“أسباب الخسائر في النهج القتالي لدى الدعم السريع
وهم التفوق وانهيار البنية المليشياوية

يشكل الصراع الدائر في السودان نقطة تحول مفصلية لا تقتصر تداعياتها على الداخل السوداني فحسب، بل تمتد لتؤثر بعمق على الاستقرار الإقليمي لمنطقة شرق إفريقيا والعمق الاستراتيجي لحوض النيل. وفي قلب هذا المشهد الجيوسياسي المعقد، تبرز أهمية تفكيك البنية القتالية والتنظيمية للقوات المتمردة لفهم مآلات الحرب وإمكانيات استعادة استقرار الدولة المركزية. وفي هذا السياق، تقدم دراسة الباحث عباس محمد صالح عباس، الصادرة عن منتدى العاصمة للدراسات السياسية والمجتمعية تحت عنوان “تحليل أسباب الخسائر في النهج القتالي لدى الدعم السريع في السودان”، تشريحا دقيقا للتناقضات الهيكلية التي تعاني منها هذه القوات. تسلط الدراسة الضوء بأسلوب تحليلي عميق على كيف أن التكتيكات القتالية التي منحت المليشيا تفوقا مؤقتا في بداية التمرد الذي انطلق في الخامس عشر من أبريل من عام 2023، هي ذاتها التي أدت إلى تكبدها خسائر بشرية وميدانية كارثية على المدى المتوسط والطويل.
لقد اعتمدت قوات الدعم السريع في هجومها الأولي على أسلوب قتالي يعتمد على “الأمواج البشرية” والكثافة النيرانية العالية، مع استغلال خفة الحركة التي توفرها سيارات الدفع الرباعي والدراجات النارية لتنفيذ عمليات الالتفاف السريع ونصب الكمائن. هذا النهج العملياتي مكنها في البدايات من تحقيق اختراقات ميدانية ملموسة، والسيطرة شبه الكاملة على أحياء العاصمة، ومحاصرة مقار حيوية تابعة للقوات المسلحة السودانية داخل الخرطوم لعدة أشهر متواصلة. غير أن هذا التفوق التكتيكي السريع كان يحمل في طياته بذور فنائه، حيث أظهرت مسارات المعارك اللاحقة أن هذه التكتيكات لم تخل من ثغرات قاتلة استنزفت المليشيا بشكل غير مسبوق في تاريخ التمردات المسلحة في المنطقة. وتوضح الدراسة بشفافية أن الخسائر البشرية الفادحة في صفوف مقاتلي الدعم السريع تقترب في حجمها المهول من أعداد القتلى العسكريين في حرب الجنوب الثانية الممتدة لعقدين، أو في التمرد الطويل في إقليم دارفور، وهو ما يعكس استهتارا واضحا ولا مبالاة من قبل قيادة المليشيا بأرواح عناصرها وقيمتهم الإنسانية.
من أبرز الإشكاليات الهيكلية العميقة التي يناقشها التقرير هي ارتهان الدعم السريع لنظام “الفزع”، وهو في أصله تقليد عشائري متجذر لدى المجتمعات العربية في دارفور وكردفان، يُستخدم عادة للتعبئة المحلية المحدودة لنصرة أبناء العمومة في النزاعات القبلية العابرة. لقد تم تحوير هذا التقليد الاجتماعي ليصبح العقيدة العسكرية الأساسية لمليشيا يقدر قوام نواتها الصلبة بنحو مائتي ألف مقاتل، يضاف إليهم أعداد هائلة وغير محصورة من المستنفرين والمتطوعين. ورغم أن هذا النظام العشائري وفر للمليشيا قدرة استثنائية على الحشد البشري وسد الفراغ الأمني السلطوي الذي استغلته في هشاشة بعض المناطق والحدود الإقليمية، إلا أنه افتقر تماما إلى جوهر العمل العسكري والمتمثل في الانضباط والالتزام والتراتبية القيادية الصارمة التي تميز الجيوش النظامية الحديثة. هذا الغياب التام للانضباط أدى إلى ارتكاب المليشيا جرائم وفظائع واسعة النطاق بحق المدنيين والأسرى، مما جردها من أي مشروعية سياسية أو أخلاقية يمكن البناء عليها مستقبلا، وحول قوات “الفزع” إلى مجرد عبء ثقيل ومكلف على القيادة المركزية التي فقدت السيطرة الفعلية على توجيه مجاميعها.
تتعمق الدراسة في تحليل الطبيعة المليشياوية المتأصلة في الدعم السريع، مؤكدة أن بنيتها القائمة على أساس قبلي ضيق وطموحات أسرية احتكارية لعائلة دقلو تجعل من المستحيل بنيويا تحولها إلى قوة نظامية حقيقية أو تقديمها كنموذج صالح للحكم وإدارة مؤسسات الدولة. فهذه الطبيعة الهجينة تتعارض بشكل جوهري مع أبسط أسس ومفاهيم الدولة الحديثة القائمة على سيادة القانون، وتوحيد القيادة، والمساءلة القانونية. وقد تجلى هذا السلوك الإجرامي المنفلت بوضوح بعد اندلاع الحرب، حيث مارست المليشيا عمليات نهب واسعة وممنهجة للممتلكات العامة والخاصة ومقار الأمم المتحدة، في تجاهل تام لأبسط قواعد القانون الدولي الإنساني. بل إن هذه الطبيعة الفوضوية أثرت سلبا على كفاءة المليشيا في التوظيف العسكري الفعال، وأفقدتها القدرة على إدارة مخزوناتها من الأسلحة والمعدات المتطورة التي تلقتها من أطراف خارجية، مما أضعف قدرتها على الاحتفاظ بالمناطق التي سيطرت عليها في مواجهة تكتيكات الاستنزاف المنهجية التي طبقتها القوات النظامية ببراعة عبر محاور متعددة.
وتشير مراجعة هذا التقرير إلى أن استراتيجية المليشيا لم تقتصر على تكتيكات حرب المدن المعقدة، بل استنسخت أيضا نمط “حروب الصحراء” المنتشر والمقلق في منطقة الساحل الإفريقي الكبير، والذي يعتمد في جوهره على الهجمات السريعة، والالتفاف، وتكتيك “اضرب واهرب” دون التمسك التكتيكي بالبقاء في الأرض أو الدفاع المستميت عنها. هذا النمط القتالي يتناغم بسلاسة مع الطبيعة البدوية للقبائل والعشائر المنخرطة في هذا التمرد، والتي تعتمد أصلا على حرية التنقل العابر للحدود والتحرر الكامل من قيود الحكومات المركزية. ومع استجلاب أعداد كبيرة من المرتزقة من دول الجوار مستغلين رخاوة الحدود، تحولت المليشيا عمليا إلى مظلة فضفاضة تضم حركات متمردة ومجموعات إجرامية متعددة الأهداف. وقد رافق ذلك استغلال تكتيكي من قيادة الدعم السريع لنظام “العقداء” – وهم القادة الميدانيون للقبائل الذين ينظمون التعبئة العشائرية – لاستدامة عمليات التجنيد عبر إغداق الأموال الطائلة وشراء الولاءات فيما أطلق عليه ببراعة “سوق الولاءات السياسية” في دارفور. هذا الاعتماد المفرط على قوة المال والعصبية القبلية لضمان تدفق مستمر للمقاتلين، أسس في الوقت ذاته لانهيار هيكلي حتمي، حيث ارتبط الولاء بالغنيمة والمصلحة المادية المباشرة وليس بعقيدة وطنية أو عسكرية متماسكة يمكن الصمود بها في حروب الاستنزاف الطويلة.
