أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

كيف تهاوت لغات العالم أمام هيمنة الإنجليزية

بابل العلم

في عالمنا المعاصر، يبدو من المسلمات البديهية أن لغة العلم هي اللغة الإنجليزية. سواء كنت باحثاً في طوكيو، أو عالماً في باريس، أو طالباً في القاهرة، فإن الطريق إلى النشر الأكاديمي والاعتراف الدولي يمر حتماً عبر بوابة الحروف اللاتينية وقواعد النحو الإنجليزية. لكن، هل كان الأمر هكذا دائماً؟ وهل هذا المصير الأحادي الجانب هو التطور الطبيعي للحضارة البشرية؟ في كتابه المذهل والعميق Scientific Babel: How Science Was Done Before And After Global English (بابل العلم: كيف كانت تتم ممارسة العلم قبل وبعد الإنجليزية العالمية)، يأخذنا المؤرخ مايكل دي غوردين Michael D. Gordin في رحلة سردية متدفقة عبر التاريخ، ليفكك هذه المسلمة، ويثبت لنا أن الانحدار نحو أحادية اللغة هو، من الناحية التاريخية، نتيجة غريبة وشاذة للغاية، نظراً لأن معظم البشرية كانت، طوال معظم فترات وجودها، متعددة اللغات بدرجة أو بأخرى.

يقدم غوردين أطروحته، معتبراً أن التواصل العلمي يحمل دائماً توتراً دفيناً بين دافعين رئيسيين: الأول هو “الهوية”، حيث يسعى العالِم للتعبير عن أفكاره بأدق صورة ممكنة، وهو ما يتحقق عادة باستخدام لغته الأم؛ والثاني هو “التواصل”، أي الرغبة في إيصال هذه الأفكار إلى الآخرين وإقناعهم بها، مما يتطلب استخدام لغة مشتركة أو لغة واسعة الانتشار ،. هذا التوتر التاريخي هو المحرك الذي صاغ صعود وهبوط اللغات العلمية عبر العصور، وهو ما يبرزه الكاتب ببراعة من خلال أمثلة تاريخية حية تجعل القارئ يعيش معاناة العلماء في أزمنة كانت فيها “بابل” اللغات أمراً واقعاً لا مفر منه.

لعل من أبرز القصص التي يسوقها غوردين لتدعيم فكرته، هي تلك التي دارت رحاها إبان “الثورة الكيميائية” في أواخر القرن الثامن عشر، بين الكيميائي الفرنسي أنطوان لافوازييه Antoine Lavoisier والبريطاني جوزيف بريستلي Joseph Priestley. في ذلك الوقت، كانت اللغة الفرنسية تُروج لنفسها كلغة عالمية للمعرفة والفكر، تماماً كما تفعل الإنجليزية اليوم ،. كان لافوازييه، بصفته متحدثاً أصلياً لهذه اللغة “العالمية”، لا يرى حاجة لتعلم الإنجليزية، معتمداً على حركة الترجمة النشطة لمعرفة ما يكتشفه نظراؤه البريطانيون ،. في المقابل، واجه العلماء الإنجليز والأيرلنديون، مثل ريتشارد كيروان Richard Kirwan، احتكاكاً لغوياً هائلاً، حيث اضطروا للتعامل مع هيمنة لغة أخرى للترويج لنظرياتهم المضادة، مما اضطر زوجة لافوازييه لتعلم الإنجليزية خصيصاً لترجمة أعمال كيروان وتفنيدها ،. هذه القصة، كما يعرضها الكتاب، تسلط الضوء على “الاحتكاك اللغوي” كعامل محوري يؤثر في سرعة تبادل المعلومات العلمية وحتى في مسار التفوق الأكاديمي، وتكشف كيف أن اختيار لغة النشر يمنح أصحاب اللغة الأم امتيازاً خفياً يُعفيهم من عبء الترجمة الثقيل.

الماضي المثالي الذي كاد أن يكون: صعود وسقوط اللاتينية

يغوص الكاتب أعمق في التاريخ ليفكك أسطورة أخرى: أسطورة اللاتينية كلغة عالمية أبدية للعلم. في الفصل الأول، يوضح غوردين أن اللاتينية لم تولد لغة علمية، بل نُحتت بصعوبة بالغة. في روما القديمة، كانت اليونانية هي لغة الفلسفة الطبيعية والتفكير العلمي بلا منازع. حتى المفكرون الرومان مثل شيشرون Cicero اضطروا لخوض معارك حقيقية وتطويع النحو اللاتيني واختراع مفردات جديدة كلياً، مثل مصطلح “الكمية” Quantity، ليتمكنوا من استيعاب ونقل العلوم اليونانية إلى بني جلدتهم ،.

والمثير للدهشة، كما يطرح السرد، هو أن اللاتينية غابت عن المشهد العلمي لقرون طويلة في العصور الوسطى، حيث سيطرت اللغة العربية كلغة عالمية للعلوم، حاملة لواء الفلسفة والطب والفلك والرياضيات. ولم تستعد اللاتينية مجدها وتصبح لغة العلم الأوروبية الموحدة إلا في القرن الثاني عشر، عبر حركة ترجمة واسعة النطاق من اللغة العربية في مدن مثل طليطلة، حيث أُدمجت المصطلحات التقنية العربية واليونانية في جسد اللغة اللاتينية، مما أدى إلى تغيير بنيتها لتلائم متطلبات التفكير العلمي الدقيق ،.

