ألمانيا في مهب القومية الراديكالية: قراءة في المانيفستو الإقصائي لحزب البديل

مقدمة: رياح التغيير في المشهد السياسي الألماني
في خضم التحولات الجيوسياسية العميقة التي تعصف بالقارة الأوروبية، وفي ظل تنامي التساؤلات حول الهوية الوطنية والسيادة الاقتصادية، يبرز أمامنا نص سياسي بالغ الأهمية والتعقيد، وهو البرنامج الأساسي لحزب “البديل من أجل ألمانيا”. من خلال قراءة الوثيقة الرسمية التي تحمل اسم “Programm AfD “، نجد أنفسنا أمام مانيفستو سياسي لا يكتفي بطرح شعارات انتخابية براقة أو وعود سطحية، بل يغوص في صميم بنية الدولة الألمانية الحديثة ليقترح إعادة هندسة شاملة لمؤسساتها وتوجهاتها الاستراتيجية. بأسلوب صحفي يتسم بالموضوعية والتحليل المعمق، نستعرض في هذه المراجعة الشاملة التي سنقسمها إلى خمس دفعات متتالية، ركائز هذا البرنامج الذي يصف نفسه بأنه يمثل المحافظين والليبراليين، والمواطنين الأحرار الذين يرفضون أن يكونوا مجرد رعايا خاضعين لقرارات فوقية.
تبدأ الوثيقة بديباجة قوية تمثل صرخة احتجاج ضد ما يعتبره الحزب “خرقاً للقانون وتدميراً لدولة المؤسسات”. يتحدث النص بوضوح عن ضرورة تقديم “بديل حقيقي” للمواطنين الذين سئموا من سياسات الطبقة الحاكمة التي طالما سوقت لقراراتها على أنها خيارات لا بديل لها ولا مفر منها. يستدعي الحزب في ديباجته قسم اليمين الدستوري الذي يؤديه أعضاء الحكومة، والذي ينص على تكريس الجهد لرفاهية الشعب الألماني وزيادة منفعته ودرء الخطر عنه، متخذاً من هذا القسم معياراً لمحاكمة السياسات الحالية التي يرى أنها انحرفت عن هذا المسار. إن هذه البداية الخطابية القوية تضع القارئ مباشرة أمام الرؤية الفلسفية للحزب: دولة ديمقراطية ذات سيادة، تعتز بثقافتها الغربية المسيحية، وترفض التنازل عن مقدراتها لصالح كيانات عابرة للحدود.
الفصل الأول: إعادة اختراع الديمقراطية وكسر احتكار الأحزاب
عند الغوص في الفصل الأول من البرنامج ، نكتشف أن الحزب يوجه نقداً جذرياً وموجعاً للنظام السياسي الألماني بشكله الحالي. يرى الحزب أن جهاز الدولة قد طور “حياة خاصة سيئة”، حيث لم يعد توزيع السلطة يتوافق مع مبادئ فصل السلطات، بل تغولت الطبقة السياسية المحترفة على حساب الإرادة الشعبية. ومن هنا، يطرح البرنامج مفهوماً ثورياً بالنسبة للسياسة الألمانية وهو “الديمقراطية المباشرة” على غرار النموذج السويسري. يطالب الحزب بمنح الشعب الحق الأصيل في التصويت المباشر على القوانين التي يقرها البرلمان، مؤكداً أن هذا الحق سيعمل كعامل كابح ومخفف لـ “طوفان القوانين غير المنطقية” التي يتم تمريرها حالياً. ولا يتوقف الأمر عند التصويت، بل يمتد ليشمل حق المواطنين في المبادرة باقتراح قوانين جديدة، مع التشديد على أنه لا يجوز تعديل القانون الأساسي (الدستور) أو إبرام معاهدات دولية كبرى دون موافقة الشعب المباشرة. إن هذا التوجه ينبع من قناعة راسخة بأن المواطنين، عندما يُمنحون الثقة والمسؤولية، يتصرفون بحكمة وتوجه نحو الصالح العام بشكل يفوق السياسيين المحترفين الذين غالباً ما تحركهم مصالحهم الشخصية أو الحزبية.
وفي سياق هجومه المباشر على ما يسميه “كارتل الأحزاب”، يقدم ملف حزمة من المقترحات الرامية إلى تحجيم نفوذ الأحزاب السياسية التي يعتبر أنها استغلت الدولة وشوهت ممارسة الديمقراطية. من أبرز هذه المقترحات المطالبة بتقليص حجم البرلمان الألماني (البوندستاغ) بشكل جذري ليصل إلى 471 نائباً فقط كحد أقصى، مقارنة بالأعداد الضخمة الحالية، وذلك لترشيد النفقات المالية الباهظة ورفع كفاءة العمل التشريعي. كما يطالب البرنامج بوضع حد أقصى لفترات تولي المناصب البرلمانية بأربع دورات تشريعية كحد أقصى، بهدف القضاء على ظاهرة “السياسيين المحترفين” الذين ينفصلون عن واقع المواطنين ويغرقون في شبكات المحسوبية والفساد ولوبيات الضغط المالي. وفي خطوة تهدف إلى تعزيز استقلالية رأس الدولة، يدعو الحزب إلى انتخاب رئيس الجمهورية الاتحادية مباشرة من قبل الشعب، بدلاً من النظام الحالي الذي يعتمد على الجمعية الاتحادية التي تسيطر عليها التوافقات الحزبية المغلقة خلف الأبواب الموصدة.
