جمهورية العنف:الانهيار الشامل للسودان

وثيقة من القاع الإنساني والسياسي
في أدبيات العلوم السياسية والتحليلات الاستراتيجية، نادراً ما تصدر وثيقة تمتلك من القسوة الدقيقة و التحليل الصارم ما يمتلكه تقرير “مؤشر تحول مؤسسة بيرتيلسمان” لعام 2026 (BTI 2026 Country Report: Sudan). إن هذا التقرير الصادر عن مؤسسة “بيرتيلسمان شتيفتونغ” (Bertelsmann Stiftung) الألمانية المرموقة، والذي يغطي الحقبة الحرجة الممتدة من الأول من فبراير 2023 وحتى الحادي والثلاثين من يناير 2025، لا يقدم مجرد رصد إحصائي أو تجميع للبيانات الاقتصادية والسياسية المعتادة؛ بل يتعدى ذلك ليكون بمثابة “تقرير تشريح جثامين” للدولة السودانية المعاصرة. إنه يوثق بأرقام لا ترحم وبتحليل هيكلي عميق كيف تحولت واحدة من أكبر وأهم دول القارة الأفريقية والعالم العربي من مرحلة المخاض الديمقراطي الأليم إلى حالة من الانهيار التام والمطلق، لتغدو الهيكل الأكثر هشاشة في الخارطة الدولية.
لقد حل الموعد الدوري لإصدار المؤشر العالمي ليعكس تراجعاً مرعباً في كافة المؤشرات الحاكمة لحياة الشعوب ومصير الأوطان؛ حيث يقبع السودان في قاع الترتيب الدولي:
-
مؤشر الوضع العام (Status Index): المرتبة 136 من أصل 137 دولة بنتيجة (1.46 من 10).
-
مؤشر التحول السياسي (Political Transformation): المرتبة 135 بنتيجة (1.63 من 10).
-
مؤشر التحول الاقتصادي (Economic Transformation): المرتبة 135 بنتيجة (1.29 من 10).
-
مؤشر الحوكمة والإدارة (Governance Index): المرتبة 136 بنتيجة (1.06 من 10).
إن هذه الأرقام المفزعة ليست مجرد أعداد صماء في جدول إحصائي تقني؛ بل هي التجسيد الرقمي لكارثة إنسانية وسياسية وأخلاقية وصفها التقرير بأنها أنتجت “أكبر أزمة جوع ونزوح على وجه الأرض” في الوقت الراهن؛ حيث تحول أكثر من 25 مليون إنسان إلى حافة المجاعة الحادة، وتشرّد ما يربو على 14 مليون مواطن داخل البلاد وخارجها، وقُتل ما يزيد على 50 ألف قتيل في حرب لم تحظَ إلا بقليل من الاهتمام الدولي مقارنة بأزمات عالمية أخرى.
الثنائية السلطوية وتقسيم الأمر الواقع (SAF vs. RSF)
يفتتح التقرير تحليله الاستراتيجي برصد التحول الدراماتيكي الذي شهده السودان بدءاً من الخامس عشر من أبريل 2023، عندما انفجر الصراع المسلح الشامل بين القوات المسلحة السودانية (SAF) بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وبين قوات الدعم السريع (RSF) شبه العسكرية بقيادة محمد حمدان دقلو (المعروف بـ “حميدتي”). يضع التقرير هذا الانفجار في سياقه الهيكلي الصحيح باعتباره صراعاً صفرياً على السلطة المطلقة بين جنرالين وقوتين عسكريتين كانتا حتى وقت قريب شريكتين في التخطيط والتنفيذ للانقلاب العسكري المشترك في أكتوبر 2021، والذي أطاح بالحكومة الانتقالية المدنية ومزق وثيقة الشراكة مع المكون المدني.
يرسم التقرير مشهداً جيوسياسياً شديد القسوة والتعقيد للسودان الحاضر: فالبلد الذي كان رسمياً دولة واحدة موحدة، انقسم فعلياً وعملياً إلى كيانين سلطويين متنازعين:
-
سلطة بورتسودان (مناطق سيطرة SAF): تسيطر القوات المسلحة السودانية على الولاية الشمالية، ولايات الشرق، وأجزاء من الوسط. وقد اضطرت الحكومة الإدارية والوزارات إلى الإجلاء القسري والنزوح الجماعي من العاصمة التاريخية الخرطوم للتحصن في مدينة “بورتسودان” الساحلية، لتتحول هذه الأخيرة إلى عاصمة إدارية وقتية تمارس منها المؤسسة العسكرية ما تبقى من السيادة الإدارية والخدمية بنوع من المباشرة القسرية والهشاشة المؤسسية.
-
سلطة الهامش والسيطرة الميدانية (مناطق سيطرة RSF): في المقابل، فرضت قوات الدعم السريع سيطرتها الميدانية والنارية على أجزاء واسعة ومفصلية من البلاد، شملت معظم أحياء وقواعد العاصمة المثلثة (الخرطوم، أم درمان، بحري)، ولاية الجزيرة التي تعد الشريان الزراعي والأغذائي الأول للبلاد، وإقليم كردفان المفصلي، وصولاً إلى السيطرة الشبه كاملة على إقليم دارفور الشاسع.
إن هذا التقسيم الواقعي لم ينتج فقط سلطتين داخل الدولة، بل خلق بيئة متكاملة بلا قانون؛ حيث غابت الدولة بمؤسساتها الاحتكارية للشرعية وللعنف المنظم، وحلت محلها سلطات أمر واقع تستمد وجودها من فوهات البنادق، وتعتمد على ممارسات الابتزاز، النهب المسلح، فرض الجبايات، وإتاوات شبكات الميليشيات.
تفكيك احتكار العنف وسقوط أسطورة المؤسسة العسكرية
يعيد تقرير (BTI 2026) تقييم مفهوم “احتكار السلطة واستخدام القوة المشروعة” (Monopoly on the Use of Force) في السودان، متوجاً هذا البند بمنح السودان درجة متدنية للغاية (2 من 10). يوضح التقرير أن أزمة الدولة السودانية التاريخية تتلخص في الفشل الهيكلي المتراكم لبناء جيش وطني مهني وموحد يخضع للسيادة والرقابة المدنية. وبدلاً من ذلك، فإن العقود الثلاثة من حكم نظام عمر البشير (1989-2019) شهدت هندسة متعمدة لتفكيك المؤسسة العسكرية الوطنية وصنع ميليشيات موازية لضمان بقاء النظام وحمايته من الانقلابات العسكرية الداخلية.
إن ولادة “قوات الدعم السريع” من رحم ميليشيات “الجنجويد” التي وظفتها الدولة في عام 2003 لقمع التمرد المسلح في دارفور، ثم إسباغ الشرعية القانونية عليها عام 2013 وتغذيتها بآليات وميزانيات ضخمة من خزانة الدولة، كانت هي البذرة الانتحارية التي زرعها النظام السابق في أحشاء الدولة. وبمرور الوقت، وبدعم إقليمي ومالي ناتج عن الاستحواذ المباشر على مناجم الذهب وتقديم خدمات المرتزقة وتوظيف الملفات الأمنية كملف الهجرة مع الاتحاد الأوروبي (“عملية الخرطوم” لعام 2014)، تحولت هذه القوة الموازية إلى غول عسكري واقتصادي ينافس الجيش الرسمي ويتفوق عليه في بعض التكتيكات الميدانية.
وعندما اندلعت حرب أبريل 2023، لم تكن مجرد تمرد عسكري تقليدي، بل كانت الانفجار المباشر للثنائية العسكرية المسلحة. إن النتيجة المباشرة لهذا الانفجار كانت انهيار مفهوم “الهوية الوطنية للدولة” (Stateness – درجة 2 من 10). لقد عجزت الدولة تماماً عن توفير الأمان الشخصي والحد الأدنى من الحماية القانونية لمواطنيها. وفي ظل غياب أي حماية رسمية، غرق المواطنون في بحر من الفوضى الشاملة؛ حيث أضحى الوجود الفعلي للمؤسسات والأجهزة الأمنية محصوراً في شريط جغرافي ضيق شرق وشمال البلاد، في حين تحولت بقية الأقاليم إلى مسارح للقتال المفتوح وتدمير ممتلكات المواطنين.
حرب السرديات المزيفة والتوظيف السياسي للدين والعرق
يقف التقرير ملياً عند السرديات الأيديولوجية والسياسية التي استخدمها طرفا الحرب للتعمية على المسببات الحقيقية للصراع ولشرعنة جرائمهما أمام الرأي العام الداخلي والدولي:
-
سردية الجيش (SAF): صور الجيش الصراع باعتباره “حرب الكرامة” ضد تمرد غاشم على مؤسسات الدولة الرسمية. واستدعى الأدبيات الوطنية والمؤسسية لطلب الدعم الشعبي، لكنه في الوقت ذاته فتح الأبواب واسعاً أمام إعادة تموقع عناصر النظام السابق (نظام المؤتمر الوطني) والتحالف الميداني مع الميليشيات والكتائب الإسلامية العقائدية (مثل “كتيبة البراء بن مالك”).
-
سردية قوات الدعم السريع (RSF): تبنت قوات الدعم السريع خطاباً كيروزياً يعلن محاربة “دولة 1956 الاستعمارية” والقضاء على “الفلول والإسلاميين”، والعمل على إقامة نظام ديمقراطي هامشي جديد. غير أن هذا الخطاب الديمقراطي والتحديثي تصادم بشكل صارخ مع السلوك الميداني القائم على التطهير العرقي، ونهب منازل المواطنين، واغتصاب النساء، وتدمير البنية التحتية.
وفي بند “عدم تدخل العقائد الدينية” (No Interference of Religious Dogmas – درجة 2 من 10)، يكشف التقرير كيف أُعيد بعث الخطاب العقائدي الراديكالي؛ حيث يسيطر كبار الضباط المؤدلجين إسلاموياً على التوجهات الاستراتيجية للجيش، وتم استخدام مفاهيم “الجهاد” و”الدفاع عن الدين” للتعبئة الشعبية، بالرغم من أن أطراف النزاع والضحايا هم جميعاً من المواطنين المسلمين السودانيين. هذا الشحن العقائدي لم يؤدِّ فقط إلى إغلاق فرص الحلول السياسية والتفاوضية، بل عمق الشرخ المجتمعي وألغى الحريات الأساسية والأقليات الدينية (كالأقليات المسيحية التي تعرضت للتضييق والاعتقال بتهم الكيد السياسي والإسناد الميليشياوي).
التهميش البنيوي والسلاح العرقي كأداة حروب
من أنصع وأعمق التحليلات التي يقدمها تقرير (BTI 2026) هو كشفه النقاب عن كيفية قيام القادة العسكريين والسياسيين باستغلال الانقسامات الاجتماعية والعرقية و التاريخية لخدمة التعبئة الحربية. إن السودان عانى منذ استقلاله عام 1956 من خلل بنيوي حاد في مفهوم المواطنة والتنمية: مركز نيلي وثقافي مسيطر، مقابل أقاليم هامشية شاسعة في الغرب والجنوب والشرق والجنوب الجديد معزولة ومحرومة من المشاركة السياسية والنمو الاقتصادي العدل.
في هذه الحرب الحالية، أُعيد استخدام هذه المظالم كوقود مدمّر:
-
العنف الإبادي في دارفور: يبرز التقرير بوجه خاص الكارثة العرقية والإنسانية التي شهدتها مدينة الجنينة وولاية غرب دارفور في مايو 2023 وما بعدها، حيث نفذت قوات الدعم السريع وميليشيات عربية متألفة معها عمليات إبادة جماعية وجرائم حرب موثقة ضد قبيلة “المساليت” والقبائل ذات الأصول الأفريقية، تمثلت في الاغتيالات الجماعية للقيادات الأهلية، والقتل على الهوية، والتدمير الكامل للأحياء السكنية والنزوح الجماعي نحو الحدود التشادية.
-
التصفيات العرقية في مناطق الجيش: في المقابل، يوثق التقرير الممارسات القمعية والعرقية المضادة التي ارتكبتها القوات المسلحة الاستخباراتية، من خلال حملات التفتيش والاعتقالات الميدانية والتصفيات الجسدية التي استهدفت مواطنين عزل من أصول دارفور أو كردفان في مناطق سيطرتها (مثل ولايات الجزيرة والخرطوم ومناطق الكنابي)، بناءً على الشبهات والتحريض العرقي تحت ذريعة القبض على “المتعاونين” أو “الخلايا النائمة”.
انهيار الإدارة الأساسية وتلاشي الخدمات
يختتم التقرير الجزء الخاص بالتحول السياسي بتسليط الضوء على الانهيار المترابط لـ “الإدارة الأساسية” (Basic Administration – درجة 2 من 10). حتى قبل اندلاع الحرب، كانت أرقام البنك الدولي لعام 2022 تشير إلى أن 64.9% فقط من السكان يحصلون على مياه شرب أساسية، و63.2% يحصلون على الكهرباء، و36.9% فقط يمتلكون خدمات الصرف الصحي الأساسية.
ومع اندلاع الحرب وتمددها، تعرضت الشبكات الخدمية ومحطات المياه والكهرباء والمستشفيات للتدمير المباشر والقصف الجوي والمدفعي. ونظراً لانتقال الوزارات والأجهزة الإدارية إلى بورتسودان، أضحت الغالبية العظمى من الشعب السوداني بلا أي خدمات حكومية تُذكر. وهنا ظهر الشكل الوحيد للمقاومة والResilience المجتمعي، والمتمثل في “غرف الطوارئ” (Emergency Response Rooms – ERRs) والمبادرات الشبابية والشعبية التي تولت أعباء توفير الطعام، الكفالة الطبية، وتأمين الإجلاء، وسط بيئة من الترهيب والاعتقال والاستهداف المباشر من طرفي النزاع.
التجريف المالي، انهيار الأسواق، والنهب الهيكلي للاقتصاد السوداني
إن التحول الاقتصادي في أي بلد يشكل الركيزة الأساسية لتثبيت أركان الاستقرار السياسي والاجتماعي، بيد أن الحالة السودانية كما يشرّحها التقرير تقدم نموذجاً صارخاً لكيفية تدمير البنية الاقتصادية الوطنية وتحويلها من اقتصاد موجه نحو التنمية إلى اقتصاد حرب طفيلي يعتمد على النهب المباشر وشبكات السماسرة والتهريب عبر الحدود.
لقد منح التقرير السودان درجة متدنية للغاية في مؤشر التحول الاقتصادي لم تتجاوز نقطة واحدة وثمانية وعشرين جزءاً من المائة من أصل عشر نقاط، وهي نتيجة تشير صراحة إلى الشلل التام الذي أصاب الأسواق، وتفكك المنظومة المصرفية، وتهاوي العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية. لم تكن هذه النتيجة الوليدة اللحظية لاندلاع الصراع المسلح في منتصف أبريل من عام 2023 فحسب، بل كانت تتويجاً منطقياً لسلسلة طويلة من التردي المالي والهيكلي الذي ضرب الاقتصاد الكلي منذ انقلاب الحادي والعشرين من أكتوبر لعام 2021، وما تبعه من تجميد للمساعدات الدولية والإقليمية وبرامج إعفاء الديون التي أقرها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ضمن مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون.
يرسم التقرير صورة قاتمة للمشهد المالي والنقدي في البلاد، حيث استعر التضخم ليبلغ مستويات غير مسبوقة تجاوزت مئات في المائة، بينما فقدت الجنيه السوداني قدرته على القيام بوظائفه الأساسية كمقياس للقيمة أو وسيلة للادخار والمبادلة. لقد أدى القصف المتبادل بين الطرفين المتحاربين واستهداف المؤسسات المالية والمقر الرئيسي للبنك المركزي في الخرطوم، إلى جانب عمليات النهب الواسعة التي طالت البنوك التجارية والشركات والمصانع، إلى انهيار كامل للنظام المصرفي الرسمي. واضطرت البنوك إلى إغلاق أبوابها في أغلب الولائيات، مما أدى إلى أزمة سيولة خانقة جعلت المواطنين عاجزين عن الوصول إلى مدخراتهم المالية لمواجهة متطلبات الحياة اليومية وشراء المستلزمات الغذائية والطبية.
في مقابل هذا الانهيار للمؤسسات المالية الرسمية، يبرز التقرير صعود اقتصاد ظل موازٍ وشديد الخطورة. لقد حل الشارع والأسواق الموازية وتطبيقات التحويل المالي الإلكتروني غير المباشرة محل البنوك التقليدية، وأصبحت العملة الصعبة تباع وتدفع في أسواق سوداء يديرها تجار الحرب وشبكات سريّة مرتبطة بكتائب الطرفين المتحاربين. يوضح التقرير أن هذه البيئة الاقتصادية الفاسدة سمحت لشبكات النفوذ العسكري والمالي بمواصلة تراكم الثروات على حساب إفقار ملايين المواطنين، حيث جرى استغلال أزمات الوقود والغذاء والدواء لتوليد أرباح طائلة تغذي ميزانيات التسليح وجلب المرتزقة.
وعلى صعيد مستوى التنافسية وحرية الأسواق، يكشف التقرير عن التراجع الكامل لضوابط الحرية الاقتصادية وتكافؤ الفرص. إن الحرية الاقتصادية في السودان ظلت تاريخياً محاصرة باحتكارات الدولة ومؤسسات الجيش والدعم السريع، لكن الحرب الحالية قضت على ما تبقى من نشاط للقطاع الخاص المستقل. لقد تعرضت المناطق الصناعية الرئيسية في الخرطوم وبحري وأم درمان للدمار الكامل والتجريف الممنهج، وسُرقت الآلات والمعدات والمخزونات التموينية ونُقلت عبر شبكات التهريب إلى دول الجوار أو أُعيد بيعها في أسواق الولايات الآمنة بأسعار بخسة، مما تسبب في خروج آلاف رجال الأعمال والمستثمرين الوطنيين من السوق السوداني وإفلاس الشركات الصغيرة والمتوسطة التي كانت تشكل العصب التشغيلي لآلاف العائلات.
ولم يكن القطاع الزراعي، الذي يمثل طوق النجاة الأخير للغالبية العظمى من السكان والشريان الحيوي لتأمين الغذاء الوطني، بأفضل حالاً من القطاعات الأخرى. يحلل التقرير كيف أدى تمدد العمليات العسكرية إلى ولاية الجزيرة وإقليم كردفان ودارفور إلى تعطيل المواسم الزراعية بشكل كامل. إن السيطرة الميدانية لقوات الدعم السريع على ولاية الجزيرة، التي تضم أكبر مشروع زراعي مروي في البلاد، أدت إلى نهب الآليات الزراعية والأسمدة والبذور ومحطات الوقود، وتهجير المزارعين قسراً من قراهم. تسبب هذا التعطيل المباشر للإنتاج الزراعي والحيواني في تحويل البلاد من حالة الاكتفاء الذاتي المحدود إلى كارثة انعدام أمن غذائي حاد، حيث ارتفعت أسعار المحاصيل والسلع الأساسية إلى مستويات خيالية أخرجتها تماماً عن قدرة المواطن العادي.
يتطرق التقرير بوضوح إلى قضية الموارد الطبيعية وكيفية تحولها من نقمة استنزافية إلى وقود حيوي لإدامة الحرب. يأتي الذهب في مقدمة هذه الموارد، حيث يوضح التقرير كيف أضحت عمليات تعدين الذهب وتصديره تجارة موازية تدار خارج الأطر الرسمية للموازنة العامة للدولة. سيطرت قوات الدعم السريع على مناجم رئيسية في دارفور والشمالية والشرق عبر حلفائها وشبكاتها، وقامت بتهريب الذهب عبر الحدود الإقليمية لشراء السلاح والعتاد ودفع مرتبات المقاتلين. وفي المقابل، اعتمدت القوات المسلحة والسلطة الحاكمة في بورتسودان على ما تبقى من صادرات الذهب والرسوم الجمركية المفروضة في الموانئ البحرية لتغطية نفقات المجهود الحربي وشراء المسيرات والأسلحة الثقيلة.
إن هذا التحليل الذي يقدمه التقرير يؤكد أن الاقتصاد السوداني لم يعد يمتلك أي معالم لاقتصاد السوق الحر المنظم أو الاقتصاد الموجه نحو التنمية البشرية والإصلاح الهيكلي. بدلاً من ذلك، نشأ هيكل اقتصادي مريض يقوم على الريع العسكري والنهب المباشر، وتجارة السلاح والمساعدات الإنسانية. إن انعدام السياسات المالية والتحصيل الضريبي المنتظم، وتضخم الدين العام، وغياب الإشراف على المال العام، أدى إلى تحويل الدولة السودانية إلى جغرافيا بلا موازنة سنوية وبلا برنامج تنموي، مما يجعل عملية إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي مستقبلاً مهمة معقدة للغاية وتتطلب تدفقات مالية دولية وإصلاحات مؤسسية جذريّة لا يبدو أن ظروف الصراع الراهن تسمح بالحد الأدنى منها.
تفكك المجتمع المدني، انهيار رأس المال الاجتماعي، والعدالة الغائبة
إن الانتقال للحديث عن التحول السياسي والاجتماعي يرسم صورة أكثر قسوة لمستقبل البلاد؛ فالدولة لا تتهاوى فقط عبر تدمير أجهزتها واقتصادها الكلي، بل تعاني من تجريف ممنهج لرأس مالها الاجتماعي، واستنزاف منظم لقواها المدنية الحية التي كانت تمثل الصمام الأخير للبقاء والتماسك الأهلي.
يفكك التقرير بكفاءة تحليليّة حالة الانسداد والتراجع الحاد في مؤشرات الحقوق السياسية والحريات المدنية، حيث يمنح السودان أرقاماً تكشف عن غياب تام لسيادة القانون وتلاشي مبدأ الفصل بين السلطات. لقد كان الهدف الأسمى لثورة ديسمبر الشعبية لعام 2018 يتركز حول بناء منظومة عدلية مستقلة، وتأسيس سلطة قضائية نزيهة قادرة على محاسبة نظام البشير وإرساء مفاهيم العدالة الانتقالية. غير أن انقلاب أكتوبر 2021 وما تلاه من اندلاع الحرب في أبريل 2023 قضى بصورة كليّة على هذا الحلم الوطني. فقد تعرضت المقار القضائية، والمحاكم الإستراتيجية، ومقرات النائب العام في العاصمة والولايات للدمار والتخريب والنهب، مما أدى إلى شلل كامل في أجهزة العدالة الرسمية، وتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة للإفلات المظلم من العقاب.
تشير المراجعة الشاملة إلى أن غياب العدالة والمؤسسات القضائية المستقلة سمح لطرفي النزاع بممارسة القمع المباشر والانتهاكات الصارخة ضد المدنيين دون أدنى خوف من المساءلة القانونية. لقد أضحى ارتكاب جرائم التصفية الجسدية، والاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتفتيش العرقي، والعنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، سلوكاً يومياً نمطياً يمارسه أفراد الجيش وقوات الدعم السريع على حد سواء. يوثق التقرير كيف أصبحت أجساد النساء والفتيات في دارفور والخرطوم والجزيرة ساحة لمعارك انتقامية، حيث جرى استخدام الاغتصاب والعنف الجنسي كأداة حربية ممنهجة لإذلال المجتمعات المحلية وكسر إرادتها وتهجيرها قسراً من منازلها.
في خضم هذا الانهيار المؤسسي الشامل، يتوقف التقرير عند المفارقة التاريخية الشديدة التي ميزت المجتمع المدني السوداني. فقد كان السودان يمتلك تاريخاً تليداً وحيوياً من العمل المدني والنقابي المستقل، حيث نجحت النقابات المهنية والأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية في قيادة هبات وثورات شعبية متعاقبة لإسقاط الدكتاتوريات العسكرية في الأعوام 1964 و1985 و2019. وقد تجسدت هذه الحيوية خلال ثورة ديسمبر في صعود أجسام مجتمعية مبتكرة، وفي مقدمتها “لجان المقاومة” التي قادت الحراك الثوري الميداني ببراعة ووعي ديمقراطي لافت.
ومع اندلاع الحرب، تعرض هذا الرصيد المدني التاريخي لعملية تجريف وحشية ومزدوجة. فمن جهة، استهدفت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التابعة للجيش، مدعومة بكتائب النظام السابق، الناشطين السياسيين والمهنيين وأعضاء لجان المقاومة، ووجهت لهم اتهامات جاهزة بالخيانة الوطنية والعمالة والتخابر لصالح الدعم السريع، واصفة إياهم بالطابور الخامس أو الخلايا النائمة. ومن جهة أخرى، مارست قوات الدعم السريع بطشاً عارياً بحق الفاعلين المدنيين والكوادر الطبية والمطوعين في مناطق سيطرتها، حيث تعرض العديد منهم للخطف والتعذيب والقتل المباشر تحت ذريعة الموالاة للجيش أو النظام القديم.
أدى هذا القمع المزدوج والمستمر إلى شلل واسع في قدرة الأحزاب السياسية والتحالفات المدنية على التحرك والتأثير الداخلي. يحلل التقرير الأداء السياسي للتحالفات المدنية، وعلى رأسها تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية المعروفة اختصاراً بـ “تقدم”، والتي تأسست عقب اندلاع الحرب برئاسة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك بهدف وقف الحرب واستعادة المسار الديمقراطي. يرى التقرير أن هذه القوى المدنية، بالرغم من جهودها الدولية والإقليمية لإيصال صوت الرافضين للحرب، واجهت تحديات وانقسامات حادة، وتعرضت لحملات تخوين واسعة، وازدادت عزلتها الاجتماعية بفعل اتهامات الانحياز أو التساهل مع الانتهاكات الواسعة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، لا سيما بعد توقيع “إعلان أديس أبابا” في يناير 2024.
إن الضوء الشاحب الوحيد الذي يبرزه التقرير وسط هذه الظلمة الاجتماعية الدامية يتجسد في ظهور شكل جديد وفريد من أشكال التضامن الاجتماعي والتكيف الشعبي، والمتمثل في “غرف الطوارئ” الأهلية والمبادرات القاعدة التكافلية. لقد تنادت مجموعات الشباب والنساء والمتطوعين المستقلين لإقامة شبكات إغاثية محليّة غير مسيسة ولا تمارس أي تمييز أيديولوجي أو عرقي. تولت هذه الغرف إدارة المطابخ التكافلية لتوفير الطعام للعائلات المحاصرة في جحيم القتال، وصيانة شبكات المياه والكهرباء المتردية، وتشغيل المستشفيات والمراكز الطبية الميدانية تحت وابل القصف والقتال، وإجلاء العالقين من مناطق الخطر.
يشير التقرير بتقدير عميق إلى أن نموذج غرف الطوارئ يمثل جوهر رأس المال الاجتماعي الأصيل للشعب السوداني في وجه الكوارث. غير أن هذا النموذج الشعبي العظيم يعمل تحت ظروف بالغة القسوة والخطورة؛ إذ تفتقر هذه الغرف إلى التمويل المستدام والمنتظم في ظل تعثر وصول المساعدات الدولية، فضلاً عن تعرض مطوعيها للاستهداف والاعتقال والتصفية المباشرة من أطراف الحرب الذين يرون في كل فعل مدني مستقل أو تكافلي تهديداً لسيطرتهم النارية ومحاولة لكسر إرادة تجويع المواطنين.
يخلص التقرير في هذا المحور إلى أن التفتيت المجتمعي وشحن خطاب الكراهية العرقي والجهوي عبر الوسائط الإعلامية والشبكات الاجتماعية قد عمق حالة الاستقطاب بين أبناء الوطن الواحد. إن تدمير فرص الحوار الاجتماعي، وغياب آليات العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، وتشريد الملايين في دول الجوار، أسفر عن نزيف عقول وهجرة قسرية غير مسبوقة للكوادر الأكاديمية والطبية والمهنية، مما أفرغ البلاد من طاقاتها البشرية ونخبتها الحية، وجعل استعادة السلم الاجتماعي وإعادة بناء النسيج الأهلي التالف هماً وطنياً جثيماً يحتاج إلى أجيال طويلة وتضحيات جسام لترميم آثاره الغائرة.
الشلل التنموي، عجز الإدارة العامة، والانهيار المؤسسي لخدمات الدولة
التحول نحو دولة حديثة وقابلة للحياة يقتضي وجود أدنى حد من التخطيط التنموي والقدرة الإدارية على إنتاج وتنفيذ السياسات العقلانية. غير أن التقرير يصدم القارئ بتقييمات حادة تنحدر بمؤشرات “القدرة على الإدارة والتخطيط الاستراتيجي” و”كفاءة استغلال الموارد” إلى مستويات تقترب من الصفر الصريح، مما يعكس غياباً كاملاً لسياسات الدولة وتلاشياً لآليات الحوكمة الرشيدة.
يؤكد التقرير أن الفشل الإداري في السودان ليس وليد لحظية القتال الميداني بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، بل هو نتيجة تراكمية لعقود طويلة من المحسوبية، والتمكين الأيديولوجي، وتفصيليات المحاصصة السياسية التي دمرت الخدمة المدنية. فقد عمل نظام البشير طوال ثلاثة عقود على تفتيت المؤسسات البيروقراطية وتفريغها من الكوادر المهنية والخبرات المعتبرة لصالح الولاءات الحزبية والعرقية. وعقب ثورة ديسمبر 2018، ورغم محاولات الحكومة الانتقالية إرساء الإصلاح المؤسسي، جاء انقلاب أكتوبر 2021 ليعيد إحياء شبكات الفساد والتمكين القديمة، متسبباً في إرباك الجهاز التنفيذي وإفقاده المصداقية الداخلية والدولية.
ومع اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023، تحول هذا العجز الإداري إلى انهيار مؤسسي شامل وناجز. يقدم التقرير تحليلاً بليغاً لمفهوم “الدولة الفارة”؛ حيث تداعت هياكل الوزارات والجهات الحكومية المركزية في الخرطوم فور اندلاع القتال، واضطر الجهاز التنفيذي الشليلي للهروب والنزوح الجماعي نحو مدينة بورتسودان في ولاية البحر الأحمر. غير أن هذا الانتقال لم يتضمن إعادة بناء حقيقية للإدارة العامة، بل أنتج سلطة أمراء حرب وإدارة تسيير أعمال مفككة ومجردة من الأدوات التنفيذية والمالية، تعجز عن تحصيل الإيرادات العامة وتفشل في إعداد موازنة أولية للدولة، أو حتى دفع مرتبات موظفي القطاع العام والمعلمين والكوادر الطبية لأشهر طويلة.
تتبدى الصورة الأكثر قسوة لهذا العجز الإداري في الانهيار المريع لخدمات البنية التحتية والقطاعات الخدمية الأساسية. يستعرض التقرير بالأرقام الموثقة الواقع الخدمي المأساوي، مشيراً إلى أن نسب الحصول على مياه الشرب النظيفة، وخدمات الكهرباء، والصرف الصحي، والتي كانت متدنية وأقل من المعدلات الإقليمية قبل الحرب، شهدت انتكاسة كارثية. فقد تسبب القصف المدفعي المتبادل والغارات الجوية في تدمير المحطات الرئيسية لتوليد الكهرباء وتنقية المياه في الخرطوم والجزيرة ودارفور، في حين تحولت المستشفيات والمراكز الصحية إلى ثكنات عسكرية أو أهداف للقصف والتعدي، مما أدى إلى خروج أكثر من ثمانين في المائة من المرافق الصحية عن الخدمة تماماً.
ويشير التقرير إلى أن العجز الحكومي ألقى بأعباء الإغاثة والصحة والتعليم بالكامل على كاهل المنظمات الدولية والأجسام الشعبية الطوعية. بيد أن السلطات القائمة في بورتسودان وسلطات الأمر الواقع التابعة لقوات الدعم السريع لم تكتفِ بالعجز عن تقديم الخدمات، بل مارست عرقلة بائسة وخطيرة لعمليات الإغاثة الإنسانية. يوثق التقرير كيف تحولت تأشيرات الدخول، وتصاريح التحرك الداخلي، وتراخيص عمل المنظمات الأجنبية إلى أسلحة بيروقراطية تستخدمها سلطة بورتسودان لفرض الحصار على المناطق الخاضعة لسيطرة الخصم، لا سيما في الخرطوم ودارفور والجزيرة، بينما مارست قوات الدعم السريع النهب المباشر للشحنات الإغاثية ومخازن برنامج الأغذية العالمي واستهدفت قافلات المساعدات المسيرة.
وعلى صعيد التعليم والتربية، يبرز التقرير كارثة “الجيل الضائع” كإحدى أخطر ثمار الانهيار الإداري والمؤسسي. فمع توقف العملية التعليمية في غالبية الولائيات، تحولت آلاف المدارس ومقرات الجامعات إما إلى مراكز لإيواء النازحين العزل، أو إلى ثكنات ومخازن أسلحة لطرفي القتال، فيما تعرضت المكتبات والوثائق التاريخية والمختبرات للنهب والحرق. أدى هذا الإغلاق الممتد إلى حرمان ما يزيد على تسعة عشر مليون طفل وشاب من حقهم في التعليم، متسبباً في تعطيل النمو الفكري والاجتماعي للجيل الجديد، ومضاعفة مخاطر تسرب الأطفال نحو التجنيد العسكري المباشر ضمن الكتائب والميليشيات، أو العمالة الاستغلالية والزواج القسري للقاصرات.
تظهر القراءة النافذة للتقرير أن غياب الرؤية الاستراتيجية وضفادع الفساد المالي والهيكلي قطعت أي أمل في إحداث تعافٍ تنموي قريب. إن إدارة شؤون الدولة في ظل الحرب أصبحت تدار بمنطق الشلل والإنكار؛ حيث تقتصر أدوار الأجهزة الحكومية المتبقية على إصدار البيانات السياسية وإدارة حروب السرديات، بينما تترك الملايين من المواطنين يواجهون مصيرهم في العراء أمام الجوع والأوبئة الوافدة كالكوليرا وحمى الضنك، دون تسجيل أي مبادرة تنموية أو إصلاحية تعيد إلى المؤسسات احترامها أو تمنح المواطن شعوراً بالانتماء لدولة ترعى حقوقه وتضمن بقاءه.
التدويل الإقليمي، التدخلات الخارجية، وآفاق المستقبل المسدود
السودان، بموقعه الجيوستراتيجي الفريد الممتد بين ساحل البحر الأحمر وعمق القارة الأفريقية وحوض النيل، لم يكن يوماً مجرد جغرافيا معزولة عن مطامع القوى الخارجية. وبدلاً من أن يشكل هذا الموقع ميزة إستراتيجية لجلب الاستثمار والتنمية، تحول بفعل النزاع المسلح إلى الساحة الرئيسية لتصفية الحسابات الإقليمية ومسرحاً لنفوذ القوى العظمى والمحاور المتصارعة.
يقدم التقرير تحليلاً لمستويات “التعاون الدولي والإقليمي” (International Cooperation)، متوجاً هذا المحور بدرجات متدنية للغاية تعكس الفشل الذريع للوساطات الدبلوماسية وغياب الإرادة السياسية لدى القادة العسكريين لحجم معاناة شعبهم. يوضح التقرير كيف أصبحت الأزمة السودانية ضحية لتشتت المبادرات الخارجية وتضارب أجندات الدول الراعية لها. فمنذ الأيام الأولى للحرب، انطلقت مسارات تفاوضية متعددة، مثل “منبر جدة” برعاية الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية، ومبادرات “الهيئة الحكومية للتنمية” (إيجاد)، والاتحاد الأفريقي، ومؤتمرات دول الجوار؛ إلا أن جميع هذه المسارات اصطدمت بحالة من التعنت والتعطيل الممنهج من طرفي الصراع اللذين راهنا باستمرار على حسم المعركة عسكرياً على الأرض بدلاً من تقديم تنازلات تاريخية لحقن دماء المدنيين.
يكشف التقرير عن طبيعة التدخلات الخارجية التي أسهمت في صب الزيت على نار الحرب وإطالة أمدها وتغذيتها المادية. يوثق التقرير كيف تحول السودان إلى سوق مفتوح للعتاد العسكري والأسلحة المتطورة والتكنولوجيا القتالية الحديثة، بما في ذلك الطائرات المسيرة والأنظمة السيبرانية التي جرى تدفقها عبر الحدود والشبكات السريّة. لقد اعتمدت قوات الدعم السريع على خطوط إمداد معقدة تعبر منافذ الحدود مع دول الجوار الإقليمي في غرب ووسط أفريقيا، بدعم من شبكات مالية وشركات تجارية خاصة بالذهب تتخذ من بعض الموانئ والعواصم الإقليمية مقراً لها، إضافة إلى الاستعانة بالمرتزقة والشركات الأمنية الخاصة العابرة للحدود.
في المقابل، نجحت القوات المسلحة السودانية في بناء وتحصين التحالفات الدبلوماسية والعسكرية الإقليمية لتعزيز موقفها الميداني. يوضح التقرير كيف سعت السلطة القائمة في بورتسودان إلى استعادة وتعميق علاقاتها مع قوى إقليمية ودولية بارزة مثل إيران وروسيا وتركيا ومصر، حيث أثمرت هذه التحالفات عن تزويد الجيش بأسلحة ثقيلة وطائرات مسيرة نوعية قلبت موازين السيطرة في بعض الجبهات الحضرية، مقابل تقديم وعود وإغراءات إستراتيجية تضمن لهذه القوى نفوذاً مستقبلياً وقواعد لوجستية على ساحل البحر الأحمر وفي الموانئ السودانية الحيوية.
إن هذا التدويل المتزايد للصراع أدى، بحسب قراءة التقرير الصارمة، إلى سلب القرار الوطني وسلب إرادة القوى السودانية المستقلة، وتحويل الحرب من نزاع داخلي على السلطة إلى حرب بالوكالة تخوضها أطراف محلية تنفذ أجندات جيوستراتيجية لأطراف خارجية. وفي ظل هذا الاستقطاب، أضحت قرارات فرض حظر السلاح الصادرة عن مجلس الأمن الدولي مجرد حبر على ورق، وتهاوت مصداقية المنظومة الدولية وأجهزتها الأممية العاجزة عن فرض حماية حقيقية للمدنيين أو إجبار الطرفين على فتح معابر آمنة ومستدامة لمرور القوافل الإنسانية دون شروط أو قيود.
ينتهي تقرير (BTI 2026) إلى إيقاع تحليلي شديد القتامة والتحذير حول آفاق المستقبل السوداني. إن السيناريو الأقرب للتحقق في ظل المعطيات الراهنة واستمرار تعنت الطرفين هو تجذر حالة “ليبيا” أو “الصوملة”؛ أي تحول البلاد بشكل دائم إلى دويلات أمر واقع ممزقة تنعدم فيها السيادة الوطنية، وتدار بواسطة ميليشيات وعصابات جنائية وشبكات تهريب تعتاش على اقتصاد الحرب والجريمة العابرة للحدود. إن هدم البنية التحتية، وتجريف القطاعات الإنتاجية، وإفقار الملايين، وإحياء الضغائن العرقية والجهوية، أوجد بيئة خصبة لإعادة إنتاج الفوضى وجعل عملية التعافي وإعادة الإعمار تتطلب عقوداً طويلة ودعماً دولياً وهيكلياً هائلاً يتجاوز الإمكانيات المتاحة حالياً.