لكن هذا العصر الذهبي للاتينية كـ “لغة تواصل” علمي موحدة لم يدم طويلاً. مع بزوغ فجر العصر الحديث، بدأ العلماء يشعرون برغبة متزايدة في التوجه نحو الجماهير المحلية ورعاة العلم في بلدانهم، مفضلين “الهوية” والتواصل المحلي على التخاطب العالمي. وهنا برزت اللغات المحلية مثل الإيطالية (مع غاليليو Galileo) والإنجليزية (مع نيوتن Newton في كتابه البصريات Opticks) والألمانية والفرنسية لتزاحم اللاتينية ،. يضرب غوردين مثالاً حياً من القرن الثامن عشر عبر مراسلات الكيميائي السويدي توربرن بيرغمان Torbern Bergman، الذي كان يتلقى رسائل علمية بالسويدية، والدنماركية، والفرنسية، والإنجليزية، والألمانية، واللاتينية ،. لقد عاش بيرغمان في ذروة “بابل العلم”، حيث تحولت اللاتينية من لغة عالمية حصرية إلى مجرد لغة واحدة ضمن مجموعة من اللغات المتنافسة، مما مهد الطريق لانهيارها النهائي في القرن التاسع عشر، وترك الساحة لثلاثية لغوية مهيمنة: الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية.

الجدول والكلمة: المعركة الروسية الألمانية لاختراق الثلاثية

ينتقل بنا الفصل الثاني إلى منتصف القرن التاسع عشر، حيث استقرت الأمور تقريباً لصالح “الثلاثية” اللغوية (الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية). هنا يطرح غوردين سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لأي لغة أخرى أن تخترق هذا النادي المغلق؟ الجواب جاء من الشرق، وتحديداً من الإمبراطورية الروسية، من خلال واحدة من أعنف وأهم المعارك العلمية في التاريخ: النزاع حول أولوية اكتشاف الجدول الدوري للعناصر الكيميائية.

في عام 1869، توصل الكيميائي الروسي الشاب ديمتري مندلييف Dmitrii Mendeleev إلى نظام دوري لترتيب العناصر ،. لكنه أدرك أن نشر اكتشافه باللغة الروسية فقط سيعني دفنه في مقبرة التجاهل الدولي، فالأوروبيون لم يكونوا يقرؤون الروسية. لذا، قام بإرسال ملخص قصير للغة الألمانية لينشر في إحدى المجلات هناك ،. المشكلة الكبرى وقعت عندما قام المترجم، بسبب التسرع، بترجمة الكلمة الروسية التي تعني “دورية” Periodic إلى الكلمة الألمانية Stufenweise والتي تعني “تدريجية” أو “على مراحل”.

تلقف الكيميائي الألماني لوثار ماير Lothar Meyer، الذي كان يعمل على نظام مشابه، هذا الملخص المنشور، وبناءً على هذه الترجمة الخاطئة، نشر بحثاً ادعى فيه أنه هو من اكتشف الطبيعة “الدورية” للعناصر، معتبراً أن مندلييف اكتشف فقط التدرج. انفجر نزاع قومي وعلمي شرس استمر لعقد من الزمان. طالب مندلييف الأوربيين بالعودة إلى أبحاثه الأصلية المنشورة باللغة الروسية لإثبات أحقيته، لكن ماير رد مستنكراً فكرة أن يُطلب من الكيميائيين الألمان قراءة الأبحاث المنشورة باللغات السلافية، معتبراً أن النشر بلغة خارج “الثلاثية” لا يعتد به ،.

هذه المعركة لم تكن مجرد نزاع حول اكتشاف علمي، بل كانت، كما يبين غوردين بأسلوبه التحليلي العميق، معركة لإضفاء الشرعية على اللغة الروسية كلغة علمية دولية. لقد أدرك الروس أن عليهم فرض لغتهم على العالم العلمي، وهو ما استدعى جهوداً جبارة لتطوير المعجم العلمي الروسي وتحديثه ليكون قادراً على استيعاب العلوم الحديثة، وهي رحلة معقدة وطويلة من النقل والترجمة وإعادة صياغة الهوية الوطنية السلافية في مواجهة الهيمنة الألمانية والفرنسية.

بناء اللغة: هيدروجين أكسجينوفيتش وتطويع الروسية للعلم

نستكمل رحلتنا عبر صفحات هذا السفر التاريخي الماتع، لندلف إلى الفصل الثالث الذي يحمل عنواناً طريفاً ومثيراً للفضول: “هيدروجين أكسجينوفيتش”. في هذا القسم، يغوص مايكل دي غوردين في أعماق المعاناة التي واجهت العلماء الروس لتحويل لغتهم من لغة أدبية وشعبية إلى أداة طيعة قادرة على استيعاب التعقيدات العلمية. لقد كانت الروسية تعتبر لغة بالغة الصعوبة بالنسبة للعلماء الغربيين، وذلك ليس فقط بسبب أبجديتها السيريلية التي تبدو غريبة على العين المعتادة على الحروف اللاتينية، بل أيضاً بسبب بنيتها النحوية المعقدة التي تعتمد على تصريفات الأسماء وفقاً لست حالات نحوية مختلفة وثلاثة أجناس، مما يجعل ترتيب الكلمات في الجملة مرناً للغاية ولكنه محير لأي باحث يحاول فهم تسلسل التفاعلات الكيميائية بدقة. يوضح غوردين أن اللغات العلمية لا تولد جاهزة، بل تُبنى وتُصنع بجهد واعٍ ومكثف، وهذا ما حدث بالضبط مع اللغة الروسية التي كانت غارقة لقرون في عزلة اللغة السلافية الكنسية القديمة.

بدأت نقطة التحول الحقيقية في عهد القيصر بطرس الأكبر، الذي أطلق شرارة “التحول البوليتكنيكي للغة” من خلال رعايته لحركة ترجمة ضخمة للنصوص الأجنبية لتدريب النخبة الروسية، مجبراً المترجمين على التخلي عن الألفاظ السلافية الكنسية المعقدة واستخدام لغة التخاطب اليومية. ورغم هذا الجهد، ظلت الأكاديمية الإمبراطورية للعلوم في سانت بطرسبرغ، التي أسسها بطرس الأكبر عام 1724، تستخدم اللاتينية والألمانية كلغات رسمية للنشر والنقاش، مما خلق فجوة هائلة بين الأكاديميين ذوي الأصول الألمانية والطلبة الروس الذين اضطروا لتعلم الألمانية أولاً لكي يتمكنوا من دراسة اللاتينية. لم تبدأ الروسية في اتخاذ شكلها الحديث إلا في منتصف القرن الثامن عشر، مدفوعة بجهود شخصيات فذة مثل ميخائيل لومونوسوف، الذي ساهم في إصلاح المفردات بل وحتى بناء الجملة الروسية لتشابه اللغات الأوروبية الغربية.