علاوة على ذلك، يولي البرنامج أهمية قصوى لمسألة الفصل الحقيقي بين السلطات. فهو ينتقد بشدة الخلط الحالي حيث يجلس الوزراء في البرلمان لمراقبة السلطة التنفيذية التي هم جزء منها أصلاً. يطالب الحزب بفصل تام؛ فمن يتقلد منصباً وزارياً يجب ألا يكون عضواً في البرلمان والعكس صحيح، كما يدعو إلى إلغاء مناصب وزراء الدولة البرلمانيين بالكامل دون إيجاد بدائل لهم. ويمتد هذا النهج الإصلاحي الحازم ليشمل آليات تمويل الأحزاب، حيث يطالب البرنامج بجعل هذا التمويل شفافاً ومحدوداً بما يتوافق بدقة مع أحكام المحكمة الدستورية، وإخضاع جميع أموال الأحزاب لرقابة صارمة من قبل ديوان المحاسبة لمنع التمويل الخفي الذي يستنزف مئات الملايين من أموال دافعي الضرائب بطرق غير شرعية.
الفصل الثاني: أوروبا واليورو.. صرخة عالية في وجه المركزية
ينتقل بنا البرنامج إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في السياسة الألمانية المعاصرة: العلاقة مع الاتحاد الأوروبي والعملة الموحدة. يتبنى الحزب موقفاً رافضاً بشكل قاطع لتحويل الاتحاد الأوروبي إلى “دولة فيدرالية مركزية” أو ما يعرف بـ “الولايات المتحدة الأوروبية”. بدلاً من ذلك، يدعو بشغف إلى مشروع “أوروبا الأوطان”، وهو تصور يعيد الاتحاد الأوروبي إلى جذوره كمجتمع اقتصادي يضم دولاً قومية ذات سيادة كاملة، تتعاون فيما بينها بمرونة وفي إطار من الصداقة وحسن الجوار، دون التنازل عن صلاحياتها التشريعية أو استقلالها السياسي لصالح بيروقراطية بروكسل التي يصفها البرنامج بأنها تفتقر إلى الشرعية الديمقراطية الكافية وتمارس الوصاية على الشعوب.
ويفرد البرنامج مساحة واسعة ومفصلة للهجوم على تجربة اليورو، معتبراً إياها تجربة فاشلة من الأساس ومجرد “مشروع سياسي” متعنت تجاهل كافة التحذيرات الاقتصادية والتاريخية العقلانية. يشرح النص، بلغة اقتصادية رصينة، كيف أن إلزام دول ذات قدرات اقتصادية وتنافسية متباينة بعملة واحدة وبأسعار فائدة موحدة، قد حرم هذه الدول من الآليات الحيوية لتصحيح أوضاعها الاقتصادية، مثل رفع أو خفض قيمة العملة الوطنية. وكنتيجة حتمية لهذا “الخلل البنيوي الأساسي”، يرى الحزب أن بقاء اليورو أصبح مستحيلاً دون تحويل أوروبا إلى “اتحاد تحويلات مالية” دائم ومستمر، حيث تتحمل الدول القوية اقتصادياً، وفي مقدمتها ألمانيا، أعباء الديون والانهيارات المالية للدول المتعثرة.
بناءً على هذا التحليل ، مطلباً حازماً يتمثل في إنهاء تجربة اليورو بشكل منظم وتدريجي وتاريخي. ويذهب الحزب إلى أبعد من ذلك، مؤكداً أنه في حال رفض البرلمان الألماني تبني هذا المطلب المصيري، فإنه يجب طرح مسألة بقاء ألمانيا في منطقة اليورو للاستفتاء الشعبي المباشر ليقول المواطن كلمته الفصل. كما يشدد البرنامج على رفضه القاطع لسياسات البنك المركزي الأوروبي المتعلقة بشراء السندات الحكومية للدول المتعثرة، معتبراً إياها خرقاً صريحاً للمعاهدات الأوروبية وللقانون الأساسي الألماني الذي يضمن سيادة الدولة على إنفاقها المالي كجزء لا يتجزأ من هيبتها وسيادتها. ويترافق هذا الموقف مع رفض قاطع لما يسمى بـ “الاتحاد المصرفي” الأوروبي، حيث يعارض الحزب بشدة أن تتحمل البنوك الألمانية، وبالتالي المدخرون الألمان، تبعات ومخاطر إفلاس بنوك أجنبية في دول أوروبية أخرى، فبالنسبة لهم الرقابة على البنوك يجب أن تعود بالكامل إلى السلطات الوطنية الألمانية الخالصة.
الفصل الثالث: الأمن الداخلي والعدالة.. إعادة الهيبة لدولة القانون والمؤسسات
لا يمكن قراءة البرنامج ” دون التوقف مطولاً عند رؤية الحزب الشاملة للأمن الداخلي، وهي رؤية تتسم بالصرامة وتغليب حماية المواطن والمجتمع على أي اعتبارات أخرى قد تبدو واهية في نظر الحزب. يعتبر الحزب أن الأمن الداخلي هو المهمة الأساسية والجوهرية للدولة، وأن ضمانه هو الشرط المسبق للحرية والازدهار والديمقراطية. يوجه البرنامج انتقادات لاذعة للسياسات المتعاقبة السابقة التي أدت إلى تقليص أعداد أفراد الشرطة، مما خلق “حالات نقص غير مقبولة وغير مسؤولة” في هذا القطاع الحيوي الحساس. استجابة لذلك، يطالب الحزب بزيادة كبيرة وسريعة في أعداد قوات الشرطة وتزويدها بأحدث المعدات التقنية، خاصة في مجال تكنولوجيا المعلومات للتمكن من مجاراة العصر.
أما فيما يخص النظام القضائي الجنائي، فيطالب البرنامج بتعديلات تشريعية صارمة للتعامل مع تصاعد معدلات الجريمة، وخاصة الجرائم العنيفة التي يرتكبها الجانحون الشباب. يقترح الحزب تطبيق القانون الجنائي للبالغين على الجناة بمجرد بلوغهم سن الرشد، بل ويطالب بشكل صريح بتخفيض سن المسؤولية الجنائية ليصبح اثني عشر عاماً، كرسالة ردع قوية لإعادة فرض الاحترام لهيبة الدولة في نفوس الخارجين عن القانون. وفي خطوة تعكس انحيازاً واضحاً وصريحاً للضحايا، يتبنى البرنامج شعار “حماية الضحية بدلاً من حماية الجاني”، مطالباً بتشديد العقوبات على الاعتداءات التي تستهدف رجال الشرطة ورجال الإنقاذ والمطافئ لتصل إلى عقوبة السجن لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر بصورة نافذة. كما يتطرق البرنامج إلى مسألة المجرمين الأجانب بلهجة حاسمة، داعياً إلى تسهيل وتيرة ترحيلهم وتقليل العوائق القانونية التي تحول دون إبعادهم عن البلاد، معتبراً أن الانتماء إلى منظمات الجريمة المنظمة يجب أن يكون سبباً مباشراً وكافياً وسريعاً للطرد من الأراضي الألمانية.
