السيرة الممزقة للشاعر بول سيلان

بول سيلان: ابن الإمبراطورية المفقودة ووريث لغة القتلة
في عالم الأدب والشعر، تندر الشخصيات التي تحمل في طياتها مأساة قرن بأكمله كما يفعل الشاعر بول سيلان. يأتي كتاب “Paul Celan A Life” (حياة بول سيلان) للكاتبة آنا أرنو، الصادر عن مطبعة جامعة هارفارد عام 2026 وترجمه إلى الإنجليزية سورين جوجر، ليقدم لنا غوصاً استثنائياً في أعماق هذه الروح المعذبة. هذا العمل ليس مجرد سرد لسيرة ذاتية لشاعر فذ، بل هو تشريح دقيق لعالم تلاشى تماماً، وللغة أصبحت في آن واحد وطناً دافئاً ومنفى موحشاً. في هذه الدفعة الأولى من مراجعتنا الشاملة لهذا السفر القيم، سنقف طويلاً عند الجذور، عند المدينة التي شكلت وعي سيلان المبكر، والبيئة الثقافية والاجتماعية التي احتضنت تناقضاته الأولى ونسجت خيوط عبقريته.
تبدأ الكاتبة آنا أرنو رحلتها الاستكشافية من شوارع مدينة “تشيرنيفتسي” (Chernivtsi)، وتحديداً من مقبرتها التي تقف اليوم كشاهد صامت على تاريخ متعدد الثقافات غاب في طيات النسيان. إنها مدينة أشباح حقيقية، كما تصفها الكاتبة، حيث تتجاور شواهد القبور التي تحمل نقوشاً عبرية ونجمات داود مع قبور مسيحية وكاثوليكية وأرثوذكسية، في دلالة بصرية واضحة على الفسيفساء البشرية المعقدة التي سكنت هذا المكان يوماً ما. غير أن سيلان، واسمه الأصلي بول أنشيل، لا يرقد في هذه البقعة الخضراء المتشابكة، بل يرقد وحيداً في مقبرة ثيايس (Thiais) على مشارف العاصمة الفرنسية باريس، بعد أن اختار إنهاء حياته غرقاً في مياه نهر السين الباردة عام 1970، هرباً من أشباح ماضيه.
تأخذنا أرنو بأسلوبها السردي المتدفق في جولة بصرية وتاريخية عبر أزقة تشيرنيفتسي، هذه المدينة التي لم يعد لها وجود فعلي إلا في الذاكرة الفوتوغرافية والنوستالجيا الأدبية. لقد كانت مدينة مزدهرة إبان حكم الإمبراطورية النمساوية المجرية، حيث تعايش الألمان والبولنديون واليهود والروثينيون في وئام ظاهري مذهل. وتجسد المؤسسات الثقافية التي بنيت هناك، مثل البيت الأوكراني الذي أُسس بأمر من الإمبراطور فرانز جوزيف، والبيت الألماني، والبيت البولندي، هذا التنوع الغني الذي احتفى باختلافاته بدلاً من أن يجعله ساحة للاحتراب. سيلان نفسه كان يدرك هذه التركيبة الفريدة، وكان يصف نفسه بمرارة بأنه “ابن يتيم للإمبراطورية”، نشأ في مكان يمثل مفارقة تاريخية أدارت ظهرها للحاضر لتظل عالقة في أمجاد الماضي.
في فترة ما بين الحربين العالميتين، وعقب انهيار الإمبراطورية وانضمام المدينة إلى مملكة رومانيا، كانت تشيرنيفتسي تبدو وكأن الزمن قد توقف فيها. كان اليهود يشكلون جزءاً كبيراً ومؤثراً من الطبقة الوسطى، ويتصدرون المشهد في التجارة والصناعة والمهن الحرة. ورغم الوجود القوي للحركات الصهيونية والمدارس العبرية، إلا أن اللغة الألمانية بلهجتها الفيينية الأنيقة كانت هي اللغة السائدة بين النخبة والبرجوازية اليهودية. هذه “الألمانية” لم تكن مجرد أداة تواصل يومية، بل كانت تمثل ذروة التحضر، أو كما وصفها أحد الكتاب، “انتصاراً للروح الألمانية” في تلك البقاع الشرقية. لقد استمر أبناء البرجوازية في التردد على مقاهٍ تحمل أسماء مثل “مقهى هابسبورغ” لاحتساء القهوة الفيينية، أو “مقهى أوروبا” لتناول السلمون والكافيار، متجاهلين التغييرات السياسية العاصفة التي كانت تحيط بهم.
