السودان في مهب الأوبئة

مقدمة: حين تتحول الأرقام إلى وثائق للنجاة
في عالم التقرير الإنساني والتحليل الجيوسياسي، نادراً ما تقع العين على وثيقة تجسد حجم الفجوة بين الحياة والموت كما تجسدها النشرات الدورية المنبثقة عن المنظمات الأممية والهيئات الإغاثية. التقرير الوطني الصادر عن “كتلة الصحة في السودان” (National Health Cluster Bulletin) لشهر يونيو 2026، ليس مجرد جرد استعراضي للأرقام والإحصائيات، أو بيان روتيني صادر عن أروقة منظمة الصحة العالمية والشركاء الدوليين والمحليين؛ بل هو في عمقه وثيقة إنسانية وسياسية وأخلاقية شديدة الكثافة، ترصد كيف يحاول وطن بأكمله الاستمرار في التنفس بين فكي الحصار والأوبئة والتجاهل الدولي.
تأتي أهمية هذه المراجعة للتقرير من كونه يقدم “صورة قطاعية” (Cross-sectional Analysis) للمأساة السودانية في لحظة زمنية شديدة الحرجة من عام 2026. إن القارئ للتقرير يستشعر منذ الصفحة الأولى أن ثمة لغة هادئة ومتقنة تُستخدم لوصف واقع ينفجر بالدماء والمخاطر. هذه المفارقة بين الهدوء الإداري للوثيقة الميدانية وبين الضجيج المأساوي للواقع الميداني، هي المحور الأساسي الذي نلتقطه في هذه القراءة الصحفية المستفيضة.
بيانات في مواجهة الانهيار
يتكون التقرير الميداني لشهر يونيو 2026 من تسع صفحات مكثفة بالبيانات والتصاميم البيانية والخرائط الإقليمية. يستهل التقرير لوحته الرأسية بتقديم لوحة قيادة إحصائية (Dashboard) تبرز حجم الحاجة الفادحة مقابل حجم الإمكانات المتاحة.
تشير الأرقام الأولية إلى أن عدد الأشخاص الذين هم بحاجة إلى ماسة للمساعدات الصحية والإنسانية في السودان خلال عام 2026 قد بلغ رقماً صادماً: 21 مليون شخص (People in Need – PIN). ومن بين هذا المحيط الهائل من المحتاجين، استهدفت خطة الاستجابة الصحية تقديم العون لـ 6.6 مليون شخص. ولكن، وعند الهبوط إلى الواقع التشغيلي لشهر يونيو 2026، نجد أن الشركاء الميدانيين تمكنوا فقط من الوصول إلى ما بين 428 ألفاً و1.3 مليون شخص.
إن هذه الفجوة الهائلة بين الاستهداف والوصول لا تعود فقط إلى الاستحالة اللوجستية، بل ترتبط بعامل حاسم آخر يسلط عليه التقرير الضوء في صدر صحيفته الأولى: فجوة التمويل. من أصل 325 مليون دولار أمريكي طُلبت لتغطية خطة الاستجابة الصحية لعام 2026، لم يُستلم حتى تاريخ صدور التقرير سوى 93.5 مليون دولار، مما يعني وجود فجوة تمويلية هائلة بلغت 71.3%. هذا العجز المالي الحاد يتزامن مع تصنيف الطوارئ الصحي في السودان عند المستوى الثالث (Grade 3 Emergency)، وهو أعلى درجات الاستجابة للطوارئ في نظام منظمة الصحة العالمية، مما يعكس الخلل الجسيم بين خطورة الوضع الميداني وبين الاستجابة المالية لمنظومة المانحين الدوليين.
الأثر الميداني والأرقام التشغيلية
رغم هذه الضغوط الماليّة والعسكرية، تكشف النشرة عن شبكة واسعة من الشركاء الميدانيين يصل عددهم إلى 50 شريكاً تنفيذياً (تتوزع بين 18 منظمة غير حكومية وطنية، و28 منظمة غير حكومية دولية، و4 وكالات تابعة للأمم المتحدة، وجهاز حكومي واحد، بالإضافة إلى 6 مراقبين). هذه الشبكة تنشط عبر دعم ما يقارب 1,568 مرفقاً صحياً، تتوزع كالتالي:
-
1,568 مرفقاً لرعاية الصحة الأولية (Primary Health Care Facilities).
-
99 عيادة متنقلة (Mobile Clinics) تذرع المناطق النائية ومخيمات النازحين.
-
94 مستشفى مرجعي ورئيسي تحاول الصمود أمام الضربات وانقطاع الإمدادات.
وقد أثمرت هذه الجهود خلال شهر يونيو عن تقديم نحو 900,000 خدمة علاجية عامة، شملت 860,000 استشارة طبية خارجية (Outpatient Consultations)، وتوفير العلاج الداخلي لـ 6,506 مريضاً، وتحويل 1,389 حالة إلى العلاج التخصصي، فضلاً عن علاج 105,418 حالة من الأمراض المعدية.
ولم تقتصر الخدمات على الطب العام، بل امتدت إلى مجالات الرعاية الصحية الإنجابية والتحصين. فقد أظهر التقرير تقديم خدمات الرعاية لـ 38,000 امرأة، من بينها 11,426 حالة ولادة تمت على أيدي أطقم طبية مؤهلة، و1,483 عملية قيصرية، إلى جانب 25,418 استشارة لرعاية الحوامل قبل الولادة. وعلى صعيد التحصين ضد الأمراض القاتلة للطفولة، تم تلقيح 35,824 طفلاً ضد الحصبة، وإعطاء 40,508 طفلاً الجرعة الثالثة من اللقاح الخماسي (Penta 3).
الهجمات على المرافق الصحية: الانتهاك البنيوي للقانون الدولي
أحد أشد الفصول قسوة في هذا التقرير هو ذلك النص الموجز والمؤلم المعنون بـ “Attacks On Healthcare” (الهجمات على الرعاية الصحية). يرصد التقرير استمرار حالة الانفلات الأمني، والنزاع المسلح النشط، والقيود الصارمة على الحركة، والغارات والاستهدافات المستمرة للبنية التحتية المدنية.
إن هذه الهجمات لا تؤدي فقط إلى تدمير المباني، بل تتسبب في تعطيل سلاسل الإمداد الطبي، وإعاقة خطوط تحويل المرضى، وقطع سبل الإشراف الميداني، وإجبار الكوادر الطبية على الفرار. يوجه التقرير نداءً صريحاً يذكر فيه جميع الأطراف المتصارعة بضرورة احترام القانون الدولي الإنساني (International Humanitarian Law)، وحماية المرافق الصحية والعمال الطبيين والمرضى والإمدادات الطبية.
قراءة تحليليّة في التقسيم الجغرافي للمأساة
يقسم التقرير الأراضي السودانية تقسيماً جغرافياً وعملياتياً إلى أربعة نطاقات رئيسية:
-
القطاع الغربي (West Zone – دارفور): المنطقة الأكثر التهاباً وتعقيداً.
-
القطاع الشرقي (Eastern Zone): المنطقة الأكثر استقراراً نسبياً ولكنها ترنح تحت عبء النزوح الفارين والضغط على الخدمات.
-
القطاع الأوسط (Central Zone – كردفان والولايات المجاورة): ساحة الشلل اللوجستي ومخاطر الأوبئة الفتاكة.
-
قطاع الخرطوم (Khartoum Zone): العاصمة التي تحولت إلى ميدان استنزاف صحي وبنيوي.
تظهر هذه التقسيمات أن الاستجابة الصحية في السودان ليست نمطاً واحداً، بل هي استجابات متعددة ومتباينة تعتمد على مستوى الأمان، والقدرة على الوصول اللوجستي، وطبيعة المخاطر الوبائية المحدقة بكل إقليم.
القطاع الغربي (دارفور): بين رحى الحرائق والمسيرات والتفشي الوبائي
يفتح التقرير ملف القطاع الغربي (West Zone) المصادف لإقليم دارفور الكبير، ليقدم وثيقة شهادة حية على إحدى أعتى الأزمات الإنسانية في العالم. طوال شهر يونيو 2026، استمرت العمليات العسكرية والنزاعات المسلحة في ضرب الاستقرار الهش للإقليم.
يتحدث التقرير بلغة واضحة عن العوامل المعطلة للوصول الإنساني: الضربات بـ الطيارات المسيرة (Drone Strikes)، الحوادث الإجرامية، والحرائق العارضة والمدبرة. وكان لانسداد وتعثر الطرق المحورية – مثل ممر “الجنينة – أديكونغ” (El Geneina-Adikong Corridor) – أثر بالغ في شلل حركة موظفي الإغاثة والقوافل المحملة بالمستلزمات الطبية المنقذة للحياة.
وعلى الصعيد الصحي العام، يواجه إقليم دارفور هجوماً متزامناً من باقة من أشد الأمراض خطورة: الحصبة، الملاريا، حمى الضنك، الدفتيريا، شلل الأطفال، متلازمة اليرقان الحاد، والإسهالات الدموية. وتتحول أزمة الكوليرا إلى بعبع يهدد المخيمات، مما دفع الشركاء الميدانيين إلى رفع درجة الاستعداد والجاهزية، عبر تعزيز الترقب الوبائي، ودعم المختبرات الميدانية، والتحضير لحملات التطعيم، والتنسيق الوثيق مع قطاع المياه والإصحاح البيئي (WASH).
أما على مستوى البنية التحتية، فبالرغم من وجود 33 شريكاً صحياً يدعمون 756 مرفقاً صحياً في دارفور، إلا أن نقص التمويل الحاد أجبر المنظمات على اتخاذ قرارات مؤلمة؛ حيث تم تسليم أكثر من 100 مرفق صحي لوزارات الصحة الولائية التي تعاني أساساً من الخواء والانهيار في الإمكانيات. ولذلك تتركز الأولويات العاجلة لدارفور في تحسين أدوات Surveillance (الترصد) والقدرات المختبرية، وتأمين الإمدادات قبل تفاقم موسم الأمطار.
القطاع الشرقي: الاستقرار الهش وضغوط اللجوء والحرارة
بالانتقال إلى القطاع الشرقي (Eastern Zone)، نرصد في التقرير واقعاً مغايراً في الشكل ولكنه متشابه في الجوهر والضغوط. يُعد هذا القطاع – الذي يضم ولايات مثل البحر الأحمر، كسلا، القضارف، والجزيرة، ونهر النيل – أكثر استقراراً من الناحية الأمنية مقارنة بدارفور، مما جعل الممرات الإنسانية فيه مفتوحة بوجه عام.
ومع ذلك، يقدم التقرير تحليلاً دقيقاً للعقبات البنيوية التي تعيق هذا القطاع. إن إعلان حالة الطوارئ في ولاية كسلا، ونقص الوقود، والارتفاع الباهظ في تكاليف النقل، والنقص الشديد في الأدوية الأساسية، وضعف شبكات التحويل الطبي، كلها عوامل تحول دون وصول الرعاية إلى المجموعات النازحة والمجتمعات النائية.
طبيعة التهديدات الصحية في الشرق تتخذ طابعاً موسمياً وبيئياً؛ فبالإضافة إلى تسجيل حالات من حمى الضنك والملاريا والحصبة والدفتيريا والشاهوق، يسجل التقرير انتشار حالات مشتبه بها لمرض التهاب السحايا (Meningitis) في ولاية نهر النيل. وفي ولاية البحر الأحمر، يبرز تهديد صحي مرتبط بالتغير المناخي والبيئي المتمثل في الأمراض الناجمة عن الإجهاد الحراري الشديد (Heat-related illnesses) في أوساط النازحين. علاوة على ذلك، يرفع التقرير درجة الحذر من خطر تسرب أو استيراد فيروس “إيبولا” عبر الحدود.
يتواجد في القطاع الشرقي 41 شريكاً صحياً يدعمون حوالي 820 مرفقاً صحياً منتشرة في 61 محلية. وتتركز الأولويات الاستراتيجية للشرق في التجهيز المسبق (Pre-positioning) للمستلزمات الطبية قبل هطول الأمطار السيولية التي تقطع الطرق، وتوسيع نطاق الخدمات في المناطق المحرومة.
القطاع الأوسط (كردفان): الممر الخنق والأوبئة الصامتة
يشكل سنام القطاع الأوسط Sub-Zone (ولاية شمال وجنوب وغرب كردفان) منطقة نزاع وحصار شديدة التعقيد. يصف التقرير الوضع هناك بالصعب للغاية نتيجة استمرار القيود على الحركة والنقص الحاد في الوقود والإمكانيات.
تعاني المستشفيات في كردفان من شلل في الرعاية الطارئة ورعاية الأمومة. ويبرز اسم “شمال كردفان” في التقرير كبؤرة لتفشي مرض الحصبة، بينما تكافح المنظمات لتجهيز مراكز معالجة الكوليرا والتحكم في الإسهالات المائية الحادة (AWD) قبل دخول فصل الخريف. ينشط في القطاع الأوسط 30 شريكاً يدعمون 502 مرفقاً صحياً في 58 محلية.
“أبطال الميدان.. تشريح أداء المنظمات غير الحكومية الدولية والوطنية”
منظمة الهيئة الطبية الدولية (IMC): النموذج المتكامل للاستجابة
يقدم التقرير في صفحاته الممتدة من 3 إلى 7 مراجعة دقيقة لإنجازات شركاء “كتلة الصحة”. وتبدأ هذه المراجعة باستعراض استجابة منظمة الهيئة الطبية الدولية (International Medical Corps – IMC)، والتي قدمت نموذجاً متكاملاً للتدخل متعدد القطاعات عبر 5 ولايات سودانية.
من خلال دعم 16 مرفقاً صحياً، تمكنت IMC من تقديم 44,556 استشارة طبية خارجية، و4,107 زيارات لرعاية الحوامل، وإجراء 820 ولادة آمنة، و645 استشارة لرعاية ما بعد الولادة. ولم تقتصر تدخلاتها على الجانب الطبي الصرف، بل امتدت لتشمل قطاع المياه والإصحاح البيئي (WASH)، حيث ضخت أكثر من 3.4 مليون لتر من المياه النظيفة للمستشفيات ومخيمات النازحين، ليستفيد منها أكثر من 229,000 شخص.
كما يُحسب لـ IMC تركيزها على الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي (MHPSS)، حيث وصلت خدماتها لـ 5,376 شخصاً، بالإضافة إلى برنامجها الواسع للحد من العنف القائم على النوع الاجتماعي (GBV) الذي استفاد منه 19,160 شخصاً.
منظمة ألايت (ALIGHT): مواجهة الكوليرا وسوء التغذية في أعتى البؤر
تأتي منظمة ALIGHT كإحدى أكثر المنظمات فاعلية في محاربة الأوبئة وسوء التغذية خلال شهر يونيو 2026. تركز نشاط المنظمة في ولايات غرب كردفان، شرق دارفور، جنوب دارفور، كسلا، الجزيرة، والقضارف.
تجلت قدرة ALIGHT في التدخل العاجل لمواجهة تفشي مرض الكوليرا في محلية النهود (An-Nuhud Locality) بولاية غرب كردفان. قامت المنظمة بتأسيس مراكز معالجة الكوليرا (CTCs) ووحدات العلاج (CTUs) وتشكيل فرق الاستجابة السريعة (RRT). وسجل التقرير أنه منذ بداية التفشي في تلك المنطقة، تم الإبلاغ عن 743 حالة كوليرا، تعافى منها 661 شخصاً، بينما تُوفي 81 شخصاً.
وفي إقليم شرق دارفور، قادت ALIGHT حملة مسح وتغذية واسعة النطاق استهدفت 26,764 طفلاً دون سن الخامسة للكشف عن سوء التغذية الحاد. وخلال هذه الحملة، تلقى 16,122 طفلاً فيتامين (أ)، ونال 9,274 طفلاً عقار الميبيندازول لمكافحة الطفيليات، وتم توزيع المكملات الغذائية الحديدية والعلاجية على آلاف الأطفال والنساء.
منظمة إنترسوس (INTERSOS): معركة الإمداد وتسليم الراية في دارفور
على صعيد آخر، برز دور منظمة INTERSOS التي عملت في ولايات شمال دارفور، غرب دارفور، البحر الأحمر، ونهر النيل. قدمت المنظمة 12,171 استشارة خارجية، و3,013 جرعة تطعيم روتيني، واستقبلت 157 حالة جديدة من حالات سوء التغذية الحاد الوخيم (SAM).
تحمل تجربة INTERSOS في التقرير دلالة استراتيجية هامة في بند “Medical Supplies and Handover”؛ حيث نجحت المنظمة في إيصال أول شحنة من الأدوية والمستلزمات الطبية الدولية إلى مدينتي الجنينة وطويلة (Geneina & Tawila). وفي الوقت نفسه، أكملت INTERSOS عملية تسليم (Handover) أنشطتها الصحية في غرب دارفور لجهات محلية، مع تزويد مركز صحي “منغارسا” (Mangarsa PHCC) بإنعاش دوائي ومواد غذائية علاجية جاهزة الاستخدام (RUTF) تكفي لمدة ثلاثة أشهر لضمان عدم انقطاع الخدمة.
