صراع النظريات حول الوجود

رؤى العالم المعاصرة: دراسة مقارنة – تشريح فلسفي لبوصلة الإنسان الحديث
في خضم التحولات الفكرية والثقافية العميقة التي يشهدها العالم الغربي والمعاصر بشكل عام، تتصاعد التساؤلات الوجودية الكبرى حول ماهية الإنسان، وموقعه في الكون، ومعنى الحياة، والأسس التي يبني عليها قيمه الأخلاقية. هنا، يبرز كتاب “رؤى العالم المعاصرة: دراسة مقارنة” (Contemporary Worldviews: A Comparative Study) كواحد من الإصدارات الأكاديمية والفلسفية التي تتصدى لهذه الأسئلة. الكتاب من تأليف ميكائيل ستينمارك، أستاذ فلسفة الدين في جامعة أوبسالا السويدية، وصاحب الإسهامات المرموقة في دراسة العلاقة بين العلم والدين، والحائز على ميدالية تورغني سيغرستيدت عام 2022.
يقدم ستينمارك في هذا السفر الفكري رؤية بانورامية تحليلية لا تكتفي بتشريح الأديان التقليدية، بل تغوص عميقاً في البدائل العلمانية التي باتت تشكل وعي الملايين حول العالم. يحدد الكتاب ويستكشف عدة رؤى عالمية دينية وعلمانية بارزة يعتنقها الناس في المجتمع المعاصر. ويسلط الضوء بشكل خاص على ثلاث رؤى عالمية غير دينية (علمانية) وهي: العِلموية (Scientism)، والإنسانية العلمانية (Secular Humanism)، وما بعد الإنسانية أو التجاوزية الإنسانية (Transhumanism). وفي المقابل، يقارن الكاتب هذه الرؤى العلمانية بأربع رؤى دينية أساسية: الإيمان الإبراهيمي، والبوذية، والروحانية الجديدة (وهم الأفراد الذين يصفون أنفسهم بأنهم روحانيون ولكن ليسوا متدينين – SBNR)، والطبيعية الدينية (Religious Naturalism). إن هذا الجهد الأكاديمي يوفر دراسة فريدة لعدة وجهات نظر علمانية رئيسية حول الحياة، متجاوزاً الدراسات السابقة التي اكتفت بمناقشة الإلحاد أو اللادينية كحالات عدمية أو فراغ عقائدي.
من “اللا-دين” إلى “الرؤى العلمانية”: تحطيم نظرية الطرح
يبدأ ستينمارك مقاربته الفلسفية برصد التغيرات الملحوظة في مواقف الناس تجاه الأديان التقليدية في العالم الغربي. فالأفراد باتوا أقل ميلاً لقبول التعاليم التقليدية لأديانهم الأصلية، ويفضلون بدلاً من ذلك أن يقرروا بأنفسهم أي المعتقدات يعتنقون وأي الممارسات يشاركون فيها. بالتوازي مع ذلك، يشهد المجتمع بزوغ أشكال جديدة من الروحانية، حيث يسعى المشاركون فيها لاكتشاف الجانب الإلهي داخل أنفسهم، ليس بتوجيه من المؤسسات الدينية الكلاسيكية، بل من خلال كتب المساعدة الذاتية، ودورات التأمل، والتقنيات الروحية الأخرى. والأكثر وضوحاً في هذا المشهد هو زيادة عدد الأشخاص – خاصة في شمال أوروبا وأمريكا – الذين يُعرّفون أنفسهم بأنهم “غير متدينين” ويرفضون الدين بالكلية، مفضلين عيش حيوات علمانية. هؤلاء يجادلون بأن المعتقدات الدينية خاطئة، وأن القيم الأخلاقية يمكن تطويرها والدفاع عنها دون أي إشارة إلى بُعد إلهي أو متعالٍ أو روحي للواقع.
لفهم هذا التحول، يفكك ستينمارك إطاراً نظرياً مهيمناً – وغالباً ما يكون افتراضاً غير معلن – يُعرف باسم “نظرية الطرح” أو الاستقطاع (Subtraction Theory). تفترض هذه النظرية أن الأفراد الذين يرفضون الدين ينظرون إليه ببساطة على أنه إضافة غير ضرورية أو خاطئة لواقعنا المشترك. وبناءً عليه، هم يتوقفون ببساطة عن اعتناق المعتقدات الدينية والمشاركة في الممارسات الدينية. بعبارة أخرى، تفترض هذه النظرية أن المتدينين يؤمنون بما وراء الطبيعة (الخوارق)، بينما المتخلون عن الدين يتوقفون عن هذا الإيمان ويكتفون بالإيمان بالعالم الطبيعي فقط، ليصبحوا مجرد “غير مؤمنين” أو “لا دينيين”.
هنا يوجه ستينمارك ضربته النقدية الأولى؛ إذ يجادل بضرورة تحدي هذا الإطار النظري واستبداله بما يسميه “نظرية الاستبدال” (Substitution Theory). تؤكد هذه النظرية أن الأفراد لا يرفضون الدين ليقفوا في فراغ، بل إنهم يعمدون، بوعي أو بغير وعي، إلى إحلال “نظرة بديلة للحياة” محل الدين. وكما يصيغها الفيلسوف تشارلز تايلور، فهم يحاولون تطوير “تفسيرات محايثة (دنيوية) للازدهار الإنساني”. إنهم يحاولون ابتكار قصة بديلة تجيب على أسئلة: لماذا نحن هنا؟ ما الذي يجعل الشيء خيراً أو شراً؟ ما الذي يوفر المعنى في الحياة؟ وكيف يجب أن نعيش؟.