وفي هذا الجو المشبع بثقافة هابسبورغ المترفة، ولد بول أنشيل (الذي سيُعرف لاحقاً ببول سيلان) في 23 نوفمبر من عام 1920. ترسم الكاتبة صورة دقيقة لبيئته الأسرية؛ فقد كان والده، ليو أنشيل، رجلاً صارماً يعمل وسيطاً في تجارة الأخشاب بعد أن تبددت طموحاته الهندسية، وكان صهيونياً مقتنعاً يفرض الانضباط في منزله. أما والدته، فريدريك شراغر، فكانت النقيض التام؛ امرأة تجسد الحنان والفهم العميق، تنحدر من ضاحية “ساداغورا” التي كانت مركزاً نابضاً للحسيدية الدينية. ورغم أصولها الدينية، فقد كانت قارئة نهمة للكلاسيكيات الألمانية، وهي التي غرست في ابنها حب اللغة الألمانية الأدبية، أو ما أسماه سيلان لاحقاً بـ “كلمة الأم” (Motherword) التي قادته طوال حياته. هذا التناقض الجذري بين الأب الصارم الذي أرغمه على دراسة اللغة العبرية، والأم المحبة التي شجعته على قراءة أعمال شيلر وغوته، خلق في داخل سيلان حساسية مفرطة وتمرداً مبكراً شكل لبنات شخصيته الشعرية.
تتتبع أرنو بعين فاحصة مسار سيلان التعليمي المبكر، بدءاً من التحاقه بمدرسة “سافا إيفريا” (Safa Ivria) حيث تعلم العبرية بتفوق رغم اعتباره إياها واجباً ثقيلاً، وصولاً إلى دراسته في المدارس الثانوية الرومانية. في الثلاثينيات من القرن العشرين، بدأت سحب معاداة السامية تتجمع وتتكاثف في سماء رومانيا مع صعود حركة “الحرس الحديدي” الفاشية، وبدأت حملات واسعة لـ “رومنة” الإقليم. واجه سيلان في مدرسته تمييزاً منهجياً واضحاً؛ حيث كان المعلمون المتعصبون يعاقبون الطلاب على التحدث باللغة اليديشية أو الألمانية، ويتعمدون توجيه أسئلة تعجيزية للطلاب اليهود. ورغم هذا المناخ العدائي والمشحون بالكراهية، برز سيلان كطالب لامع، مجادل، واسع الاطلاع ومحب للأدب، بل إنه لم يتوانَ عن مواجهة معلميه الفاشيين بجرأة، مذكراً إياهم بأن اليهود هم من قدموا “كتاب الكتب” للإنسانية.
كان سيلان الشاب في تلك المرحلة يعيش في عالم معقد من التناقضات المراهقة؛ فهو الشاب الوسيم المدلل الذي يحب لفت الانتباه وتكوين الصداقات، وهو أيضاً المثقف العميق الذي ينغمس في قراءة ماركس وريلكه وتراكل وكافكا. وقد انخرط لفترة وجيزة في الأنشطة الشيوعية السرية مع مجموعة من أصدقائه، كرد فعل طبيعي على الفاشية المتصاعدة، فكانوا يقرأون لكارل ماركس وروزا لوكسمبورغ ويتعلمون شفرة مورس. لكنه، وبفضل وعيه الحاد وقراءاته المعمقة، سرعان ما خاب أمله في هذه الأيديولوجيا، خاصة بعد قراءته لانتقادات أندريه جيد للاتحاد السوفيتي، ليتجه بكليته نحو سحر الكلمة وعالم الشعر الواسع.
لقد كانت مدينة تشيرنيفتسي، بما تحمله من ثراء ثقافي وتوترات سياسية متصاعدة، البوتقة الحقيقية التي انصهرت فيها موهبة سيلان. هنا تشكلت علاقته المعقدة مع اللغة الألمانية، لغة والدته التي أحبها وتغنى بها، والتي ستصبح قريباً بشكل مأساوي لغة قاتليها.
مع اقتراب نهاية الثلاثينيات، كانت أشباح الحرب تتجمع في الأفق الأوروبي، وبدأت ملامح العالم الذي عرفه بول سيلان تتشقق تحت وطأة الكراهية. تروي أرنو كيف أدرك الشاب، وسط القيود الصارمة والحصص المجحفة التي فرضتها الجامعات الرومانية على الطلاب اليهود، أن البقاء في تشيرنيفتسي يعني خنق طموحاته. هكذا، وفي خريف عام 1938، استقل سيلان قطاراً متجهاً نحو الغرب قاصداً مدينة تور الفرنسية لدراسة الطب، هرباً من الأجواء الخانقة في وطنه. لكن هذه الرحلة بالذات حملت في طياتها نذير شؤم لا يُنسى؛ فقد عبر قطاره الأراضي الألمانية صبيحة العاشر من نوفمبر، أي في اليوم الذي تلا “ليلة الزجاج المكسور” (كريستالناخت). لقد التصق وجه الشاب المراهق بنافذة القطار ليرى بأم عينيه واجهات المتاجر المحطمة، والمعابد اليهودية المحترقة، والرماد الذي غطى شوارع برلين. هذا المشهد المروع، الذي سيستعيده لاحقاً في قصائده، كان بمثابة إعلان دموي بأن اللغة الألمانية التي عشقها، لغة غوته وشيلر ووالدته، قد اختطفتها حناجر البرابرة.
في فرنسا، عاش سيلان حياة طالب منفتح على العالم، فاكتشف الأدب الفرنسي المعاصر والسريالية بفضل عمه الذي كان يسعى لدخول عالم التمثيل في باريس. كانت مدينة تور توفر له ملاذاً آمناً ونافذة نحو الأمل. إلا أن الأقدار كانت تنسج له فخاً مأساوياً؛ ففي صيف عام 1939، عاد سيلان إلى مسقط رأسه لقضاء عطلته الصيفية المعتادة. وما إن وطئت قدماه أرض تشيرنيفتسي حتى اندلعت الحرب العالمية الثانية، لتُغلق الحدود بشكل قاطع وتستحيل عودته إلى فرنسا. وجد سيلان نفسه محاصراً في مصيدة تاريخية لا فكاك منها، ليبدأ دراسة فقه اللغة الرومانسية والأدب في جامعة مدينته بدلاً من الطب، في محاولة بائسة للتمسك بآخر خيوط الحياة الطبيعية.
تصف أرنو ببراعة كيف تسارعت الأحداث بشكل كابوسي منذ ذلك الحين. في عام 1940، اجتاحت القوات السوفيتية المدينة ضمن اتفاقيات تقاسم النفوذ، ورغم أن هذا الاجتياح أنقذ يهود المدينة مؤقتاً من قبضة الفاشية الرومانية، إلا أنه فرض قمعاً أيديولوجياً وثقافياً خانقاً. ولكن الكارثة الكبرى حلت في صيف عام 1941، عندما استعادت القوات الألمانية النازية، مدعومة بحلفائها من الجيش الروماني، السيطرة على تشيرنيفتسي. في غضون أسابيع قليلة، تحولت المدينة الكوزموبوليتانية إلى جحيم أرضي. جُمع السكان اليهود في غيتو ضيق ومروع، وفُرضت عليهم النجمة الصفراء، وبدأت حملات الترحيل المنهجية نحو معسكرات الموت في ترانسنيستريا.
تصل السيرة الذاتية هنا إلى نقطة الانكسار الكبرى في حياة سيلان، وهي ليلة السبت الدامية في يونيو من عام 1942. تورد الكاتبة كيف وقع خلاف بين سيلان ووالديه؛ فقد حاول إقناعهما بالاختباء لدى أصدقاء غير يهود في مصنع مهجور، لكن والده، الذي استسلم لليأس والإرهاق، رفض بحجة أنه لا يمكن للمرء الهروب من قدره المشترك مع أبناء جلدته. غادر سيلان المنزل غاضباً وقضى ليلته في مخبأ بعيد. وفي صباح اليوم التالي، عاد ليجد باب المنزل مفتوحاً على مصراعيه والبيت فارغاً. لقد تم ترحيل ليو وفريدريك أنشيل. هذا الغياب، وتلك الليلة التي نجا فيها وحده، سيزرعان في روحه شعوراً عميقاً ومدمراً بـ “عقدة الناجي”، وهو الشعور الذي سيكويه حتى آخر أيامه.
بعد فترة وجيزة، سُق سيلان نفسه إلى معسكرات السخرة الرومانية في جنوب البلاد. هناك، وتحت ظروف غير إنسانية، أمضى ثمانية عشر شهراً يكسر الصخور ويبني الطرق متحملاً الإذلال والجوع والأمراض. وفي هذا الخندق المظلم، وصلته الأخبار المفجعة عن مصير والديه. توفي والده أولاً جراء إصابته بمرض التيفوس، أما والدته، التي غرزت في قلبه حب اللغة الألمانية، فقد انهارت من التعب ليتم إعدامها برصاصة أطلقها حارس ألماني في مؤخرة رأسها. لقد قُتلت الأم بيد من يتحدثون “كلمة الأم”. توقف الزمن بالنسبة لسيلان عند تلك الرصاصة، وتحول العالم إلى مكان موحش لا يمكن احتماله، وولدت في أعماقه قناعة بأن الشعر من الآن فصاعداً يجب أن يمر عبر هذا الرماد، وأن الكلمات يجب أن تُنتزع من بين أنياب الموت.
نجا بول سيلان جسدياً عندما حرر الجيش الأحمر تشيرنيفتسي في ربيع عام 1944، لكنه خرج من تلك المحرقة شخصاً آخر تماماً، روحاً محطمة تسير على قدمين، محملة بإرث ثقيل من الفقد والذنب المتراكم. عاد إلى مدينته التي لم يعد يعرفها، ليكتشف أن عالمه القديم قد مُحي بالكامل، وأن مسيرته الحقيقية مع الألم قد بدأت للتو.
عاد بول سيلان إلى تشيرنيفتسي في ربيع عام 1944، لكنها لم تعد تلك المدينة الكوزموبوليتانية التي عرفها في صباه. لقد أحكم السوفييت قبضتهم عليها، وتحولت الشوارع التي كانت تعج بنقاشات الأدب والفلسفة إلى مساحات رمادية كئيبة يسودها الخوف والرقابة الصارمة. في هذا الجو الخانق، عمل سيلان لفترة وجيزة كممرض ومترجم في عيادة للطب النفسي، حيث وجد نفسه محاطاً بمرضى يعانون من صدمات الحرب، وهو ما كان يعكس في جوهره حالته النفسية الممزقة. أدرك الشاب، المثقل بندوب الفقد وعقدة الناجي، أن البقاء في وطنه الأم بات مستحيلاً؛ فالاستبداد السوفيتي لم يكن ليترك مجالاً للحرية التي يتنفس بها الشعر، ولا سيما شعر يكتب باللغة الألمانية التي أضحت مكروهة في كل أرجاء أوروبا الشرقية.
في أبريل من عام 1945، اتخذ سيلان قراراً حاسماً بالرحيل، ليتسلل عبر الحدود متجهاً نحو العاصمة الرومانية بوخارست، التي كانت تُعرف حينها بـ “باريس الشرق”. هناك، وجد سيلان متنفساً مؤقتاً وحياة أدبية نابضة لا تزال تقاوم تحت أنقاض الحرب. انخرط بسرعة في الأوساط الثقافية الطليعية والسريالية، وصادق العديد من الكتاب والشعراء الشباب الذين شكلوا له طوق نجاة نفسي ومعرفي. في بوخارست، قرر بول أنشيل أن يولد من جديد، فقام بإعادة ترتيب أحرف اسم عائلته بالتهجئة الرومانية (Ancel) ليصنع لنفسه اسماً مستعاراً سيخلده التاريخ: “بول سيلان”. لم يكن هذا مجرد تغيير للاسم، بل كان إعلاناً ضمنياً عن قطيعة مع ماضٍ لا يُحتمل، ومحاولة لابتكار هوية جديدة تستطيع حمل عبء الذاكرة دون أن تنسحق تحتها.
في خضم هذه النهضة المؤقتة في بوخارست، كتب سيلان رائعته الخالدة “لحن الموت” (Todesfuge)، والتي تُعد اليوم أهم قصيدة كُتبت عن المحرقة النازية على الإطلاق. إن المفارقة المأساوية في هذه القصيدة تكمن في لغتها؛ فقد اختار سيلان أن يوثق آلام الضحايا ووحشية الجلادين باستخدام اللغة الألمانية ذاتها، محولاً إياها من “لغة القتلة” إلى أداة للرثاء الجنائزي الكوني. ومع ذلك، وبسبب الحساسية المفرطة تجاه اللغة الألمانية في أعقاب الحرب، نُشرت القصيدة لأول مرة في عام 1947 مترجمة إلى اللغة الرومانية تحت عنوان “تانغو الموت”. كان هذا النشر المبكر بمثابة اعتراف أولي بعبقرية سيلان، لكنه في الوقت ذاته كان تذكيراً مؤلماً بعزلته اللغوية؛ فالشاعر الذي يكتب بالألمانية لا يستطيع نشر قصيدته بلغتها الأصلية في المكان الذي يعيش فيه.
لم تدم إشراقة بوخارست طويلاً. فمع اقتراب عام 1947، بدأ الستار الحديدي يهبط بثقله على رومانيا، وأحكم الحزب الشيوعي قبضته على مقاليد السلطة. فُرضت قواعد “الواقعية الاشتراكية” على الأدب والفن، وأصبح أي انحراف عن الخط الأيديولوجي الصارم للحزب يُعتبر خيانة تستوجب السجن أو النفي. وجد سيلان، الشاعر المنغمس في السريالية والرمزية المظلمة، أن الخناق يضيق حول عنقه من جديد. كان يدرك تماماً أن شعره لا يمكن أن يزدهر في ظل ديكتاتورية تملي على الكاتب ما يجب أن يقوله وكيف يقوله. هكذا، وفي مشهد يتكرر في حياة المبدعين المقهورين، قرر سيلان الفرار مرة أخرى.
في أواخر ديسمبر من عام 1947، وفي رحلة محفوفة بالمخاطر عبر الحدود المجرية، تسلل سيلان سيراً على الأقدام في برد الشتاء القارس، قاصداً العاصمة النمساوية فيينا. كانت فيينا في ذلك الوقت مدينة محطمة ومقسمة بين قوات الحلفاء، لكنها بالنسبة لسيلان كانت تعني شيئاً واحداً: العودة إلى جغرافيا اللغة الألمانية. ورغم الإقامة القصيرة التي قضاها هناك، إلا أنها كانت حاسمة؛ فقد شهدت فيينا نشر أول ديوان له بعنوان “الرمل من جِرار الجثث”، والأهم من ذلك، شهدت لقاءه التاريخي بالشاعرة النمساوية الشابة إنجيبورج باخمان. هذا اللقاء، الذي جمع بين ضحية يهودية وابنة عضو سابق في الحزب النازي، أثمر عن واحدة من أعقد وأعمق قصص الحب والمراسلات الأدبية في القرن العشرين، وهي قصة ستمتد آثارها العاطفية والفكرية لتطبع مسيرة سيلان حتى نهايتها المأساوية.
لم تكن فيينا سوى محطة عبور قصيرة في رحلة التيه المستمرة لبول سيلان؛ ففي يوليو من عام 1948، حزم الشاعر حقائبه متجهاً إلى باريس، العاصمة التي ستصبح منفاه الأخير ومستقره حتى نهاية حياته. وصل سيلان إلى فرنسا حاملاً معه لغته الألمانية كوطن وحيد متبقٍ له، في مفارقة جارحة لشاعر يعيش في قلب الثقافة الفرانكفونية ولكنه يصر على الكتابة بلغة أولئك الذين أبادوا عائلته وعالمه. في باريس، عاش سيلان سنواته الأولى في فقر وعزلة، يكافح من أجل تدبير نفقات معيشته من خلال العمل كعامل مصنع ثم كمترجم ومدرس للغة الألمانية. إلا أن هذه المدينة الساحرة قدمت له أيضاً الاستقرار العاطفي عندما التقى بالفنانة التشكيلية والرسامة الفرنسية جيزيل دو ليسترانج، التي تنحدر من عائلة أرستقراطية كاثوليكية. ورغم الفوارق الشاسعة في الخلفيات الاجتماعية والدينية، تزوجا في عام 1952، لتصبح جيزيل السند الأكبر له، والنافذة التي أطل منها على عالم الفن البصري الذي أثرى تجربته الشعرية لاحقاً.
كان عام 1952 مفصلياً في مسيرة سيلان الأدبية، حيث صدر ديوانه الأهم “الخشخاش والذاكرة” (Mohn und Gedächtnis) في ألمانيا. ضم هذا الديوان النسخة الألمانية الأصلية لقصيدة “فوجة الموت”، والتي أحدثت زلزالاً في الأوساط الأدبية الألمانية. لقد أجبر سيلان القارئ الألماني على مواجهة بشاعة المحرقة من خلال لغة شعرية مكثفة، موسيقية، ومروعة في آن واحد. لكن هذا النجاح لم يكن بلا ثمن؛ ففي ذات العام، دُعي سيلان للقراءة أمام “جماعة 47″، وهي التجمع الأدبي الأبرز في ألمانيا ما بعد الحرب. هناك، اصطدم الشاعر ببرود ونفور الكتاب الألمان الذين لم يستوعبوا أسلوبه في الإلقاء، والذي كان يشبه الترتيل الجنائزي للصلوات في المعابد اليهودية. لقد سخر بعض الحاضرين من طريقته، مما ترك جرحاً غائراً في كبرياء سيلان، وعزز من إحساسه بالغربة التامة حتى بين زملائه من الأدباء الناطقين بالألمانية.
ومع تنامي شهرته كأحد أعظم شعراء اللغة الألمانية في القرن العشرين، بدأت الغيوم السوداء تتجمع حوله من جديد، متجسدة في واحدة من أقسى المحن التي واجهته: اتهامات الانتحال الأدبي. ففي منتصف الخمسينيات، شنت كلير غول، أرملة الشاعر إيفان غول الذي كان سيلان قد ترجم بعض أعماله وربطته به صداقة قصيرة، حملة تشهير شعواء اتهمت فيها سيلان بسرقة استعارات وصور شعرية من قصائد زوجها الراحل. ورغم أن النقاد الكبار والأكاديميين أثبتوا بطلان هذه الادعاءات وسخافتها، إلا أن الحملة استمرت لسنوات في الصحافة الألمانية. بالنسبة لشخصية بالغة الهشاشة والحساسية كسيلان، مسكونة بعقدة الاضطهاد والذنب، لم تكن هذه الاتهامات مجرد خلاف أدبي، بل كانت محاولة منهجية لاغتياله معنوياً وتجريده من ممتلكه الوحيد والأغلى: صوته الشعري ومصداقية عذاباته.
أدت حملة كلير غول، مع تراكمات الصدمة القديمة وإرث المحرقة، إلى تدهور حاد ومأساوي في صحة سيلان النفسية. بدأ الشاعر ينزلق تدريجياً نحو هوة الشك المرضي (البارانويا)، متوهماً أن هناك مؤامرة نازية جديدة تُحاك ضده في الأوساط الثقافية الألمانية لإسكاته. تعمقت عزلته، وتحولت لغته الشعرية في دواوينه اللاحقة، مثل “شبيكة لغوية” و”وردة اللاأحد”، إلى لغة أكثر تجريداً، تشظياً، وعصياناً على الفهم السهل. لقد أصبحت قصائده كائنات لغوية مجروحة، تتنفس بصعوبة، وتبحث عن معنى في عالم بدا له أنه فقد صوابه تماماً.
في حقبة الستينيات، وتحت وطأة الصدمات المتراكمة وحملات التشهير القاسية، دخل بول سيلان في نفق مظلم من الانهيارات العصبية المتكررة. تحولت حياته إلى سلسلة من الإقامات الجبرية في المصحات النفسية، حيث خضع لعلاجات قاسية شملت الصدمات الكهربائية والأدوية المهدئة التي أثقلت روحه وجسده. انفصل عن زوجته جيزيل، ليس بسبب غياب الحب، بل لأن العيش معه أصبح مستحيلاً تحت سقف واحد يسيطر عليه جنون الارتياب والخوف المستمر من ملاحقة متخيلة. ومع ذلك، ووسط هذا التشظي النفسي المرعب، ظل عقله وقاداً ومسكوناً بالأسئلة الوجودية الكبرى، وبقي يقرأ ويكتب بشراهة، باحثاً في أعماق الفلسفة الغربية الكلاسيكية والمعاصرة عن طوق نجاة، أو ربما عن تفسير للشر الجذري الذي ابتلع عالمه.