لقد أدى تطبيق نظام المجموعات الاستقطابي هذا إلى نشر فوضى عارمة وتقويض شامل لسلطة القانون في جميع المناطق التي تمددت فيها المليشيا، حيث تم الزج بمقاتلين يفتقرون لأبسط قواعد التدريب العسكري، بل وأحيانا من الأطفال والقصر، في جبهات قتال مستعرة دون أي اعتبار لقواعد الاشتباك. ومع انخراط هؤلاء المقاتلين في منظومة اقتصاد حرب موازٍ مبني على النهب المنظم والممنهج لتوفير البديل للرواتب النظامية، تحول الدعم السريع من مجرد قوة عسكرية خارجة عن القانون إلى تنظيم ريادي يعتمد كليا على التراكم الجشع للموارد المنهوبة. هذا التشظي العميق في هيكل القيادة والسيطرة، والاعتماد المتزايد على عصابات تسعى للغنائم حصرا – والمعروفة في السياق المحلي بمجموعات “أم باغة” – جعل من شبه المستحيل التوصل إلى أي التزام حقيقي وجاد بوقف إطلاق النار أو الهدن الإنسانية، نظرا لغياب السيطرة الفعلية والمطلقة على هذه الفصائل المتناثرة والمتعددة الدوافع.
نغوص في البعد السوسيولوجي والنفسي الذي شكل المحرك الأساسي لحشد المقاتلين، وهو ما يبرزه التقرير بوضوح من خلال استعراضه لـ “عقيدة الثأر” كمحفز قتالي فتاك. لقد أدركت قيادة المليشيا أن السيطرة على العقول والقلوب في المجتمعات القبلية، وتحديدا لدى القبائل العربية في مناطق كردفان ودارفور، لا تتأتى فقط عبر الإغراء المالي، بل من خلال استغلال أعمق الغرائز الاجتماعية تجذرا؛ ألا وهي عقيدة الثأر التي نمت وترعرعت في بيئة اتسمت بدوامة مستمرة لا تنتهي من الصراعات القبلية الداخلية. في هذه المجتمعات، لا يعتبر الثأر مجرد رد فعل انفعالي، بل هو مؤسسة اجتماعية قائمة بذاتها؛ إذ يُعد أخذ الثأر للفقيد الذي يسقط في الصراعات والمواجهات العنيفة مع الخصوم والمنافسين مدعاة للفخر ومصدرا للتقدير الاجتماعي والرفعة، بينما يُنظر إلى التخلي عن هذا الواجب العرفي على أنه عار لا يُمحى وخذلان لا يُغتفر.
ومن خلال هذا الفهم العميق للديناميكيات القبلية، تحولت عقيدة الثأر من نطاقها الفردي أو العائلي الضيق لتصبح قرارا جماعيا مصيريا تتخذه القبيلة بأكملها، متجاوزة أولياء الدم المباشرين، ليصبح التزاما أخلاقيا واجتماعيا صارما لا يجوز التراجع عنه مهما تطاول الزمن وتعددت الأجيال. وقد استغلت مليشيا الدعم السريع هذه الآلية ببراعة شيطانية؛ فمع كل قتيل يسقط في ساحات المعارك ضد القوات المسلحة، كان يتم استنفار أهله وأفراد قبيلته للانخراط الفوري في الحرب تحت ذريعة “أخذ الثأر”، مما خلق آلة تجنيد ذاتية الدفع لا تنضب. وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري والخطير الذي تلعبه “الحكامات”، وهن النساء اللواتي يحترفن إنشاد الشعر الحماسي، سواء في المدح أو الذم، حيث تحولن إلى ما يشبه الآلة الإعلامية والنفسية الفعالة التي تعمل على إذكاء روح الثأر وتأجيج الحمية القبلية إلى درجاتها القصوى، بما يدفع الرجال والشباب إلى الاندفاع الأعمى نحو القتال والتضحية بالنفس في سبيل رفع شأن الجماعة، حتى لو كان الثمن هو سقوط العشرات أو المئات من القتلى في هجمات غير محسوبة العواقب.
إلا أن التقرير يكشف عن المفارقة المأساوية والفارق الجوهري بين ممارسة الثأر في سياقه التقليدي المحدود ضمن الصراعات المحلية، وبين توظيفه في سياق حرب شاملة ومفتوحة وتمرد واسع النطاق على الدولة المركزية؛ ففي الحالة الأخيرة، أسفر هذا التوظيف عن مستويات كارثية وغير مسبوقة من الخسائر البشرية. لقد أدت الاستجابة الجماعية المتواصلة من قبل الأسر والعائلات لنداء الثأر إلى إهلاك مجتمعات بأكملها، وهو ما بدأ ينعكس على شكل تململ واستياء واسع النطاق بين عناصر المليشيا أنفسهم، الذين أدركوا – ربما بعد فوات الأوان – حجم الكارثة التي حلت بهم وبأحبائهم الذين سقطوا بأعداد ضخمة جدا أو تحولوا إلى معاقين يحملون إعاقات دائمة ستلازمهم وتثقل كاهل مجتمعاتهم لبقية حياتهم.
ولم تكتف قيادة الدعم السريع باستغلال عقيدة الثأر، بل سعت إلى تأطير تمردها ضمن مشروع سياسي واجتماعي أوسع، يعتمد على إحياء النزعات العصبية القبلية وخلق هوية جامعة متخيلة تحت مسمى “دولة العطاوة” أو “دولة الجنديين”. هذا المشروع العرقي الخطير استهدف تعبئة مجموعة من القبائل التي تنتسب إلى الجد المشترك “عطية”، والتي تشمل قبائل ذات ثقل ديموغرافي وعسكري كبير مثل الرزيقات والمسيرية والحوازمة وأولاد راشد، بالإضافة إلى بطون وأفخاذ أخرى، حيث تم حشدهم وتأطيرهم أيديولوجيا حول هذا الهدف الانفصالي والاستعلائي. وتمددت هذه الدائرة العصبية لتشمل قبائل أخرى تشترك معها في نمط الحياة الرعوي، مثل التعايشة وبني هلبة وبقية مكونات قبائل البقارة والأبالة، بل وتجاوزت الإطار العربي لتستقطب قبائل غير عربية متحالفة معها مثل البرقد والفلاتة، مما يعكس البراغماتية الانتهازية في عمليات التحشيد.
تطورت هذه العصبية القبلية لتأخذ طابعا أيديولوجيا أطلق عليه البعض مصطلح “القريشية الجديدة”، وهي نزعة خطيرة تسعى إلى تأسيس سردية عصبية جديدة تبرر التمرد المسلح على الدولة المركزية تحت دعاوى تصحيح مظالم تاريخية مزعومة. وقد تجلى الطموح الإمبراطوري لهذا المشروع في أبعاده الاستيطانية الواضحة، التي كانت تهدف إلى إحداث تغيير ديموغرافي جذري وشامل في بنية الدولة السودانية. لقد كان الشعار المثالي لهذا المشروع العرقي جاذبا بقوة لقبائل ومجموعات تقطن خارج الحدود الجغرافية للسودان، لا سيما في الدول التي تشهد امتدادات طبيعية لقبائل العطاوة مثل تشاد وليبيا ومالي والنيجر وموريتانيا، وهي المجموعات التي بات يُطلق عليها في القاموس السياسي الحديث مصطلح “عرب الشتات”. هذا المصطلح، الذي صكه وزير الخارجية الأسبق الدكتور الدرديري محمد أحمد، يعكس كيف أن مشروع قائد المليشيا، محمد حمدان دقلو، قد لامس وتجاوب مع الطموحات والأحلام القومية المدفونة لهذه المجتمعات التي تعيش في دولها كأقليات مهمشة فعليا أو حتى افتراضيا. ونتيجة لهذا التحشيد العابر للحدود، تدفقت موجات بشرية هائلة من الشباب والمقاتلين الأشداء من دول الساحل والصحراء للمشاركة في حرب السودان تحت راية الدعم السريع، مدفوعين بحماس منقطع النظير وإلهام من شخصية “حميدتي” التي صورت لهم كمنقذ وباني مجد جديد.
ومع ذلك، فإن هذا التحشيد الهائل والموارد البشرية المتدفقة لم تكن لتصمد في وجه آلة الحرب النظامية لولا الارتباط العضوي والتبعية المطلقة للقوى الخارجية، وتحديدا الدعم الإماراتي. لقد تحولت مليشيا الدعم السريع، بما تمتلكه من قدرة على الحشد والقتال الشرس، إلى أداة تنفيذية بالغة الفعالية ضمن مشروع إقليمي أوسع تقوده دولة الإمارات في السودان؛ مشروع يهدف في جوهره إلى إحكام السيطرة التامة على مقاليد الحكم في البلاد، والإطاحة الحاسمة بمؤسسة القوات المسلحة الوطنية، واجتثاث التيار الإسلامي من المشهد السياسي، تمهيدا لدمج السودان القسري في ما يُعرف بـ “الحلف الإبراهيمي”، وهو التحالف الذي تسعى أبوظبي من خلاله إلى هندسة نظام إقليمي جديد يخضع لزعامتها المطلقة في منطقة الشرق الأوسط. في هذا السياق الجيوسياسي المعقد، وفي خضم الموجة الإقليمية الارتدادية التي أعقبت ثورات الربيع العربي، تم تسويق “حميدتي” في الأروقة الخليجية كحليف استراتيجي وكرجل المرحلة الأقدر على تصفية نفوذ حركات الإسلام السياسي والإخوان المسلمين في العاصمة الخرطوم.
لقد أدت هذه الطبيعة المليشياوية، المتجذرة في مجتمعات هشة يسهل التلاعب بها وتعبئتها، وامتداداتها القبلية العابرة للحدود الوطنية، مقترنة بالنفوذ الهائل لقائدها الذي كان يعتبر الحاكم الفعلي للبلاد قبل تمرده، إلى انكشاف مروع للأمن القومي السوداني أمام التدخلات الخارجية السلبية. وأصبحت قوات الدعم السريع التجسيد الفعلي والأكثر فجاجة لنمط من السياسة الخارجية الإماراتية التي تعتمد على الاستثمار في المجموعات المسلحة غير النظامية، والعمل المنهجي على تفكيك الجيوش الوطنية النظامية، واستبدالها بمليشيات طيعة وموالية لها تنفذ أجنداتها بتكلفة سياسية منخفضة.
ومع تعثر المليشيا ميدانيا وفشلها الذريع في حسم المعركة والسيطرة على مقاليد السلطة عبر الانقلاب الخاطف الذي خططت له ضد قيادة القوات المسلحة، وتحول النزاع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تدور رحاها على جبهات متعددة ومعقدة، وجدت قيادة الدعم السريع نفسها في مأزق وجودي لا مخرج منه سوى الهروب إلى الأمام. اضطرت هذه القيادة إلى مضاعفة جهودها في تعبئة حواضنها الاجتماعية والمحلية، وتسريع وتيرة جلب المرتزقة الأجانب من دول الجوار لضمان استمرارية الزخم القتالي وتغطية النقص البشري المروع. غير أن هذا الاستمرار كان مرهونا بشكل كلي وحاسم بتدفق الدعم اللوجستي والعسكري الإماراتي، الذي بدونه كان من المستحيل على هذه المجموعات الفوضوية الصمود عسكريا أمام تكتيكات القوات النظامية، أو الصمود اجتماعيا أمام الارتدادات والتداعيات الكارثية داخل المجتمعات المحلية التي تم توريطها في هذا الصراع العبثي. فالتقرير يؤكد بجلاء أن العصبية القبلية وحدها لا تكفي كضامن وحيد ودائم للولاء والانضباط، لا سيما في ظل الانقسامات الاجتماعية والسياسية العميقة التي تعتري تلك المجتمعات الهشة.