يتطرق البرنامج أيضا إلى قضية استقلالية القضاء، حيث يرفض بشكل قاطع التدخل الحزبي والسياسي في عمليات تعيين القضاة والمدعين العامين. ويطالب بتحرير النيابة العامة من الخضوع المستمر لتوجيهات وزراء العدل السياسيين، لضمان سير التحقيقات بشفافية وحيادية تامة بعيداً عن أروقة السياسة ومصالحها الضيقة. علاوة على ذلك، ينتقد الحزب بشدة ما يصفه بـ “المبالغة الأيديولوجية في حماية البيانات” التي تعيق عمل الأجهزة الأمنية وتشل حركتها، مؤكداً أنه في حالة الشك واختلاط الأمور، يجب أن تكون كفة حق المواطن الصالح في الأمن والحماية أرجح وأعلى شأناً من حق الجاني أو المشتبه به في الاستقلالية المعلوماتية وحماية بياناته الشخصية.
وعلى صعيد حماية الحدود الألمانية، لا يثق البرنامج بمجرد حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي التي يعتبرها غير كافية، بل يطالب بصراحة وبشكل مباشر بإنشاء شرطة حدود ألمانية متكاملة وشاملة تعمل تحت مظلة الشرطة الاتحادية، وتكون مزودة بنقاط عبور حدودية جاهزة للعمل يمكن تفعيلها في أي وقت بناءً على تقييم المخاطر الأمنية. ولتعزيز هذه الحماية وتثبيت دعائمها، لا يستبعد البرنامج إطلاقاً استخدام وحدات من الجيش الألماني (البوندسفير) لحماية “الحدود الخضراء” على غرار النموذج النمساوي المطبق، وصولاً إلى بناء أسوار واقية وحواجز مادية صلبة إذا اقتضت الضرورة الأمنية ذلك لمنع التسلل.
بين المثالية الديمقراطية والواقعية السياسية المحافظة
إن القراءة المتأنية لهذه الفصول الأولى من البرنامج تضعنا أمام مفارقة سياسية مثيرة للاهتمام وعميقة الدلالة. فمن ناحية، يطرح الحزب مقترحات ديمقراطية ليبرالية راديكالية مثل الديمقراطية المباشرة ومنح السلطة للشعب وتقليص نفوذ الأحزاب والدولة، ومن ناحية أخرى، يتبنى مواقف محافظة صارمة وحازمة للغاية فيما يخص الأمن وحماية الحدود والسيادة الوطنية والتعامل بلا هوادة مع المدانين.
لقد أظهرت هذه الوثيقة بوضوح جلي أن هذا الحزب لا يسعى إلى مجرد ترقيع النظام السياسي الحالي أو تجميله، بل يطمح إلى إحداث تغييرات بنيوية عميقة تطال شكل البرلمان، وصلاحيات الاتحاد الأوروبي، والنظام النقدي، والمنظومة القضائية والأمنية بأسرها لتعود السيادة للشعب الألماني حسب ما يراها و يعرفها.
من أروقة السياسة والاقتصاد إلى قضايا الهوية والحدود
إذا كانت الفصول الأولى من هذا المانيفستو السياسي قد ركزت على إعادة هيكلة بنية الدولة وتقويض هيمنة الأحزاب التقليدية ومواجهة المؤسسات الأوروبية، فإن الفصول اللاحقة من البرنامج الأساسي لحزب البديل من أجل ألمانيا تقتحم بجرأة غير مسبوقة خطوط التماس الاجتماعية والثقافية والديموغرافية الأشد حساسية. إننا نقف أمام مقاربة سياسية ترفض المساومات، وتطرح رؤية جذرية لمعالجة قضايا اللجوء والهجرة، والهوية الوطنية، وصولاً إلى العلاقة الجدلية مع الدين الإسلامي، وتعديل بوصلة السياسات الاجتماعية وقطاع الطاقة. بأسلوب منهجي ومدروس، يحاول الحزب في هذه الوثيقة أن يرسم حدوداً صارمة تحمي ما يعتبره “الجوهر الألماني” من تأثيرات العولمة والتدفقات البشرية التي يعتبرها مهددة لسيادة الدولة وتماسكها المجتمعي.
الفصل الرابع: تفكيك منظومة اللجوء والهجرة.. نهاية حقبة “ثقافة الترحيب”
يمثل ملف الهجرة واللجوء حجر الزاوية في العقيدة السياسية للحزب، بل هو المحرك الأساسي لصعوده الجماهيري في المشهد السياسي الألماني. يتبنى الحزب موقفاً رافضاً بشكل قاطع لاستقبال المهاجرين، ويسعى إلى تفكيك البنية القانونية الحالية التي تنظم حق اللجوء. لا يتوقف الأمر عند المطالبة بفرض قيود أو تشديد الرقابة فحسب، بل يذهب البرنامج إلى المطالبة الصريحة بإلغاء الحق الأساسي في اللجوء بالشكل الذي كفله الدستور والمواثيق الإنسانية لعقود طويلة. ويرى الحزب أن اتفاقية جنيف للاجئين لم تعد صالحة لمعطيات العصر الحالي المليء بالهجرات الجماعية، ويطالب بتعديلها بقوة لتتواءم مع العصر المعولم من خلال خفض معايير الحماية الممنوحة للمنضوين تحتها لتخفيف العبء عن كاهل الدولة.