لقد دفعه هذا البحث المضني والمستمر في قضايا الميتافيزيقا والفينومينولوجيا إلى واحد من أكثر اللقاءات إثارة للجدل والأسى في حياته المتأخرة. ففي عام 1967، سافر سيلان للقاء الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر في كوخه الشهير بمنطقة تودتناوبرغ. كان هذا اللقاء يمثل بالنسبة لسيلان مواجهة حتمية مع قمة الهرم الفلسفي الألماني، ولكنه في الوقت ذاته كان مواجهة مع رجل تورط مؤسسياً وأيديولوجياً مع الحزب النازي. ذهب سيلان إلى هناك وهو يطمح في انتزاع كلمة واحدة، مجرد اعتراف أو اعتذار إنساني وفلسفي من الفيلسوف الذي طالما قرأ له وتأثر بتفكيكه للغة والوجود. لكن هايدغر آثر الصمت التام حيال ماضيه وحيال المحرقة. هذا الصمت الفينومينولوجي الثقيل كان بمثابة طعنة أخيرة في قلب سيلان؛ فقد أدرك حينها أن المؤسسة الفكرية الألمانية غير قادرة، أو غير راغبة، في تقديم عزاء حقيقي أو نقد ذاتي جذري لخطيئتها، مما ضاعف من اغترابه الفكري والروحي.
بعد عودته من تودتناوبرغ، أصبحت لغة سيلان الشعرية أكثر تقشفاً وانغلاقاً، وكأن الكلمات نفسها قد أُصيبت بالاختناق. جرد قصائده من أي غنائية متبقية، وتحولت نصوصه إلى شظايا حادة، صامتة، ومحملة بفراغ الوجود. كان يكتب وكأنه يرسل رسائل في زجاجات إلى مستقبل مجهول، آملاً أن تلتقطها شواطئ قادرة على فك شفرات الألم المزروع فيها. لكن القدرة على الاستمرار في هذا العالم كانت تتسرب من بين أصابعه يوماً بعد يوم. في أواخر أبريل من عام 1970، وفي ليلة لم يوثق التاريخ تفاصيل دقيقتها، غادر سيلان شقته في باريس وسار نحو نهر السين. هناك، عند جسر ميرابو، اختار الشاعر الذي نجا من معسكرات الموت النازية أن ينهي حياته بيده، ليلقي بجسده المتعب في المياه الباردة، تاركاً وراءه عالماً لم يستطع قط أن يغفر له أو يتصالح معه.
تختتم آنا أرنو كتابها برثاء تحليلي عميق لإرث هذا الشاعر الاستثنائي. لم يكن بول سيلان مجرد شاهد عيان على أفظع جرائم القرن العشرين، بل كان الكيميائي الذي أخذ لغة الجلادين الملوثة بالدم وصهرها في أتون معاناته ليصنع منها ذهباً شعرياً خالصاً. لقد أثبت سيلان، خلافاً لمقولة ثيودور أدورنو الشهيرة بأن كتابة الشعر بعد أوشفيتز هي ضرب من البربرية، أن الشعر هو الأداة الوحيدة القادرة على اختراق جدار الصمت والموت. من خلال تفكيك اللغة الألمانية وإعادة بنائها، خلق سيلان وطناً لغوياً جديداً، وطناً لا يحده جغرافيا ولا تدنسه إمبراطوريات، بل تحرسه قصائد تقف كشواهد قبور أبدية لأولئك الذين حُرموا حتى من الحق في امتلاك قبر.
المطلع الشهير للقصيدة بالنص الألماني الأصلي للشاعر بول سيلان،
النص الألماني:
Schwarze Milch der Frühe wir trinken sie abends
wir trinken sie mittags und morgens wir trinken sie nachts
wir trinken und trinken
wir schaufeln ein Grab in den Lüften da liegt man nicht eng
الترجمة العربية:
حليب الفجر الأسود نشربه في المساء
نشربه في الظهيرة وفي الصباح، نشربه في الليل
نشرب ونشرب
نحفر قبراً في الهواء حيث لا يضيق المكان




