائق على الأرض. لقد استثمرت الميليشيات المتمردة موارد هائلة في بناء آلات دعائية معقدة، تعتمد على التضليل، وفبركة الأخبار، وتوجيه الجيوش الإلكترونية للسيطرة على السردية السياسية للصراع ومحاولة غسل سجلها المثقل بالانتهاكات وتدمير البنى التحتية. في المقابل، ومع التطورات الميدانية الحاسمة التي توجت بتمكن الجيش من تحرير الخرطوم ومواصلة زحفه الميداني لاستعادة السيطرة على بقية الولايات، تعززت سردية الدولة الوطنية التي تقاتل من أجل البقاء وتأمين سيادتها ضد محاولات الاختطاف والارتهان للخارج. إن هذه المعركة الإعلامية تلعب دوراً محورياً في تشكيل المواقف الدولية، وتزيد من تعقيد مسارات التوثيق، حيث تصبح عملية رصد وتوثيق الانتهاكات مهمة بالغة الصعوبة ومحفوفة بمخاطر الانحياز أو الوقوع في فخ التضليل الممنهج الذي يسعى لمساواة مؤسسات الدولة الشرعية مع التشكيلات الخارجة عن القانون.

ختاماً يتبلور استنتاج مركزي مفاده أن الأزمة السودانية قد تجاوزت منذ أشهرها الأولى مرحلة التمرد التقليدي لتصل إلى محاولة تفكيك بنيوي لأسس الدولة ومقوماتها الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية. إن هذا الرصد الدقيق لتشظي السلطة، وانهيار العدالة، والتدمير الممنهج للاقتصاد الوطني، يضع الباحث وصانع القرار أمام واقع معقد يتطلب مقاربات تتجاوز الحلول السطحية. إن مسار التعافي وحفظ الأمن الإقليمي يتطلب حسم المعركة لاستعادة مؤسسات الدولة الوطنية احتكارها الشرعي للقوة وبسط سيطرتها، وهو المسار الذي بدأت ملامحه تتشكل فعلياً مع التقدم الميداني للجيش. يتبع ذلك بالضرورة مشروع وطني شامل لإعادة البناء المؤسسي والاقتصادي، يتأسس على معالجة الخلل في إدارة التنوع. إن السودان يقف على عتبة تحول استراتيجي قاهر، إما أن ينهض منها كدولة فاعلة تساهم في استقرار جوارها الجيوسياسي، أو أن يترك فراغاً يستنزف محيطه لعقود، مما يلقي بمسؤولية بحثية وتاريخية لفهم ديناميكيات هذا الصراع وتقديم قراءات رصينة تساهم في بلورة رؤى وطنية للإنقاذ وإعادة التأسيس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى