أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

“مرض الملل”

تشريح "عضال" الوجود

يبدو الملل في تجلياته اليومية وكأنه مجرد تعثر عابر في تدفق الزمن، أو لحظة خمول تتخلل إيقاع الحياة المتسارع. لكن، ماذا لو كان هذا الشعور البسيط يحمل في طياته تاريخاً طويلاً ومظلماً من الإدانة الأخلاقية، والتشخيص الطبي، والتمرد الفلسفي؟ يفتتح الفيلسوف سورين كيركغور حكايته الرمزية الشهيرة بالقول: “كانت الآلهة تشعر بالملل؛ لذلك خلقوا البشر”. ومنذ تلك اللحظة الميثولوجية، تسلل الملل إلى العالم ليصبح قوة دافعة، ومحركاً للتاريخ، ووباءً يطارد البشرية.

في كتابها الصادر حديثاً “مرض الملل: من الفلسفة القديمة إلى علم النفس الحديث” ، تغوص الباحثة جوزيفا روس فيلاسكو في الأرشيف الفلسفي والأدبي والطبي للغرب، محاولةً تفكيك هذا المفهوم الزئبقي. لا يهدف هذا الكتاب إلى تقديم وصفة سحرية للتخلص من الملل، بل يدعونا صراحةً إلى تعلم كيفية “تحمل” هذا الشعور، محذراً إيانا من أن الأمل في التوقف عن المعاناة من الملل هو أمل زائف لن نجد له عزاءً في هذه الصفحات أو في أي مكان آخر.

في هذا المقال، نتتبع رحلة الملل من كونه رذيلة في اليونان القديمة، إلى خطيئة مميتة في العصور الوسطى، ثم تحوله إلى علامة على العبقرية الكئيبة في عصر النهضة، وصولاً إلى اعتباره وباءً مجتمعياً في الحداثة، وأخيراً تشخيصه كاضطراب نفسي في العصر الحالي.

خريطة الملل: من الوظيفة إلى الخلل

لتأسيس أرضية صلبة لهذه الرحلة التاريخية والفلسفية، تضع فيلاسكو إطاراً نظرياً يصنف الملل إلى أربع تجارب أساسية، متدرجة من الأكثر وظيفية إلى الأكثر خللاً ومرضية:

  1. الملل العابر المرتبط بالموقف (وظيفي): وهو الملل البسيط الذي نشعر به عندما نفقد الاهتمام بنشاط أو سياق معين، ويختفي بمجرد حدوث تغيير في البيئة المحيطة أو اتخاذنا لقرار بالانتقال لشيء آخر. هذا الملل يمثل آلية تكيفية تدفعنا للبحث عن بدائل وتمنعنا من الركود.

  2. الملل المزمن المرتبط بالفرد (غير وظيفي): حالة يختبر فيها الفرد الملل بشكل مرضي في معظم السياقات، ليس بسبب البيئة، بل لأسباب نفسية أو عصبية تمنعه من تطوير استراتيجيات للتكيف أو تخيل سيناريو أفضل.

  3. الملل المزمن المرتبط بالموقف (غير وظيفي): يحدث عندما يقع الفرد أو الجماعة في فخ بيئة أو سياق لا يمكن تغييره، مما يجعل الشعور بالملل مزمناً ومقاوماً للحلول الفردية.

  4. الملل العميق أو الوجودي (غير وظيفي): وهو شعور غامر بالتعب وسأم الحياة (ennui)، حيث تفقد الوجود بأكمله معناه، سواء كان ذلك نتيجة لملل فردي مزمن أو ملل موقفي مزمن.

تؤكد الكاتبة أن الملل في حد ذاته ليس خيراً ولا شراً، ولكنه يصبح مشكلة حقيقية، وربما “مرضاً” بالمعنى المجازي أو الحرفي، عندما يتخذ طابعاً مزمناً.

العصور القديمة: عبء الـ “بوليس” وصمت الفلاسفة

هل عرف القدماء الملل؟ للإجابة على هذا السؤال، تواجهنا عقبة تاريخية مدهشة: ندرة الإشارات المباشرة للملل في النصوص اليونانية الكلاسيكية. الشاعر الألماني غوته كان يعتقد أن القدماء لم يعرفوا الملل لأن عقولهم كانت تضج بالأساطير والقصص. لكن الحقيقة التاريخية والاجتماعية التي تكشفها فيلاسكو تبدو أكثر تعقيداً وعمقاً.