وبالنسبة لطالبي اللجوء القادمين إلى أوروبا، يقدم البرنامج خطة عمل تتسم بالصرامة المطلقة، حيث يطالب بألا يتم تقديم طلبات الحماية واللجوء داخل الأراضي الألمانية أو الأوروبية إطلاقاً، بل يجب أن تقتصر هذه الإجراءات حصرياً على مراكز استقبال ومخيمات تُقام خارج القارة الأوروبية، وتحديداً في المناطق الآمنة بالقرب من بلدان المنشأ ومسارات التدفق. ووفقاً لهذه الرؤية الجذرية، يُلزم أي شخص يتقدم بطلب لجوء في ألمانيا أو أوروبا بالعودة فوراً وبلا أي استثناءات إلى تلك المراكز الخارجية للبت في طلبه هناك، ليتم إغلاق الباب تماماً أمام الهجرة العشوائية. إن هذا التحول النموذجي الذي يقترحه الحزب يهدف إلى إنهاء ما يصفه بـ “الهجرة غير النظامية”، وتحويل حق اللجوء من حق مكفول بمجرد لمس الأراضي الألمانية إلى مجرد امتياز يُمنح عن بعد وفقاً لقواعد صارمة تضع المصلحة الوطنية والاقتصادية الألمانية فوق أي اعتبار آخر.
الفصل الخامس: الإسلام والهوية.. المعركة الثقافية ورفض التعددية
في هذا المانيفستو جزء لا يداري و لا يواري في العداء للإسلام حيث التعاطي مع الدين الإسلامي والوجود الثقافي للمسلمين في ألمانيا بصدامية. لقد اختار الحزب بكل وضوح أن يجعل من انتقاد الإسلام محوراً أساسياً ورئيسياً في تواصله الخارجي وبرنامجه السياسي الأساسي. بعبارة قاطعة وحاسمة لا تقبل التأويل أو التخفيف، يعلن البرنامج صراحة أن “الإسلام لا ينتمي إلى ألمانيا”، معتبراً أن تعاليمه تتصادم جوهرياً مع القوانين والتشريعات المعمول بها في البلاد والثقافة المسيحية الغربية. هذا الموقف الإقصائي لا يقتصر على التصريحات النظرية الرنانة، بل يُترجم إلى حزمة من الإجراءات العملية التي يطالب الحزب بتطبيقها فوراً على أرض الواقع لحماية ما يعتبره الهوية الثقافية الألمانية الخالصة والتاريخية.
يصنف البرنامج المساجد بشكلها التقليدي وخاصة المآذن على أنها مجرد “رموز للهيمنة والسيطرة المكانية”، وبناءً على هذا التصور، يطالب بفرض حظر قانوني شامل ومشدد على بناء المآذن في جميع أنحاء ألمانيا، لكبح جماح هذا التمدد البصري للدين. ولا يقف الحد عند المعمار الديني، بل يمتد إلى تقييد الممارسات والرموز المتعلقة باللباس، حيث يدعو الحزب بقوة إلى حظر ارتداء النقاب والبرقع، وهو الرداء الذي يغطي كامل جسد ورأس المرأة المسلمة، معتبراً إياه حاجزاً أمام الاندماج الاجتماعي وقيم المساواة. وفي سياق تدخله في الممارسات الدينية التاريخية، يعلن الحزب سعيه الحثيث إلى حظر ختان الأطفال الذكور، وهو المطلب الذي يطال المسلمين واليهود على حد سواء، بدعوى حماية حقوق الطفل وسلامته الجسدية، مما يعكس توجهاً لفرض معايير ثقافية علمانية صارمة على حساب التنوع الديني الموروث. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تبنى الحزب إدراج منع ارتداء الحجاب في الجامعات والمؤسسات الحكومية والعامة كجزء لا يتجزأ من برنامجه الانتخابي، في محاولة صريحة لمحاصرة الوجود الثقافي للإسلام في المجال العام وتحجيم نفوذه.
الفصل السادس: التراجعات الاجتماعية وتغيير مسار سياسات المناخ والطاقة
إلى جانب الهجوم المكثف على قضايا الهوية واللجوء، يفرد المانيفستو مساحة واضحة ومدروسة لإعادة هندسة السياسات الاجتماعية والاقتصادية المتعلقة بقطاعي الطاقة والمناخ. في خطوة تعاكس بشكل صدمي الإجماع السياسي والعلمي السائد في ألمانيا وأوروبا بأسرها، يرفض الحزب بشكل قاطع كافة الإجراءات والسياسات الرامية إلى مواجهة التغير المناخي والحد من انبعاثات الكربون. يتبنى البرنامج موقفاً مبنياً على النكران التام لتأثير الإنسان الصناعي على المناخ، مصرحاً بشفافية ووضوح بأن “الإنسانية ليست هي من يتسبب في التحول المناخي” بل هي دورات طبيعية لا تستدعي تدمير الاقتصاد من أجلها. وانطلاقاً من هذا الموقف الجذري، يسعى الحزب إلى التراجع الكامل عن خطة التحول نحو الطاقة النظيفة التي تبنتها الحكومات المتعاقبة واستنزفت المليارات، ويطالب بالعودة بقوة إلى استخدام الطاقة النووية وإعادة الاعتبار لها كعنصر أساسي وحيوي في مزيج الطاقة الألماني لضمان استقلال البلاد الصناعي.
أما على الصعيد الاجتماعي ومفهوم التكافل الداخلي، فإن الحزب يحمل رؤية تعتمد على تقليص تدخل الدولة في توفير شبكات الأمان الاجتماعي المريحة. ويبرز هذا التوجه في مطالبته الصارمة بضرورة أن يتحمل العاطلون عن العمل مسؤولية تأمين أنفسهم مالياً واجتماعياً والبحث الجاد عن فرص، مما يعني التخلي التدريجي والمقصود عن مفهوم “دولة الرفاه” المطلقة التي تضمن حداً أدنى من العيش الكريم دون شروط صارمة. يدعو البرنامج صراحة إلى إجراء تغييرات راديكالية وجذرية في نظام الضمان الاجتماعي الحكومي، وهي تغييرات اقتصادية ليبرالية من شأنها أن تنقل عبء المخاطر الاقتصادية والاجتماعية من كاهل ميزانية الدولة ليلقى بالكامل على عاتق الفرد وإرادته الشخصية في العمل وتطوير الذات، مما يعزز اقتصاد السوق الحرة الصارمة ويخفف العبء الضريبي عن الطبقة المنتجة.
تحصين القلعة الثقافية والسياسية إن القراءة المتعمقة لهذه الفصول من المانيفستو تكشف عن استراتيجية سياسية وثقافية متكاملة تهدف إلى عزل ألمانيا وتحصينها من محيطها الجيوسياسي والديموغرافي المضطرب. فاللجوء الإنساني لم يعد حقاً مكتسباً بل عبئاً يُرد إلى الخارج، والإسلام يُعتبر كياناً غريباً يجب تقييد شعائره ومحاصرة رموزه في الفضاء العام، والتغير المناخي يُعتبر وهماً لا يستحق تدمير قطاع الصناعة لأجله، والضمان الاجتماعي ترف يرهق ميزانية الدولة ويقتل روح المبادرة الفردية. إننا أمام مشروع “تحصين” شامل للهوية وللدولة الألمانية، يعتمد على فرض سياسات سيادية لا تقبل المساومة ولا تخشى من كسر التابوهات السياسية أو معاداة مفاهيم العولمة المفتوحة.
الفصل السابع: الأسرة والديموغرافيا.. العودة إلى النواة التقليدية ومواجهة الأيديولوجيات المعاصرة
يخصص المانيفستو مساحة محورية وجوهرية لقضية الأسرة والسياسات الديموغرافية، معتبراً أن الأزمة الديموغرافية الناتجة عن انخفاض معدلات المواليد لدى المواطنين الأصليين تمثل تهديداً وجودياً لحاضر ألمانيا ومستقبلها. يرفض الحزب الشعار السائد الذي يرى في الهجرة الجماعية حلاً سهلاً ومثالياً للعجز الديموغرافي، وبدلاً من ذلك يرفع شعاراً محلياً استراتيجياً ينادي بـ “سياسة ألمانية نشطة لصالح الأسرة والمواليد”. يعيد البرنامج تعريف الأسرة برؤية تقليدية محافظه ومتماسكة، حيث ينص بصراحة على أن الأسرة المكونة من أب وأم وأطفال هي الخلية الأساسية والضرورية لبناء المجتمع وجوهره المستقر، ويطالب الدولة بتقديم كافة أشكال الدعم المالي والمعنوي لتشجيع الأزواج الشباب على تأسيس أسر متعددة الأطفال، لضمان استمرار النسيج الاجتماعي والأجيال القادمة دون الحاجة للارتهان للتوازنات الخارجية.
وفي هذا السياق الأسري، يشن الحزب هجوماً كاسحاً وغير متهاون على التوجهات الحديثة المعروفة بـ “مأسسة التنشئة الاجتماعية للأطفال” والتوسع في دور الرعاية المبكرة جداً على حساب دور الأبوين. يرى البرنامج أن الطفل في سنوات عمره الأولى ينبغي أن يتربى في أحضان أسرته، داعياً إلى منح الوالدين بدلات مالية وإعفاءات ضريبية مجزية تمكن أحدهما من البقاء في المنزل لرعاية الأطفال دون تحمل ضغوط اقتصادية خرافية. كما يخوض الحزب معركة شرسة ضد “أيديولوجيا الجندر” أو مفهوم “التكامل بين الجنسين”، معتبراً إياها محاولة غير طبيعية لتدمير الفوارق البيولوجية والفطرية بين الرجل والمرأة وتفتيت مؤسسة الزواج التقليدية. ويطالب البرنامج بإلغاء كافة برامج التمويل الحكومي والهيئات البحثية والأكاديمية التي تروج لهذه النظريات في الجامعات والمدارس، والعودة إلى تعزيز القيمة الأخلاقية والاجتماعية المرموقة للأمومة والأبوة بصفتهما الواجب الدستوري والوطني الأسمى لتجديد دماء الأمة.
الفصل الثامن: التعليم والثقافة.. صون “الثقافة القائدة” ومحاربة التأدلج في المدارس
يتناول المانيفستو قطاع التعليم والثقافة بنظرة حازمة تعتبر أن المدرسة والجامعة هما ساحة صراع حقيقي على هوية وعقل الجيل الجديد. يطرح الحزب مفهوماً صريحاً يُعرف بـ “الثقافة القائدة الألمانية”، وهي ثقافة ترتكز في جوهرها على جذور الجرمن والمسيحية والإنسانية وعصر التنوير، ويرفض نغمة التعددية الثقافية مطلقاً معتبراً إياها وصفة سحرية للفوضى والانسلاخ الوطني. انطلاقاً من هذه الرؤية، يطالب البرنامج بإصلاح شامل للمناهج التعليمية يتضمن إعادة الاعتبار للغة الألمانية وتخليصها من الدخائل والتأثيرات الأجنبية و”التشويه الأيديولوجي”، فضلاً عن التركيز مكثفاً على تدريس التاريخ الألماني الممتد بجرأة واعتزاز دون الاقتصار فقط على الحقب المظلمة التي تُستغل لغرس الشعور المستمر بالذنب لدى الناشئة.
وعلى الصعيد الهيكلي للمنظومة التعليمية، يعارض الحزب شديد المعارضة التوجهات التربوية الحديثة التي تسعى إلى توحيد أنماط المدارس أو تخفيض معايير التحصيل العلمي بدعوى تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية. يطالب البرنامج بالتمسك الصارم بالنظام المدرسي الألماني التقليدي المتعدد المسارات، والذي يفرز الطلاب بناءً على قدراتهم ومواهبهم الأكاديمية والمهنية الحقيقية. كما ينقد الحزب بشدة تطبيق مفهوم “الدمج الشامل” للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة أو الصعوبات التعلمية في الصفوف العادية بشكل تعسفي يضر بمستوى باقي الطلاب، مطالباً بالحفاظ على المدارس المتخصصة للتربية الخاصة. وفي الجامعات والأكاديميات، يدعو المانيفستو إلى القضاء على المحسوبية الأيديولوجية وإلغاء نظام الحصص القائم على الجنس، والتأكيد الصارم على أن المعيار الوحيد والفيصل للقبول والتعيين الأكاديمي هو الكفاءة العلمية والتميز الفكري المستقل دون الخضوع لأي ضغوط سياسية أو اجتماعية معاصرة.
الفصل التاسع: الاقتصاد وسوق العمل.. حماية الطبقة المتوسطة والتمسك بالنقد الورقي
أما في الشق الاقتصادي، فيقدم المانيفستو نموذجاً يمزج بين اقتصاد السوق الحر الليبرالي وبين الحماية الوطنية الصارمة للمصالح الاقتصادية للبلاد. يضع الحزب الطبقة المتوسطة والقطاع الاقتصادي المتوسط والصغير، المعروف بـ “الميتلشتاند”، في قلب فلسفته الاقتصادية، باعتباره المحرك الأساسي للابتكار والتوظيف والثروة في ألمانيا. ينتقد البرنامج البيروقراطية الحكومية الخانقة، وكثرة اللوائح والتنظيمات التي فرضتها كل من حكومة برلين ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، ويطالب بتخفيف حاد وواضح للأعباء الضريبية والجمركية على الشركات والمواطنين، بما في ذلك إلغاء ضريبة الأملاك وضريبة الميراث، والعمل على تبسيط النظام الضريبي المعقد لجعله أكثر شفافية وعدالة للجميع.
ومن القضايا اللافتة جداً في هذا الفصل الاقتصادي، التمسك القاطع والمستميت بالحفاظ على المعاملات المالية بالنقود الورقية والمعدنية. يرى الحزب في المحاولات المتصاعدة لإلغاء النقد المادي والتحول الكامل نحو العملات الرقمية وأنظمة الدفع الإلكتروني تهديداً خطيراً ومباشراً للحرية الفردية ولخصوصية المواطنين، تمهد الطريق لقيام “دولة المراقبة الشاملة” التي تستطيع التحكم في أموال الأفراد ومصادرتها أو تقييدها بضغطة زر. وفيما يخص سوق العمل، يدعو الحزب إلى حماية العمالة الوطنية من خلال التصدير المتوازن والمنافسة العادلة، مع رفض الشراكات والتوافقات التجارية الدولية الكبرى التي قد تضر بالمعايير الإنتاجية والصناعية الألمانية المرموقة، مؤكداً أن نجاح ألمانيا الاقتصادي يجب أن يظل مرهوناً بعقول أبنائها وجودة صناعتها وليس بالارتهان لقيود العولمة المالية العابرة للقارات.
رؤية شاملة لإعادة بناء الفرد والمجتمع
تكشف لنا هذه الفصول الثلاثة من المانيفستو السياسي أن حزب “البديل من أجل ألمانيا” لا يكتفي بمواجهة الدولة والنظام السياسي من الخارج، بل يسعى إلى إعادة صياغة الوجود اليومي للمواطن الألماني داخل أسرته ومدينته ومدرسته ومكان عمله. إنها محاولة متكاملة لبناء مجتمع محافظ يعتز بهويته التاريخية وثقافته، ويعتمد على الأسرة التقليدية لتجديد طاقاته، ويتسلح بنظام تعليمي صارم واقتصاد حر يحمي استقلالية الفرد المالية وحريته الشخصية بعيداً عن ما يراه هيمنة للتوجهات العولمية والتجارب الاجتماعية غير محسوبة العواقب.
الفصل العاشر: السياسة الخارجية والجيوسياسية.. التوازن ومراعاة المصالح الوطنية
في ملف السياسة الخارجية، يقدم المانيفستو رؤية بواقعية سياسية صارمة ترتكز بالكامل على تقديم “المصلحة الوطنية الألمانية العليا” فوق أي التزامات أيديولوجية أو تحالفات عابرة للحدود. يرفض الحزب ما يصفه بـ “السياسة الخارجية القائمة على القيم أو الأخلاقية التبشيرية” التي تتخذها الحكومات المتعاقبة لتبرير التداخلات والتحالفات الخارجية، مؤكداً أن وظيفة الدبلوماسية الألمانية ينبغي أن تنحصر في حماية الأمن القومي، وصون مصالح البلاد الاقتصادية، وتعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي دون التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. يدعو البرنامج إلى التوازن الاستراتيجي في نظام عالمي متعدد الأقطاب، ويرى أن ألمانيا يجب ألا تكون تابعاً منقاداً للسياسات الخارجية لأطراف دولية قائمة على استقطابات معينة.
وفي هذا السياق الجيوسياسي، يطالب البرنامج بإصلاح جذري للعلاقات مع القوى الكبرى، مشدداً على ضرورة الحفاظ على علاقات متوازنة وبراغماتية مع روسيا، وإلغاء العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها التي يرى الحزب أنها تضر بالصناعة والاقتصاد الألماني أكثر مما تحقق أهدافاً سياسية. كما يدعو الحزب إلى إعادة صياغة الشراكة عبر الأطلسي مع الولايات المتحدة لتكون شراكة بين أنداد متساوين، تضمن الاحترام المتبادل ولا تجعل من ألمانيا مسرحاً لوجستياً أو عسكرياً للنزاعات العالمية. ويؤكد المانيفستو على رفض مشروع التوسع العسكري لحلف شمال الأطلسي (الناتو) خارج نطاق دفاعه التقليدي عن أراضي الدول الأعضاء، متمسكاً بضرورة قيام المنظمة على أساس المفهوم الدفاعي الخالص، ومطالباً بسحب القوات والقواعد العسكرية الأجنبية المتواجدة على الأراضي الألمانية لاستعادة السيادة الوطنية الكاملة وغير المنقوصة.