من هذا المنطلق، يدعو ستينمارك الباحثين إلى التخلي عن المصطلحات السلبية (مثل اللادينية أو اللادينيين) واستخدام مصطلحات إيجابية تعبر عن “الوجود” وليس “الغياب”. ويضرب مثالاً ذكياً بالفلاسفة السياسيين؛ فهم عندما يصنفون الأيديولوجيات السياسية لا يقسمون العالم إلى “اشتراكيين” و”غير اشتراكيين”، بل يميزون بين الاشتراكية والليبرالية والمحافظة على سبيل المثال. بالتالي، يجب على دارسي رؤى العالم أن يتحدثوا عن “رؤى عالمية علمانية”، و”أشخاص علمانيين”، و”طقوس علمانية”، و”إيمان علماني”، بدلاً من استخدام مصطلح “غير متدين”.
ما هي “رؤية العالم”؟ إعادة تعريف البوصلة البشرية
لتأسيس حقل “دراسات رؤى العالم” (Worldview Studies)، كان لزاماً على المؤلف أن يضبط مصطلح “رؤية العالم”. يخشى البعض أن يوحي هذا المصطلح بضرورة وجود نظام شامل ومغلق يشمل كل جوانب الوجود، وهو ما لا يتوفر لدى معظم الناس. لكن ستينمارك يرفض هذا التقييد، مستنداً إلى تقليد بحثي سويدي بدأه أندرس جيفنر في السبعينيات لدراسة النظرة للحياة التي اعتنقها الجمهور العلماني بعد تراجع المسيحية.
يُعرّف ستينمارك رؤية العالم بأنها: “كوكبة من المعتقدات والقيم والمواقف التي يعتنقها الناس، سواء بوعي أو بغير وعي، والتي تشكل فهمهم الأساسي لمن هم، وما هو شكل العالم، وما هو مكانهم فيه؛ وما يجب عليهم فعله لعيش حياة جيدة وذات مغزى؛ وما يمكنهم قوله أو معرفته أو الاعتقاد بعقلانيته أو افتراض صحته حول هذه الأشياء”.
هذا التعريف الدقيق يوسع نطاق التطبيق ليتجاوز الأديان ويشمل جميع البشر تقريباً، لأن معظم الناس لديهم بالفعل فهم، وإن كان جزئياً أو غير مكتمل، لهذه القضايا المصيرية. ويشدد الكتاب على أن رؤية العالم لا تقتصر على “المعتقدات” (التي يغلب عليها الطابع المعرفي والفكري)، بل تمتد لتشمل “القيم” (ما نراه خيراً أو شراً، مثل إيمان الإنسانيين بالكرامة البشرية، أو إيمان العابرين للإنسانية بضرورة تحسين الجنس البشري تقنياً)، وتشمل أيضاً – وهذا هو الأهم – “المواقف” (Attitudes) أو “المزاج الأساسي” الذي يلون تجربتنا العاطفية تجاه الحياة.
ويقدم الكاتب مثالاً ساحراً على أهمية “المواقف” من خلال الفيلسوف توماس ناغل، الذي لا يكتفي بعدم الإيمان بالله، بل يقول صراحة: “أنا أريد أن يكون الإلحاد صحيحاً… أنا لا أريد أن يكون هناك إله؛ لا أريد أن يكون الكون بهذا الشكل”. ناغل هنا يتخذ “موقفاً” رافضاً لوجود الإله، وهو ما يختلف عن موقف اللامبالاة الإلحادية (Apatheism) حيث لا يكترث الشخص بوجود إله من عدمه، ويختلف أيضاً عن “الملحدين الحزينين” الذين يتخلون عن الإيمان مجبرين تحت وطأة العقلنية لكنهم يحزنون على فقدان الله كما وصفهم تشارلز تايلور. إن هذه المواقف والمزاجيات العاطفية هي جزء لا يتجزأ من تكوين الرؤية العلمانية أو الدينية للعالم.
الأبعاد الفلسفية: الأنطولوجيا والإبستمولوجيا والأخلاق
يتميز كتاب ستينمارك بأنه دراسة “فلسفية” لرؤى العالم. هذا يعني أن التركيز ينصب على الجوانب الفكرية، والادعاءات، والمبررات العقلانية، دون إنكار أهمية الأبعاد الاجتماعية والسياسية والتاريخية. ويرتكز التحليل الفلسفي للرؤى العلمانية والدينية على ثلاثة محاور كلاسيكية:
-
الأنطولوجيا (علم الوجود): وهي الجرد الشامل لما هو موجود في الواقع. فالرؤى تختلف جذرياً؛ هل يتكون الواقع من إله خالق، أم من قانون كارما، أم من مجرد جزيئات مادية لا غير؟ هل الإرادة الحرة حقيقية أم وهم؟ هل هناك علل ذهنية أم أن كل العلل مادية بحتة؟.
-
الإبستمولوجيا (نظرية المعرفة): وتتعلق بما يمكننا معرفته ومعايير العقلانية والحقيقة. هنا يبرز التمييز الحاسم الذي يضعه ستينمارك بين “المعرفة” و”الاعتقاد” و”العقلانية”. فقد لا “نعرف” على وجه اليقين أن أمراً ما صحيح، لكن قد يكون من “العقلاني” أو المبرر جداً أن نعتقد بصحته. هذا التمييز يفتح المجال لتفهم عقلانية الآخرين حتى وإن اختلفنا معهم.
-
الأخلاق: وتتعلق بكيفية توجيه حياتنا وسلوكنا تجاه الآخرين وتجاه الطبيعة. فرؤية العالم يجب أن تكون “موجهة للحياة”، تقدم مبادئ حول ما هو الصواب والخطأ، وكيف يمكن تبرير هذه المواقف الأخلاقية.
المنهجية: البناء العقلاني وهيرمنيوطيقا الفضول
أما عن المنهجية التي اتبعها الكاتب في استكشاف هذا الطيف الواسع من الرؤى، فهو يعتمد صراحة على ما يسمى بـ “البناء العقلاني” (Rational Reconstruction). بدلاً من الغوص في الفوضى التاريخية والتنوع اللامتناهي داخل كل دين أو فكر، يقوم ستينمارك ببناء “نماذج مثالية” (Ideal Types) تستخلص الأفكار الجوهرية لكل رؤية عالمية وتقدمها في نسق متماسك منطقياً. الهدف ليس الوصف الحرفي العقيم لكل تفصيلة تاريخية، بل ابتكار أداة تأويلية ومفاهيمية ترتب الفوضى وتسمح بعقد مقارنات حقيقية وجادة بين البدائل المختلفة.
وفي تناقض صارخ مع “هيرمنيوطيقا الريبة” (Hermeneutics of Suspicion) التي مارسها فلاسفة من أمثال ماركس ونيتشه وفرويد – والذين سعوا دائماً لكشف النوايا الخفية وعلاقات القوة وراء المعتقدات الدينية والعلمانية – يتبنى ستينمارك “هيرمنيوطيقا الفضول” (Hermeneutics of Curiosity). هذا النهج يفرض على الباحث الدخول إلى موضوع دراسته بموقف إيجابي وفضول حقيقي، متسائلاً: ماذا يمكننا أن نتعلم من الطريقة التي يفهم بها المتدينون أو العلمانيون العالم؟. ويستند هذا إلى “مبدأ الإحسان” (Principle of Charity)، الذي يتجنب اتهام الآخرين باللاعقلانية أو التناقض أو الدوافع الخبيثة طالما كان هناك تفسير عقلاني ومتماسك لوجهات نظرهم.
هكذا، يمهد ستينمارك أرضية صلبة، مفاهيمياً ومنهجياً، لانطلاق رحلته الاستكشافية. فهو لا يكتفي بإخبارنا أن العالم يتغير، بل يعيد الطريقة التي نراقب بها هذا التغير، مطالباً إيانا بالتعامل مع العلمانيين ليس بوصفهم مجرد “أشخاص فقدوا دينهم”، بل كأشخاص يبنون بجدية “رؤى عالمية” متكاملة تنافس الأديان الكبرى في سعيها للإجابة عن أسئلة الإنسان الأزلية.
رؤى العالم المعاصرة: دراسة مقارنة – البنية، السرديات، وترسيم الحدود
نقف الآن أمام أسئلة بنيوية بالغة الأهمية: كيف تتشكل هذه الرؤى داخل العقل البشري؟ هل تحظى كل الأفكار التي نعتنقها بنفس الدرجة من الأهمية والمناعة؟ والأهم من ذلك كله، أين نرسم الخط الفاصل بدقة بين ما نطلق عليه صفة “الديني” وما نعتبره “علمانياً خالصاً” في زمن تداخلت فيه المفاهيم وتلاشت فيه الكثير من الحدود الكلاسيكية؟ يقدم الكتاب إجابات تشريحية دقيقة تفكك هذه التساؤلات وتعيد تركيبها في نسق فلسفي رصين يمنحنا عدسة مكبرة لفهم بوصلة الإنسان الحديث.
يغوص ستينمارك في البنية الهندسية للأفكار داخل أي رؤية عالمية، مبيناً أنها لا تتشكل ككتلة صماء أو كمجموعة عشوائية من القناعات السطحية، بل تُبنى على شكل طبقات متراكمة ومرتبة هرمياً من حيث الأهمية المركزية. في قلب هذه البنية تقبع ما يسميه “المعتقدات المركزية أو الجوهرية”، وهي تلك الأفكار التأسيسية التي ينهض عليها صرح الرؤية بأكمله. تتسم هذه المعتقدات بصلابة شديدة ومقاومة شرسة للتغيير، ذلك لأن انهيارها يعني بالضرورة انهيار الرؤية الكلية للعالم وفقدان الشخص لتوازنه الوجودي. فبالنسبة للإسلام أو المسيحية على سبيل المثال، يمثل الإيمان بوجود إله خالق معتقداً جوهرياً لا يمكن التنازل عنه دون الخروج من المنظومة كلياً. وبالمقابل، بالنسبة للإنسانية العلمانية، يمثل الإيمان بمركزية الإنسان وقدرته المطلقة على تحقيق الازدهار الأخلاقي والمادي دون تدخل غيبي معتقداً جوهرياً موازياً. وحول هذا المركز الصلب، تتوزع “المعتقدات المحيطية أو الهامشية”، وهي أقل مناعة وقابلة للتعديل والمراجعة والتبديل دون أن يتسبب ذلك في انهيار النسق المعرفي الكلي. هذا التمييز الفلسفي الدقيق يفسر لنا بجلاء لماذا يستطيع المتدين أو العلماني على حد سواء تغيير بعض آرائه الفرعية استجابة لاكتشافات علمية أو تحولات اجتماعية عابرة، بينما يستميت في الدفاع عن نواة معتقداته التي تمنح حياته معناها وتماسكها الأساسي.
لكن الرؤى العالمية، كما يؤكد الكتاب بتفصيل ساحر، ليست مجرد هياكل منطقية باردة ومجردة يعتنقها الفلاسفة في أبراجهم العاجية؛ إنها في جوهرها “سرديات كبرى” وقصص حية يعيشها الناس ويتفاعلون معها وجدانياً وعاطفياً. الإنسان كائن سردي وحكاء بطبعه، يحتاج دائماً إلى قصة كبرى تضع وجوده الضئيل في سياق زمني يمتد من بداية الكون وصولاً إلى نهايته المتوقعة لكي يشعر بقيمته. الأديان برعت تاريخياً وبشكل مذهل في تقديم هذه السرديات الكبرى عبر قصص الخلق والسقوط والخلاص والمصير النهائي. إلا أن الإسهام الأبرز لستينمارك في هذا المضمار يتجلى في كشفه العميق عن أن الرؤى العلمانية تمتلك بدورها سردياتها الخاصة والعميقة التي لا تقل تأثيراً. فالعلموية، على سبيل المثال، تقدم سردية تطورية كونية تبدأ بالانفجار العظيم وتمر بالاصطفاء الطبيعي وصولاً إلى العقل البشري كقمة التطور المادي المؤقت، وهي قصة ملحمية لا تحتاج إلى مؤلف إلهي لكنها تمنح أتباعها شعوراً بالانتماء لكون فسيح يخضع لقوانين صارمة يمكن ترويضها. وتتطرف “التجاوزية الإنسانية” أو ما بعد الإنسانية في سرديتها لتبشر بخلاص تكنولوجي قادم لا محالة، حيث سيتجاوز الإنسان حتميته البيولوجية وضعفه ومحدوديته الجسدية نحو الخلود الرقمي أو التعزيز السيبراني، وهي سردية علمانية بامتياز لكنها تنافس بوضوح سرديات الخلاص الدينية الكلاسيكية وتستعير الكثير من شحنتها العاطفية واليوتوبية.
هذا التشابه المذهل في البنية الهرمية والسرد القصصي والشحنة الوجدانية بين الدين واللادين يقودنا مباشرة إلى المعضلة الفلسفية الأكثر تعقيداً في دراسة الأديان والاجتماع: مشكلة الترسيم أو وضع الحدود. إذا كانت الرؤى العلمانية تلعب نفس الدور النفسي والاجتماعي والمعرفي الذي تلعبه الأديان في حياة الأفراد، فكيف يمكننا التمييز بينهما أكاديمياً ومفاهيمياً دون السقوط في فخ التعميم؟ يرفض ستينمارك التبسيط المخل والشائع الذي يعتبر الدين مجرد “إيمان أعمى بما لا يمكن إثباته”، فهذا التعريف ينهار سريعاً أمام حقيقة أن العلمانيين أيضاً يعتنقون مبادئ ومسلمات لا يمكن إثباتها تجريبياً بشكل قاطع، مثل الإيمان بالقيمة المتأصلة والمطلقة للكرامة البشرية، أو الثقة العمياء في قدرة العقل البشري المحدود على فهم الكون اللامحدود. بدلاً من ذلك، ينحت المؤلف معياراً دقيقاً وحاسماً للفصل بين ما هو ديني وما هو علماني، وهو معيار ينبني بالأساس على الموقف الأنطولوجي، أي الموقف من طبيعة الوجود، وتحديداً الموقف من مفهوم “المتعالي” أو “المفارق”.
الحد الفاصل الحقيقي، وفقاً للتحليل الرصين الذي يقدمه الكتاب، يكمن في طبيعة الواقع الشامل الذي تفترضه كل رؤية. الرؤى العلمانية بمختلف طوائفها تتبنى أنطولوجيا “الكون المغلق”؛ أي أن الواقع ينحصر تماماً وبشكل صارم في حدود الطبيعة المادية وقوانينها الفيزيائية والكيميائية، ولا يوجد أي شيء على الإطلاق خارج هذا الإطار الزمكاني المحسوس. في هذا الكون المغلق، لا يوجد عقل مدبر للكون، ولا توجد قوة روحية مفارقة تتدخل في مجريات الأحداث التاريخية أو تستجيب لنداءات البشر أو تضمن تحقيق العدالة المطلقة في نهاية المطاف. الإنسان هنا يجد نفسه وحيداً، يمثل المرجعية النهائية، وهو الصانع الأوحد للمعنى والقيم في كون صامت ولامبالٍ.
في المقابل تماماً، تشترك جميع الرؤى الدينية، مهما اختلفت تفاصيلها اللاهوتية والعقائدية والطقسية، في تبني أنطولوجيا “الكون المفتوح”؛ وهو كون يتسع ليحتضن بعداً متعالياً يتجاوز الطبيعة المادية وقوانينها الحتمية. هذا البعد المتعالي قد يكون إلهاً مشخصاً وخالقاً ومدبراً كما هو الحال في الأديان الإبراهيمية الكبرى كالإسلام والمسيحية واليهودية، وقد يكون نظاماً أخلاقياً وروحياً أسمى غير مشخص كما هو الحال في البوذية أو الطاوية. إن هذا الإيمان العميق بوجود “واقع أسمى” يمثل حجر الزاوية الذي يجعل من الرؤية الدينية دينيةً بامتياز. وفقدان هذا المكون بالذات يحول أي نسق فكري، مهما كان نبيلاً أو منظماً، إلى رؤية علمانية خالصة، حتى لو تضمنت بعض الممارسات التأملية أو المشاعر الجمالية تجاه الطبيعة.
وضمن هذا الإطار الترسيمي الصارم الذي بناه ستينمارك، يبرز تمييز حاسم يمهد الطريق لفهمنا العميق للبدائل العلمانية المعاصرة، ألا وهو التمييز الجذري بين “العلم” كمنهج بحثي، و”العلموية” كرؤية شاملة للعالم. العلم الحديث، بمنهجيته التجريبية الصارمة، يقف على الحياد الفلسفي؛ إنه مجرد أداة معرفية بالغة الفعالية لاكتشاف آليات عمل الكون الطبيعي واستغلال موارده، وهو منهج يمكن للمتدين والعلماني ممارسته والتفوق فيه بنفس الكفاءة. لكن، عندما يتحول هذا العلم من مجرد أداة استكشافية إلى عقيدة إقصائية تنفي وجود أي واقع خارج نطاق ما يمكن قياسه في المختبر ورصده بالميكروسكوب، وعندما يبرز الادعاء القائل بأن العلم التجريبي هو المصدر الوحيد والأوحد للمعرفة وللقيم الأخلاقية وللإجابة عن أسئلة الوجود الكبرى، هنا نكون قد غادرنا ساحة العلم التجريبي المحايد ودخلنا في رحاب “العلموية” كرؤية عالمية علمانية متكاملة ومغلقة. هذا التمييز النقدي بالغ الضرورة لتفكيك الادعاء الاستعراضي القائل بأن الإلحاد أو العلمانية هي النتيجة الحتمية والمباشرة لممارسة العلم الطبيعي وللتقدم التكنولوجي.
بناءً على هذه الأسس النظرية المتينة، والحدود الواضحة التي رسمها ستينمارك ببراعة بين مستويات الاعتقاد، وسرديات المعنى، وجدران الفصل بين الكون المغلق والكون المفتوح، يصبح المسرح الفلسفي مهيأً تماماً لاستقبال أبطال العلمانية المعاصرة وتشريح أفكارهم. لقد بتنا الآن نملك الأدوات النقدية التي تسمح لنا بالغوص العميق في تفاصيل الرؤى التي تحاول بشراسة ملء الفراغ الروحي والمعرفي الذي خلفه تراجع الأديان التقليدية في المجتمعات الغربية. وفي الدفعة الثالثة القادمة، سنشرع في تفكيك أولى وأهم هذه الرؤى العلمانية وهي “العلموية”، لنتفحص عن كثب ادعاءاتها المعرفية، وكيف تحاول استخراج الأخلاق والمعنى من رحم الفيزياء والبيولوجيا، وما هي المآزق الفلسفية العميقة التي تصطدم بها عندما تحاول إقصاء الفلسفة والدين تماماً من مسرح الحياة الإنسانية.
رؤى العالم المعاصرة: دراسة مقارنة – تشريح العلموية: حين يتحول المختبر إلى محراب
نقف اليوم أمام الباب الأضخم والأكثر ادعاءً في الفكر العلماني المعاصر: “العلموية” (Scientism). لا يتعامل ميكائيل ستينمارك في كتابه مع العلموية باعتبارها مجرد حماس زائد للعلوم الطبيعية، بل يفككها بوصفها رؤية عالمية متكاملة، لها إجاباتها الخاصة والحاسمة على أسئلة الوجود الكبرى. إن العلموية، في جوهرها، هي محاولة طموحة، وربما استعمارية، لسحب صلاحيات العلم التجريبي من نطاق دراسة الظواهر الطبيعية وتمديدها لتشمل كل جانب من جوانب الحياة الإنسانية، محولةً المختبر إلى المرجعية النهائية والوحيدة للحقيقة، والقيم، والمعنى، ومقصيةً في طريقها كل أشكال المعرفة الأخرى من فلسفة ولاهوت وفنون.
يبدأ ستينمارك تشريحه للعلموية من بوابتها الأوسع: “الإبستمولوجيا” أو نظرية المعرفة. تعتنق العلموية مبدأً صارماً يمكن تسميته بـ “الإمبريالية المعرفية”، حيث تفترض أن الطريقة الوحيدة والموثوقة لاكتساب المعرفة حول الواقع هي المنهج العلمي التجريبي. في هذا النسق الفكري، تصبح أي ادعاءات لا يمكن اختبارها في المختبر، أو إخضاعها للقياس الرياضي، أو رصدها بالتلسكوبات والمجاهر، مجرد أوهام، أو مشاعر ذاتية، أو في أحسن الأحوال، خيالاً أدبياً لا يمت للحقيقة بصلة. هذا الموقف يقصي الدين تماماً من ساحة المعرفة، ولكنه لا يتوقف عند هذا الحد، بل يوجه ضربة قاضية للعلوم الإنسانية الكلاسيكية والفلسفة التأملية، معتبراً إياها أدوات معرفية بدائية عفا عليها الزمن، ويجب استبدالها بعلم الأعصاب وعلم النفس التطوري وعلم الوراثة لفهم طبيعة الإنسان وسلوكه.
ومن هذه الصرامة المعرفية، تنتقل العلموية إلى بناء أنطولوجيتها الخاصة، أي رؤيتها لما هو موجود في الواقع. هنا يبرز مفهوم “الاختزالية الأنطولوجية” كعمود فقري لهذه الرؤية. في نظر العلموية، الكون ليس سوى آلة عملاقة، والإنسان ليس سوى كائن بيولوجي مدفوع بحتمية جينية. كل ما نعتبره سامياً أو معقداً في التجربة الإنسانية يتم اختزاله إلى مستويات مادية أدنى. فالوعي البشري، الحب، الإيثار، والتجربة الجمالية، ليست سوى تفاعلات كيميائية في الدماغ، وإفرازات هرمونية تطورت عبر ملايين السنين لضمان بقاء النوع البشري. في هذا الكون المغلق، لا يوجد مكان للإرادة الحرة الحقيقية؛ فنحن محكومون بقوانين الفيزياء والكيمياء التي تسير ذرات أجسادنا، وما شعورنا بالحرية سوى وهم بيولوجي ضروري لبقائنا. الإنسان في الرؤية العلموية يعاني من تهميش كوني؛ فهو مجرد ذرة غبار واعية على كوكب صغير يدور حول نجم عادي في حافة مجرة من مليارات المجرات في كون بارد ولا مبالٍ.
ولكن المعضلة الفلسفية الأكثر تعقيداً التي تواجه العلموية، والتي يتوقف عندها ستينمارك طويلاً، هي مشكلة الأخلاق والمعنى. إذا كان الكون مجرد مادة صماء، وإذا كان الإنسان مجرد آلة بيولوجية، فمن أين نستمد قيمنا الأخلاقية؟ وكيف نميز بين الخير والشر؟ تصطدم العلموية هنا بما يُعرف في الفلسفة بـ “مقصلة هيوم”، وهي الاستحالة المنطقية لاستنتاج ما “يجب أن يكون” (الأخلاق) مما “هو كائن” (العلم الوصفي). العلم التجريبي يستطيع أن يخبرنا كيف تنشطر الذرة، لكنه لا يستطيع أن يخبرنا ما إذا كان من الأخلاقي استخدامها لصنع قنبلة أو لتوليد الكهرباء. للخروج من هذا المأزق، تلجأ العلموية إلى ما يسمى بـ “الأخلاق التطورية”، حيث يتم تفسير الأخلاق على أنها مجرد استراتيجية بقاء جماعية. التعاون والإيثار ليسا قيمتين مفارقتين أو وصايا مقدسة، بل هما حيلتان جينيتان طورتهما الطبيعة لضمان تماسك القطيع البشري وبالتالي استمراره. ورغم أن هذا التفسير قد يبدو متماسكاً من الناحية البيولوجية، إلا أنه يفرغ الأخلاق من قيمتها المطلقة، ويجعلها مجرد أعراف بيولوجية نسبية، مما يطرح تساؤلاً مرعباً: إذا تغيرت شروط بقائنا البيولوجي في المستقبل، هل ستصبح الخيانة أو القتل فضائل تطورية؟
أما فيما يخص معنى الحياة، فإن العلموية تقدم إجابة تتسم بالتشاؤم الكوني أو العدمية المبطنة. بما أن الكون لم يُخلق لغاية محددة، وبما أن التطور مجرد عملية عمياء لا تتجه نحو هدف مرسوم، فإن الحياة في جوهرها خالية من أي معنى موضوعي أو متأصل. كل ما يملكه الفرد العلموي هو محاولة خلق معناه الخاص والمؤقت خلال فترة حياته القصيرة، مستنداً إلى الاستمتاع بالمعرفة، أو تقليل المعاناة، أو السعي وراء السعادة البيولوجية، مقراً في الوقت ذاته بأن هذا المعنى سيتلاشى تماماً مع فناء وعيه بالموت، ومع الموت الحراري النهائي للكون. هذه الرؤية الصارمة والباردة للواقع تتطلب شجاعة نفسية هائلة لاعتناقها، وهو ما يتباهى به منظرو العلموية أمثال ريتشارد دوكينز وأليكس روزنبرغ، معتبرين أن القدرة على مواجهة هذا الواقع العاري دون اللجوء إلى “الخرافات المعزية” هي قمة النضج الفكري.
لكن ستينمارك لا يكتفي بعرض هذه الرؤية، بل يسلط عليها أدواته النقدية والفلسفية. يبرز الكتاب كيف أن العلموية تحمل في طياتها بذور تناقضها الذاتي، أو ما يمكن تسميته بـ “الهزيمة الذاتية”. فالادعاء المركزي للعلموية القائل بأن “العلم التجريبي هو المصدر الوحيد للمعرفة الحقيقية”، هو في حد ذاته ادعاء فلسفي لا يمكن إثباته في المختبر. لا توجد تجربة كيميائية أو معادلة فيزيائية يمكنها أن تثبت أن العلم هو المصدر الأوحد للحقيقة. وبالتالي، فإن المبدأ التأسيسي للعلموية ينهار أمام معايير العلموية ذاتها. علاوة على ذلك، يوضح ستينمارك كيف أن الاختزالية الشديدة التي تمارسها العلموية تؤدي إلى تجريد الإنسان من قيمته المتأصلة وكرامته الفطرية. فإذا كنا مجرد حزم من الخلايا والجينات التي تقودها الصدفة، فبأي حق نؤسس لحقوق الإنسان العالمية غير القابلة للتصرف؟ وكيف يمكننا أن نبرر التفوق الأخلاقي للإنسان على بقية الكائنات الحية إذا كنا جميعاً مجرد نتاج لنفس العملية التطورية العمياء؟
إن هذا الخواء القيمي والأخلاقي الذي تتركه العلموية وراءها، وهذا التجريد القاسي للإنسان من كرامته الاستثنائية، هو ما يولد الحاجة الماسة لظهور رؤية علمانية بديلة ومختلفة جذرياً. رؤية تحاول أن تحافظ على استقلالها عن الدين وإيمانها بالطبيعة، لكنها تستميت في الوقت ذاته للدفاع عن مركزية الإنسان، وكرامته المطلقة، وقدرته على بناء منظومة أخلاقية صلبة ودافئة تعوض قسوة الكون المادي. هذا التوتر الدرامي بين برودة العلموية وحرارة القيم الإنسانية سينقلنا مباشرة إلى تشريح ثاني أهم الرؤى العلمانية في العالم المعاصر، ألا وهي “الإنسانية العلمانية” (Secular Humanism). فكيف ستحاول هذه الرؤية التوفيق بين إلحادها والتزامها العميق بحقوق الإنسان؟ وما هي التحديات الفلسفية التي تواجهها وهي تحاول بناء “أخلاق مقدسة بدون إله”؟ هذا ما سنغوص في تفاصيله العميقة في الدفعة الرابعة القادمة من قراءتنا لهذا السفر الفلسفي المهم.
دراسة مقارنة – الإنسانية العلمانية: قداسة الإنسان في كون بلا إله
يبرز ميكائيل ستينمارك ليحلل لنا الرؤية العلمانية الأكثر شيوعاً، والأكثر نبلاً في ادعاءاتها، والأكثر تأثيراً في صياغة دساتير ومواثيق العالم الحديث: “الإنسانية العلمانية” (Secular Humanism). هذه الرؤية لا تكتفي برفض الدين، بل تتمرد بشراسة أيضاً على برودة العلموية، محاولةً إنجاز مهمة تبدو شبه مستحيلة: الحفاظ على أنطولوجيا الكون المغلق الخالي من الإله، وفي الوقت نفسه، تتويج الإنسان ككائن مقدس يمتلك كرامة مطلقة وحقوقاً غير قابلة للتصرف.
يبدأ ستينمارك برسم الملامح الإبستمولوجية (المعرفية) والأنطولوجية (الوجودية) للإنسانية العلمانية، موضحاً أنها تشترك مع العلموية في الإيمان القاطع بأن الكون المادي هو كل ما يوجد، وأن المنهج العلمي والعقلاني هو الأداة الفضلى لفهم هذا الكون. لا مجال هنا للإيمان بالوحي، أو المعجزات، أو التدخل الإلهي، أو الحياة بعد الموت. ولكن، على النقيض التام من الاختزالية القاسية للعلموية، ترفض الإنسانية العلمانية بشدة فكرة أن الإنسان “مجرد” مجموعة من الذرات أو الجينات الأنانية. وتتبنى بدلاً من ذلك مفهوماً فلسفياً بالغ الأهمية يُعرف بـ “الانبثاق” (Emergence). يجادل الإنسانيون العلمانيون بأنه عندما تتنظم المادة في أشكال بالغة التعقيد، كما هو الحال في الدماغ البشري، تنبثق خصائص جديدة وحقيقية تماماً لا يمكن اختزالها في أجزائها المادية المكونة لها. الوعي، الإرادة الحرة، القدرة على الحب، الإبداع الفني، والضمير الأخلاقي؛ كل هذه الظواهر ليست أوهاماً بيولوجية تطورية كما تدعي العلموية، بل هي حقائق أصيلة تميز الجنس البشري وتضعه في قمة الهرم الكوني المحايث.
هذا التأسيس الفلسفي يمهد الطريق للمعتقد الجوهري والصلب الذي تدور حوله الإنسانية العلمانية بأكملها، والذي يمثل مركز الثقل في هذه الرؤية: “الكرامة الإنسانية المطلقة والمتأصلة”. في الأديان الإبراهيمية، يستمد الإنسان كرامته من كونه مخلوقاً “على صورة الله”، مما يمنحه قداسة مستمدة من الخالق. لكن الإنسانية العلمانية، بعد أن أزاحت الخالق من المشهد، كان عليها أن توطن هذه القداسة في الإنسان ذاته. الإنسان هنا هو المشرع الأوحد، وهو مركز الكون الأخلاقي، وقيمته لا تنبع من أصله الإلهي ولا من فائدته المجتمعية، بل هي قيمة جوهرية متأصلة في طبيعته ككائن عاقل وقادر على الشعور والتفكير المستقل. إن هذا الإيمان العميق بمركزية الإنسان هو الذي ألهم صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهو الذي يدفع الإنسانيين العلمانيين للانخراط بشغف في معارك العدالة الاجتماعية، ومكافحة التمييز، وتخفيف المعاناة البشرية في كل مكان.
ومن هذا المركز الصلب، تتفرع الرؤية الأخلاقية للإنسانية العلمانية. يوضح ستينمارك كيف يتم استبدال مفهوم “الوصايا الإلهية” بمفهوم “الازدهار البشري” (Human Flourishing). الأخلاق في هذه الرؤية ليست طاعة لأوامر مفارقة، بل هي جهد عقلاني وتعاطفي مشترك يهدف إلى خلق مجتمعات يمكن للفرد فيها أن يحقق أقصى إمكاناته، وأن يعيش حياة خالية من الألم غير المبرر والقمع. المعيار النهائي للخير والشر هنا هو مدى مساهمة الفعل في تعزيز سعادة ورفاهية الإنسان، بناءً على قاعدة التعاطف الإنساني المتبادل التي يصيغها العقل. وبالمثل، فإن “معنى الحياة” لا يتم اكتشافه كخطة كونية سابقة التجهيز، بل يتم “خلقه” وصناعته بأيدينا. نحن من نضفي المعنى على هذا الكون الصامت من خلال التضامن مع بني جنسنا، ومن خلال الفن والأدب والعلم، ومن خلال ترك العالم مكاناً أفضل للأجيال القادمة، مع قبولنا الشجاع بحقيقة أن وجودنا الفردي سينتهي تماماً بالموت.
إلى هنا، تبدو الإنسانية العلمانية كرؤية متماسكة ودافئة وقادرة على حمل لواء الأخلاق في العصر الحديث. لكن ستينمارك، بصفته فيلسوفاً ومحللاً نقدياً، لا يترك هذه الرؤية دون إخضاعها لاختبار إجهاد فلسفي قاسٍ. يسلط الكتاب الضوء على المعضلة الأكثر إرباكاً للإنسانية العلمانية، وهي ما يطلق عليه بعض النقاد “مشكلة رأس المال المستعار” (Borrowed Capital). يتساءل الفلاسفة المتدينون، ومعهم فلاسفة العدمية من أمثال فريدريك نيتشه: هل يمكن للإنسانية العلمانية حقاً أن تبرر إيمانها بـ “الكرامة المطلقة” لجميع البشر بناءً على أنطولوجيا مادية داروينيزمية بحتة؟ إذا كنا، وفقاً لقصة التطور العلمانية، مجرد حيوانات رئيسية متطورة ظهرت بالصدفة العمياء في كون لا مبالٍ، فمن أين تأتي هذه “القداسة” التي نسبغها على أنفسنا دون غيرنا من الكائنات؟ لماذا نمتلك حقوقاً غير قابلة للتصرف بينما لا تمتلكها بقية الطبيعة؟
يجادل النقاد بأن الإنسانية العلمانية تعيش في الواقع على إرث أخلاقي مستعار من الأديان التي تحاربها. إنها تحاول الاحتفاظ بالثمار (حقوق الإنسان، المساواة، الكرامة المطلقة) بعد أن قطعت الشجرة التي طرحتها (الإيمان بخالق يمنح هذه الحقوق). نيتشه كان واضحاً في هذا عندما سخر من العلمانيين الذين يعتقدون أن بإمكانهم التخلص من الإله المسيحي والاحتفاظ بالأخلاق المسيحية في الوقت نفسه، معتبراً إياهم أقل شجاعة من مواجهة العدمية الحتمية التي تفرضها رؤيتهم المادية. هذا التوتر الفلسفي العميق بين الأساس المادي للكون الذي تؤمن به الإنسانية العلمانية، وبين صرحها الأخلاقي الشاهق والنبيل، يمثل نقطة الضعف المركزية التي تتطلب دفاعاً مستمراً وتبريراً معقداً من قبل منظريها.
إن هذه المحاولة المستميتة لرفع الإنسان إلى مرتبة مقدسة استناداً إلى طبيعته البيولوجية والعقلانية الحالية تبدو بالنسبة للبعض غير كافية، بل ومقيدة. ماذا لو كانت طبيعتنا البشرية الحالية بكل هشاشتها وضعفها وأمراضها وحتمية موتها ليست نهاية المطاف؟ ماذا لو لم نكتفِ بتمجيد الإنسان كما هو، بل سعينا لتجاوزه جذرياً باستخدام التكنولوجيا التي نملكها؟ هذا الطموح الجذري الذي يحاول تجاوز محدودية البيولوجيا البشرية ينقلنا إلى رؤية علمانية جديدة وأكثر راديكالية، رؤية لا تكتفي بإنكار الإله، بل تطمح إلى أن يصبح الإنسان نفسه هو الإله.
رؤى العالم المعاصرة: دراسة مقارنة – التجاوزية الإنسانية ووهم الخلود التكنولوجي
تبرز الرؤية العلمانية الثالثة والأكثر راديكالية وجموحاً في كتاب ميكائيل ستينمارك: “التجاوزية الإنسانية” أو “ما بعد الإنسانية” (Transhumanism). هذه الرؤية لا تكتفي برفض الإله كما تفعل الإنسانية العلمانية، ولا تقف عند حدود تقبل ضعف الإنسان وحتميته البيولوجية، بل تعلن تمرداً شاملاً ونهائياً على الطبيعة البشرية ذاتها. بالنسبة للتجاوزيين الإنسانيين، الإنسان في صورته الحالية ليس تاج الخليقة ولا نهاية قصة التطور، بل هو مجرد مرحلة انتقالية، مسودة أولية مليئة بالعيوب والأخطاء الجينية، وجسر يجب عبوره نحو كائن أرقى وأقوى وأكثر كمالاً: “إنسان ما بعد المرحلة البشرية” (Posthuman).
تتأسس التجاوزية الإنسانية على قاعدة إبستمولوجية وأنطولوجية مادية بحتة، فهي تؤمن بالكون المغلق الذي تسيطر عليه قوانين الفيزياء. لكنها، على عكس العلموية الباردة والإنسانية العلمانية المستسلمة لقدر الموت، تمتلك طموحاً لاهوتياً مقنعاً بقناع العلم. يوضح ستينمارك ببراعة نقدية كيف أن هذه الرؤية تعتمد بشكل مطلق على ما يُعرف بتقنيات “التقارب” (NBIC) والتي تشمل تكنولوجيا النانو، والتكنولوجيا الحيوية، وتكنولوجيا المعلومات، والعلوم المعرفية. الهدف الاستراتيجي الأسمى لهذه الرؤية ليس مجرد علاج الأمراض أو تخفيف المعاناة كما كانت تفعل الأديان والأنظمة الأخلاقية التقليدية، بل هو التدخل المباشر في تصميمنا البيولوجي لإعادة هندسة الإنسان. إنهم يسعون لتحقيق ما يسمونه بـ “الثالوث التجاوزي”: الذكاء الفائق الذي يتجاوز عبقرية أينشتاين بفضل دمج الدماغ البشري بالذكاء الاصطناعي، والرفاهية العاطفية الفائقة عبر التلاعب الجيني والهرموني للقضاء على الاكتئاب والمعاناة النفسية، وأخيراً، وهو الأهم، العمر المديد الفائق الذي يطمح لهزيمة الشيخوخة وربما قهر الموت نهائياً.
هنا يصل تحليل ستينمارك الفلسفي إلى حيث يكشف لنا أن التجاوزية الإنسانية، ورغم عدائها المعلن للميتافيزيقا والأديان، تعمل في الواقع كـ “دين علماني بديل” بامتياز، يمتلك عقيدته الخاصة وسرديته الخلاصية. فإذا كانت الأديان الإبراهيمية تبشر بالخلاص الأخروي والحياة الأبدية في الفردوس بتدخل إلهي، فإن التجاوزية الإنسانية تبشر بـ “خلاص تكنولوجي” محايث، حيث تقوم التكنولوجيا مقام المنقذ. ومفهوم “التفرد التكنولوجي” (Singularity) – وهي اللحظة المستقبلية التي سيتجاوز فيها الذكاء الاصطناعي الذكاء البشري ويغير مسار التاريخ – يلعب دوراً مطابقاً تماماً لدور “نهاية الزمان” أو “يوم القيامة” في السرديات الدينية. أما حلم رفع الوعي البشري وتحميله على حواسيب عملاقة (Mind Uploading) ليعيش الفرد حياة رقمية أبدية خالية من أعباء الجسد المادي المريض، فهو النسخة العلمانية المعاصرة والصريحة جداً لمفهوم “خلود الروح” وانفصالها عن الجسد الفاني. إنهم يحاولون سرقة النار من الآلهة، ليصبح الإنسان هو الإله الخالق لنفسه (Homo Deus).
لكن هذه اليوتوبيا التكنولوجية لا تمر دون تدقيق فلسفي وأخلاقي صارم من قبل المؤلف. يطرح ستينمارك تساؤلات مرعبة حول التداعيات الأخلاقية لهذه الرؤية: إذا أصبح التعزيز التكنولوجي والبيولوجي متاحاً، فهل سيكون حكراً على الأغنياء والشركات الكبرى، مما يخلق شرخاً أنطولوجياً غير مسبوق في التاريخ بين “البشر المحسنين” الذين يتمتعون بالصحة والذكاء الخارق والخلود النسبي، وبين “البشر الطبيعيين” الذين سيبقون أسرى لضعفهم وأمراضهم ليتحولوا إلى طبقة أدنى أو كائنات متخلفة؟ وإلى جانب مشكلة العدالة، يبرز مأزق “فقدان الماهية”. فعندما نلغي الألم، والحزن، والموت، والمحدودية من التجربة الإنسانية، ألا نكون بذلك قد قضينا على الشروط الأساسية التي تجعلنا بشراً؟ إن التضامن، والرحمة، والشجاعة، وحتى الإبداع الفني العظيم، هي فضائل ولدت من رحم هشاشتنا ومعاناتنا ووعينا بنهايتنا الحتمية. التجاوزية الإنسانية في سعيها لخلق كائن خالي من العيوب، قد تنتهي بخلق آلات ذكية لكنها مفرغة من المعنى والعمق الروحي الذي ميز التجربة البشرية لآلاف السنين.