لقد بدأت تشققات هذا المشروع تظهر للعلن بوضوح مع تصاعد وتيرة الاستنزاف العسكري وتراكم الخسائر البشرية المهولة؛ حيث تراجع الحماس الأولي وخبت جذوة الرغبة في القتال لدى الكثيرين، لتطفو على السطح توترات داخلية خطيرة وصراعات بين أبناء القبائل المختلفة المنضوية تحت لواء التمرد. وبرزت إلى الواجهة قلاقل عميقة في المجتمعات المحلية، تجسدت في شكاوى متزايدة من التهميش المتعمد والممنهج داخل الهياكل القيادية للمليشيا، وانعدام الإنصاف في توزيع الرواتب والمنهوبات، والضعف المريع في تقديم الدعم اللوجستي والرعاية الصحية الأساسية للجرحى والمصابين الذين تتزايد أعدادهم باطراد، فضلا عن التذمر المتصاعد من التأخير والمماطلة في دفع الديات والتعويضات المالية لأسر القتلى، في ظل عجز هيكلي عن تلبية الطلبات مع التزايد الفلكي لأعداد المستفيدين.
وفي محاولة يائسة لتدارك هذا التآكل الداخلي وتوسيع قاعدة التعاطف الشعبي، لجأت قيادة الدعم السريع، مدعومة بنخب سياسية متماهية معها، إلى توظيف واستنساخ خطاب “الهامش”؛ وهو الخطاب الأيديولوجي الذي شكل لعقود طويلة جوهر الصراع السياسي والمسلح بين حركات التمرد الإقليمية في الأطراف والحكومات المركزية المتعاقبة في العاصمة الخرطوم. وبناء على هذه السردية، رفعت المليشيا شعارات شعبوية طنانة تدعو إلى القضاء على ما أسمته بـ “دولة 56″، في إشارة واضحة ومباشرة إلى بنية الدولة الوطنية المركزية التي تأسست وتكرست بعد إعلان استقلال السودان عن التاج البريطاني في عام 1956. بعد أن أدركت المليشيا استحالة حسم المعركة العسكرية وتهاوي مخططها الانقلابي على القوات المسلحة، سارعت إلى استدعاء مظلومية “الهامش” التاريخية لابتزاز مشاعر مجتمعات الأطراف، محاولة تلميع صورتها الإجرامية وتصوير تمردها الدموي على أنه الامتداد الطبيعي والتجسيد المعاصر لصراعات الهامش الطويلة ضد هيمنة “المركز”.
وقد عمدت هذه السردية المضللة إلى اختزال الدولة المركزية ومؤسساتها العريقة ومساواتها بمجموعات سكانية محددة تقطن في وسط وشمال البلاد، والتي تُعرف في القاموس السياسي الشعبي بـ “الجلابة”، متهمة إياها بالاستئثار التاريخي والحصري بالامتيازات والموارد والثروات منذ فجر الاستقلال. ورغم سطحية هذا الخطاب وتناقضاته، إلا أنه حقق نجاحا جزئيا في دغدغة عواطف بعض المجموعات والحركات المسلحة والقبائل، ودفعها للانضمام إلى صفوف التمرد تحت هذا الغطاء الأيديولوجي الزائف. وتكمن المفارقة الصارخة والسخرية السياسية المرة في هذا المشهد، في أن النخب والمجموعات القيادية التي تتبنى هذا الخطاب وتقود مشروع الدعم السريع اليوم، كانت حتى اللحظات الأخيرة التي سبقت إطلاق رصاصة التمرد الأولى، جزءا لا يتجزأ من صميم “المركز” بمفهومه السياسي والاقتصادي الأوسع؛ فقد نالت قيادات المليشيا – كأبرز مثال على ذلك – أشكالا غير مسبوقة من التمكين المطلق والدعم والنفوذ، واستحوذت على مقاليد السلطة والثروة بطرق غير مشروعة، حتى تحولت إلى طبقة أوليغارشية شديدة الثراء دون أن تستند في صعودها إلى أي مبررات سياسية أو اقتصادية منطقية وواضحة المعالم. بل إن الصعود الصاروخي والمفاجئ لقائد المليشيا، محمد حمدان دقلو، وحصوله على أرفع الرتب العسكرية واحتكاره لأعلى درجات السلطة والثروة، لم يجعله مجرد الرجل الثاني في هيكل الدولة، بل كان هو الحاكم الفعلي والآمر الناهي في البلاد تقريبا طوال المرحلة الانتقالية التي أعقبت التغيير السياسي في أبريل 2019 وحتى اندلاع التمرد في أبريل 2023؛ وهو صعود لم يكن نتاجا لعبقرية ذاتية أو قوة مجتمعية قبلية مجردة، بقدر ما كان نتاجا مباشرا لسياسات وتناقضات وأخطاء “المركز” ذاته الذي يدعي اليوم محاربته وتفكيكه.
بالانتقال من التحليل السوسيولوجي والسياسي إلى عمق الممارسة الميدانية، يكشف التقرير عن مفارقة تقنية وعسكرية بالغة الأهمية كانت سبباً رئيساً في نزيف الأرواح داخل صفوف المليشيا؛ وهي الفجوة الهائلة بين التطلعات “الإمبراطورية” لقيادتها وبين الواقع البدائي لإدارتها اللوجستية والطبية. فبينما كانت المليشيا تروج لنفسها كقوة حديثة مجهزة بأحدث تقنيات الدفع الرباعي والأسلحة الخفيفة والمتوسطة، أظهرت المعارك الطويلة في الخرطوم ومدن أخرى عجزاً بنيوياً في “ثقافة الاستبقاء”؛ أي القدرة على الحفاظ على العنصر البشري حياً ومنتجاً قتالياً. إن النهج القتالي الذي اتبعته المليشيا، والذي اعتمد بشكل أساسي على “الصدام المباشر” والاقتحامات الانتحارية للمواقع العسكرية الحصينة، جعل من الفرد مجرد رقم في معادلة استنزاف لا تنتهي.
ويشير التقرير بوضوح إلى أن أحد أكبر أسباب تفاقم الخسائر البشرية هو الانهيار الكامل للمنظومة الإخلاء الطبي والتمريض الميداني. ففي الوقت الذي تمتلك فيه الجيوش النظامية بروتوكولات صارمة تبدأ من الإسعاف الأولي في نقطة الاشتباك وصولاً إلى المستشفيات الميدانية والقواعد الخلفية، تركت مليشيا الدعم السريع جرحاها يواجهون مصيرهم في بيئات تفتقر لأبسط المقومات الصحية. وقد تحولت البيوت المنهوبة والمقار المدنية التي احتلتها المليشيا إلى “مقابر مؤجلة” للجرحى، حيث تسببت الإصابات التي كان يمكن علاجها في ظروف طبيعية في وفيات جماعية نتيجة للغرغرينا، والنزيف الحاد، وانعدام المضادات الحيوية والمسكنات. هذا الإهمال لم يكن مجرد قصور تقني، بل كان انعكاساً للعقلية المليشياوية التي ترى في المقاتل مادة استهلاكية متجددة عبر “الفزع” القادم من الصحراء، مما خلق حالة من اليأس الصامت بين القادة الميدانيين الصغار الذين شاهدوا رفاقهم يموتون ببطء دون أدنى محاولة لإنقاذهم.
وعلى الصعيد التكتيكي، يحلل التقرير “فشل التكيف” لدى المليشيا أمام التغيير الجذري في استراتيجية القوات المسلحة السودانية. ففي الأشهر الأولى، اعتمدت المليشيا على عنصر المفاجأة والانتشار الكثيف في الأحياء السكنية، محتمية بالمدنيين والأعيان المدنية، وهو ما حدّ من قدرة الجيش على استخدام ثقله النيراني من طيران ومدفعية. غير أن إطالة أمد الحرب حولت هذه “الميزة” إلى عبء؛ إذ تحولت المليشيا من قوة مهاجمة ذات حركة سريعة إلى قوة مداكنة ثابتة داخل مبانٍ محاصرة، مما جعلها هدفاً سهلاً لعمليات القنص والمسيرات الانتحارية والعمليات الخاصة النوعية. لقد سقطت المليشيا في فخ “الاحتلال الساكن”، حيث استنزفت قواتها في حراسة منازل ومنشآت لا قيمة استراتيجية لها، بينما كان الجيش يتبع استراتيجية “التآكل الممنهج”، منتزعاً زمام المبادرة عبر قطع خطوط الإمداد الطويلة والممتدة من غرب البلاد إلى وسطها، وهي الخطوط التي أصبحت مع مرور الوقت “طرق موت” تحت رحمة الطيران الحربي.
ومن الملامح الهامة التي يتوقف عندها التقرير، هي مسألة “تلاشي الخبرة القتالية”. فمع سقوط النخبة من المقاتلين والمدربين القدامى في المواجهات الأولى، اضطرت المليشيا للاعتماد بشكل كلي على “المستنفرين” والشباب القادمين من مناطق الرعي الذين يفتقرون لأي تدريب عسكري مؤسسي. هؤلاء المقاتلون الجدد دخلوا المعارك بعقلية “الصيد” أو “الغزو القبلي” التقليدي، حيث الاندفاع المتهور والافتقار لأساسيات التغطية النارية والتمويه العسكري. وقد أدى هذا “التجنيد المتسارع” إلى مجازر حقيقية في صفوفهم، خاصة عند محاولتهم اقتحام معسكرات سيادية مثل “المدرعات” أو “المهندسين”، حيث واجهوا جدراناً من النيران المنظمة التي لا تجدي معها شجاعة الفرد أو حماسه القبلي نفعاً. إن هذا النزيف البشري الذي لم يتوقف، أحدث فجوة ديموغرافية في المجتمعات المحلية في دارفور وكردفان، حيث بدأت قرى وبطون قبيلة كاملة تفقد جيل الشباب، مما ينذر بكارثة اجتماعية واقتصادية ستستمر تداعياتها لعقود، وهو ما يصفه التقرير بـ “انتحار المكون الاجتماعي” تحت ضغط الطموح السياسي الضيق.
علاوة على ذلك، يتطرق التقرير إلى تحول الدوافع القتالية من الأيديولوجيا السياسية المدعاة إلى “اقتصاد المنهوبات” كعامل استنزاف ذاتي. فعندما يصبح الهدف الرئيس للمقاتل هو الحصول على الغنيمة المادية السريعة (سيارات، ذهب، أموال)، يتراجع الاهتمام بالأهداف العسكرية الاستراتيجية. وقد رصد التقرير حالات عديدة من التنافس والصراع البيني داخل فصائل المليشيا حول تقسيم المسروقات، بل ووصل الأمر إلى انسحاب مجموعات كاملة من جبهات القتال بمجرد حصولها على قدر كافٍ من المنهوبات لتأمينها في مناطقها الأصلية. هذا التسيُّب المهني جعل من المليشيا جسماً مترهلاً غير قادر على الصمود في معارك تتطلب نفساً طويلاً وانضباطاً حديدياً. فالمقاتل الذي يحارب من أجل “شاشة تلفاز” أو “سيارة مسروقة” لن يثبت في خندق يواجه قصفاً جوياً عنيفاً، وهذا ما يفسر الانهيارات المتلاحقة للمليشيا في مواقع كانت تعتبرها حصوناً لا تُقتحم.
إن الاستقراء العميق لهذه المعطيات يضعنا أمام مشهد تفكك بنيوي؛ فالمليشيا التي ظنت أنها ستمتلك الدولة عبر صدمة عسكرية خاطفة، وجدت نفسها غارقة في “مستنقع حضري” استنزف مواردها البشرية واللوجستية. ويختم هذا الجزء من التحليل بالتأكيد على أن الخسائر في النهج القتالي للدعم السريع لم تكن مجرد نتيجة لقوة الخصم فحسب، بل كانت نتاجاً طبيعياً لتصادم عقلية “المؤقت والبدائي” مع حتمية “الدائم والنظامي”. إن الرهان على الكثرة العددية والعصبية القبلية أثبت فشله أمام مؤسسة الدولة التي، رغم كل التحديات، تظل تمتلك النفس الأطول والشرعية القانونية والقدرة على إعادة تنظيم صفوفها، بينما تظل المليشيا رهينة لداعميها في الخارج وتقلبات الولاءات في الداخل، وهو وضع لا يمكن أن يؤدي إلا إلى مزيد من التشظي والانهيار.