الفصل الحادي عشر: الدفاع الوطني والقوات المسلحة.. استعادة هيبة البوندسفير والخدمة العسكرية
أما في شأن الدفاع الوطني والعقيدة العسكرية، فيخوض المانيفستو في واقع الجيش الألماني (البوندسفير) بنقد لا يرحم، معتبراً أن العقود الماضية شهدت إضعافاً كبيراً ومقصوداً للقدرات القتالية للجيش تحت وطأة تقليص الميزانيات وتغليب التوجهات المدنية والمفاهيم الأيديولوجية على حساب الجاهزية العسكرية. يطالب الحزب بإعادة بناء الجيش الألماني وتجهيزه بأحدث الأسلحة والتقنيات ليكون قادراً بفاعلية على حماية حدود البلاد وسلامة أراضيها دون الاعتماد المفرط على المظلات الأمنية الخارجيّة. ويرى البرنامج أن الركيزة الأساسية لهذا البعث العسكري تكمن في استعادة نظام التجنيد الإجباري العام للشباب الذكور، مع إتاحة خيارات الخدمة البديلة للممتنعين عن إحراز السلاح لأسباب ضميرية.
ويرى الحزب أن إعادة فرض الخدمة العسكرية الإجبارية لن تضمن فقط التزويد الكافي والحديث للقوات المسلحة بالكفاءات الشابة وتوفير احتياطي عسكري قوي في أوقات الأزمات، بل ستسهم بشكل فعال وجوهري في تعزيز الانتماء الوطني والمسؤولية المجتمعية لدى الأجيال الجديدة، وإعادة ربط المجتمع بجيشه الوطني بدلاً من عزله كجهاز مهني منفصل. كما يشدد المانيفستو على ضرورة الحفاظ على تقاليد الجندية الشريفة وروح الرفاقية العسكرية، ورفض استغلال الجيش الألماني في مهام ومغامرات دولية خارج أراضي الناتو أو دون غطاء صريح ومباشر من مجلس الأمن الدولي والقانون الدولي، متعهداً بإرجاع الهيبة والاحترام لأفراد القوات المسلحة ودورهم المحوري في حماية الوطن.
الفصل الثاني عشر: الإعلام والزراعة والبنية التحتية.. تفكيك الاحتكار وحماية الريف
ينتقل المانيفستو إلى شق يلمس تفاصيل المجتمع اليومية ووعيه، حيث يشن الحزب هجوماً ضارياً على منظومة الإعلام العمومي الألماني الممول من رسوم إجبارية تفرض على جميع المكاتب والمنازل. يرى الحزب أن قنوات وإذاعات الخدمة العامة قد انحرفت عن حيادها الإعلامي المكتوب في مواثيق إنشائها، وأصبحت أداة للترويج لرأي سياسي واحد وتأطير الخطاب العام لصالح الطبقة السياسية الحاكمة. استجابة لذلك، يطالب البرنامج بإلغاء “الرسوم الإجبارية للإعلام” بالكامل وفوراً، وتحويل هذه المؤسسات الإعلامية الضخمة إلى قنوات اختيارية تمتلك خيار الخصخصة أو التمويل الذاتي، مما يضمن حرية الاختيار للمواطن ويعزز المنافسة والتنوع في سوق الصحافة والإعلام دون الوصاية الحكومية أو فرض الضرائب القسرية.
وعلى صعيد الزراعة والبنية التحتية، يقدم البرنامج رؤية حمائية صارمة للقطاع الزراعي الألماني والمناطق الريفية. يرفض الحزب اللوائح التنظيمية والاشتراطات البيئية الصارمة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي والحكومة الاتحادية، والتي يرى أنها تخنق المزارعين المحليين وتضعهم في منافسة غير عادلة مع منتجات مستوردة تخضع لمعايير أسهل. يدعو المانيفستو إلى دعم الفلاحين والمنتجين الألمان من خلال تقليل البيروقراطية وحظر القيود المفروضة على استخدام الأسمدة والتقنيات الزراعية الحديثة دون دلائل علمية قاطعة. كما يشدد الحزب على ضرورة الاستثمار المباشر والكثيف في تطوير البنية التحتية للمناطق الريفية والمدن الصغيرة من خلال تحسين شبكات الطرق والسكك الحديدية والاتصالات فائقة السرعة، لضمان ألا تظل الأقاليم الألمانية هامشاً منسياً لحساب المدن الكبرى والتجمعات العولمية.
استكمال معالم الدولة المستقلة ذات السيادة
تؤكد الفصول التي استعرضناها أن مشروع حزب “البديل من أجل ألمانيا” لا ينحصر في ردود أفعال محلية أو قضايا حزبيّة ضيقة، بل يمتد ليرسم ملامح سياسة خارجية ودفاعية وثقافية متكاملة تهدف إلى التحرر من ما يسميه التبعية الدولية والهيمنة الإعلامية الفوقية. إن استعادة الجيش القوي عبر التجنيد الإجباري، والعودة إلى التوازن الجيوسياسي القائم على المصالح الوطنية، وإلغاء الرسوم القسرية عن الإعلام، وحماية الفلاح والريف الألماني، كلها أجزاء تناظرية في لوحة واحدة تسعى لإعادة صياغة استقلالية الدولة وهيمنتها على مقدراتها وفق تعريفه.