الغياب شبه التام للملل في الأدب والفلسفة اليونانية لم يكن نتيجة لغياب الشعور به، بل بسبب الحظر الأخلاقي والاجتماعي المبطن ضده. في أثينا الكلاسيكية، كان المثال الأعلى للمواطن هو “الحيوان السياسي” (zoon politikon)، حيث يُتوقع من كل فرد أن يكرس نفسه جسداً وروحاً لخدمة الـ “بوليس” (المدينة-الدولة) من خلال المشاركة السياسية والعسكرية والاجتماعية. في هذا السياق، كان الاعتراف بالملل يُعد بمنزلة إقرار بالكسل، أو تفضيل للعزلة ووقت الفراغ الشخصي على حساب الواجب المجتمعي. بالتالي، كان الملل يعتبر “رذيلة” وتخلياً عن الفضيلة المدنية، بل وتنازلاً عن الشرط الإنساني بحد ذاته.

إلا أن المشهد بدأ يتغير تدريجياً مع صعود الإمبراطورية الرومانية والفلسفة الأبيقورية. مع توحيد شعوب غير متجانسة تحت راية إمبراطورية شاسعة، وجدت روما في تعزيز المتعة وإدارة أوقات الفراغ أداة سياسية فعالة للسيطرة على الجماهير. خُصصت أيام للاحتفالات والمهرجانات وعروض المصارعة أكثر من تلك المخصصة للعمل.

ولكن، وكما هي العادة، جلب الإفراط في أوقات الفراغ نقيضه. فقد أدرك مفكرون مثل الشاعر لوكريتيوس والفيلسوف سينيكا خطورة هذا “الفراغ المفرط”. في قصيدته “في طبيعة الأشياء”، يصف لوكريتيوس كيف كان الأثرياء الرومان يعانون من “رعب المكان” (horror loci)، حيث يهربون باستمرار من المدينة إلى الريف، ثم يملّون الريف ليعودوا إلى المدينة في دائرة مفرغة لا تنتهي. هنا يبرز أول استخدام مجازي للملل كمرض، حيث يصفهم لوكريتيوس بأنهم يكرهون أنفسهم لأنهم “مرضى ولا يفهمون سبب مرضهم”.

أما الفيلسوف الرواقي سينيكا، فقد غاص أعمق في تشريح هذه الحالة، محذراً من “سأم الحياة” (taedium vitae). في رسائله إلى لوسيليوس، يصف سينيكا كيف يؤدي تكرار الأشياء ذاتها إلى غثيان وجودي: “لا أفعل شيئاً جديداً، لا أرى شيئاً جديداً… وهذا يؤدي أحياناً إلى الغثيان”. وقد ربط سينيكا هذا الملل العميق والمزمن بالسلوك الانتحاري، مشيراً إلى أن البعض يفضل إنهاء حياته على تحمل العبء الثقيل لروتين لا يتغير.

 

العصور الوسطى: شيطان الظهيرة و”مرض الروح”

إذا كان الرومان قد تعاملوا مع الملل كمنتج جانبي للرفاهية، فإن العصور الوسطى المسيحية رفعته إلى مصاف الخطايا المميتة، وأطلقت عليه اسم “الأسيديا” (Acedia).

أصبح الملل في الأدبيات الرهبانية المبكرة بمثابة “مرض يصيب الروح”. وبدأ اللاهوتيون، بدءاً من أوريجانوس وصولاً إلى إيفاغريوس البنطي وجون كاسيان، في تشريح هذه الحالة النفسية والروحية المعقدة. أطلق إيفاغريوس البنطي على هذا النوع من الملل اسم “شيطان الظهيرة”، وهو شيطان يستهدف الرهبان تحديداً عندما تبلغ الشمس كبد السماء، محاولاً إيهامهم بأن الزمن قد توقف، وبأن يومهم يمتد لخمسين ساعة.