منظمة Première Urgence Internationale (PUI): الشمولية في زمن النزوح
تظهر منظمة PUI في التقرير كفاعل رئيسي يدعم المرافق الصحية التابعة لوزارة الصحة وفرق الرعاية المتنقلة في أربع مناطق التهاب خطيرة: الخرطوم، الجزيرة، غرب دارفور، ووسط دارفور.
تمكنت PUI خلال شهر يونيو من تقديم 15,399 استشارة طبية خارجية، حيث تصدرت الأمراض المعدية قائمة أسباب المراضة. وقامت المنظمة بتحويل 50 حالة حرج إلى مستشفيات تخصصية أعلى مستوى. وكان للرعاية الصحية الإنجابية نصيب وافر في نشاط PUI، بإجراء 4,201 استشارة إنجابية، ودعم 337 ولادة آمنة عبر القوابل والأطباء المهرة. كما نجحت في الوصول بتطعيماتها الروتينية إلى أكثر من 13,000 طفل امرأة.
وتذكر النشرة دليلاً على بناء القدرات Sustained Capacity Building؛ إذ قامت PUI بتدريب الكوادر على مكافحة العدوى (IPC) وإدارة سوء التغذية المجتمعي (CMAM)، ووفرت حوافز مالية (Incentives) لـ 238 من عمال الصحة في الخطوط الأمامية لضمان بقائهم في مواقع العمل وعدم تسربهم.
منظمة إغاثة الدولية (Relief International – RI): البناء والتأهيل وسط الحطام
تغطي Relief International رقعة واسعة تضم شمال دارفور، الخرطوم، الجزيرة، والولاية الشمالية. سجلت المنظمة 20,226 استشارة خارجية (وكان النصيب الأكبر منها في شمال دارفور). ورعت 3,846 امرأة في مرحلة الحمل، وأشرفت على 1,430 ولادة آمنة.
العلامة الفارقة لنشاط RI في تقرير يونيو 2026 تمثلت في المشروعات الإنشائية والتأهيلية الهيكلية؛ حيث استمرت أعمال إعادة بناء وتأهيل مستشفى طويلة (Tawila Hospital) في شمال دارفور. يُعتبر هذا المشروع شريان حياة حقيقي، إذ سيوفر عند اكتماله خدمات الجراحة المعقدة، والرعاية الطارئة للتوليد وحديثي الولادة (EmONC)، وإحالة الحالات الحرج لسكان محليّة طويلة والمناطق المتاخمة لها التي عانت من التدمير والتهجير. كما نفذت المنظمة حملات توزيع الناموسيات المشبعة بالأثر المتبقي (LLINs) في محلية مليط للحد من تفشي الملاريا.
منظمة المنار التطوعية (AMVO): الصوت الوطني ورحلة الطفل فاطمة
تكتسب مشاركة المنظمات الوطنية (National NGOs) أهمية قصوى في وثيقة “كتلة الصحة”، وتتجلى هذه الأهمية في استعراض إنجازات منظمة المنار التطوعية (AMVO). بدعم من صندوق السودان الإنساني (SHF) ومنظمة CARE، أدارت المنار 5 مراكز صحية تتوزع بين محلية جبل أولياء (ولاية الخرطوم) ومحلية الليري (ولاية جنوب كردفان).
عالجت المنار 5,642 مريضاً، وقدمت الرعاية لـ 387 حاملاً، وطعّمت 1,078 شخصاً. ولكن التقرير يفرز مساحة إنسانية استثنائية تحت عنوان “Fatima’s Journey” (رحلة فاطمة).
فاطمة طفلة تبلغ من العمر 13 شهراً، وصلت إلى مركز المنار وهي تعاني من سوء التغذية الحاد الوخيم (SAM) والهزال الشديد الذي يهدد حياتها. ومن خلال برنامج العلاج الخارجي (OTP)، وتزويدها بالأغذية العلاجية الجاهزة واستشارة والدتها في أساليب تغذية الرضع والأطفال (IYCF)، شهدت الطفلة تعافياً مذهلاً خلال 4 أسابيع، وارتفع وزنها إلى 8.4 كجم. ترمز قصة فاطمة إلى قدرة التدخلات التغذوية البسيطة والمنظمة على صنع الفارق بين الحياة والموت في بيئات النزاع المعقدة.
جمعية الهلال الأحمر السوداني (SRCS): الشبكة الوطنية التي لا تنام
تظهر جمعية الهلال الأحمر السوداني (SRCS) في التقرير كقوة ميدانية ضاربة تدعمها حركة الصليب الأحمر والهلال الأحمر الدولية. أدارت الجمعية عيادات ثابتة ومتنقلة قدمت أكثر من 31,200 استشارة طبية خارجية. وكان لها دور محوري في تشخيص وعلاج 4,749 حالة ملاريا.
وفي مجال صحة الأم والطفل، سجلت الجمعية 838 زيارة للمتابعة المتقدمة للحمل (الزيارة الرابعة فما فوق)، وقدمت 631 تطعيماً ضد التيتانوس، ولُقّح مئات الأطفال. ونجحت حملات التوعية الصحية والنظافة التابعة لها في الوصول إلى 10,500 شخص، بينما تلقى 3,560 شخصاً خدمات الصحة النفسية.
ومن النقاط التي أوردها التقرير باهتمام، تقديم الجمعية لبرامج دعم النفسي والإنهاك المهني لـ 49 من موظفيها ومتطوعيها (Caring for Staff and Volunteers) لضمان استمراريتهم في العمل تحت مظلة الضغوط النفسية الهائلة للنزاع.
صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA): حماية النساء في قلب العاصفة
يتناول التقرير التقرير الربع سنوي الصادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) للفترة من أبريل إلى يونيو 2026. استطاع الصندوق الوصول إلى 302,311 شخصاً في 54 محلية عبر 63 نقطة تقديم خدمات (SDPs) و18 عيادة متنقلة.
تلقى 137,215 امرأة حاملاً استشارات صحية مخصصة، ودُرّب 110 من الكوادر الطبية على الرعاية الطارئة للتوليد والإدارة الكلينيكية لحالات الاغتصاب (CMR). كما يقود الصندوق تحديث البروتوكولات الوطنية لوفيات الأمومة وخرائط توفر خدمات الصحة الإنجابية.
وعلى الرغم من هذه النجاحات، يطلق UNFPA جرس إنذار يتعلق بفجوة مالية تبلغ 6.14 مليون دولار أمريكي، مما يهدد بإغلاق منافذ الرعاية الإنجابية والانقطاع الحاد في مستلزمات حماية النساء والفتيات في مناطق النزاع.
الخاتمة والرؤية التجميعية: السودان بين المطرقة والسندان
إن القراءة المستفيضة لتقرير كتلة الصحة في السودان لشهر يونيو 2026 تدفعنا إلى الخروج بست استنتاجات صحفية وتحليلية رئيسية:
-
الصلابة الميدانية مقابل العجز المالي: تثبت المنظمات العاملة في السودان (دولية ووطنية) قدرة فائقة على التكيف والعمل تحت النار، إلا أن هذه الصلابة يصدمها جدار العجز المالي المتمثل في فجوة الـ 71.3%.
-
سلاح التعطيل اللوجستي: تتساوى خطورة الأوبئة مع خطورة القيود العسكرية وضربات المسيرات وقطع الطرق الرئيسية (مثل ممر الجنينة).
-
الكوليرا والخريف القادم: يقف السودان على أعتاب موسم أمطار وسيول كارثي، وفي ظل وجود بؤر نشطة للكوليرا والإسهالات المائية (كما في النهود وكردفان)، فإن الكارثة الوبائية القادمة قد تتجاوز قدرة النظام الصحي المتهالك على الاستجابة.
-
تكتيك التسليم والانسحاب (Handover): اضطرار المنظمات لتسليم المرافق الصحية للمجالس المحلية بسبب نقص التمويل هو تكتيك خطير قد يعني عملياً إغلاق هذه المرافق لفقدان الحكومات الولائية للموارد.
-
المرأة والطفل هما الحلقة الأضعف: تعكس أرقام سوء التغذية (كما في قصة الطفلة فاطمة) وحاجات الرعاية الإنجابية أن الفئات الأكثر هشاشة تدفع الفاتورة الأكبر للحرب.
-
ضرورة حماية الخدمات الصحية: تظل المطالبة بالالتزام بالقانون الدولي الإنساني ووقف استهداف المستشفيات والكوادر هي شرط الأساس لأي أمل في إنقاذ ما تبقى من الحياة في السودان.
إن تقرير يونيو 2026 هو صرخة أرقام بوجه الضمير العالمي، يحذر من أن ترك القطاع الصحي في السودان يواجه مصيره وحيداً يعني الحكم بالإعدام البطيء على ملايين الأبرياء.