الفصل الثالث عشر: الحريات المدنية والرقمنة والصحة.. حماية الفرد ورفض الوصاية الرقمية
في الشق المتعلق بالفضاء الرقمي والبيئة والرعاية الصحية، يطرح البرنامج رؤية تسعى إلى الجمع بين حماية المواطن الفرد من ما يسميه تغول التقنية ومؤسساتها، وبين إعادة الاعتبار للموارد الطبيعية بعيداً عن الأيديولوجيا المعاصرة. يرفض الحزب بشدة جميع الممارسات والإجراءات التي تؤدي إلى ما يسميه “دولة المراقبة الرقمية الشاملة”، حيث يعارض الشمولية المفرطة في التعقب الرقامي، والمراقبة الجماعية بدون إذن قضائي فردي ومسبب. ويرى البرنامج أن حرية التعبير على شبكة الإنترنت تتعرض لضغوط متزايدة عبر قوانين تنظيم الشبكات التي تعتبرها الوثيقة أداة للتضييق على المحتوى وتقييد حرية الرأي، مطالبة بضمان الحرية الرقمية الكاملة وحظر الممارسات التي تقوم بها المنصات الرقمية الكبرى بحظر الحسابات أو تقييد الخطاب السياسي والفكري للتيارات الوطنية.
أما في شأن الطبيعة والبيئة، فإن الحزب يضع حداً فاصلاً حازماً بين ما يصفه بـ “أيديولوجيا التغير المناخي” القائمة على فرض الضرائب والقيود، وبين “الحفاظ الصادق على البيئة الطبيعية الفطرية”. يدافع البرنامج بعزم عن المساحات الخضراء والغابات والمناظر الطبيعية والتنوع البيولوجي، معرباً عن رفضه القاطع لتدمير المساحات الغابية والزراعية من أجل إنشاء مزارع توربينات الرياح التي يراها الحزب غير مجدية اقتصادياً وتتسبب في تشويه البيئة وقتل الحياة البرية. وعلى الصعيد الصحي ونظام الرعاية والتقاعد، يشدد المانيفستو على ضرورة دعم الكوادر الطبية الوطنية وإلغاء القيود البيروقراطية الخانقة عن المستشفيات والأطباء، مع المراجعة الشاملة لنظام التقاعد والتأمين الصحي ليكون مجزياً وعادلاً لجميع المواطنين الذين كافحوا وأمضوا عقوداً طويلة في العمل والإنتاج داخل البلاد، مشدداً على رفض المساواة بين من قدم خدمات فعلية وشاقة للاقتصاد الألماني وبين الوافدين الجدد الذين لم يسهموا في بناء هذه الصناديق الاجتماعية المجهدة.
الفصل الرابع عشر: قراءة في فلسفة المانيفستو الكلية.. التناقض الجدلي بين الليبرالية والقومية
عند فحص المانيفستو السياسي برمته عبر كافة فصوله، نكتشف أن المشروع الفكري للحزب ينهض على تناقض جدلي عميق ومثير للبحث والتمحيص. فمن جهة، يتبنى الحزب أفكاراً وأدوات ليبرالية وديمقراطية راديكالية بل وغير مسبوقة في النظام السياسي الألماني المعاصر، تتمثل في المطالبة بالديمقراطية المباشرة على غرار النموذج السويسري، وتقليص حجم البرلمان ونفوذ الأحزاب السياسية، وإلغاء الرسوم القسرية عن الإعلام، والتمسك بالنقد الورقي لحماية الحرية الفردية ضد المراقبة الحكومية. ومن جهة أخرى، يطرح الحزب عقيدة قومية ومحافظة صارمة للغاية تطالب بتشديد القوانين الجنائية، وتقييد اللجوء والهجرة بشكل جذري، وفرض معايير الثقافة القائدة، ومحاصرة الممارسات الدينية لبعض الأقليات، ورفض التعددية الثقافية لصالح هوية ألمانية جازمة.
هذا المزيج الفريد يجعل المانيفستو يظهر في بعض صفحاته بمظهر المدافع الشرس عن حريات المواطن وحقوقه السياسية ضد تغول بيروقراطية بروكـسل وكارتل الأحزاب في برلين، بينما ينتهي في صفحات أخرى إلى مطالب حازمة تضيق الخيارات الاجتماعية والثقافية للذين لا ينضوون تحت تعريف الحزب للهوية الوطنية والثقافة القائدة. إن هذا التناقض الجدلي يعكس في الواقع الصراع المفهومي الداخلي لدى الحزب بين التيار الليبرالي الاقتصادي الداعي إلى سوق حر ودولة دنيا، وبين التيار القومي المحافظ الذي يطالب بدولة قوية لحماية الحدود والنظام الثقافي والاجتماعي.
ألمانيا على مفترق الطرق.. بين المشروع البديل وتحديات الواقع
إن هذا المانيفستو السياسي ليس مجرد برنامج انتخابي عادي يعود إلى الأدراج بعد انتهاء الاستحقاقات، بل هو وثيقة استراتيجية متكاملة تسعى إلى وضع الدولة الألمانية أمام مرآة ذاتها، وإعادة تعريف معنى العقد الاجتماعي والسيادة الوطنية والسياسة الخارجية في القرن الحادي والعشرين. وسواء اتفق المتابع مع الطروحات الراديكالية التي يقدمها الحزب أم اختلف معها بحدة واحتجاج، فلا يمكن إنكار أن الوثيقة نجحت في نقل النقاش من الهامش إلى القلب، وفرضت أسئلة جادة ومصيرية حول حدود الاندماج الأوروبي، ومستقبل تجربة اليورو، وناقوس الخطر الديموغرافي، وهيكلة النظام السياسي الديمقراطي.
تظل السيادة، والهوية القومية، والديمقراطية المباشرة، وحماية حدود القلعة الوطنية، هي الأركان الأربعة التي بنى عليها حزب البديل من أجل ألمانيا صرحه الفكري، ليقدم نفسه في نهاية المطاف كـ “بديل تاريخي” لمشروع العولمة المفتوحة والانصهار الفيدرالي. إن القراءة المتأنية في أجزاء هذا المانيفستو تجعلنا ندرك أن المعركة السياسية والثقافية القادمة في ألمانيا لن تكون مجرد منافسة حول نسب الضرائب والإنفاق الحكومي، بل ستكون معركة مصيرية حول تعريف روح ألمانيا وموقعها في العالم.



