تمرد “الإنسان الأخير”: كيف تحولت الرفاهية إلى غضب يهدد الديمقراطية؟

يقدم المفكر والباحث السياسي البارز فرانسيس فوكوياما في مذكراته الحديثة التي تحمل عنوان “في عالم الإنسان الأخير” (In the Realm of the Last Man) سردية استثنائية تمزج بين التأمل الفلسفي العميق والسيرة الذاتية الحميمية. هذا العمل لا يمثل مجرد سرد لمحطات حياة كاتب وأكاديمي مرموق، بل هو قراءة تشريحية للتحولات الجيوسياسية والاجتماعية التي عصفت بالعالم والولايات المتحدة على وجه الخصوص.، يفتتح فوكوياما كتابه بمواجهة مباشرة مع اللحظة السياسية الراهنة، قبل أن يعود بنا إلى جذوره العائلية وبداياته الفكرية.
يبدأ فوكوياما مذكراته بحدث سياسي مزلزل أعاد تشكيل المشهد العالمي؛ ففي العشرين من يناير لعام 2025، أدى دونالد جيه. ترامب اليمين الدستورية ليصبح الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية. يرى الكاتب أن هذه الولاية الثانية لترامب مثلت انزياحاً وتحولاً كبيراً في مسار السياسة العالمية. يذكرنا فوكوياما بأن الولايات المتحدة هي أقدم ديمقراطية ليبرالية وأكثرها رسوخاً في العالم. وعلى الرغم من اعترافه بأن البلاد تمتلك ماضياً متقلباً مليئاً بالانحرافات عن المثُل العليا التي نص عليها إعلان الاستقلال الذي أقر بأن “جميع الرجال خلقوا متساوين”، إلا أنه يؤكد أن أمريكا نجحت على مدار أكثر من 250 عاماً في خلق مساحة ملحوظة واستثنائية للحرية والازدهار الاقتصادي في قارة أمريكا الشمالية. والأهم من ذلك، يوضح الكتاب كيف سعت الولايات المتحدة منذ عام 1945 جاهدة إلى بناء وتأسيس نظام عالمي ليبرالي يسمح للديمقراطيات الليبرالية الأخرى بالازدهار والتفاعل الإيجابي مع بعضها البعض.
إلا أن الإدارة الثانية لترامب، كما يوثق فوكوياما، جاءت لتحدث قطيعة تامة مع هذه التقاليد السياسية العريقة، سواء على الصعيد المحلي الداخلي أو على الصعيد الخارجي. ففي الداخل الأمريكي، اعتمد ترامب في حكمه على سلسلة متتالية من الأوامر التنفيذية، متجاوزاً بذلك الكونغرس ومصدراً إملاءات بدت في ظاهرها غير دستورية أو غير قانونية، أو على أقل تقدير تعكس سوء تقدير بالغ الخطورة. أما على الساحة الدولية، فقد انحاز ترامب بشكل سافر إلى ديكتاتوريات العالم، ضارباً المثل بروسيا، وذلك على حساب حلفاء أمريكا من الديمقراطيات الليبرالية. وبضربه واحدة قاضية، قام بتفكيك النظام الاقتصادي الليبرالي العالمي عبر فرض تعريفات جمركية تعسفية ومفاجئة على الدول الصديقة، متذرعاً بادعاء أن أمريكا تتعرض للاستغلال المنهجي من قبل النظام الاقتصادي العالمي المفتوح الذي ساهمت هي نفسها في خلقه وتأسيسه.
يضع فوكوياما هذا المشهد المأساوي في سياق تراجع ديمقراطي عالمي وصعود مقلق للأنظمة الاستبدادية. ويستحضر مصطلح “الموجة الثالثة” للتحول الديمقراطي الذي صاغه صامويل هنتنغتون، والتي بدأت في أوائل السبعينيات من القرن العشرين. في تلك العقود، ارتفع عدد الديمقراطيات حول العالم من مستوى الثلاثينيات ليصل إلى أكثر من مائة دولة، تزامناً مع سقوط الشيوعية وانفتاح الأنظمة الاستبدادية مثل روسيا والصين. ولكن، وكما يحلل الكتاب ببراعة، بدأت هذه الموجة الثالثة في التراجع والارتداد العكسي في وقت مقارب لاندلاع الأزمة المالية العالمية في عام 2008، ولا تزال في حالة انحسار مستمر منذ ذلك الحين. كان هذا التراجع نتاجاً لنجاح دول استبدادية كبرى مثل روسيا والصين في ترسيخ حكمها الداخلي وسعيها الحثيث لإبراز نفوذها وتوسيعه خارج حدودها.
يستذكر فوكوياما أن واحدة من أعظم التوسعات في تاريخ الحرية الإنسانية حدثت بين سقوط جدار برلين في عام 1989 وتفكك الاتحاد السوفيتي في عام 1991. لكن في عام 2008، أطلقت روسيا تحت حكم فلاديمير بوتين مشروعاً إمبريالياً لاستعادة المجال الحيوي السوفيتي السابق، وشمل ذلك غزو جورجيا في عام 2008 ثم غزو أوكرانيا في عام 2014. تزامنت هذه الفترة أيضاً مع صعود قادة شعبويين قوميين في دول ذات أهمية بالغة، مثل تركيا والهند والمجر والبرازيل وغيرها. ويعتبر فوكوياما أن دونالد ترامب كان الأهم والأخطر بين هؤلاء الشعبويين، حيث شكل انتخابه الأول في عام 2016 إشارة واضحة على تحول عالمي يبتعد عن المبادئ الليبرالية التي بُني عليها النظام السابق. وبعد مرور عدة أشهر على ولاية ترامب الثانية، يرى فوكوياما أنه من الصعب عدم إدراك سعي ترامب لتحويل الولايات المتحدة إلى دولة استبدادية.
يتطرق الكتاب أيضاً إلى الأصوات المتطرفة على كل من اليمين واليسار التي تهاجم صراحة الأفكار الأساسية للنظام الليبرالي. يبدأ ذلك بسياسيين مثل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان الذي يفتخر ببناء “ديمقراطية غير ليبرالية” في بلاده، ويمتد إلى شباب اليسار الذين باتوا يفضلون تعريف أنفسهم كاشتراكيين بدلاً من ليبراليين أو ديمقراطيين اجتماعيين.
أمام هذا الواقع الجديد، يجد فوكوياما نفسه مضطراً للعودة إلى أطروحته الأشهر “نهاية التاريخ؟” التي نُشرت كمقال في صيف عام 1989، ثم ككتاب في عام 1992. يعبر الكاتب عن امتعاضه من الفهم الخاطئ الذي حاصر أطروحته، حيث اعتُبرت تعبيراً عن “انتصار ليبرالي ساذج”. ويشير إلى أنه يُسأل عدة مرات أسبوعياً طوال العقود الثلاثة الماضية عما إذا كان يرغب في التراجع عن حجته. ويرد بمرارة أن أياً من هؤلاء السائلين لم يكلف نفسه عناء قراءة أكثر من عنوان المقال أو الكتاب، وتحديداً الفصول الخمسة الأخيرة التي تناولت معضلة “الإنسان الأخير”. تلك الفصول استكشفت الطرق المختلفة التي قد تنهار بها الديمقراطية الليبرالية في المستقبل، واقترحت أن التاريخ لم ينتهِ حقاً، بل توقف مؤقتاً في طريقه نحو مستقبل غامض.
يشرح فوكوياما أن عنوان “نهاية التاريخ؟” مستعار من ألكسندر كوجيف، المفسر الروسي-الفرنسي العظيم للفيلسوف هيجل. رأى كوجيف أن العملية التاريخية مدفوعة “بصراع من أجل الاعتراف” أكثر من كونها صراعاً على الموارد المادية، حيث يسعى البشر للحصول على اعتراف بكرامتهم الأساسية. طوال معظم التاريخ البشري، أدى هذا إلى صراع غير متكافئ بين السادة والعبيد، حتى مجيء الثورة الفرنسية التي أسست مبدأ الاعتراف المتساوي كحل عقلاني وحيد للمشكلة الإنسانية. لكن المشكلة، كما يحللها فوكوياما، تكمن في أن السلام والازدهار اللذين يجلبهما النظام الليبرالي ليسا كافيين للكثير من الناس. فهم لا يريدون أن يُعترف بهم كأشخاص متساوين مع غيرهم، بل يتوقون للاعتراف بتفوقهم في بعض الجوانب. تركز المجتمعات الليبرالية على السعي الضيق نحو السلام والازدهار، لكن الكائن الذي يظهر في نهاية التاريخ هو شخص مجرد من النضال والمخاطرة والطموح، وهو من أطلق عليه الفيلسوف نيتشه اسم “الإنسان الأخير”. الغضب الشعبوي الحالي، في جوهره، هو تمرد ضد هذه الآفاق المسطحة واستياء من مجتمع لا يوزع الاحترام بالتساوي، وهو غضب لا يسعى لبناء مؤسسات بديلة بل يهدف ببساطة إلى هدم أكبر قدر ممكن من النظام القائم.
بعد هذه المقدمة السياسية والفلسفية الكثيفة، ينتقل فوكوياما ببراعة صحفية إلى البعد الشخصي في الفصل الأول المعنون “حلمي الكاليفورني”. يسرد قصة وصوله إلى كاليفورنيا كشاب بالغ لأول مرة في صيف عام 1978، عندما حصل على تدريب صيفي في مؤسسة راند (Rand Corporation) في سانتا مونيكا. كانت مؤسسة راند أول مركز أبحاث (think tank) تم إنشاؤه بواسطة القوات الجوية الأمريكية في عام 1948 لدراسة قضايا الاستراتيجية النووية، قبل أن تتوسع لتشمل مجالات السياسة العامة. قاد فوكوياما سيارته القديمة من طراز أوبل كاديت (Opel Kadett) من ستيت كوليدج بولاية بنسلفانيا وصولاً إلى منزل عمته فوميكو في ويست هوليوود. يروي تفاصيل رحلته وكيف تسرب الزيت من محرك السيارة في أركنساس مما اضطره لسحبها إلى مرآب، لكنه واصل طريقه متبعاً الطريق السريع 66 القديم (الطريق السريع 40 حالياً) مروراً بمدن أوكلاهوما سيتي، أماريلو، غالوب، ف flagstaff، وينونا، كينغمان، بارستو، سان برناردينو، وصولاً إلى حوض لوس أنجلوس.
كانت جنوب كاليفورنيا تبدو له كمكان سحري. لم يرَ في حياته في الشرق مدينة تضم هذا العدد من سيارات البورش والفيراري، وبنية تحتية تبدو جديدة تماماً مقارنة بالطرق المتهالكة التي كان يراها أثناء استقلاله قطار أمتراك من بوسطن إلى نيويورك. يتذكر بوضوح قيادته في شارع ويلشاير خلف سيارة مرسيدس مكشوفة تحمل لوحة أرقام مستفزة تقودها شقراء، وهو مشهد لم يواجه مثله قط خلال سنواته في كامبريدج بولاية ماساتشوستس. في ذلك الصيف، كتب تقريراً بحثياً عن علاقة العراق بالاتحاد السوفيتي، وهو ما قاده للحصول على عرض عمل في نهاية الصيف. يروي بفكاهة سوداء كيف فشل في البداية في اجتياز جهاز كشف الكذب التابع لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، حيث سُئل عما إذا كان قد كذب من قبل، وما إذا كان قد مارس الجنس مع رجل، مما رفع معدل ضربات قلبه من شدة التوتر رغم إجابته بالنفي، حتى تدخل محامٍ قوي وفرته مؤسسة راند لتمكينه من اجتياز الاختبار.
عند عودته إلى راند كموظف منتظم في عام 1982، واجه صعوبة في العثور على سكن رخيص في سانتا مونيكا بسبب قوانين التحكم في الإيجارات الصارمة. وجد غرفة للإيجار عبر إعلان وضعته سكرتيرة في مؤسسة راند. عندما ذهب لمعاينة المكان، وجد السكرتيرة، وهي امرأة في منتصف الأربعينيات ذات سمرة عميقة ونمش، مستلقية عارية تماماً على كرسي استرخاء وسط غابة من نباتات الماريجوانا على سطح المنزل. طلبت منه أخذ غرفة تقع بين غرفة ابنتها وغرفة صديق السكرتيرة البالغ من العمر 17 عاماً، والذي كان في نفس عمر الابنة، وكان يمتلك غرفته الخاصة في حال تشاجر مع السكرتيرة. أدرك فوكوياما حينها أنه لم يعد في كامبريدج، وأن كاليفورنيا كانت عالماً مختلفاً تماماً، مليئاً بالاحتمالات والانفتاح الاجتماعي الذي ميز تلك الفترة التي أطلق عليها لاحقاً اسم “الاضطراب العظيم” (the Great Disruption)، حيث تغيرت المعايير الاجتماعية المنظمة لهيكل الأسرة التقليدية بشكل جذري.
بعد أن يستقر فوكوياما في كاليفورنيا ويتشرب أجواءها المتحررة والمفتوحة التي ميزت تلك الحقبة، والتي أسماها لاحقاً في كتاباته بـ “الاضطراب العظيم”، ينتقل في مذكراته إلى تفكيك رحلته الفكرية والأكاديمية المعقدة، والتي لم تكن بأي حال من الأحوال مساراً خطياً بسيطاً كما قد يظن بعض منتقديه. في هذا الجزء من الكتاب، يكشف الكاتب كيف أن السنوات المبكرة التي قضاها باحثاً في مؤسسة “راند” (RAND Corporation) العريقة لم تكن مجرد وظيفة تقليدية للبحث في قضايا الأمن القومي أو حسابات الردع النووي، بل كانت بمثابة محطة فاصلة وملجأ للهروب من طغيان الفلسفات ما بعد البنيوية (post-structuralism) وما بعد الحداثة التي كانت تحكم قبضتها على الأوساط الأكاديمية والجامعات الكبرى في ذلك الوقت. يروي فوكوياما كيف أنه فرّ من هذا المناخ الفكري السائد الذي كان يفكك كل السرديات الكبرى ويشكك في الحقيقة ذاتها، ولم ينظر خلفه أبداً، ليجد ضالته في الدراسات الأمنية والتحليل الاستراتيجي البارد. بالنسبة له، في عصر كان يُعرّف بـ “الدمار المؤكد المتبادل” إبان الحرب الباردة، كان المحللون الاستراتيجيون الواقعيون هم من يمثلون صوت العقل والمنطق الجلي في عالم كان يقف يومياً على حافة الهاوية النووية.
يتوغل فوكوياما بعد ذلك في جذوره الأكاديمية التكوينية الأولى، مستذكراً الأثر العميق والدائم الذي تركه في نفسه المفكر المحافظ البارز آلان بلوم (Allan Bloom) خلال فترة دراسته في جامعة كورنيل. تحت إشراف بلوم وتوجيهاته الصارمة، بدأ الشاب فوكوياما في استيعاب التقاليد الفلسفية الكلاسيكية، والانفتاح على الفكر السياسي الذي لا يكتفي بوصف الواقع السطحي، بل يغوص عميقاً في الطبيعة البشرية، ودوافعها الخفية، ونوازعها المعقدة. هذه المرحلة التكوينية هي التي هيأته لاحقاً لصياغة أطروحته الشهيرة “نهاية التاريخ”، ولكنها في الوقت ذاته زرعت فيه بذور الشك الفلسفي تجاه أي نظام سياسي واقتصادي لا يلبي الاحتياجات الروحية والمعنوية للإنسان. وهنا، يتوقف فوكوياما طويلاً عند المفهوم اليوناني القديم “الثيموس” (Thymos) الذي استعاره من محاورات سقراط، والذي يشير إلى ذلك الجزء من الروح الإنسانية الذي يتوق بشدة إلى الاعتراف، والكرامة، والتقدير من قبل الآخرين.
يفصل الكاتب كيف ينقسم هذا “الثيموس” المحرك للتاريخ إلى شقين متناقضين ولكنهما متلازمان في النفس البشرية: “الإيزوثيميا” (Isothymia) وهي الرغبة الطبيعية والمشروعة في أن يُعترف بالفرد ككائن مساوٍ للآخرين في الكرامة والقيمة الإنسانية، و”الميغالوثيميا” (Megalothymia) وهي الرغبة الجامحة في التفوق، والتميز، وأن يُعترف بالفرد كشخص أسمى وأفضل من الآخرين. يجادل فوكوياما بأن الديمقراطية الليبرالية الحديثة قد تكون النظام الأفضل على الإطلاق في إشباع الحاجة إلى المساواة وتوفير الاستقرار المادي المريح، إلا أنها تقف عاجزة ومربكة أمام طموحات التفوق الفردي والبحث عن المعنى الملحمي الذي توفره المعارك الأيديولوجية الكبرى وصراعات البقاء. من هنا تنشأ معضلة “الإنسان الأخير” النيتشوي؛ ذلك الكائن الذي يعيش في رفاهية مادية تامة، وأمن مستتب، لكنه يشعر بفراغ روحي قاتل يدفعه حتماً إلى التمرد. يرى فوكوياما أن هذا التمرد الحالي الذي نشهده في الديمقراطيات الغربية ليس سعياً واعياً نحو نظام سياسي أفضل، بل هو، في كثير من الأحيان، مجرد “نضال من أجل النضال”؛ فإذا لم يجد البشر قضية عادلة يناضلون من أجلها لأنها انتصرت بالفعل في الأجيال السابقة، فإنهم سيبدؤون في النضال ضد تلك القضية العادلة نفسها هروباً من رتابة السلام والملل.
لا تقتصر مذكرات فوكوياما على التنظير الفلسفي والسياسي ، بل تقدم بُعداً إنسانياً وحميمياً نادراً في كتاباته المعتادة، حيث يعود بقارئه إلى جذوره العائلية وقصته الشخصية كأمريكي من أصول يابانية عاش تناقضات الحلم الأمريكي. بأسلوب مؤثر وخالٍ من العاطفية المفرطة، يروي قصة هجرة جده الأكبر من اليابان هرباً من تداعيات الحرب الروسية اليابانية الطاحنة، بحثاً عن حياة جديدة وفرص أفضل في الولايات المتحدة. ثم ينتقل لتوثيق الفصل الأكثر إيلاماً ومرارة في تاريخ عائلته، وهو تجربة اعتقال أقاربه، إلى جانب الآلاف من الأمريكيين اليابانيين، ووضعهم في معسكرات الاعتقال خلال فترة الحرب العالمية الثانية. هذه التجربة القاسية، كما يصفها بكل تجرد، لم تورثه مرارة عمياء أو حقداً تجاه بلاده، بل منحته فهماً مبكراً وعميقاً لهشاشة الحقوق المدنية والمؤسسات الديمقراطية، وجعلته يدرك بوضوح أن الليبرالية وحقوق الإنسان ليست قدراً محتوماً أو معطىً ثابتاً، بل هي بناء تاريخي هش يتطلب حماية مستمرة ودفاعاً يقظاً ضد نزعات الإقصاء، والتعصب، والتسلط الكامنة في كل المجتمعات.
ينسج فوكوياما هذه الذاكرة العائلية المتشابكة مع تحليله الأوسع لحالة القلق والاضطراب التي تجتاح الديمقراطيات الغربية اليوم. فهو يرى أن الأزمة الحالية ليست نابعة بالضرورة من فقر مدقع أو ظلم فادح كالذي عرفته البشرية في قرون مضت، بل هي، ويا للمفارقة، نتاج مباشر للوفرة غير المسبوقة، والنجاح الاقتصادي، والسلام الطويل. هذه الرفاهية المفرطة خلقت أجيالاً جديدة لم تختبر قط ويلات الحروب الكبرى أو طغيان الأنظمة الشمولية القاتلة في منتصف القرن العشرين، مما جعل وعيها بخطورة الحكم الاستبدادي وعياً باهتاً، سطحياً، وضعيفاً. وفي ظل هذا النسيان التاريخي والرخاء المادي، تتصاعد الحركات القومية والشعبوية التي تستغل هذا الفراغ لتعيد تعريف الكرامة الإنسانية من خلال هويات ضيقة ومغلقة — سواء كانت عرقية أو دينية أو قومية — مما يوفر بيئة خصبة ومثالية لظهور حكام مستبدين يدّعون التحدث باسم الشعوب المهمشة ويركبون موجة الغضب الشعبي.
في نهاية هذا الفصل المليء بالتأملات، يطرح فوكوياما تساؤلاً مرعباً يعكس عمق مأزقنا المعاصر: إذا كانت السياسة في القرن العشرين العاصف مدفوعة بمشاريع مستقبلية وصراع أيديولوجي حول شكل الغد، فإن سياسة اليوم باتت مدفوعة بـ “النوستالجيا” والحنين المرضي إلى ماضٍ متخيل لم يكن موجوداً يوماً. عندما يغيب المستقبل كمشروع جماعي يمكن بناؤه، وتتحول التحديات الكبرى كالتغير المناخي المهدد للكوكب، والهجرة الجماعية، وثورة الذكاء الاصطناعي إلى مجرد كوارث مستقبلية يجب النجاة منها، فإن المشاعر السياسية تهاجر تلقائياً نحو الماضي. الإنسان الأخير لم يعد يبحث عن يوتوبيا قادمة أو مدينة فاضلة، بل أصبح أسير وهم استعادة عالم مفقود، وهو ما يفسر الانجذاب المتزايد والمخيف نحو أيديولوجيات الهدم والتفكيك بدلاً من البناء والتطوير.
ينتقل فوكوياما في هذا الجزء من مذكراته ليتناول محطة حاسمة أخرى في مسيرته المهنية والفكرية، ألا وهي انتقاله من أروقة مؤسسة “راند” البحثية إلى قلب صناعة القرار الأمريكي في واشنطن. يصف الكاتب بالتفصيل تجربته في العمل ضمن فريق تخطيط السياسات بوزارة الخارجية الأمريكية خلال حقبتي ريغان وبوش الأب. في تلك الغرف المغلقة، حيث تُصاغ الاستراتيجيات الكبرى، وجد فوكوياما نفسه في موقع استثنائي يتيح له مراقبة انهيار المعسكر الشرقي وتصدع الاتحاد السوفيتي عن كثب. يروي كيف كانت التقارير الاستخباراتية والبرقيات الدبلوماسية تتدفق يومياً، حاملة معها مؤشرات لا تقبل الشك على أن الصرح الشيوعي يتهاوى من الداخل، ليس فقط بسبب الضغوط العسكرية أو الاقتصادية، بل نتيجة لإفلاس أخلاقي وفقدان تام للشرعية في أعين مواطنيه. في تلك اللحظة التاريخية الفارقة، أدرك الشاب فوكوياما أن العالم يمر بتحول جذري يتجاوز مجرد انتصار جيوسياسي لطرف على آخر، بل هو تحول يمس صميم التجربة الإنسانية وطبيعة النظم السياسية.
من رحم هذه التجربة العملية والمشاهدات اليومية للتحولات الكبرى، ولدت الفكرة التي ستغير مسار حياته إلى الأبد. يتذكر فوكوياما الدعوة التي تلقاها لتقديم محاضرة في جامعة شيكاغو في عام 1989، والتي كانت النواة الأولى لمقاله المثير للجدل “نهاية التاريخ؟”. يصف كيف قام بصياغة أفكاره في تلك المحاضرة، مستنداً إلى قراءاته العميقة للفلسفة، ليطرح فكرة جريئة مفادها أن الديمقراطية الليبرالية قد تشكل نقطة النهاية للتطور الأيديولوجي للبشرية والشكل النهائي للحكومة الإنسانية. لم يكن يتوقع حينها أن هذا المقال، الذي نُشر لاحقاً في مجلة “ناشيونال إنترست”، سيحدث هذا الدوي الهائل ويتحول إلى ظاهرة فكرية عالمية. فجأة، وجد المحلل السياسي الهادئ نفسه في قلب عاصفة من النقاشات الأكاديمية والسياسية، تتصدر صورته أغلفة المجلات الكبرى، وتُترجم أعماله إلى عشرات اللغات.
بيد أن هذا النجاح المدوي جلب معه قدراً هائلاً من الإحباط وسوء الفهم، وهو ما يخصص له فوكوياما مساحة واسعة من التأمل المرير في هذا الفصل. يوضح كيف تم اختزال أطروحته الفلسفية المعقدة وتحويلها إلى شعار مبسط لانتصار رأسمالي ليبرالي ساذج. يشعر الكاتب بالأسى لأن العديد من صناع السياسة في واشنطن، خاصة خلال فترة التسعينيات التي عُرفت بـ “اللحظة أحادية القطب”، استخدموا فكرة “نهاية التاريخ” كغطاء أيديولوجي لتبرير سياسات التدخل الخارجي وتصدير الديمقراطية بالقوة، فضلاً عن دفع عجلة العولمة الاقتصادية دون أي اعتبار للتداعيات الاجتماعية أو للفئات التي ستُهمش جراء هذه التحولات. يؤكد فوكوياما أنه لم يدعُ قط إلى غطرسة ليبرالية أو تدخلات عسكرية طائشة، بل كان يحذر باستمرار من أن غياب المنافس الأيديولوجي قد يدفع الديمقراطيات الغربية نحو التراخي، وفقدان البوصلة، والغرق في النزعات الاستهلاكية والفردية المفرطة التي تفتت النسيج الاجتماعي وتدمر الأسس الأخلاقية للمجتمع.
في خضم هذه التحولات الشخصية والعامة، يسرد فوكوياما قرار انسحابه التدريجي من دوائر صنع القرار الحكومي المباشر وعودته إلى المحراب الأكاديمي الشامل، في محاولة لاستعادة المسافة النقدية التي تتيح له التفكير بهدوء بعيداً عن ضجيج السياسة اليومية ومتطلبات واشنطن الحزبية. هناك، بدأ في توسيع نطاق أبحاثه لتشمل قضايا أكثر تعقيداً تتعلق ببناء الدولة، والثقة الاجتماعية، وتطور المؤسسات السياسية عبر التاريخ البشري الطويل. يدرك فوكوياما في هذه المرحلة أن الديمقراطية ليست مجرد دساتير مكتوبة أو انتخابات دورية، بل هي بنية معقدة تعتمد بشكل جوهري على مؤسسات دولة قوية وفعالة، وعلى رأس مال اجتماعي متين يربط المواطنين ببعضهم البعض عبر شبكات من الثقة المتبادلة.
هذا الإدراك العميق هو ما قاده لاحقاً لمراجعة وتطوير أفكاره بشكل جذري، مؤكداً أن النظام الديمقراطي الليبرالي لا يمكن أن يزدهر أو حتى يستمر إذا لم ترافقه دولة حديثة قادرة على تقديم الخدمات الأساسية وإنفاذ القانون بعدالة وتجرد، وهو تحدٍ يرى أنه لا يزال يواجه العديد من الديمقراطيات الناشئة والمتقدمة على حد سواء. فالاستقرار السياسي، كما يستنتج في ختام هذا الجزء، هو تفاعل دقيق بين دولة قوية، وسيادة قانون تطبق على الجميع، ومساءلة ديمقراطية حقيقية، وأي خلل في هذا التوازن سيؤدي حتماً إما إلى الاستبداد المطلق أو إلى الفوضى والانهيار المؤسسي.
يصل فرانسيس فوكوياما إلى واحدة من أكثر المراحل تعقيداً وربما إيلاماً في مسيرته الفكرية، وهي مرحلة القطيعة العلنية مع تيار المحافظين الجدد (Neoconservatism) الذي ارتبط به أكاديمياً وسياسياً لفترة من الزمن. يسرد الكاتب بتفاصيل دقيقة ومكاشفة صريحة كيف شكلت هجمات الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من غزو أمريكي للعراق في عام 2003 نقطة اللاعودة في علاقته مع أصدقاء وحلفاء الأمس في واشنطن. يوضح فوكوياما أنه بينما كان يدعم فكرة نشر الديمقراطية كهدف أخلاقي، فإنه أصيب بصدمة عميقة من الغطرسة والعمى الأيديولوجي الذي سيطر على مهندسي الحرب. لقد اعتقد هؤلاء أن إسقاط النظام الديكتاتوري في بغداد سيؤدي تلقائياً إلى نشوء ديمقراطية ليبرالية مزدهرة، متجاهلين تماماً أبحاث فوكوياما السابقة التي أكدت مراراً أن بناء المؤسسات والدولة الفعالة هو عملية عضوية، بطيئة، ومعقدة لا يمكن فرضها عبر فوهات البنادق أو هندستها من الخارج بقرارات إدارية.
هذه الخيبة العميقة من السياسة الخارجية الأمريكية دفعت فوكوياما لتحويل أنظاره بقلق متزايد نحو الداخل الأمريكي، حيث بدأ يلاحظ بوادر انحلال سياسي ومؤسسي خطير يهدد الديمقراطية من الداخل. في هذه الفصول، يغوص الكاتب في تشريح النظام السياسي الأمريكي، مبتكراً مصطلحه الشهير “الفيتوقراطية” (Vetocracy) أو “حكم النقض”. يحلل كيف أن نظام الضوابط والتوازنات الذي صممه الآباء المؤسسون لمنع طغيان الأغلبية، قد تحول بمرور الزمن وتراكم المصالح إلى نظام مصاب بالشلل التام. باتت مجموعات الضغط وجماعات المصالح الخاصة قادرة على استخدام آليات النقض المتعددة لعرقلة أي إصلاح حقيقي أو تشريع جوهري، مما أفقد الحكومة قدرتها على الاستجابة للتحديات الكبرى المتمثلة في البنية التحتية، أو الرعاية الصحية، أو تلبية احتياجات المواطنين الأساسية. هذا العجز المؤسسي، كما يرى، كان بمثابة الوقود الذي غذى خيبة الأمل الشعبية ومهد الطريق لاحقاً لصعود الحركات الشعبوية الغاضبة التي تعد بتحطيم النظام بأسره لتجاوز هذا الشلل.
يترافق هذا الشلل السياسي، وفقاً لسردية فوكوياما، مع تحول اجتماعي وثقافي لا يقل خطورة، يتمثل في صعود “سياسات الهوية” وانقسام المجتمع إلى قبائل متناحرة. يعبر الكاتب عن أسفه للتحول الذي أصاب اليسار السياسي، الذي تخلى تدريجياً عن نضاله التاريخي الواسع من أجل العدالة الاقتصادية والطبقة العاملة ككل، ليركز جهوده بشكل شبه حصري على مظالم مجموعات هوياتية محددة. وفي المقابل، وكرد فعل عكسي ومباشر، تبنى اليمين السياسي نسخته الخاصة والأكثر خطورة من سياسات الهوية، والتي تجلت في القومية البيضاء والشعور العميق بالاستياء والمظلومية الثقافية. هذا الاستقطاب الحاد جعل من المستحيل تقريباً إيجاد أرضية مشتركة أو سردية وطنية جامعة توحد المواطنين كأفراد متساوين، بل أعاد الجميع إلى خنادق الانتماءات الأولية والعرقية الضيقة.
ويضيف فوكوياما بُعداً جديداً لتحليله عندما يربط هذه التصدعات الاجتماعية بالتطور التكنولوجي وثورة الإنترنت المعاصرة. فهو يرى أن منصات التواصل الاجتماعي لم تكتفِ بتسريع وتيرة هذا الانقسام، بل صُممت بطريقة تغذي وتستغل رغبة “الميغالوثيميا” الكامنة في النفس البشرية، أي الرغبة الجامحة في التميز والهيمنة وجذب الانتباه. لقد دمرت هذه المنصات الرقمية ما تبقى من حيز عام مشترك وحقائق موضوعية متفق عليها، وخلقت بدلاً من ذلك فقاعات معرفية مغلقة حيث لا يسمع الناس إلا صدى أصواتهم، وتُكافأ فيها المواقف المتطرفة والخطابات التحريضية على حساب العقلانية والاعتدال. هكذا، يجد إنسان العصر الحديث نفسه محاصراً في عالم افتراضي يغذي غضبه باستمرار، مندفعاً نحو تفكيك أسس ديمقراطيته بيده.
في ختام هذه السيرة الفكرية المعمقة، يرفض فرانسيس فوكوياما الاستسلام للتشاؤم المطلق أو الركون إلى حتمية الانهيار الديمقراطي، بل يكرس الفصول الأخيرة من مذكراته للبحث عن مسارات للخلاص واستعادة التوازن. يجادل الكاتب بأن الحل لا يكمن في التخلي عن المبادئ الليبرالية الكلاسيكية، بل في إعادة ترميم هيكل الدولة وتجديد الثقة المفقودة بين المواطنين ومؤسساتهم. ولتحقيق ذلك، يدعو إلى ثورة إصلاحية هادئة تستهدف تفكيك “الفيتوقراطية” أو حكم النقض الذي يشل صنع القرار، وتبسيط الإجراءات الحكومية لتصبح أكثر مرونة وقدرة على تلبية احتياجات الناس اليومية الملموسة. يرى فوكوياما أن استعادة كفاءة الدولة هي خط الدفاع الأول ضد الشعبوية؛ فعندما تفشل الحكومات الديمقراطية في تقديم الخدمات الأساسية أو إدارة الأزمات بنجاح، فإنها تترك فراغاً خطيراً يملأه الغوغائيون بوعودهم الزائفة وحلولهم السلطوية السحرية.
وتتجاوز رؤية فوكوياما الإصلاحية حدود الشأن الداخلي الأمريكي لتعانق المشهد الجيوسياسي الأوسع، حيث يؤكد أن بقاء الديمقراطية الليبرالية يعتمد بشدة على متانة التحالفات الاستراتيجية في مواجهة الأنظمة الاستبدادية الطموحة. يبرز هنا تحليله الدقيق لأهمية الشراكات الدفاعية والسياسية في مناطق النفوذ الحساسة، خاصة فيما يتعلق بضمان الأمن في منطقة المحيط الهادئ الهندي، وبناء تحالفات إقليمية متينة تهدف إلى الحفاظ على توازن القوى المفتوح والمستقر. يعتبر الكاتب أن التراجع عن القيادة العالمية أو الانكفاء نحو الانعزالية سيكون بمثابة هدية مجانية للأنظمة الشمولية التي تسعى بنشاط لإعادة كتابة قواعد النظام الدولي، مشدداً على أن الدفاع عن الحرية يتطلب التزاماً راسخاً بالتعاون المشترك وتنسيق السياسات مع الحلفاء الديمقراطيين حول العالم.
يعود الكاتب في صفحاته الأخيرة ليربط هذه التحديات السياسية المعاصرة بجذورها الفلسفية الأولى، مؤكداً أن الصراع التاريخي المستمر بين رغبة الإنسان في المساواة ورغبته العارمة في التفوق هو المحرك الذي لا يهدأ للتاريخ. إن التحدي الأكبر الذي يواجه المجتمعات الليبرالية اليوم، كما يستنتج فوكوياما، هو إيجاد قنوات صحية وبناءة لاستيعاب طموحات التفوق الفردي دون السماح لها بتدمير النسيج الديمقراطي والمساواة المدنية. يتطلب ذلك إعادة إحياء مفهوم المواطنة النشطة، وبناء هوية وطنية جامعة تتجاوز الانتماءات العرقية والثقافية الضيقة، وتستند إلى قيم دستورية مشتركة. فالنظام الديمقراطي ليس آلة تعمل من تلقاء نفسها، بل هو حديقة تحتاج إلى رعاية دائمة، ومواطنة يقظة، واستعداد دائم للدفاع عن المكتسبات التي حققتها الأجيال السابقة.