يغرس هذا الشيطان في قلب الراهب كرهاً لزنزانته (وهو ما أسماه كاسيان لاحقاً برعب المكان)، ونفوراً من حياة الزهد والتأمل، واشتياقاً للحياة الدنيوية التي تركها خلفه. كان هذا الملل (الأسيديا) يُعتبر أخطر الخطايا الثماني الأصلية (قبل أن يعدلها البابا غريغوريوس العظيم لتصبح سبعاً وتُدمج الأسيديا مع الحزن)، لأنه كان يهدد جوهر الحياة الرهبانية، ويدفع الراهب للتخلي عن واجبه الأهم: التواصل مع الله.

لكن ما تلفت فيلاسكو النظر إليه هنا بذكاء سوسيولوجي وتاريخي مبهر، هو أن ما كان يمر به هؤلاء الرهبان هو في الحقيقة “ملل مزمن مرتبط بالموقف”. تخيلوا الروتين الرهباني: صلاة، قراءة، عمل يدوي، ثم صلاة مجدداً، في نفس المكان، مع نفس الأشخاص، يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام. من الطبيعي جداً أن تتولد حالة من الملل العابر الذي يحتاج الفرد إلى التعامل معه.

لكن المشكلة تكمن في أن النظام الرهباني كان صارماً لدرجة تمنع أي محاولة لتغيير هذا الموقف أو ابتكار مساحات جديدة. ولأن المنظومة الدينية المطلقة لا يمكن أن تخطئ، تم إزاحة اللوم بالكامل من عاتق البيئة (التي تفتقر للتحفيز وتولد الملل) ووضعه على كاهل الفرد. هكذا، تم تشخيص فشل النظام المؤسسي في إدارة الوقت كفشل أخلاقي للفرد، وتحول العرض الطبيعي إلى خطيئة تستوجب التوبة القاسية، وفي بعض الأحيان الانتحار يأساً.

لقد مهّد هذا التحليل الدقيق الطريق لتغيير جذري سيعصف بأوروبا لاحقاً. فمع اقتراب عصر النهضة، بدأت أطياف هذا العبء الأخلاقي الثقيل في التحلل، ليتم استبداله بتفسير آخر لا يقل إثارة للاهتمام، ولكنه هذه المرة يبرئ الروح ليتهم الجسد.

عصر النهضة: من خطيئة الروح إلى سوداوية الجسد

هل يمكن لمرض روحي مثل “الأسيديا” أن يتحول إلى عاهة بيولوجية كالملنخوليا؟. تجيب فيلاسكو بنعم قاطعة، مبينة أن هذا التحول كان ضرورياً ومطلوباً؛ فإذا تم نقل مسؤولية المعاناة من المجال الأخلاقي إلى المجال الجسدي، فإن المريض يُعفى من اللوم. لقد كان الجو القمعي في العصور الوسطى يولد شعوراً عميقاً بالذنب الفردي تجاه الملل. ولكن مع بزوغ فجر عصر النهضة، تم تخفيف هذا العبء الأخلاقي وإلقاؤه على عاتق الفسيولوجيا.

لم يعد العجز عن التفاعل مع العالم يُنظر إليه كفشل روحي، بل كفشل فسيولوجي بحت، مما حرر الأفراد من الشعور بالذنب، وأصبح لسان حالهم: “أنت حر في أن تشعر بالملل لأنك مريض”. تم تفسير هذا الملل المزمن (الذي يعتمد على الفرد) بأنه قضية عضوية بحتة تنتج عن فساد العصارة الصفراء في الدم، مما يؤدي إلى زيادة مفرطة في “العصارة السوداء” (atra biles). هكذا، تم إحياء النظريات الطبية القديمة لأبقراط وجالينوس لتبرئة الخطاة من أخطائهم الشخصية.

لقد مهّد أدباء كبار مثل دانتي وبترارك لهذا التحول. ففي “الكوميديا الإلهية”، ربط دانتي “الأسيديا” بالحزن المزمن وشلل الإرادة. أما بترارك، فقد قدم في حواراته وصفاً دقيقاً للملل (الملنخوليا) باعتباره حالة تصيب الجسد والروح معاً، ولها عواقب كارثية على كليهما.