ومع ذلك، ظل العلماء الروس في القرن التاسع عشر أسرى للغة الألمانية كلغة تواصل علمي دولي، بل وحتى داخلي. يسوق الكتاب أمثلة لعلماء روس كانوا يراسلون بعضهم البعض باللغة الألمانية لتوفير الوقت والجهد، مثل الكيميائي كارل كلاوس الذي فضل مراسلة زميله ألكسندر بوتلروف بالألمانية رغم كونهما يعيشان في الإمبراطورية الروسية. بل إن العلماء الروس، عند سفرهم للخارج، كانوا يعتمدون على الألمانية كلغة تواصل مع زملائهم من السلاف الآخرين، كالتشيك والبولنديين. لقد عانى عظماء العلم الروسي، مثل ديمتري مندلييف، من ضعفهم في التحدث والكتابة باللغات الأجنبية، مما جعلهم يعتمدون على المترجمين أو يتحملون مشقة كتابة رسائل بلغة ألمانية ركيكة ومكسرة لإيصال أفكارهم إلى زملائهم في أوروبا الغربية.

لكن التحدي الأكبر كان يكمن في ابتكار مصطلحات كيميائية روسية خالصة. يروي غوردين قصة اقتراح غريب قُدم عام 1870 من قبل كيميائي يُدعى لياسوفسكي، الذي اقترح استخدام نظام التسمية العائلي الروسي (الذي يعتمد على اسم الأب) لتسمية المركبات الكيميائية، بحيث يُسمى كلوريد البوتاسيوم مثلاً “بوتاسيوم كلوروفيتش”، وهو ما يوازي في لغتنا قولنا “هيدروجين أكسجينوفيتش”. سقط هذا الاقتراح في طي النسيان لأنه، رغم كونه متوافقاً مع روح اللغة الروسية، كان سيجعل الترجمة إلى اللغات الأوروبية مستحيلة. في النهاية، أدرك الروس أن التوطين اللغوي يجب أن يتماشى مع المعايير الدولية، وجاء الانتصار الحقيقي للغة الروسية العلمية من خلال عملية عكسية لتدفق الترجمة. فبدلاً من ترجمة الكتب المدرسية الغربية إلى الروسية، قام الكيميائي ألكسندر بوتلروف في ستينيات القرن التاسع عشر بنشر كتابه المرجعي “مقدمة في الدراسة الكاملة للكيمياء العضوية” باللغة الروسية أولاً، ثم تُرجم لاحقاً إلى الألمانية. هذا الحدث التاريخي، كما يصفه الكتاب، كان بمثابة إعلان رسمي عن قدرة اللغة الروسية على إنتاج وتصدير العلم، مبدداً عقداً من التبعية اللغوية للغرب.

التحدث بلغة الطوباوية: الهروب من بابل نحو اللغات المصطنعة

مع اقتراب نهاية القرن التاسع عشر، وبدخول الروسية كلاعب جديد في الساحة العلمية، بدأ التوازن الهش لـ “الثلاثية اللغوية” (الإنجليزية والفرنسية والألمانية) في الاهتزاز. يستعرض الفصل الرابع، المعنون “التحدث بلغة الطوباوية”، حالة من الذعر اجتاحت الأوساط الأكاديمية الأوروبية خوفاً من عودة “بابل” لغوية جديدة تجعل من المستحيل على أي عالم أن يحيط بكل الأبحاث المنشورة. لقد أدى تصاعد الحركات القومية إلى رغبة كل أمة، مهما صغرت، في نشر علومها بلغتها المحلية استقلالاً عن جيرانها الأقوياء. وبما أن اللغات الحية كانت مشبعة بالحساسيات القومية والتعقيدات النحوية غير المنطقية، وبما أن اللاتينية كانت تُعتبر لغة ميتة وصعبة ومليئة بالاستثناءات التي تعرقل العلم الحديث، فقد اتجهت الأنظار نحو حل طوباوي جريء: ابتكار لغة عالمية مساعدة ومصطنعة.

يأخذنا غوردين في جولة مشوقة للتعرف على محاولات البشرية لابتكار لغة عالمية، مبتدئاً بلغة “فولابوك” Volapük، التي اخترعها الكاهن الكاثوليكي يوهان مارتن شلاير عام 1879 بعد ادعائه أن إلهاماً أتاه في المنام. كانت فولابوك مبنية على جذور لغوية أوروبية تم تحويرها بشدة لتناسب قواعد صارمة خالية من الاستثناءات، وقد حققت نجاحاً مدوياً في ثمانينيات القرن التاسع عشر، حيث انتشرت أنديتها في جميع أنحاء العالم، من الصين إلى الولايات المتحدة، وحتى المتاجر الباريسية الكبرى بدأت تقدم دروساً لتعليمها. ورغم نجاحها في عقد مؤتمرات دولية كان المشاركون فيها يتحدثون حصراً بهذه اللغة، إلا أن انهيارها كان سريعاً ومأساوياً بسبب تعنت مخترعها شلاير ورفضه لأي إصلاحات تبسط من تعقيداتها، مما أدى إلى انشقاق أتباعها وزوالها كحركة عالمية.

على أنقاض فولابوك، بزغت نجمة لغة “الإسبرانتو” Esperanto، التي ابتكرها طبيب العيون اليهودي لودفيك زامنهوف في وارسو، ونشر كتابها الأول عام 1887. تميزت الإسبرانتو ببساطتها الشديدة وقواعدها النحوية الست عشرة التي لا تقبل الاستثناء، واعتمادها على جذور لغوية مألوفة للناطقين باللغات الرومانسية والجرمانية. ولتجنب مصير الانشقاق الذي دمر فولابوك، أصدر زامنهوف وأتباعه “إعلان بولوني” عام 1905، الذي جعل القواعد الأساسية للغة (الفوندامنتو Fundamento) عقيدة مقدسة غير قابلة للمساس أو التعديل. ورغم انتشار الإسبرانتو في الأوساط الثقافية والأدبية، إلا أن تغلغلها في الأوساط العلمية كان بطيئاً، واصطدم بمشاكل تقنية عند محاولة ترجمة المصطلحات الكيميائية، حيث اختلف روادها حول كيفية مواءمة التسميات العلمية الدولية مع القواعد الصارمة للإسبرانتو، مثل الخلاف حول تسمية الزئبق، مما كشف عن قصور في مرونة اللغة لمواكبة التطور العلمي المتسارع.

سحرة الإيدو: الانشقاق العظيم وسراب اللغة العلمية المثالية

في خضم هذا المشهد اللغوي المضطرب، يظهر على المسرح بطل جديد في الفصل الخامس: الكيميائي الألماني الحائز على جائزة نوبل فيلهلم أوستفالد Wilhelm Ostwald. كان أوستفالد مؤمناً بفلسفة “الطاقة” Energetics، وكان يرى أن تعدد اللغات يمثل هدراً هائلاً ومجانية لطاقة البشرية، تماماً كما هو الحال مع عدم توحيد مقاييس السكك الحديدية أو العملات. لذا، ألقى أوستفالد بثقله الأكاديمي، وتخلى عن منصبه الجامعي، ليتفرغ لدعم مشروع “الوفد لتبني لغة مساعدة دولية” الذي تأسس في باريس.

يروي غوردين بأسلوب درامي أحداث مؤتمر باريس عام 1907، حيث اجتمعت لجنة من كبار العلماء واللغويين لاختيار لغة عالمية مساعدة. وفي لحظة مفاجئة، وُزعت على أعضاء اللجنة نسخ من مشروع لغة جديدة تحمل اسماً مستعاراً هو “إيدو” Ido. كانت الإيدو تبدو كنسخة مُحسنة ومُنقحة من الإسبرانتو، حيث تخلصت من الحروف ذات العلامات الصوتية الغريبة، وألغت قاعدة تطابق الصفة والموصوف الإجبارية، واعتمدت مبادئ صارمة للتوافق المنطقي بين الكلمات. استندت الإيدو إلى ثلاثة مبادئ علمية رئيسية: الوضوح الأحادي (كلمة واحدة لكل معنى)، والعالمية (اختيار الجذور اللغوية الأكثر انتشاراً بين الشعوب المتحضرة)، والقابلية للانعكاس المنطقي في اشتقاق الكلمات.

أعجب أوستفالد واللجنة بلغة الإيدو وقرروا تبني الإسبرانتو شرط إدخال تعديلات الإيدو عليها. لكن المجتمع الإسبرانتي رفض المساس بـ “الفوندامنتو” المقدس، مما أدى إلى انشقاق مدمر في حركة اللغات العالمية. زادت مرارة الانشقاق عندما اُكتشف لاحقاً أن المؤلف المجهول للإيدو لم يكن سوى لويس دي بوفرونت، ممثل زامنهوف الشخصي أمام اللجنة وأحد أهم دعائم الإسبرانتو في فرنسا، وهو ما اعتبره الإسبرانتيون خيانة عظمى وطعنة في الظهر.

رغم هذا الصراع المرير، تفرغ أوستفالد ورفاقه، مدعومين بأموال جائزة نوبل التي تبرع بها أوستفالد للحركة، لترويج الإيدو كلغة علمية بحتة خالية من العواطف والميول القومية. وقام أوستفالد بجهد دؤوب لترجمة التسميات الكيميائية غير العضوية إلى الإيدو، محاولاً التوفيق بين الرموز الدولية والمنطق اللغوي الصارم للغة الجديدة. لكن هذه الطوباوية العلمية لم تدم طويلاً. فبسبب غياب كتاب مقدس يحميها من التعديل، غرق أنصار الإيدو في دوامة من الإصلاحات المستمرة التي أفقدت اللغة استقرارها اللازم لجذب جمهور واسع. ثم جاءت الضربة القاضية مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، ومقتل لويس كوتورات (أحد أهم مُنظري الإيدو) في حادث سير سيارة عسكرية فرنسية، ليتبدد حلم توحيد البشرية علمياً عبر لغة مصطنعة، تاركاً الساحة لتعود مرة أخرى إلى صراع اللغات الطبيعية والقوميات المتناحرة.

ظل الحرب العظمى: القومية العمياء وسقوط الألمانية في فخ المقاطعة

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، تبددت أحلام الطوباويين اللغويين تحت وطأة المدافع، وانكشف الوجه القبيح للقوميات المتصارعة. في الفصل السادس، الذي يحمل عنوان “الظل اللغوي للحرب العظمى”، يروي مايكل دي غوردين كيف أن الكيميائي فيلهلم أوستفالد، الذي كان بالأمس القريب عراباً للغة “الإيدو” المحايدة، تخلى عن مبادئه الأممية بمجرد أن بدأت الجيوش الألمانية بالزحف، ليقترح مشروعاً لغوياً جديداً أطلق عليه اسم “فيلتدويتش” Weltdeutsch، أو الألمانية العالمية. كان هذا المشروع يهدف إلى تبسيط اللغة الألمانية لتكون لغة الإدارة والهيمنة في الأراضي المفتوحة، معتبراً أن انتصار السلاح يجب أن يتبعه انتصار لغوي. أصاب هذا التحول رفاقه القدامى في حركة الإيدو بصدمة مروعة، إذ رأوا في هذا الموقف خيانة لقيم الحياد العلمي، لكن أوستفالد أصر على أن الألمانية المبسطة هي التي ستسود العالم.

لم تكن اللغة الألمانية في وضع يحسد عليه من حيث التقبل الدولي حتى قبل الحرب. ينقل الكتاب انتقادات لاذعة، مثل تلك التي وجهها اللغوي الفرنسي أنطوان مييه Antoine Meillet، الذي وصف الألمانية بأنها لغة قاسية، مليئة بالقواعد العتيقة وتصريفات الأسماء المعقدة، ومفرداتها غريبة حتى على جيرانها الأوروبيين. وتجلى هذا الاحتقان في النزاع الشهير بين الكيميائي الفرنسي شارل أدولف فورتز Charles Adolphe Wurtz ونظيره الألماني هيرمان كولبي Hermann Kolbe، حين أعلن فورتز بجرأة أن الكيمياء هي “علم فرنسي” أسسه لافوازييه، مما أشعل حرباً كلامية وقومية عكست التوتر المتصاعد بين فرنسا وبروسيا.

لكن الضربة القاضية لمكانة الألمانية الدولية جاءت مع نشر “بيان الثلاثة والتسعين” في بداية الحرب، والذي وقعه صفوة العلماء والمثقفين الألمان، بمن فيهم أوستفالد، وماكس بلانك، وفريتز هابر، مدافعين عن العمليات العسكرية الألمانية في بلجيكا ومؤكدين تلاحم الثقافة الألمانية مع النزعة العسكرية. زاد الطين بلة تورط علماء ألمان، وعلى رأسهم هابر، في تطوير واستخدام الأسلحة الكيميائية كغاز الكلور. رداً على ذلك، وعقب انتهاء الحرب، قرر العلماء في دول الحلفاء معاقبة ألمانيا بمقاطعة علمية شاملة. تأسس “المجلس الدولي للبحوث” (IRC) في بروكسل، وتم استبعاد العلماء الألمان من المؤتمرات الدولية والمنظمات العلمية، مثل الاتحاد الدولي للكيمياء البحتة والتطبيقية (IUPAC)، الذي حظر استخدام اللغة الألمانية في أروقته. أدت هذه المقاطعة إلى تراجع حاد في المشاركات الأجنبية في المجلات الألمانية، مما أفقد اللغة جاذبيتها كأداة تواصل عالمية.

لم تقتصر التداعيات على أوروبا، بل امتدت إلى الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي، حيث واجهت اللغة الألمانية حملة استئصال شرسة في الولايات المتحدة. قبل الحرب، كانت الألمانية هي اللغة الأجنبية الأكثر شعبية في المدارس والجامعات الأمريكية. لكن مع دخول أمريكا الحرب، تم تجريم التحدث أو التدريس بها في العديد من الولايات، بل وتعرض بعض الناطقين بها لاعتداءات دموية. ورغم أن المحكمة العليا الأمريكية ألغت هذه القوانين لاحقاً في قضية “ماير ضد نبراسكا” الشهيرة، إلا أن الضرر كان قد وقع بالفعل، وانهارت أعداد دارسي الألمانية بشكل لا يمكن إصلاحه، مما مهد الطريق لاحقاً أمام انسحاب الأجيال الجديدة من العلماء الأمريكيين إلى قوقعة اللغة الإنجليزية الأحادية.

لا يُنطق به: لغة الرايخ الثالث وتمزيق أواصر العلم

يأخذنا الفصل السابع، “لا يُنطق به”، إلى أحلك حقبة في تاريخ العلم الحديث: صعود ألمانيا النازية في الثلاثينيات. لم يكن التأثير النازي على لغة العلم مقصوراً على تراجع معدلات النشر، بل امتد ليمس أرواح العلماء وأنماط حياتهم وطريقة تفكيرهم. بمجرد وصول هتلر إلى السلطة، تم تمرير “قانون استعادة الخدمة المدنية المهنية” في أبريل 1933، والذي أدى إلى طرد ربع علماء الفيزياء وتدمير أقسام كاملة في جامعات مرموقة مثل غوتنغن. أدى هذا التطهير العرقي والسياسي إلى هجرة العقول اللامعة، مثل ألبرت أينشتاين، وماكس بورن، وليز مايتنر، إلى الولايات المتحدة وبريطانيا، مما أدى إلى تمزيق شبكات التعاون الأكاديمي الدولي التي كانت تجعل من ألمانيا الوجهة المفضلة للباحثين الشباب.

بالتوازي مع هذا التطهير البشري، شن النظام النازي حملة لتطهير اللغة ذاتها، متخذاً من مفهوم “اللغة الأم” Muttersprache أداة إيديولوجية فجة لإقصاء اليهود، بدعوى أنهم لا يملكون ارتباطاً روحياً وعرقياً باللغة الألمانية وأنهم يستخدمونها كمجرد أداة للتواصل. يقتبس غوردين ملاحظات عالم فقه اللغة اليهودي فيكتور كليمبرر Victor Klemperer، الذي وثق في يومياته كيف سممت لغة “الرايخ الثالث” (LTI) عقول الألمان، من خلال تضخيم استخدام الأفعال العنيفة والأسماء المركبة التي تدق كالمطارق، مما جعل الأفراد يتقبلون دون وعي مفاهيم مثل التعصب والوحشية كفضائل بطولية. امتد هذا الهوس الأيديولوجي إلى العلوم البحتة من خلال حركة “الفيزياء الآرية” Deutsche Physik التي قادها فيليب لينارد ويوهانس شتارك، واللذان حاولا إقصاء النظريات التجريدية كنسبية أينشتاين وميكانيكا الكم، والترويج لعلم فيزياء “ألماني” يعتمد على التجربة البديهية المباشرة والمكتوب بلغة ألمانية خالية من التعقيدات الرياضية “اليهودية”.

هنا يبرز غوردين البعد الإنساني المأساوي لفقدان اللغة، موضحاً كيف تعامل العلماء المهاجرون مع اغترابهم اللغوي. بالنسبة للمفكرين مثل حنة آرنت وتيودور أدورنو، كانت العودة إلى الألمانية بعد الحرب أو التمسك بها في المنفى بمثابة فعل مقاومة وتشبث بهوية ثقافية أعمق من جرائم النازية. في المقابل، جسّد ألبرت أينشتاين موقف الرفض القاطع والمبدئي لأي تعامل مع اللغة أو المؤسسات الألمانية بعد محرقة الهولوكوست، معتبراً أن النشر في المجلات الألمانية نوع من الخيانة. أما الفيزيائية ليز مايتنر، التي هربت إلى السويد وواجهت صعوبة بالغة في تعلم السويدية أو الإنجليزية، فقد استخدمت اغترابها اللغوي كاستعارة قوية لشرح حجم المعاناة التي كابدتها لزملائها الذين بقوا في ألمانيا ولم يستوعبوا فداحة جرائم هتلر، واصفة المنفى بأنه حرمان قسري من الوطن الفكري واللغوي معاً.

آلة دوستويفسكي: الحرب الباردة وهوس الترجمة الآلية

مع إسدال الستار على الحرب العالمية الثانية، انقسم العالم إلى معسكرين يتنافسان ليس فقط بالصواريخ النووية، بل بالإنتاج العلمي. ينقلنا الفصل الثامن، “آلة دوستويفسكي”، إلى نيويورك في السابع من يناير عام 1954، حيث اجتمعت الصحافة في مقر شركة IBM لمشاهدة حدث يشبه السحر: جهاز كمبيوتر ضخم من طراز 701 يقوم بترجمة جمل علمية روسية إلى الإنجليزية بسلاسة مذهلة. كان هذا العرض، الذي هندسه الخبير اللغوي ليون دوستيرت Léon Dostert، بمثابة نقطة انطلاق لسباق محموم نحو الترجمة الآلية Machine Translation لفك شفرة الأبحاث العلمية السوفيتية.

كان المحرك الأساسي لهذا الهوس هو الرعب الأمريكي من التفوق السوفيتي. بحلول الخمسينيات، أصبحت اللغة الروسية تشكل نسبة مرعبة من حجم المطبوعات العلمية العالمية، متجاوزة الألمانية والفرنسية مجتمعتين في بعض المجالات كالكيمياء، بينما كان عدد العلماء الأمريكيين القادرين على قراءة الروسية لا يتجاوز أعشاراً قليلة من الواحد بالمائة. وفي هذا السياق، ظهرت مذكرة وارن ويفر Warren Weaver الشهيرة عام 1949، التي اقترح فيها التعامل مع اللغة الروسية وكأنها مجرد “شيفرة خفية” للغة الإنجليزية يمكن فك طلاسمها عبر أجهزة الكمبيوتر التي استُخدمت لفك الشفرات العسكرية خلال الحرب.

لتسهيل هذه المهمة، لجأ العلماء واللغويون الأمريكيون إلى ترويض اللغة الروسية عبر اختراع مفهوم جديد أسموه “الروسية العلمية” Scientific Russian. جادل هؤلاء بأن لغة المقالات العلمية تتسم بنية نحوية أبسط، تعتمد على المبني للمجهول وتتجاهل الكثير من الضمائر المعقدة، وتحتوي على مفردات دولية مألوفة، مما يجعلها خالية من التعقيدات الأدبية التي تزخر بها روايات دوستويفسكي وتولستوي. بناءً على هذه الافتراضات التبسيطية، ضخت المؤسسات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية، مثل المخابرات المركزية (CIA) والبحرية، ملايين الدولارات لتمويل أبحاث دوستيرت وغيره من الباحثين، أملاً في كسر حاجز اللغة السوفيتي بضغطة زر. وهكذا، تحولت الترجمة الآلية في ذروة الحرب الباردة إلى سلاح استراتيجي موازٍ لبرامج الفضاء، معتقداً الجميع أن فهم لغة الخصم هو الخطوة الأولى للتفوق عليه.

جسر الترجمة الشاملة وفشل الأتمتة اللغوية في أوج الحرب الباردة

ومع تراجع الأوهام اللغوية التي صاحبت البدايات الأولى للترجمة الآلية، انتبهت الدوائر الأكاديمية والاستخباراتية في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن اختزال اللغات في مجرد شفرات رياضية بسيطة كان خطأً فادحاً كلّف الكثير من الوقت والمال. في الفصل التاسع الذي يحمل عنوان “كل الروسية الصالحة للنشر” (All The Russian That’s Fit To Print)، يكشف مايكل دي غوردين (Michael D. Gordin) كيف تبددت تلك السمعة البراقة التي اكتسبها مشروع جورجتاون الشهير. فقد تبيّن لاحقاً أن الجمل المنتقاة بعناية في عرض عام ألف وتسعمائة وأربعة وخمسين لم تكن تعكس بدقة العجز البنيوي للحواسب عن استيعاب المجازات والتعقيدات التركيبية للنصوص العلمية الفعلية، وهو ما أكده التقرير الصادم الصادر عن “اللجنة الاستشارية لمعالجة اللغات آلياً” (Automatic Languages Processing Advisory Committee)، والمعروفة اختصاراً باسم لجنة ALPAC. أوضح هذا التقرير بحسم أن الترجمة الآلية في ذلك الوقت لم تكن سوى هدر للموارد، وأن الجمل التي تنتجها الآلات اتسمت بالرداءة والغموض مقارنة بالترجمة البشرية، مما أدى إلى قطع التمويل العسكري عن تلك المشاريع وإعادة الاعتماد الكامل على العنصر البشري لحل المعضلة اللغوية.

أمام هذا المأزق التقني، وتحت وطأة الصدمة المعرفية التي أحدثها إطلاق السوفييت للقمر الصناعي “سبوتنيك”، وجدت المؤسسات العلمية الأمريكية نفسها مجبرة على ابتكار استراتيجية بديلة أطلق عليها اسم “الترجمة الكاملة من الغلاف إلى الغلاف”. تولى “المعهد الأمريكي للفيزياء” (American Institute Of Physics) بدعم مالي سخي من “المؤسسة الوطنية للعلوم” (National Science Foundation) حشد جيش من المترجمين البشريين ذوي الكفاءة العالية لتولي ترجمة المجلات العلمية السوفيتية الرائدة بالكامل، وليس فقط ملخصاتها أو مقالات منتقاة منها. أظهرت الاستبيانات التي وزعت على مئات الفيزيائيين الأمريكيين تأييداً ساحقاً لهذه الخطوة، حيث فضلت الأغلبية العظمى الحصول على مجلات روسية مترجمة بالكامل لتفادي أي تحيز في الاختيار أو إسقاط لبيانات قد تكون حيوية. ورغم الكلفة المالية الباهظة والصعوبات البنيوية المعقدة التي ظهرت عند نقل المصطلحات الكيميائية العضوية وتوحيد التسميات، فإن هذه الشبكة البشرية الضخمة نجحت في إقامة جسر معرفي مستقر فوق الفجوة اللغوية للحرب الباردة، مما أتاح للعلماء الغربيين متابعة الإنجازات الشرقية دون الحاجة لتكبد عناء تعلم الأبجدية السيريلية.

وفي المقابل، كان المنهج السوفيتي في التعامل مع هذا الحاجز اللغوي أكثر شمولية ومأسسة، مدفوعاً بوعي حاد بأن الإنجليزية أصبحت تمثل لغة شريحة واسعة من الإنتاج العلمي العالمي. أنشأ الاتحاد السوفيتي معهد المعطيات العلمية والتقنية لعموم الاتحاد، المعروف باختصار VINITI، والذي مثل أضخم آلة بيروقراطية لتلخيص وتكشيف وترجمة الآداب العلمية العالمية في التاريخ الحديث. لم يكتف السوفييت بترجمة دوريات معينة، بل قاموا بمسح شامل لكل ما ينشر في العالم، وإعادة صياغته في ملخصات دقيقة تتاح للباحثين في كافة أرجاء الإمبراطورية السوفيتية باللغة الروسية. هذا التباين البنيوي يعكس جوهر التنافس في تلك الحقبة؛ فبينما كانت أمريكا تتعامل مع الروسية كحالة طوارئ مؤقتة تتطلب حلولاً دفاعية مجتزأة، كان الاتحاد السوفيتي يرى في السيطرة على التدفق المعلوماتي العالمي جزءاً لا يتجزأ من التخطيط العلمي المركزي، مما حافظ على مكانة الروسية كلغة علمية كبرى قادرة على استيعاب العلوم العالمية داخل منظومتها اللغوية الخاصة.

تصدع الستار الحديدي والانحدار المتسارع للغة الألمانية

وينقلنا المؤلف في الفصل العاشر، الذي يحمل عنواناً مجازياً بليغاً وهو “الستار الحديدي اللغوي” (The Fe Curtain)، إلى دراسة السقوط النهائي للغة الألمانية من عرش التواصل العلمي الدولي، وهو سقوط لم يكن ناجماً عن تراجع جودة الأبحاث بقدر ما كان انعكاساً مباشراً للتمزق الجيوسياسي الذي أصاب الأمة الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية. أدى تقسيم ألمانيا إلى دولتين، شرقية وغربية، إلى تفتيت المركز العصبي الفكري الذي كان يغذي الهيمنة اللغوية الألمانية. في ألمانيا الشرقية، وتحديداً في “جامعة هومبولت” (Humboldt University) العريقة في برلين، فرضت السلطات الشيوعية سياقاً لغوياً مزدوجاً؛ حيث أجبر الباحثون والطلاب على دراسة اللغة الروسية بشكل مكثف لربط المؤسسات الأكاديمية بالمركز السوفيتي في موسكو، بالتوازي مع حاجتهم المستمرة لمتابعة الأدبيات الغربية المكتوبة بالإنجليزية. أظهرت الاستطلاعات الداخلية التي أجريت في تلك الفترة أن الأستاذ الألماني الشرقي بات يعيش في مأزق هوية لغوية معقد، حيث تساوت الحاجة الحيوية لكل من الإنجليزية والروسية في تخصصات مثل الفيزياء والرياضيات، مما أدى إلى تآكل مكانة اللغة الألمانية كلغة تدريس وبحث أولى حتى داخل أسوار معاقلها التاريخية.

وفي الجانب الغربي، واجهت “جمعية ماكس بلانك” (Max Planck Society) الرائدة أزمة من نوع آخر تمثلت في النزيف الحاد للعقول والهجرة الجماعية للعلماء نحو الولايات المتحدة الأمريكية. تشير الإحصاءات الداخلية المروعة للجمعية إلى أنه بين عامي ألف وتسعمائة وسبعة وخمسين وألف وتسعمائة وأربعة وستين، هاجر ما يقرب من ألف باحث ألماني في العلوم الطبيعية والهندسة إلى أمريكا، مدفوعين بالإمكانات التمويلية الضخمة والمختبرات المتطورة هناك. هذا الهروب الجماعي لم يحرم المؤسسات الألمانية من نخبها المبدعة فحسب، بل أجبر العلماء المتبقين على تبني اللغة الإنجليزية كوسيلة وحيدة للتواصل مع زملائهم المهاجرين ومع الجهات المانحة الدولية. ورغم المحاولات المستميتة التي بذلتها الجمعية لإعادة استقطاب الكفاءات المهاجرة وتقديم حوافز اقتصادية مجزية، فإن النتيجة الحتمية كانت غياب المحفز الأساسي الذي كان يدفع العلماء الأجانب في الماضي لتعلم الألمانية، وهو الرغبة في الوصول إلى المعرفة الحصرية؛ إذ أصبحت الأبحاث الألمانية المتميزة تُنشر مباشرة بالإنجليزية لضمان مقروئيتها عالمياً، مما جعل اللغة الألمانية تنسحب طواعية إلى النطاق المحلي والإقليمي الضيق وتتنازل نهائياً عن صفتها كلغة علمية عالمية.

عصر الأنغلوفونية والاستسلام المؤسسي للمجلات الوطنية

يتوج الكتاب تحليله التاريخي في الفصل الحادي عشر المعنون بـ “الأنغلوفونية” (Anglophonia)، حيث يستعرض غوردين التحول البنيوي الشامل الذي شهدته العقود الأخيرة من القرن العشرين، والذي تمثل في الانتقال من التعددية اللغوية المقيدة إلى الأحادية اللغوية المطلقة لصالح اللغة الإنجليزية العالمية (Global English). لم يكن هذا التحول نتيجة مؤامرة ثقافية، بل كان مدفوعاً بآليات السوق الرأسمالية وعولمة النشر الأكاديمي، وظهور مؤشرات التأثير العلمي وعوامل الاقتباس الحاكمة لترقيات العلماء ومكانة الجامعات. وثق المؤلف كيف اضطرت المجلات العلمية الأوروبية العريقة، التي طالما مثلت قلاعاً للهويات القومية واللغوية، إلى الانحناء أمام العاصفة وتحويل لغة النشر فيها بالكامل إلى الإنجليزية، بل وتغيير أسمائها التاريخية لتمحو أي أثر لأصولها الوطنية. فعلى سبيل المثال، تحولت مجلة “إسهامات هايدلبرغ في علم المعادن وبتروغرافيا” (Die Heidelberger Beiträge Zur Mineralogie Und Petrographie)، التي تأسست عام ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين، إلى الاسم الإنجليزي بالكامل وهو “المساهمات في علم المعادن والبترولوجيا” (Contributions To Mineralogy And Petrology) في عام ألف وتسعمائة وستة وستين. ولم يكن هذا المثال معزولاً، بل تكرر مع دوريات نمساوية وألمانية وفرنسية شهيرة مثل “أوراق علم النفس الحيواني” (Zeitschrift Für Tierpsychologie) التي تخلت تدريجياً عن الألمانية لتتبنى اللغة الإنجليزية كلياً.

أحدث هذا التحول الجذري نوعاً من الامتياز اللغوي غير المتكافئ في المجتمع العلمي المعاصر؛ إذ وجد الباحثون الذين لا تمثل الإنجليزية لغتهم الأم أنفسهم مضطرين لدفع ما يمكن تسميته بـ “الضريبة اللغوية”. فالعلماء في طوكيو، وباريس، وبرلين، والقاهرة، يضطرون لقضاء شطر كبير من وقتهم الثمين وجهدهم الفكري في صقل صياغاتهم الإنجليزية وتحمل الكلف المالية العالية للمحررين اللغويين لكي تقبل أبحاثهم في الدوريات المصنفة، بينما يتمتع الباحث الناطق بالإنجليزية بامتياز مريح يتيح له التركيز الكامل على الابتكار العلمي دون عوائق تركيبية. هذا التفاوت البنيوي جعل من الإنجليزية لغة تواصل مرنة وعالمية من جهة، ولكنها تحولت من جهة أخرى إلى أداة إقصاء خفية تضع حواجز غير مرئية أمام الكفاءات العلمية التي لا تتقن الفروق الدقيقة في النحو والصياغة الأكاديمية الأنجلو-أمريكية.

خاتمة المطاف: ما وراء بابل والبحث الكوني عن الكلية

وفي خاتمة الكتاب الاستثنائي، والتي تحمل عنوان “ما وراء بابل” (Babel Beyond)، يضعنا مايكل دي غوردين أمام تأملات فلسفية وتاريخية عميقة حول مآلات هذا الوضع اللغوي الأحادي. يعترف الكاتب بأن وجود لغة تواصل مشتركة واحدة (Vehicular Language) يوفر كفاءة واضحة ومزايا هائلة من حيث سرعة تبادل المعلومات وتنسيق الجهود البحثية العابرة للقارات، مما يسرع من وتيرة الكشوف العلمية. ومع ذلك، فإن هذه الكفاءة تأتي على حساب خسارة فادحة في التنوع الفكري؛ فاللغات ليست مجرد أوعية محايدة للأفكار، بل هي أدوات صياغة وتشكيل لطريقة التفكير ذاتها، والاستغناء الكامل عن التعددية اللغوية قد يحرم العلم من مقارنات منهجية ورؤى إبداعية تنشأ تحديداً من الخصائص الفريدة لكل لغة. ويتناول المؤلف في هذا السياق الأنظمة الحديثة مثل “مترجم جوجل” (Google Translate)، مشيراً إلى أنها باتت تمثل أدوات ممتازة للمسح السريع والقراءة العامة، لكنها تظل عاجزة تماماً عن تعويض الاستيعاب البنيوي العميق والتفاعل الخلاّق المطلق الذي يتطلبه الإنتاج العلمي الرصين والابتكار الفكري الحقيقي.

يمتد هذا الهوس البشري التاريخي بالبحث عن لغة كلية تتجاوز لعنة بابل إلى آفاق أبعد من حدود كوكبنا الأرضي؛ حيث يستعرض غوردين المحاولات المدهشة التي قام بها علماء الفلك واللغويون في إطار مشروع “البحث عن ذكاء خارج الأرض” (Search For Extraterrestrial Intelligence)، والمعروف اختصاراً باسم SETI. فمنذ منتصف القرن العشرين، حاول مفكرون مثل هانز فرودينثال (Hans Freudenthal) تصميم لغة اصطناعية كاملة مبنية على المنطق الرياضي الصرف أطلق عليها اسم “لينكوس” (Lincos)، وهي اختصار للعبارة اللاتينية “اللغة الكونية” (Lingua Cosmica)، وذلك بهدف صياغة رسائل مشفرة يمكن للحضارات الفضائية المفترضة فك طلاسمها وفهمها دون الحاجة لمرجعيات ثقافية أرضية مسبقة. تعكس هذه الجهود الكونية الذروة المطلقة للحلم الإنساني القديم: الرغبة العارمة في العثور على لغة مثالية وخالية من الاحتكاك، قادرة على توحيد العقول عبر مسافات سحيقة، وهي الرغبة ذاتها التي قادت يوماً طموحات فلاسفة القرن السابع عشر ولغويي الإسبرانتو. غير أن المفارقة التاريخية الكبرى التي يتركنا الكتاب معها هي أن لغة التواصل العلمي العالمي اليوم لم تعد لغة اصطناعية محايدة ولا منطقاً رياضياً محضاً، بل هي لغة طبيعية، تاريخية، وقومية، فرضتها تحولات القوة العسكرية الاقتصادية والسياسية، ليظل العلماء المعاصرون يعيشون في بابل وقد هُدمت جدرانها، لكن على أن يتحدث الجميع داخل أنقاضها بلسان إنجليزي واحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى