وطنٌ من قرنفل وشوق.. كيف شكّل الشتات الهندي وجه زنجبار الحديث؟

رحلة الهنود إلى زنجبار: قراءة معمقة في كتاب سعدة وهاب حول الشتات، التجارة، والسياسة (1870-1963)
تُعد جزر زنجبار بؤرة تاريخية ساحرة تلاقت على شواطئها أمواج المحيط الهندي حاملةً معها ثقافات، وأعراقاً، وتيارات تجارية شكلت فسيفساء ديموغرافية استثنائية. وفي هذا السياق الجغرافي والسياسي المعقد، يبرز كتاب “تاريخ الهنود في زنجبار من سبعينيات القرن التاسع عشر إلى عام 1963” للباحثة سعدة وهاب كوثيقة تاريخية بالغة الأهمية. صدر هذا الكتاب ضمن سلسلة غوتينغن للأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية في عام 2022 ، ليقدم تشريحاً دقيقاً ومفصلاً للحياة الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية للهنود في زنجبار.
رياح التجارة الأولى: كيف بدأت القصة؟
لم تكن هجرة الهنود إلى الساحل الشرقي لأفريقيا وليدة القرن التاسع عشر؛ بل هي قصة ضاربة في جذور التاريخ. يشير الكتاب إلى أن التجار من الهند وفارس والجزيرة العربية كان لديهم روابط تجارية مع ساحل شرق أفريقيا منذ وقت مبكر. كانت الرياح الموسمية تلعب دوراً حاسماً في هذه الرحلات؛ حيث كانت الرياح الشمالية الشرقية (الكاسكازي) تجلب التجار إلى شرق أفريقيا بين شهري ديسمبر ومارس ، بينما كانت الرياح الجنوبية الغربية (الكوسي) تعيدهم إلى أوطانهم بين شهري مايو وأغسطس.
ومع ذلك، أخذت هذه الهجرة طابعاً مؤسسياً وأكثر كثافة مع بزوغ فجر الإمبراطورية العمانية في شرق أفريقيا. شكل قرار السلطان سعيد بن سلطان بنقل عاصمة حكمه من مسقط إلى زنجبار في عام 1840 نقطة تحول مفصلية. لبناء إمبراطوريته التجارية، أدرك السلطان الحاجة الماسة لرأس المال والخبرة المالية، فقام بدعوة التجار الهنود (الذين كانوا نشطين بالفعل في مسقط) لمرافقته إلى زنجبار، واعداً إياهم بالأمن والفرص التجارية المتعددة.
عوامل الدفع والجذب: الهروب من الموت نحو الفرص
لماذا ترك هؤلاء الهنود قراهم ومدنهم للعيش في جزر بعيدة؟ تتناول سعدة وهاب ببراعة نظرية “الدفع والجذب” لتفسير هذه الظاهرة. لم يكن الأمر مقتصراً على البحث عن الثراء، بل كان في كثير من الأحيان مسألة بقاء.
عوامل الدفع (قسوة الطبيعة والاقتصاد): عانت الأجزاء الغربية من الهند، وتحديداً ولاية غوجارات ومنطقة كوتش، من كوارث طبيعية متكررة ومروعة. كان هطول الأمطار غير منتظم، مما جعل هذه المناطق عرضة لموجات متعاقبة من المجاعات القاتلة طوال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. بالإضافة إلى ذلك، اجتاحت الأوبئة مثل الكوليرا، والملاريا، والجدري، والطاعون، والإنفلونزا تلك المناطق، حاصدة أرواح عشرات الآلاف. هذه الظروف القاسية، مصحوبة بالفقر المدقع والبطالة، دفعت العديد من الشباب الهنود (حتى الأطفال في سن العاشرة) للهروب نحو شرق أفريقيا بحثاً عن الخلاص.
عوامل الجذب (بريق العاج والقرنفل): في المقابل، كانت زنجبار تتلألأ كمركز تجاري عالمي بفضل سياسات السلطان سعيد والطلب العالمي المتزايد على السلع. كانت تجارة العاج إحدى أهم عوامل الجذب؛ حيث كان العاج الأفريقي يحظى بطلب هائل في الهند لصناعة الأساور النسائية التي تُدمر عند وفاة صاحبتها، مما يضمن استمرار الطلب. إلى جانب العاج، كانت تجارة المنسوجات القطنية (مثل قماش الكانيكي الهندي المصبوغ بالنيلي) رائجة بشدة في زنجبار ومطلوبة لإلباس العبيد في المزارع. كل هذه العوامل، إضافة إلى الإدارة البريطانية لاحقاً التي فتحت أبواب التوظيف للهنود في سلك الشرطة (خاصة السيخ) والسكك الحديدية والإدارة ، جعلت من زنجبار أرضاً واعدة.
فسيفساء الأديان: تنوع مجتمع المهاجرين
من أبرز وأعمق الفصول التي قدمتها وهاب في بحثها هو تفكيكها لصورة “المهاجر الهندي” ككتلة متجانسة. لقد كان الهنود في زنجبار ممزقين ومقسمين بناءً على خطوط دينية وطائفية صارمة، وهو ما أثر بشكل جذري على أنماط هجرتهم وطرق عيشهم. انقسم الهنود إلى ثلاثة أديان رئيسية: الهندوس، والمسلمون، والمسيحيون.
1. الهندوس ومعضلة عبور البحر (الكالا باني): كان الهندوس من أوائل المهاجرين، وانقسموا إلى طوائف أهمها “البهاتيا” (البانيان) و”اللوهانا”. سيطر البهاتيا على تجارة الجمارك والتمويل في أوائل القرن التاسع عشر. لكن النقطة الأكثر إثارة للاهتمام هي تأثير معتقدهم الديني، وتحديداً عقيدة (الكالا باني)، التي تحرم على الهندوس من الطبقات العليا عبور البحر، لاعتقادهم أن ذلك يقطعهم عن مياه نهر الغانج المقدسة وينهي دورة التناسخ.
بسبب هذا المعتقد، لم يجلب الهندوس نساءهم إلى زنجبار في البداية. جاء الرجال كعُزّاب أو تركوا زوجاتهم في الهند، وكانوا يُعرفون بـ “طيور العبور”؛ حيث يمكثون سنوات لجمع المال ثم يعودون إلى الهند. أدى غياب النساء الهندوسيات الملتزمات بقواعد الطهارة الدينية وإعداد الطعام إلى لجوء الرجال الهندوس لجلب طهاة من الهند من طبقات أدنى (مثل طائفة البوي) لتلبية احتياجاتهم. كما أدى هذا الوضع إلى انخراط بعض الرجال الهندوس في علاقات سرية أو زيجات غير معترف بها دينياً مع نساء أفريقيات أو عربيات ، ولم تتغير هذه الديناميكية إلا في أواخر القرن التاسع عشر عندما شجع السلطان برغش بن سعيد كبار التجار الهندوس على جلب زوجاتهم، متعهداً بتوفير بيئة تحترم خصوصيتهن وعاداتهن (المرجاد).
2. المسلمون وهجرة العائلات: على النقيض من الهندوس، لم يكن لدى المسلمين الهنود (سنة وشيعة) أي قيود دينية تمنع عبور البحر. شملت هذه المجموعات طوائف الخوجة (الإسماعيلية والاثنا عشرية)، والبهرة، والميمون. نظراً لغياب هذا المحرم الديني، هاجر العديد من المسلمين الهنود برفقة زوجاتهم وأطفالهم ليستقروا بشكل دائم في زنجبار. بنى هؤلاء منازل دائمة واندمجوا ثقافياً ولغوياً بشكل أسرع مع السكان المحليين، خاصة وأن الغالبية العظمى من سكان زنجبار كانوا من المسلمين أيضاً.
إلا أن هذا الاندماج لم يخلُ من تعقيدات طبقية. فالرجال الهنود المسلمون الذين تزوجوا من نساء أفريقيات (خاصة قبل قدوم عائلاتهم الهندية) أنجبوا جيلاً من أبناء الأعراق المختلطة الذين عُرفوا محلياً بكلمة “شوتارا” (Chotara). واجه هؤلاء الأطفال تمييزاً قاسياً من داخل طوائف آبائهم الهندية؛ حيث نُظر إليهم بازدراء وتم إقصاؤهم اجتماعياً، بل وحُرم الكثير منهم من حقوق الميراث أو الزواج من داخل الطائفة الهندية.
3. المسيحيون الغوان (Goans): كانت المجموعة الثالثة هي الهنود المسيحيين الكاثوليك المنحدرين من مستعمرة غوا البرتغالية. تأثر هؤلاء بشدة بالثقافة ونمط الحياة البرتغالي. اندمجوا بشكل ملحوظ في قطاعات التجزئة، والتصوير، والخياطة، والإدارة الحكومية. تميزت أنماط هجرتهم بالمرونة؛ فقد كانوا يجلبون زوجاتهم وعائلاتهم دون عوائق دينية ، لكنهم كانوا يضطرون غالباً لإرسال أطفالهم، وخاصة الذكور، عائدين إلى غوا أو إلى أوروبا للحصول على تعليم كاثوليكي بمجرد بلوغهم سن الثانية عشرة، ليعود هؤلاء الأطفال لاحقاً للعمل في شرق أفريقيا كبالغين.
ساحة المعركة التعليمية: المدارس كحصون للهوية
تؤكد وهاب في كتابها أن التعليم كان أحد أعقد التحديات في زنجبار بسبب تنوعها الديموغرافي والديني. لفترات طويلة، كان التعليم في زنجبار مقصوراً على الكتاتيب والمدارس القرآنية التي تعود جذورها إلى فترة الهجرة الشيرازية بين القرنين الثامن والعاشر. كانت هذه المدارس تلبي الاحتياجات الروحية للمسلمين (عرباً وأفارقة)، حيث كان يُعتبر ختم القرآن الكريم بحلول سن العاشرة هو قمة الإنجاز التعليمي.
ومع التغلغل الأوروبي في أواخر القرن التاسع عشر، بدأت الإرساليات المسيحية، مثل بعثة الروح القدس الكاثوليكية وبعثة الجامعات إلى وسط أفريقيا (UMCA)، في افتتاح مدارس علمانية كانت تهدف بالأساس إلى إيواء وتعليم العبيد المحررين. وبطبيعة الحال، قاطع المسلمون من العرب والأفارقة هذه المدارس خوفاً من التنصير. هنا، وجد الهنود أنفسهم في مأزق؛ فهم يحتاجون بشدة إلى التعليم العلماني لتسيير أعمالهم التجارية، لكنهم يرفضون إرسال أبنائهم لمدارس تبشيرية لا تحترم خصوصيتهم الدينية، باستثناء طائفة “الغوان” المسيحية التي استفادت من مدرسة دير القديس يوسف الكاثوليكية التي تأسست عام 1895.
أدرك الهنود أن عليهم أخذ زمام المبادرة. وبعد ضغوط ومفاوضات، نجحوا في جمع تبرعات تراوحت بين 50 ألف إلى 56 ألف روبية لتأسيس أول مدرسة هندية في زنجبار وشرق أفريقيا عام 1891، والتي سُميت بـ “مدرسة السير إيوان سميث” (SESM) تيمناً بالقنصل البريطاني الذي دعم الفكرة. كانت هذه المدرسة علمانية بحتة، مفتوحة لجميع الفتيان الهنود بغض النظر عن طوائفهم، واعتمدت اللغة الغوجاراتية كلغة للتدريس.
المدارس الطائفية: حماية العقيدة أم تكريس للانقسام؟
رغم نجاح مدرسة (SESM)، إلا أنها افتقرت إلى شيء أساسي بالنسبة للعائلات الهندية: “التعليم الديني”. رفض الآباء الهنود أن يتلقى أبناؤهم تعليماً علمانياً فقط، وكانوا يخشون من تذويب هوياتهم الطائفية. أدى هذا الخوف إلى تفجر ظاهرة “المدارس الطائفية”، حيث بدأت كل طائفة هندية غنية بتأسيس مدرسة خاصة بها:
-
مدارس طائفة الخوجة الإسماعيلية: بفضل الدعم المالي الهائل لزعيمهم “الآغا خان الثالث” وتجار أثرياء مثل ثاريا توبان، افتتحوا مدرسة للبنات عام 1905 وأخرى للبنين عام 1907. تميزت هذه المدارس بتقديم تعليم مجاني لأبناء الطائفة، وتدريس مناهج قوية وصلت لاحقاً إلى إعداد الطلاب لاختبارات شهادة كامبريدج المتقدمة.
-
مدارس طائفة البهرة: لحقت طائفة البهرة بالركب وافتتحت “المدرسة المحمدية” عام 1909، والتي كانت مدرسة مختلطة للبنين والبنات.
-
مدارس الاثنا عشرية (الشيعة): أسسوا مدرسة “قوة الإسلام” عام 1912، ثم مدرسة “داتوبهاي هيماني” للبنات عام 1920 بناءً على وصية تاجر ثري اشترط تعليم الفتيات القرآن والاقتصاد المنزلي مجاناً.
-
المدارس الهندوسية: أسسوا مدرسة مجانية للبنات عام 1923 ومدرسة “آريا ساماج” عام 1925. ولأنهم لم يدرسوا الدين في فصولهم، جذبت مدارسهم بعض الفتيات من طوائف غير هندوسية، وهو ما حاول مديرو المدرسة تقليصه عبر مضاعفة الرسوم على الطالبات من خارج الطائفة.
يكشف هذا التشظي التعليمي عن حقيقة جوهرية: رغم أن الهنود عُرفوا ككتلة اقتصادية واحدة أمام البريطانيين والعرب، إلا أنهم كانوا في الداخل مجتمعاً بالغ التفتت، يعتز كل فصيل فيه بانفراده العقائدي ويرفض حتى اختلاط الأطفال على مقاعد الدراسة.
فخ الديون وإلغاء العبودية: غيوم الحرب الاقتصادية تتجمع
بالتوازي مع معاركهم التعليمية، كان الهنود يخوضون حرباً اقتصادية صامتة ومميتة. طوال القرن التاسع عشر، اعتمد اقتصاد زنجبار على ركيزتين: تجارة القرنفل وتجارة العبيد. كان الهنود يسيطرون على تمويل هذه العمليات، حيث كانوا بمثابة “البنوك غير الرسمية” التي تقرض التجار والمزارعين (ومعظمهم من العرب) الأموال اللازمة لتسيير المزارع.
جاءت الضربة الأولى للعرب حين ضغطت بريطانيا بقوة لإلغاء تجارة العبيد (1873) ثم إلغاء العبودية تماماً (1897). وجد ملاك مزارع القرنفل العرب أنفسهم فجأة محرومين من الأيدي العاملة المجانية، واضطروا لدفع أجور للعمال، مما أوقعهم في فخ الديون المتراكمة. للنجاة، قام المزارعون العرب برهن مزارعهم وأراضيهم للمرابين الهنود بفوائد باهظة من خلال أنظمة معقدة مثل “بيع الخيار” (رهن بضمان البيع).
بحلول عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، ومع تفجر أزمة الكساد العظيم وانهيار أسعار القرنفل العالمية، عجز العرب عن سداد الديون. وبدأت الأراضي الزراعية تتسرب من أيدي العرب إلى أيدي الهنود. في عام 1933، أصدر مسؤولان بريطانيان (بارتليت ولاست) تقريراً صادماً أشار إلى أن نصف الممتلكات الزراعية في الجزر قد انتقلت أو في طريقها للانتقال إلى أيدي المرابين الهنود.
المراسيم الاستعمارية لعام 1934: بريطانيا تقرر تكسير العظام
أثار هذا التقرير ذعراً في الإدارة البريطانية، التي كانت تعتبر زنجبار رسمياً “دولة عربية” وترى ضرورة حماية النخبة العربية الحاكمة لضمان استقرار النظام الاستعماري. في خطوة دراماتيكية ومفاجئة، وفي غضون 12 يوماً فقط من شهر يونيو 1934، مرر المجلس التشريعي البريطاني في زنجبار ستة مراسيم اقتصادية قاسية تهدف صراحة إلى تدمير النفوذ المالي الهندي وإنقاذ العرب.
كان من أخطر هذه المراسيم:
-
مرسوم نقل ملكية الأراضي: منع هذا القانون العرب والأفارقة من بيع أو نقل ملكية أراضيهم لأي شخص غير عربي أو أفريقي (أي الهنود) دون موافقة شخصية من المقيم البريطاني، كما جمّد تنفيذ قرارات المحاكم ببيع الأراضي المرهونة لمدة عام كامل.
-
مرسوم جمعية مزارعي القرنفل (CGA): منح هذا المرسوم احتكاراً شبه كامل للجمعية (التي كانت تديرها الإدارة الاستعمارية وأوروبيون) للتحكم في شراء وتصدير القرنفل، ومنحها إعفاءات ضريبية هائلة، مما أخرج التجار والوسطاء الهنود من السوق تماماً.
-
مرسوم مصدري القرنفل: فرض قيوداً ورسوماً باهظة (تصل إلى 5000 روبية) على أي شخص يرغب في تصدير القرنفل، وأعطى سلطة رفض التراخيص لمجلس (CGA)، مما هدد بتصفية الوجود الهندي في تجارة التصدير.
بالنسبة للهنود، كانت هذه المراسيم بمثابة إعلان حرب عنصرية تستهدف إبادتهم اقتصادياً. لقد رأوا فيها تمييزاً فجاً يعاملهم كأجانب رغم أن أكثر من 80% منهم وُلدوا وعاشوا لأجيال في زنجبار واعتبروها وطنهم. تساءل الممثل الهندي في المجلس التشريعي حينها بمرارة: “هل كانت هذه التشريعات لتمر لو كان الدائنون بريطانيين؟”.
لقد أُغلقت الأبواب في وجه الهنود، ووجدوا أنفسهم محاصرين بين إفلاس وشيك وفقدان لأموالهم التي أقرضوها، وبين إدارة استعمارية مصممة على تهميشهم. لكن الرد الهندي لم يكن الاستسلام، بل دشنوا واحدة من أعظم حركات المقاومة المدنية والتنظيم السياسي في تاريخ شرق أفريقيا.
رحلة الهنود إلى زنجبار : سلاح المقاطعة، ورياح التغيير السياسي، ومأزق الهوية العالقة
تسترسل الباحثة سعدة وهاب في تفكيك المشهد الزنجباري، منتقلةً بنا من مأزق القوانين الجائرة إلى ملحمة المقاومة المدنية التي اجتاحت الجزر في ثلاثينيات القرن الماضي. فبعد صدور مراسيم عام 1934 التي استهدفت تقويض النفوذ المالي الهندي، لم يجد المجتمع الهندي بدّاً من التخلي عن انقساماته الطائفية العميقة والاصطفاف خلف راية واحدة. كانت “الجمعية الوطنية الهندية” (Indian National Association) هي المحرك الرئيس لهذا التحول، حيث أدرك التجار والممولون أن بقاءهم في شرق أفريقيا بات مهدداً في الصميم، وأن الاستجابة لا بد أن تكون بحجم التحدي الاستعماري.
دخلت زنجبار في عام 1937 نفقاً من المواجهة الاقتصادية الصارمة، حين أعلن الهنود مقاطعة شاملة لتجارة القرنفل، وهو المحصول الذي كان يمثل شريان الحياة للاقتصاد المحلي. لم تكن هذه المقاطعة مجرد احتجاج عابر، بل كانت استراتيجية “خنق متبادل” مدروسة بعناية؛ فقد توقف المصدرون الهنود عن شحن المحصول، وامتنع الوسطاء عن شرائه من المزارعين، مما أدى إلى تكدس أطنان القرنفل في المخازن وبداية انهيار مالي صاعق للحكومة الاستعمارية التي تعتمد على رسوم التصدير. تبرز وهاب في هذا السياق كيف استلهم هنود زنجبار تكتيكات “الساتياغراها” أو المقاومة السلمية من الزعيم الهندي المهاتما غاندي، محولين معركتهم الاقتصادية المحلية إلى قضية رأي عام دولي وصلت أصداؤها إلى أروقة البرلمان في لندن وإلى قيادات حزب المؤتمر الوطني في الهند.
ولم تكن المقاومة معزولة عن سياقها العالمي، إذ تروي الباحثة كيف هبّت الهند “الأم” لنجدة أبنائها في الشتات. فقد أرسل حزب المؤتمر الوطني مبعوثين لدراسة الأوضاع، وهدد بفرض مقاطعة مضادة على المنتجات الزنجبارية في الأسواق الهندية، وهو تهديد لم يكن بوسع بريطانيا تجاهله نظراً لضخامة السوق الهندي. وأمام هذا الضغط المزدوج، محلياً ودولياً، اضطرت الإدارة البريطانية في عام 1938 إلى التراجع والجلوس إلى طاولة المفاوضات، مما أسفر عن “اتفاقية القرنفل” التي أعادت للهنود جزءاً كبيراً من حقوقهم في التجارة والتصدير. كانت هذه اللحظة، كما تصفها وهاب، بمثابة “بلوغ سن الرشد السياسي” للهنود في زنجبار، حيث اكتشفوا أن قوتهم لا تكمن فقط في دفاتر حساباتهم، بل في قدرتهم على التنظيم السياسي والتأثير العابر للحدود.
ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، بدأت ملامح العالم تتغير، وبدأت رياح تصفية الاستعمار تهب على القارة الأفريقية، ولم تكن زنجبار استثناءً. هنا، تأخذنا الباحثة إلى مرحلة جديدة وأكثر تعقيداً في تاريخ الهنود، وهي مرحلة الانتقال من “المواطنين الاقتصاديين” إلى “الفاعلين السياسيين”. ومع صعود الحركات القومية في الخمسينيات، وجد الهنود أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه؛ إذ بدأ المجتمع الزنجباري ينقسم بشكل حاد على أسس عرقية بين “حزب زنجبار الوطني” (ZNP) الذي كانت تقوده النخبة العربية، و”حزب أفروا شيرازي” (ASP) الذي كان يمثل الغالبية الأفريقية المطالبة بالحقوق التاريخية للأرض.
وقع الهنود، وهم الأقلية العددية والقوة المالية، في فخ التجاذبات السياسية. وتشرح وهاب ببراعة كيف انقسمت الولاءات الهندية؛ فبينما مالت بعض الفئات التجارية الكبيرة نحو الحزب الوطني (العربي) لضمان استقرار المصالح التقليدية، شعرت فئات أخرى، لا سيما الشباب والمثقفين، بضرورة بناء جسور مع الحزب الأفرو شيرازي، إدراكاً منهم بأن المستقبل السياسي للجزر ستقرره الغالبية الأفريقية. ومع ذلك، ظل الهنود في نظر الطرفين “غرباء” أو “وسطاء” (Middlemen)؛ فهم بالنسبة للأفارقة يمثلون الوجه الآخر للاستغلال الرأسمالي والمتحالف مع النفوذ العربي، وهم بالنسبة للعرب حلفاء غير موثوقين قد يميلون حيث تميل كفة القوة.
تزداد الوتيرة درامية مع اقتراب عام الاستقلال 1963، حيث ترسم الباحثة صورة لمجتمع يعيش حالة من “القلق الوجودي”. فقد كان الهنود يراقبون بحذر انسحاب البريطانيين، مدركين أن المظلة الاستعمارية التي وفرت لهم الحماية القانونية لعقود قد طويت للأبد. وفي تلك الأثناء، بدأت الخطابات السياسية تزداد حدة وعنصرية، وبدأت تظهر بوادر التهميش السياسي للأقليات في الدستور الجديد. ورغم محاولات بعض القادة الهنود الانخراط في العمل الحزبي والترشح للانتخابات، إلا أن النتائج كانت تشير دائماً إلى أن التصويت يتم بناءً على “لون البشرة” لا “البرنامج السياسي”.
تختتم وهاب هذا الجزء المهم من بحثها بالإشارة إلى أن الهنود، رغم مساهمتهم الهائلة في بناء البنية التحتية، والنظام التعليمي، والشبكة التجارية لزنجبار، وجدوا أنفسهم في ليلة الاستقلال مواطنين بمرتبة “قلقين”. فالهوية الهندية التي صمدت أمام أعاصير المحيط الهندي ومجاعات “غوجارات”، وقاومت المراسيم البريطانية بصلابة، وجدت نفسها عاجزة عن إيجاد مكان آمن في صراع الهويات الأفريقية-العربية المتفجر. إنها قصة مجتمع بنى وطناً في الغربة، ليجد نفسه في النهاية غريباً في الوطن الذي بناه، وهو ما مهد الطريق للمأساة التي ستعقب الثورة لاحقاً.
رحلة الهنود إلى زنجبار : نسيج الحياة اليومية.. المرأة، العمارة، وانصهار الثقافات في “حارة الهنود”
بعد أن استعرضنا في الأجزاء السابقة المسارات الكبرى للسياسة والاقتصاد وصراعات البقاء، تأخذنا الباحثة سعدة وهاب في هذا الفصل من دراستها إلى ما وراء الأرقام والاتفاقيات، لتدخل بنا إلى ردهات البيوت الهندية في “المدينة الحجرية” (Stone Town) بزنجبار. هنا، يتوقف السرد عند التفاصيل الحميمة التي شكلت الوجدان الثقافي لهذا المجتمع، حيث لم يكن الهنود مجرد عابرين يجمعون المال، بل كانوا فنانين ومعماريين وصناع حياة تركوا بصماتهم في أدق تفاصيل المشهد الزنجباري، محولين الجزر إلى “وطن بديل” يفوح برائحة التوابل والمنسوجات الغوجاراتية.
تُفرد وهاب مساحة استثنائية لدور المرأة الهندية، تلك الشخصية التي ظلت طويلاً في ظلال التاريخ المكتوب. ففي البدايات، كما ذكرنا، كانت الهجرة ذكورية بامتياز، لكن مع وصول الزوجات والأمهات في أواخر القرن التاسع عشر، تحولت زنجبار من “محطة تجارية” إلى “مجتمع مستقر”. كانت المرأة الهندية هي الحارس الأمين للهوية؛ فهي التي نقلت طقوس الطبخ، والملابس، والتقاليد الدينية من قراها في “كوتش” و”غوجارات” إلى قلب أفريقيا. وفي مطابخ زنجبار، حدث انصهار مذهل؛ حيث امتزجت الكاري الهندي بحليب جوز الهند الأفريقي، وظهرت أطباق هجينة باتت اليوم جزءاً لا يتجزأ من المطبخ الزنجباري الأصيل. لم يكن الطعام مجرد وسيلة للقوت، بل كان أداة للمقاومة الثقافية والحفاظ على التماسك الطائفي، حيث كانت “الولائم” (Jamats) هي الرابط الذي يجمع أفراد الطائفة الواحدة حول مائدة تذكرهم بجذورهم.
وتنتقل الباحثة إلى فن العمارة، مشيرةً إلى أن الهنود هم من منحوا “المدينة الحجرية” طابعها الفريد الذي نراه اليوم. لم يبنِ الهنود مجرد بيوت، بل شيدوا “المتجر-البيت” (Shop-house)، وهو نمط معماري يعكس الفلسفة الهندية في الحياة؛ حيث يكون الطابق الأرضي محلاً تجارياً تضج فيه الحركة، بينما الطابق العلوي مسكناً خاصاً يلفه الهدوء والخصوصية. وتتوقف وهاب عند “الأبواب الزنجبارية” الشهيرة، موضحةً الفرق الجوهري بين الباب العربي والباب الهندي (الغوجاراتي)؛ فالأبواب الهندية تتميز بنقوشها النباتية الرقيقة، وبأقفالها النحاسية الضخمة، والمسامير المدببة التي كانت في الأصل تستخدم في الهند لردع الفيلة، لكنها في زنجبار تحولت إلى رمز للثراء والوجاهة الاجتماعية. هذه العمارة لم تكن مجرد أحجار، بل كانت لغة بصرية تحكي قصة نجاح التاجر الهندي وتطلعه لترسيخ وجوده في بيئة حضرية جديدة.
وفيما يتعلق بالبنية الاجتماعية، تكشف الدراسة عن دور “الجماعات” (Communities) أو ما يُعرف بـ “الجمات” (Jamatkhana). لقد كان لكل طائفة هندية كيانها المؤسسي الذي يعمل كدولة داخل الدولة؛ حيث توفر هذه الجمعيات الرعاية الصحية، والمساعدات المالية للفقراء، وحل النزاعات التجارية بعيداً عن المحاكم الرسمية. هذا التنظيم الاجتماعي الفائق هو ما سمح للهنود بالصمود أمام الأزمات؛ فالفرد الهندي لم يكن وحيداً أبداً، بل كان محمياً بشبكة أمان طائفية تبدأ من المهد وتنتهي باللحد. غير أن هذا الانغلاق الطائفي، كما تشير وهاب بنظرة نقدية، كان له ثمن باهظ؛ فقد خلق مسافة شعورية ومكانية بين الهنود وبين جيرانهم من الأفارقة، مما جعل الاندماج الكامل في النسيج الوطني الزنجباري أمراً صعب المنال، وظل الهنود “جزيرة داخل الجزيرة”.
اللغة أيضاً كانت ساحة لتبادل التأثيرات؛ فبينما كانت اللغة الغوجاراتية هي لغة الحسابات والدفاتر التجارية، أصبحت “السواحيلية” هي لغة الشارع والتواصل اليومي. وترصد الباحثة كيف تسللت مئات الكلمات الهندية إلى اللغة السواحيلية، وكيف تكيفت الألسن الهندية مع الإيقاع الأفريقي، لينشأ نوع من “السواحيلية الهندية” التي كانت تُسمع في أسواق التوابل وفي أروقة الميناء. هذا التهجين اللغوي يعكس حقيقة أن الهنود لم يكونوا منعزلين تماماً، بل كانوا في حالة تفاعلية مستمرة مع المحيط، ولكنها تفاعلية محكومة بحدود التجارة والمصلحة المشتركة أكثر من كونها انصهاراً اجتماعياً كاملاً.
تختتم وهاب هذا القسم برسم صورة للمشهد الثقافي في زنجبار في النصف الأول من القرن العشرين، حيث كانت “السينما الهندية” قد بدأت تشق طريقها إلى الجزر، لتصبح طقساً أسبوعياً يجمع الهنود من مختلف الطوائف، بل ويجذب إليهم العرب والأفارقة أيضاً. لقد كانت الأفلام الهندية وسيلة لربط المغتربين بوطنهم الأم، وفي الوقت نفسه كانت أداة لـ “القوة الناعمة” التي جعلت الثقافة الهندية مألوفة ومحبوبة لدى بقية سكان زنجبار. إن هذا التشريح الأنثروبولوجي الذي تقدمه وهاب يثبت أن تاريخ الهنود في زنجبار ليس مجرد تاريخ لتراكم الأموال، بل هو تاريخ لتشييد ثقافة هجينة غنية، استطاعت أن تحول الغربة إلى وطن، والارتحال إلى استقرار، قبل أن تأتي اللحظة الفارقة في عام 1964 لتضع كل هذا الإرث الثقافي والمعماري والاجتماعي على حافة الهاوية.
رحلة الهنود إلى زنجبار: خريف الإمبراطورية، زلزال الثورة، والوصية التاريخية لشتات لم يرحل تماماً
تصل بنا الباحثة سعدة وهاب في المحطة الأخيرة من دراستها الملحمية إلى عام 1963، وهو العام الذي كان يُفترض أن يكون فجر الاستقلال وبداية عصر ذهبي جديد لزنجبار، لكنه تحول في الذاكرة الجمعية للهنود إلى “بداية النهاية”. ففي هذا الفصل الختامي والمؤلم من تاريخهم في الجزر، ترصد وهاب كيف تحولت أحلام المواطنة والمساواة إلى كابوس من عدم اليقين، حين وجد الهنود أنفسهم عالقين في فوهة بركان سياسي وعرقي كان يتجهز للانفجار، ليضع حداً لحقبة استمرت لأكثر من قرن ونصف من البناء والازدهار.
مع رحيل آخر جندي بريطاني وتسليم السلطة لحكومة “حزب زنجبار الوطني” الائتلافية، سادت حالة من الترقب المشوب بالحذر في أزقة “المدينة الحجرية”. وتصف وهاب بدقة كيف كان التجار الهنود يراقبون المشهد؛ فالدستور الجديد لم يمنحهم الضمانات الكافية كأقلية، والخطاب الثوري لـ “الحزب الأفرو شيرازي” كان يزداد راديكالية، مصوراً الهنود كجزء من “النظام القديم” الذي يجب تفكيكه. وبالفعل، لم يكد يمر شهر واحد على الاستقلال حتى اندلعت شرارة ثورة 12 يناير 1964، والتي رغم خروجها عن النطاق الزمني الرسمي للكتاب، إلا أن وهاب تعتبرها النتيجة الحتمية لكل التراكمات السياسية والاجتماعية التي رصدتها في فصولها السابقة.
كانت الثورة زلزالاً مدمراً للمجتمع الهندي؛ حيث تعرضت ممتلكاتهم للنهب، وصودرت متاجرهم، ووجد الآلاف منهم أنفسهم بلا مأوى أو هوية في ليلة وضحاها. وتروي الباحثة بمرارة عن “الخروج الجماعي” (Exodus) الذي أعقب الثورة، حيث فرت العائلات الهندية التي استوطنت زنجبار لأجيال نحو بريطانيا وكندا والهند، تاركين وراءهم قبور أجدادهم، ومنازلهم ذات الأبواب المنقوشة، ودفاتر حساباتهم التي تحكي قصة كفاح مرير. هذا الرحيل القسري لم يكن مجرد هجرة للأفراد، بل كان إفراغاً لزنجبار من طبقتها الوسطى المحركة للاقتصاد، مما أدى إلى ركود تجاري واجتماعي طويل الأمد لم تتعافَ منه الجزر تماماً لعقود.
وفي استعراضها لنتائج الدراسة، تقدم سعدة وهاب خلاصات بالغة الأهمية؛ فهي تؤكد أن “تاريخ الهنود في زنجبار” ليس مجرد قصة “وسطاء تجاريين” خدموا الاستعمار كما يروج البعض، بل هو تاريخ مجتمع مهاجر أصيل ساهم في صياغة الشخصية الحضارية لشرق أفريقيا. تجادل وهاب بأن الهنود نجحوا في خلق “فضاء ثالث” بين الثقافة الأفريقية والعربية، مستخدمين سلاح التعليم والتنظيم الطائفي كدروع لحماية هويتهم. كما تخلص إلى أن فشل التجربة الهندية في البقاء السياسي بعد الاستقلال يعود إلى “عجز الاندماج”؛ حيث ظل الهنود ينظرون إلى أنفسهم كطوائف منفصلة أكثر من كونهم جزءاً من أمة زنجبارية موحدة، وهو درس تاريخي بليغ حول مخاطر الانغلاق في المجتمعات المتعددة الأعراق.
تختتم الباحثة كتابها بنبرة يمتزج فيها الحنين بالتحليل الأكاديمي الرصين، مشيرة إلى أن الإرث الهندي في زنجبار لم يختفِ تماماً. فاليوم، وبينما تسير في شوارع “ستون تاون”، لا تزال تشم رائحة “البرياني” في الهواء، وتسمع أصوات الأذان من مساجد “البهرة” و”الخوجة”، وترى العمارة التي تمزج بين الفن الهندي والأفريقي.
The History of Indians in Zanzibar from the 1870s to 1963
Saada Wahab