ولكن المفارقة الكبرى حدثت في القرن الخامس عشر، عندما قلب الفيلسوف مارسيليو فيتشينو الطاولة، معلناً في كتابه “ثلاثة كتب عن الحياة” أن العصارة السوداء (الملنخوليا) هي شرط أساسي للعبقرية. جادل فيتشينو بأن هذا المزاج يدفع الروح للتأمل والغوص في أعمق أسرار الوجود. فجأة، تحول الملل العميق من مرض يجب علاجه، إلى “منحة” مخصصة لقلة مختارة من المفكرين العباقرة. أصبح من المألوف والمستساغ التباهي بهذا السأم كدليل على التعقيد والذكاء والقدرة على بلوغ مستويات تفكير تفوق البشر العاديين.

صراع المفكرين: “الكوليراوي” النشط مقابل “الملنخولي” المكتئب

لم يتقبل الجميع هذه الرومانسية للملل. فبالتزامن مع صعود العبقرية الملنخولية، كانت حركة الإصلاح الديني والأخلاق البروتستانتية الكالفينية تزرع بذوراً من نوع آخر. فقد ربط الكالفينيون الخلاص الإلهي بالإنتاجية والعمل الدؤوب. أصبح التراكم المستمر للثروة المادية والفكرية واجباً أخلاقياً، وتم إدانة الكسل وإهدار الوقت كأعظم الخطايا.

هذه الأخلاق الرأسمالية الوليدة، مدعومة بالعقلانية التنويرية، أفرزت نوعاً جديداً من المثقفين: “المثقف الكوليراوي” (الغاضب/النشط)، في مقابل المثقف الملنخولي. هؤلاء المفكرون التنويريون، أمثال ديدرو وفولتير، كانوا مدفوعين برغبة عارمة لفرض إرادتهم على العالم وإنتاج المعرفة بغزارة. بالنسبة لهم، لم يكن الملل حالة للتأمل أو مصدراً للعبقرية، بل كان حالة مرضية وإهداراً لوقت ثمين يجب استغلاله في البحث عن الحقيقة والتقدم. الفيلسوف إيمانويل كانط، على سبيل المثال، انتقد الملل بوضوح في كتابه “الأنثروبولوجيا”، واصفاً إياه بأنه ألم ناتج عن الجمود والرفاهية، وأن علاجه الوحيد هو العمل الجاد.

رومانسية الألم: “مرض العصر” واستعارات الـ “سبلين”

في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، تمردت مجموعة من المفكرين والأدباء على هذا النظام العقلاني الصارم الذي فرضته مساعي التنوير والرأسمالية. هؤلاء “الرومانسيون” شعروا بأن المهام المتكررة جعلتهم محاصرين في رقصة بالغة السطحية خالية من المتعة أو المغامرة. وسعياً وراء الحرية، كسروا القواعد، لكنهم دفعوا ثمناً باهظاً: لقد سقطوا في فخ “ملل مزمن مرتبط بالموقف”.

برز في هذا العصر مصطلحان حاسمان: الـ “Ennui” (السأم أو الملل الوجودي) والـ “Spleen” (السبلين أو السوداوية). الـ Ennui كان يمثل السأم من الحياة ذاتها، وهو ألم يتشكل كعرض من أعراض العيش في مجتمع معين. أما الـ Spleen، والذي تعود جذوره إلى “المرض الإنجليزي” ونظرية الأخلاط، فقد تطور ليعبر عن التجلي الجسدي والنفسي لهذا الملل، حيث يمرض الفرد حرفياً بسبب سأم الحياة.

أطلق الناقد الأدبي سانت بوف على هذه الحالة اسم “مرض العصر” (mal du siècle) في عام 1833، عند مراجعته لرواية “أوبرمان” للكاتب سينانكور. في هذه الرواية، يعاني البطل الأرستقراطي من ملل وجودي عميق يدفعه للتفكير في الانتحار، قبل أن يتعلم في شيخوخته كيف يتسامح مع سأمه. شخصية أخرى شهيرة هي “رينيه” للكاتب شاتوبريان، الشاب الحساس الذي يصطدم بالمجتمع ويعاني من شلل في الإرادة بسبب الملل، لكنه، على عكس أوبرمان، يجد في هذا الألم متعة غير متوقعة وتلذذاً بمرضه.

لم يقتصر استكشاف الملل على الرجال، بل جسدت بطلات الروايات النسائية أبعاداً أكثر قسوة لهذا الشعور. فالمرأة في ذلك العصر كانت محاصرة في روتين الحياة الزوجية الصارم. أشهر هؤلاء بلا منازع هي “إيما بوفاري”، بطلة رواية فلوبير، التي قادها الملل المزمن والتوق لكسر رتابة الزواج إلى الخيانة، ثم إلى تدمير نفسها وعائلتها، مفضلة الموت والانتحار على الاستمرار في الملل.

عندما يصبح المجاز تشخيصاً طبياً

لم يكتفِ الأدباء بتشريح هذا المرض، بل وصل الأمر إلى الشعراء الرمزيين، مثل شارل بودلير، الذي رأى الحياة “كواحة من الرعب في صحراء من الملل”. اعتبر بودلير أن الملل هو بوابة كل الشرور، ولكنه في الوقت نفسه تناقض مع ذاته حين اعتبر “السبلين” شرطاً ضرورياً لبروز العبقرية وتفجر العمل الإبداعي. صديقه وشريكه أرتور رامبو، عانى هو الآخر من عبء الملل المزمن طوال حياته القصيرة، معترفاً بأنه ضحية لـ “فيروس الملل الذي لا يُقهر”.

هذا الزخم الأدبي الهائل لم يمر مرور الكرام على أطباء ذلك العصر. لقد أخذ متخصصو الصحة العقلية هذه الاستعارات الأدبية على محمل الجد، وبدأوا في تحويل “مرض الملل” المجازي إلى تشخيص طبي حرفي. الطبيب دي سوفاج وصف الملل بأنه “مرض” مصحوب بأعراض سريرية. كما أدرج الطبيب النفسي إسكيرول الملل ضمن أسباب ومسببات الانتحار، مؤكداً أن “سأم الحياة (taedium vitae) يؤدي إلى الانتحار”.

المثير للدهشة هو التداخل الدائري المستمر بين الأدب والطب في تلك الحقبة؛ فالأطباء كانوا يستشهدون بشخصيات خيالية مثل “رينيه” كدراسات حالة لتشخيص اضطراب الملنخوليا أو الملل. وفي نهاية القرن التاسع عشر، أعلن الطبيب وعالم النفس إميل تارديو أن الملل هو بالفعل “مرض حقيقي” تتجلى أعراضه في الاضطرابات العقلية والدوافع الغريبة والانحطاط إلى الهراق (توهم المرض).

الثورة الصناعية وما بعدها

مع دخولنا القرن العشرين، لم يعد الملل ترفاً أرستقراطياً أو قلقاً يقتصر على الصالونات الأدبية، بل تحول إلى ظاهرة جماعية و”ديمقراطية” بامتياز، زحفت من أطراف المجتمع إلى قلبه النابض في المصانع والمكاتب والبيوت. ترصد جوزيفا روس فيلاسكو في هذا المنعطف التاريخي كيف أعادت الحداثة صياغة الملل، محولةً إياه من “مرض الروح” إلى “عَرَض للمنظومة”. لقد أدى الانتقال إلى عصر الآلة والإنتاج الكثيف إلى ولادة نوع جديد من الرتابة؛ فرجل المصنع الذي يقضي ساعات يومه في تكرار حركة ميكانيكية واحدة، لم يعد يعاني من “سبلين” بودلير الرومانسية، بل من “ملل موقفي مزمن” مفروض عليه بقوة لقمة العيش، وهو ما أطلق عليه علماء الاجتماع الأوائل “اغتراب العمل”.

في هذا المناخ المشحون بالآلية، ظهر الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر ليقدم واحدة من أعمق وأعقد المقاربات الفلسفية للملل في تاريخ الفكر الغربي. لم يكتفِ هايدغر بتوصيف الملل كحالة نفسية عابرة، بل جعله “مزاجاً أساسياً” يكشف لنا عن حقيقة وجودنا. في دروسه الشهيرة التي ألقاها في أواخر العشرينيات، ميز هايدغر بين ثلاثة مستويات من الملل: أولها هو “الملل من شيء ما”، مثل انتظار قطار متأخر، حيث نكون واعين بالوقت الذي يمر ببطء وبالموقف الذي يفرضه علينا. والمستوى الثاني هو “الملل في موقف ما”، حيث نكون في حفلة صاخبة مثلاً لكننا نشعر بفراغ داخلي غريب رغم انشغالنا الظاهري. أما المستوى الثالث والأخطر، فهو “الملل العميق” أو الوجودي، حيث لا نمل من شيء بعينه، بل يمل الوجود منا، ويسود صمت مطبق يجعل كل الأشياء، بما فيها أنفسنا، تبدو بلا معنى. يرى هايدغر أن هذا الملل العميق، رغم قسوته، هو “لحظة الحقيقة”؛ لأنه يجبرنا على مواجهة حريتنا ومسؤوليتنا عن خلق معنى لحياتنا في عالم صامت.

لكن هذا “الصمت” الذي تحدث عنه هايدغر، سرعان ما تم ملؤه بضجيج “صناعة الثقافة” التي حللها مفكرو مدرسة فرانكفورت، مثل ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، بدقة جراحية. تشرح فيلاسكو كيف جادلت هذه المدرسة بأن النظام الرأسمالي الحديث وجد في الملل فرصة ذهبية للاستثمار. فلكي يستمر الاستهلاك، يجب أن يشعر الناس بملل دائم يحتاج إلى “إشباع” فوري عبر المنتجات الترفيهية والسلع الجديدة. وهكذا، تحول وقت الفراغ، الذي كان من المفترض أن يكون مساحة للحرية والإبداع، إلى امتداد لوقت العمل، حيث يستهلك الفرد منتجات ترفيهية نمطية تهدف إلى تسكينه لا إلى تحريره. لقد أصبح الملل هنا محركاً اقتصادياً؛ فنحن لا نشتري السلع لأننا نحتاجها، بل لنهرب من الفراغ الذي تولده نمطية الحياة الحديثة، مما يخلق حلقة مفرغة من “الملل، فالاستهلاك، ثم الملل مجدداً”.

ومع منتصف القرن العشرين، بدأ الثقل المعرفي ينتقل تدريجياً من الفلسفة إلى علم النفس التجريبي والعلوم العصبية، في محاولة لـ “تكميم” هذا الشعور الزئبقي. تشير فيلاسكو إلى أن نقطة التحول الحقيقية كانت في عام 1986، عندما طور الباحثان ريتشارد فارمر ونورمان صندبرج “مقياس القابلية للملل” (BPS). كان هذا أول اعتراف علمي بأن الملل ليس مجرد رد فعل للمحيط، بل هو سمة شخصية تختلف من فرد لآخر. هنا، بدأ العلم ينظر إلى الملل كـ “إشارة تنبيه” بيولوجية، تشبه الألم الجسدي، تخبر الدماغ بأن النشاط الحالي غير مُرضٍ وبأن هناك حاجة للتغيير. لكن المشكلة تكمن في أن هذه الإشارة، إذا ما تعطلت أو إذا لم يجد الفرد طريقة للاستجابة لها، تتحول إلى حالة مرضية ترتبط بالاكتئاب، والقلق، والإدمان، وحتى السلوكيات العدوانية.

لقد كشف العلم الحديث أن دماغ الشخص الذي يشعر بالملل ليس “نائماً”، بل هو في حالة من الاستثارة العالية التي تبحث عن مخرج. هذا التوتر بين الرغبة في الانخراط في نشاط ذي معنى وبين العجز عن إيجاد هذا النشاط هو ما يجعل الملل مؤلماً. وفي عصرنا الحالي، عصر “الاقتصاد الانتباهي” والتدفق اللانهائي للمعلومات عبر الهواتف الذكية، تجادل فيلاسكو بأننا فقدنا قدرتنا على “تحمل” هذه الإشارة. لقد أصبحنا نهرب من أدنى لحظة صمت أو فراغ باللجوء إلى الشاشات، مما أدى إلى ضمور “عضلة الملل” لدينا. هذا الهروب المستمر لا يحل المشكلة، بل يجعلنا أكثر عرضة للملل المزمن، لأننا نعود دائماً إلى واقعنا لنجده أكثر رتابة مما تقدمه لنا العوالم الافتراضية.

تصل فيلاسكو في ختام هذا الجزء من تاريخ الملل إلى استنتاج مرير؛ وهو أننا في محاولتنا المحمومة للقضاء على الملل عبر التكنولوجيا والاستهلاك، قد حولناه بالفعل إلى “مرض عضال”. فبينما كان إنسان العصور الوسطى يرى في الملل دعوة للتوبة، وإنسان الرومانسية يراه بوابة للإبداع، أصبح إنسان القرن الحادي والعشرين يراه مجرد “عطل” في النظام يجب إصلاحه بسرعة، متجاهلاً أن هذا “العطل” هو في الحقيقة صرخة وجودية تطلب منا التوقف والتفكير في جدوى ما نفعله.

حضارة الهروب

تنتقل فيلاسكو في فصولها الأخيرة من التنظير التاريخي إلى التشريح الاجتماعي والسياسي للملل المعاصر، معتبرةً أننا نعيش في “حضارة الهروب”. لقد صممنا عالماً يرتعد فرائصاً من لحظة سكون واحدة؛ فبمجرد أن يلوح شبح الملل في الأفق، نسارع إلى إشهار هواتفنا الذكية كدروع واقية، نغرق بها في سيل من الصور والمقاطع والمنشورات التي لا تهدف إلى إثراء عقولنا بقدر ما تهدف إلى “قتل الوقت”. لكن المفارقة التي تطرحها الكاتبة بحدة هي أننا كلما حاولنا قتل الوقت، قتلنا في الحقيقة قدرتنا على الابتكار والتأمل، وحولنا الملل العابر (الذي كان من المفترض أن يكون محفزاً للتغيير) إلى ملل مزمن ومتأصل.

تفتح الباحثة ملفاً شائكاً تطلق عليه “الملل المؤسسي”، وهو الجانب المظلم الذي نادراً ما يتم تسليط الضوء عليه في الدراسات النفسية التقليدية. تشير فيلاسكو إلى أن هناك فئات في المجتمع محكوم عليها بالملل “قسراً”، ليس بسبب خلل في كيميائية أدمغتها، بل بسبب البيئات التي وُضعت فيها. تتحدث بمرارة عن دور الرعاية للمسنين، والسجون، والمستشفيات طويلة الأمد، حيث يتحول الزمن إلى عدو صامت. في هذه الأماكن، لا يكون الملل مجرد “شعور”، بل هو أداة سحق للروح الإنسانية. عندما يُحرم الفرد من القدرة على الفعل، ومن إمكانية تغيير محيطه، ومن التفاعل مع تحديات جديدة، فإن الملل يتحول هنا إلى “مرض عضال” تفرضه المنظومة. إنها تطالب بـ “عدالة انتباهية”، وبضرورة إعادة تصميم هذه المؤسسات لتكون مساحات للحياة لا مجرد مستودعات للانتظار.

وعلى صعيد التحليل النفسي الحديث، تعيدنا فيلاسكو إلى فكرة “الملل كإشارة”. جادلت في فصول الكتاب بأن المشكلة ليست في الملل بحد ذاته، بل في “عجزنا عن الاستجابة للإشارة”. نحن اليوم نعاني مما يمكن تسميته “فقر البدائل النوعية”. فبالرغم من وفرة الخيارات الاستهلاكية، إلا أنها خيارات سطحية لا تشبع الجوع الوجودي للمعنى. هذا التناقض يؤدي إلى حالة من “الاستثارة المؤلمة”؛ حيث يشعر الفرد برغبة عارمة في فعل شيء ما، لكنه لا يجد شيئاً يستحق الفعل، مما يقوده في النهاية إلى السلوكيات الاندفاعية، أو الإفراط في الأكل، أو الإدمان، كطرق بدائية لتخدير الألم الناتج عن هذا الفراغ.

تصل الكاتبة إلى ذروة تحليلها عندما تربط بين الملل وبين “أزمة المعنى” في المجتمعات الحديثة. ففي ظل تراجع السرديات الكبرى واختزال الإنسان في بُعده الاستهلاكي، فقدنا البوصلة التي توجهنا نحو أهداف تتجاوز الذات. الملل في جوهره هو صرخة الروح التي ترفض أن تكون مجرد ترس في آلة. إنه التذكير الدائم بأننا كائنات “متجاوزة”، لا يمكن إرضاؤها بمجرد تلبية الاحتياجات البيولوجية أو الترفيه السطحي.

The Disease of Boredom: From Ancient Philosophy to Modern Psychology

Josefa Ros Velasco

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى