الوثائق البريطانية عن السودان :قراءة في أرشيف الإمبراطورية وسرديّة التحرر

تعد سلسلة “الوثائق البريطانية عن السودان (1940-1956)”، التي يحررها الباحث والمؤرخ محمود صالح عثمان صالح، واحدة من أضخم المشروعات التوثيقية في التاريخ السوداني المعاصر . وفي المجلد السادس من هذه السلسلة، الذي يتناول عام 1952 بالتحديد، نحن أمام “علبة سوداء” تؤرخ لعام مفصلي لم يتغير فيه وجه السودان فحسب، بل وجه المنطقة بأسرها. إن هذا الكتاب ليس مجرد تجميع لبرقيات دبلوماسية أو تقارير إدارية جافة، بل هو نص حي يصور الصراع المحموم على السيادة، وتهاوي الإمبراطوريات، وبزوغ فجر الاستقلال وسط ركام المفاوضات المعقدة.
عمارة الذاكرة ومشروع محمود صالح عثمان صالح
تبدأ أهمية هذا العمل من كونه يكسر احتكار الأرشيف الأجنبي للمعلومة التاريخية، حيث بذل المحرر محمود صالح عثمان صالح جهداً استثنائياً في استخراج هذه الوثائق من مكاتب السجلات العامة في لندن (Public Record Office)، ونقلها إلى القارئ العربي والسوداني بتبويب منهجي دقيق. المجلد السادس، الصادر عن مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بالتعاون مع دار رياض الريس، يركز على عام 1952، وهو العام الذي شهد زلزال ثورة 23 يوليو في مصر، وما تبع ذلك من إعادة صياغة جذرية لـ “المسألة السودانية”.
فلسفة التوثيق: لماذا 1952؟
عندما نتصفح أوراق هذا المجلد، نجد أنفسنا أمام سردية بريطانية “سرية للغاية” كانت تدور خلف الأبواب المغلقة في الخرطوم ولندن والقاهرة. في تلك الفترة، كان السودان يرزح تحت وطأة “الحكم الثنائي” (الإنجليزي-المصري)، لكن عام 1952 جاء ليفكك هذا الارتباط المعقد. تبدأ الوثائق بملخصات لوجهات النظر الرسمية حول لقب الملك فاروق كـ “ملك على السودان”، وهو الملف الذي كان يشكل حجر عثرة أمام أي تفاهمات سياسية.
المحرر يضعنا في قلب الحدث عبر رسائل السير جيمس روبرتسون، السكرتير الإداري للسودان، وبرقيات روبرت هاو، الحاكم العام، التي كانت تعكس قلقاً بريطانياً عميقاً من التحولات في القاهرة. إن الميزة الأساسية في أسلوب محمود صالح هي أنه لم يكتفِ بالترجمة أو النقل، بل رسم سياقاً يجعل الوثيقة “تنطق” بظروف إنتاجها، مما يحولها من مجرد ورقة صفراء إلى شاهد ملك على العصر.
السودان في مرآة الأرشيف البريطاني
يعكس الكتاب كيف كانت بريطانيا تنظر إلى السودان ليس كدولة فحسب، بل كقطعة استراتيجية في رقعة شطرنج عالمية. تتضمن الوثائق تقارير مخابراتية (Intelligence Reports) مذهلة في دقتها، تصف نشاط الأحزاب السياسية السودانية، من “الجبهة الوطنية المتحدة” إلى الأحزاب الاتحادية، وتحلل بدقة ميكروسكوبية التحركات الجماهيرية والإضرابات، مثل تقرير “الإضراب العام” في مارس 1952.
هذه التقارير تكشف عن “عقل المستعمر” الذي يحاول استشراف المستقبل؛ هل يظل السودان ضمن “رابطة الدول البريطانية” (Commonwealth)؟ أم يذهب نحو الوحدة مع مصر؟ أم يختار الاستقلال التام؟. الكتاب يورد وقائع اجتماعات سرية في وزارة الخارجية البريطانية بلندن ناقشت هذه الاحتمالات، بحضور أقطاب الحركة الوطنية السودانية مثل السيد عبد الرحمن المهدي، الذي يخصص له الكتاب مساحة واسعة لتوثيق محادثاته في لندن والقاهرة..
عقدة “لقب الملك”: حين تحكم الرمزية مصير الشعوب
تستهل وثائق مطلع عام 1952 بسردية “عقدة اللقب”. كان الملك فاروق يصر على اعتراف بريطانيا به “ملكاً على مصر والسودان” كشرط مسبق للدخول في أي ترتيبات دفاعية تخص قناة السويس. البرقيات السرية المتبادلة بين السفير البريطاني في القاهرة “رالف ستيفنسون” ووزير الخارجية “أنتوني إيدن” تظهر حجم الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة على لندن. كانت واشنطن، المسكونة بهواجس الحرب الباردة، ترى أن إرضاء غرور فاروق بلقب “رمزي” هو ثمن بخس لضمان بقاء مصر في المنظومة الدفاعية الغربية.
لكن الوثائق في الخرطوم تحكي قصة أخرى. تقارير السكرتير الإداري، السير جيمس روبرتسون، كانت حازمة في تحذير لندن: “أي اعتراف بلقب الملك فوق السودان دون استشارة السودانيين سيؤدي إلى تمرد واسع النطاق في الشمال وفوضى عارمة في الجنوب”. هنا تتجلى القيمة المضافة لعمل محمود صالح عثمان صالح؛ فهو يضعنا أمام “صراع الإرادات” داخل الجهاز البريطاني نفسه؛ إرادة “دبلوماسيي القاهرة” الراغبين في التهدئة، وإرادة “إداريي الخرطوم” المتمسكين بخصوصية الكيان السوداني.
ثورة يوليو: المفاجأة التي بعثرت الأوراق
تأتي وثائق شهر يوليو 1952 لتمثل ذروة الدراما التاريخية في الكتاب. يوثق المجلد ردود الفعل البريطانية المرتبكة حيال تحرك “الضباط الأحرار” في 23 يوليو. في البداية، ساد اعتقاد لدى الدوائر الاستخباراتية في الخرطوم أن الانقلاب هو مجرد “اضطراب داخلي” لن يغير من جوهر السياسة المصرية تجاه السودان. لكن، وسرعان ما تغيرت النبرة مع بروز شخصية اللواء محمد نجيب.
الوثائق تعيد الاعتبار لـ “الدور السوداني” في شخصية نجيب؛ فكونه مولوداً في الخرطوم ومن أم سودانية، أعطاه مفتاحاً سحرياً لقلوب السودانيين لم يملكه فاروق يوماً. تشير التقارير البريطانية إلى “القلق المتزايد” من الشعبية الكاسحة التي نالها نجيب في الشارع السوداني. ولأول مرة، تظهر الوثائق أن القاهرة بدأت تلعب “لعبة الديمقراطية” بذكاء؛ فبدلاً من الإصرار على التاج، بدأ الضباط الأحرار يتحدثون عن “حق تقرير المصير”، وهي المناورة التي سحبت البساط من تحت أقدام البريطانيين الذين كانوا يزعمون أنهم هم حماة هذا الحق.
الوفود السودانية في القاهرة: رقصة مع “العهد الجديد”
يفرد الكتاب مساحة واسعة لتوثيق رحلات الوفود السودانية إلى القاهرة بعد الثورة. المحاضر السرية للاجتماعات بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر من جهة، وبين وفود حزب الأمة والاتحاديين من جهة أخرى، تكشف عن “براغماتية سودانية” مدهشة. وثائق المجلد السادس ترصد كيف نجح السيد عبد الرحمن المهدي، عبر ممثليه، في انتزاع اعتراف مصري صريح بحق السودان في الاستقلال، وهو ما كان يعد “خطاً أحمر” في عهد الملكية.
التقارير البريطانية كانت تراقب هذه اللقاءات بعين الريبة، وتصفها بأنها “تحالف الضرورة” بين الاستقلاليين السودانيين والثوريين المصريين لإخراج بريطانيا من السودان. إن عبقرية التحرير في هذا المجلد تكمن في ربط هذه التحركات الدبلوماسية بالواقع على الأرض؛ حيث يورد الكتاب تقارير عن مظاهرات في مدني وعطبرة والخرطوم، تزامنت مع هذه المفاوضات، مما يعطي القارئ صورة متكاملة عن جبهة وطنية كانت تغلي وترفض الانتظار.
قانون “الحكم الذاتي”: المخاض العسير
من أبرز الملفات التي يغطيها هذا الجزء هو كواليس إعداد “قانون الحكم الذاتي لعام 1952”. الوثائق تكشف عن المراسلات الحادة بين الجمعية التشريعية في السودان وبين وزارة الخارجية البريطانية حول صلاحيات الحاكم العام. كانت بريطانيا تحاول الاحتفاظ بصلاحيات واسعة تحت ذريعة “حماية الأقليات” (في إشارة للجنوب)، بينما كان القادة السودانيون يضغطون لتقليص هذه الصلاحيات إلى أدنى حد ممكن.
هذا المجلد يثبت بالأدلة الدامغة أن عام 1952 كان عام “النضوج السياسي” للنخبة السودانية؛ حيث تظهر الوثائق كيف تمكنوا من المناورة بين القوتين العظميين (بريطانيا ومصر) لانتزاع أكبر قدر من المكاسب الدستورية. ويختتم هذا القسم من الوثائق بتمهيد للطريق نحو “اتفاقية فبراير 1953” الشهيرة، مما يجعل المجلد السادس حلقة وصل لا غنى عنها لفهم كيف تحول السودان من “ضيعة” متنازع عليها إلى “دولة” قيد التأسيس.
الجنوب في عين العاصفة: سياسة “الخوف” من الشمال والشرق
تحتل المديريات الجنوبية مساحة معتبرة في وثائق عام 1952، ليس كجزء من العملية السياسية المركزية فحسب، بل كمنطقة “قلق استراتيجي”. يورد الكتاب مذكرة سرية من مكتب السكرتير الإداري تغطي حالة المديريات الجنوبية، وتعكس التوجس البريطاني من تغلغل النفوذ المصري في العمق الأفريقي.
لكن الوثيقة الأكثر إثارة للجدل في هذا السياق هي البرقية التي كتبها الحاكم العام روبرت هاو حول “سلوك صلاح سالم في الجنوب”. ترسم الوثيقة صورة للصراع الاستخباراتي المحموم؛ حيث تتهم الإدارة البريطانية الصاغ صلاح سالم (عضو مجلس قيادة الثورة المصري) بمحاولة “تأليب” زعماء القبائل الجنوبية ضد الإدارة البريطانية عبر وعود بالوحدة والمساواة، وهو ما كانت تراه الخرطوم “خرقاً” للاتفاقات وتلاعباً بعواطف المجموعات المحلية.
غضبة “عطبرة” والخرطوم: الإضراب العام كأداة سياسية
لا يكتفي المحرر محمود صالح بتوثيق حركة “الأفندية” والسياسيين، بل يغوص في ملف الحركات العمالية التي كانت تشكل الصداع الأكبر لبريطانيا. يتضمن المجلد تقريراً موجزاً وحساساً يقدمه ضابط العمل “ب. ج. سانديسون” حول “الإضراب العام” الذي شلّ السودان في الفترة من 23 إلى 27 مارس 1952.
يكشف التقرير عن ذعر الإدارة من “التنظيم العالي” لنقابات العمال، وقدرتها على ربط المطالب الاقتصادية بالشعارات الوطنية. الوثائق تظهر بوضوح كيف كانت المخابرات البريطانية تربط بين نشاط اتحاد العمال وبين “المد الشيوعي”، حيث تشير تقارير النشاط السياسي إلى أن التحركات العمالية لم تعد مجرد احتجاجات مهنية، بل أصبحت “رافعة” للضغط على بريطانيا لتقديم تنازلات في قانون الحكم الذاتي.
تقارير المخابرات: مراقبة “الأرواح” السياسية
من الأجزاء التي تمنح القارئ شعوراً بأنه يقرأ رواية تجسس، هي “تقارير المخابرات” الدورية. يضم المجلد تقرير المخابرات لسنة 1952 ، وهو تقرير يشرح الخارطة السياسية السودانية من الداخل. المحلل الاستخباراتي البريطاني يفكك في هذا التقرير التحالفات الهشة بين الأحزاب الاتحادية، ويحلل شخصيات القادة الوطنيين، مبرزاً نقاط ضعفهم وقوتهم.
كما يوثق الكتاب مذكرات عن “الأحزاب السياسية في السودان” بتاريخ مايو 1952 ، تركز بشكل خاص على “الجبهة الوطنية المتحدة”. هذه الوثائق تثبت أن الإدارة البريطانية كانت “تتحسس” مقاعدها، وتدرك أن الزمن الإمبراطوري في وادي النيل قد بدأ في العد التنازلي.
عصب الحياة: مشروع الجزيرة والتقارير الزراعية
لا يغيب الجانب الاقتصادي عن ذهن المحرر؛ فالسيادة بلا موارد هي سيادة منقوصة. يورد الكتاب مذكرة بالغة الأهمية كتبها المستشار الزراعي البريطاني “ج. س. إيري” بعد زيارته للسودان في مطلع عام 1952. التقرير يتناول الحالة في “السودان الأوسط” (مشروع الجزيرة تحديداً)، ويناقش التحديات التي تواجه إنتاج القطن، الذي كان يمثل العمود الفقري لتمويل الإدارة الاستعمارية.
تعكس هذه التقارير التقنية وجهاً آخر للصراع؛ فبينما كان السياسيون يتجادلون حول “لقب الملك”، كان الخبراء البريطانيون يخططون لكيفية الحفاظ على المصالح الاقتصادية لبريطانيا في “سودان ما بعد الاستعمار”. إن ربط محمود صالح بين هذه التقارير الاقتصادية والوثائق السياسية يمنح المجلد السادس شمولية تجعله مرجعاً ليس فقط في التاريخ السياسي، بل في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي أيضاً.
رحلة “الأنصار” إلى عاصمة الضباب: كسر البروتوكول
يورد المجلد مجموعة من المذكرات السرية التي توثق كواليس التحضير لزيارة السيد عبد الرحمن المهدي. تكشف الوثائق أن وزارة الخارجية البريطانية كانت تعيش حالة من الانقسام؛ فبينما كان السير جيمس روبرتسون في الخرطوم يدفع باتجاه معاملة المهدي كـ “رجل دولة” يمثل تطلعات الاستقلال، كان بعض الدبلوماسيين في لندن يخشون أن تؤدي الحفاوة الزائدة به إلى استفزاز النظام الجديد في القاهرة وتخريب المفاوضات حول قناة السويس.
لكن الوثيقة، وهي محضر اجتماع سري بين السيد عبد الرحمن ووزير الخارجية البريطاني أنتوني إيدن، تكشف عن ندية مدهشة. المهدي لم يأتِ طالباً للحماية، بل جاء ليضع البريطانيين أمام مسؤولياتهم الأخلاقية والسياسية. يورد المحرر محمود صالح نص الحوار الذي دار، حيث شدد المهدي على أن “السودان لن يقبل بأي اتفاق بين لندن والقاهرة يتم من وراء ظهره”، وهي الجملة التي سجلتها المحاضر البريطانية كـ “تحذير حازم” غير مسار التفكير الإنجليزي في تلك اللحظة.
صراع “الأخوة الأعداء”: الخارجية البريطانية ضد إدارة الخرطوم
من أثمن ما يقدمه هذا المجلد هو الكشف عن الفجوة العميقة بين “وزارة الخارجية” في لندن (Foreign Office) وبين “حكومة السودان” في الخرطوم (Sudan Government). الوثائق المتبادلة في خريف 1952 تظهر أن إداريي الخرطوم كانوا “سودانيين أكثر من السودانيين أنفسهم” في دفاعهم عن استقلال البلاد، بينما كانت لندن مستعدة للتضحية ببعض المصالح السودانية مقابل تأمين قواعدها العسكرية في مصر.
المحرر يضع يدنا على مراسلات بالغة الحساسية، حيث يوبخ “أنتوني إيدن” الحاكم العام في الخرطوم، متهماً إياه بـ “ضيق الأفق” لعدم إدراكه للتعقيدات العالمية للحرب الباردة. في المقابل، تظهر تقارير الحاكم العام وهو يدافع عن “شرف الإدارة البريطانية” التي وعدت السودانيين بالحكم الذاتي، محذراً من أن أي تراجع سيعني “ثورة عارمة لا تبقي ولا تذر”. هذا الصراع البيروقراطي الموثق يمنحنا فهماً أعمق لكيفية اتخاذ القرار في الأيام الأخيرة للإمبراطورية.
الظل الأمريكي: واشنطن تضغط لتصفية الاستعمار
لأول مرة بشكل صريح في هذه السلسلة، يبرز “الظل الأمريكي” بقوة في وثائق 1952. يتضمن المجلد السادس تقارير عن اتصالات سرية بين وزارة الخارجية البريطانية والسفارة الأمريكية في لندن . كانت واشنطن ترى أن استمرار الوجود البريطاني في السودان بصورته الاستعمارية القديمة هو “هدية مجانية” للدعاية السوفيتية في أفريقيا والشرق الأوسط.
الوثائق تكشف أن الضغط الأمريكي كان عاملاً حاسماً في إجبار بريطانيا على قبول “اتفاقية الحكم الذاتي”. تقرير صادر عن الخارجية البريطانية يقر بمرارة أن “أصدقاءنا الأمريكيين يدفعوننا للرحيل بسرعة قد لا يتحملها الهيكل الإداري للسودان”. هذا البعد الدولي الذي وثقه محمود صالح عثمان صالح يخرج القضية السودانية من إطارها المحلي الضيق ليضعها في قلب التحولات الجيوسياسية الكبرى لما بعد الحرب العالمية الثانية.
نحو “نقطة اللاعودة”: مسودة اتفاق نوفمبر
يختتم هذا الجزء من المجلد بتوثيق المخاض العسير لمسودة الاتفاق التي قُدمت في نوفمبر 1952. الوثائق ترصد التعديلات “بالقلم الرصاص” التي كان يضعها الجانب البريطاني على نصوص السيادة، وكيف تحولت المصطلحات من “السيادة المشتركة” إلى “الفترة الانتقالية”.
إن الجهد التحريري هنا يبرز كيف أن السودانيين، عبر براعتهم في المناورة بين القاهرة ولندن، استطاعوا تحويل “مشروع الحكم الذاتي البريطاني” إلى “جسر نحو الاستقلال الكامل”. المجلد السادس يثبت بالوثائق الدامغة أن الاستقلال لم يكن منحة، بل كان حصيلة صراع مرير استغل فيه السودانيون كل ثغرة في جدار “الحكم الثنائي” المتصدع.
الجمعية التشريعية: برلمان تحت الحصار
يخصص المجلد مساحة معتبرة لمحاضر الجمعية التشريعية السودانية. في عام 1952، لم تعد الجمعية مجرد ديكور سياسي وضعه البريطانيون، بل تحولت إلى “منصة إطلاق” لمطالب الاستقلال. توثق التقارير البريطانية كيف استغل النواب السودانيون مناقشات “قانون الحكم الذاتي” لتحويله من مسودة بريطانية تمنح الحاكم العام سلطات مطلقة، إلى وثيقة تؤسس لبرلمان كامل الصلاحيات.
الوثيقة ترصد “القلق البريطاني” من تزايد نفوذ “الكتلة البرلمانية” التي بدأت تنسق مع القاهرة. يصف السكرتير الإداري في إحدى مذكراته السرية جلسات الجمعية بأنها أصبحت “ساحة للمزايدات الوطنية”، حيث كان النواب يرفضون أي بند يمنح الحاكم العام حق “الفيتو” على القرارات الاقتصادية أو التعيينات الكبرى. هذا المجلد يثبت أن “النخبة البرلمانية” السودانية في 1952 كانت تملك وعياً قانونياً لا يقل عن نظيرتها في لندن.
“السودنة”: الرعب البريطاني من “فقدان المفاتيح”
من أكثر الملفات إثارة للحساسية في وثائق عام 1952 هو ملف “السودنة” (Sudanization). يورد المجلد السادس تقارير بالغة السرية حول خطة إحلال السودانيين محل البريطانيين في الوظائف القيادية. الوثائق تكشف عن “دراما إنسانية وإدارية”؛ حيث كان الموظفون البريطانيون يرفعون مذكرات احتجاج جماعية للحاكم العام، يعربون فيها عن مخاوفهم من فقدان معاشاتهم ومستقبلهم الوظيفي.
لكن الأهم هو الجانب الاستراتيجي؛ فالوثيقة تكشف عن “خطة طوارئ بريطانية” لمحاولة إبطاء عملية السودنة في “المناصب الحساسة” (مثل المخابرات، والمالية، وإدارة السكك الحديدية)، تحت ذريعة الحفاظ على الكفاءة. إلا أن الوثائق تظهر في المقابل ضغطاً سودانياً لا يلين، حيث اعتبرت الأحزاب الوطنية أن الاستقلال السياسي بدون “استقلال إداري” هو مجرد وهم. محمود صالح عثمان صالح يبرع هنا في إظهار كيف كانت “الخدمة المدنية السودانية” هي العمود الفقري الذي استند إليه مشروع الدولة القادم.
معضلة “الجنوب” في مسودة الدستور
تعود قضية جنوب السودان للبروز في وثائق خريف 1952، ولكن هذه المرة من منظور “قانوني دستوري”. يتضمن المجلد مسودة “قانون الحكم الذاتي” والتعليقات البريطانية والمصرية والسودانية عليها. نقطة الخلاف المركزية كانت “سلطات الحاكم العام تجاه الجنوب”.
الوثائق تكشف أن بريطانيا حاولت وضع “نص خاص” يمنح الحاكم العام سلطة منفردة لحماية مصالح المديريات الجنوبية، وهو ما رفضه الشماليون والقاهرة باعتباره محاولة لـ “تفتيت وحدة البلاد”. يورد المجلد محاضر اجتماعات اللجنة الدستورية حيث يظهر ذكاء المفاوض السوداني في طرح صيغ “توفيقية” تحافظ على الوحدة الوطنية مع الاعتراف بخصوصية الأقاليم. إن قراءة هذه الوثائق اليوم تمنحنا جذور “المسألة الجنوبية” وكيف تم التعامل معها في لحظة التأسيس الأولى.
حزم الحقائب: الروح المعنوية للإدارة البريطانية
يختتم هذا الجزء من المجلد بتقارير حول “الروح المعنوية” للإداريين البريطانيين في الأقاليم. هذه التقارير، التي كانت مصنفة “لأعين الحاكم العام فقط”، تصف شعوراً عاماً بالانكسار لدى المفتشين الإنجليز في مديريات مثل “دارفور” و”كردفان”. يكتب أحد المفتشين: “لقد بدأ السودانيون ينظرون إلينا كضيوف راحلين، وليس كحكام”.
هذه الوثائق الاجتماعية-السياسية هي ما يجعل عمل محمود صالح عثمان صالح عملاً موسوعياً؛ فهو لا يكتفي بنقل الاتفاقات الرسمية، بل ينقل لنا “أنفاس” تلك المرحلة. إن عام 1952، كما يصوره المجلد السادس، كان العام الذي “انكسرت فيه هيبة المستعمر” إدارياً وقانونياً، قبل أن ينكسر سياسياً في اتفاقية 1953.
محمد نجيب: السوداني الذي حكم مصر وغير اللعبة
تتوقف الوثائق البريطانية طويلاً عند “ظاهرة محمد نجيب”. في تقارير سرية مرسلة من السفارة البريطانية بالقاهرة إلى وزارة الخارجية، نجد تحليلاً دقيقاً لشخصية اللواء نجيب وتأثير جذوره السودانية على مسار التفاوض. تشير البرقيات إلى أن نجيب نجح فيما فشل فيه الملك فاروق؛ حيث استطاع بناء “جسر من الثقة” مع القوى الوطنية السودانية، وخاصة حزب الأمة.
تورد الوثيقة محضر اجتماع سري بين نجيب والجانب البريطاني، حيث يظهر نجيب وهو يتحدث بلغة “الأخ الشقيق” للسودانيين، متبنياً استراتيجية “الاستقلال أولاً”. كان هذا التحول، كما تصفه الوثائق، بمثابة “ضربة معلم” سياسية سحبت البساط من تحت أقدام بريطانيا التي كانت تراهن على خوف الاستقلاليين السودانيين من أطماع مصر الملكية.
التنازل التاريخي: من “السيادة” إلى “حق تقرير المصير”
يوثق المجلد اللحظة التاريخية التي وافقت فيها مصر (بقيادة مجلس قيادة الثورة) على التخلي عن شرط “اعتراف بريطانيا بلقب الملك فوق السودان”. كانت هذه هي العقبة التي شلت السياسة لوقود. تظهر الوثيقة مراسلة من السفير البريطاني رالف ستيفنسون، يصف فيها هذا التنازل المصري بأنه “تغيير جذري في قواعد اللعبة” (Game Changer).
هذا التنازل لم يكن مجانياً، بل كان نتيجة ضغط وتنسيق سوداني-مصري محكم. تكشف الوثائق كيف أقنع السياسيون السودانيون (مثل الصديق المهدي ومحمد أحمد محجوب) القيادة المصرية بأن الطريق الوحيد لإخراج الإنجليز هو القبول بمبدأ “تقرير المصير”. المجلد يبرز هنا عبقرية “المناورة السودانية” التي استطاعت توظيف التناقضات بين لندن والقاهرة لانتزاع اعتراف رسمي بالحق في الاستقلال الكامل.
“المائدة المستديرة” في القاهرة: كواليس الاتفاق مع الأحزاب
يفرد الكتاب فصلاً كاملاً لوثائق شهر أكتوبر ونوفمبر 1952، والتي تغطي اجتماعات الحكومة المصرية مع وفود الأحزاب السودانية (حزب الأمة، الوطني الاتحادي، الاشتراكي الجمهوري). الوثيقة هي مذكرة بالغة الأهمية تلخص “ميثاق القاهرة” الذي وقعته هذه الأحزاب مع اللواء محمد نجيب.
تظهر التقارير الاستخباراتية البريطانية المرفقة أن لندن كانت في حالة “ذهول” من قدرة هذه الأحزاب، المتنافسة تاريخياً، على التوحد خلف رؤية مشتركة. المحرر محمود صالح يضعنا في قلب الحدث عبر إيراد مذكرات السكرتير الإداري جيمس روبرتسون، الذي كان يراقب هذه الاجتماعات من الخرطوم بقلق بالغ، معتبراً أن “جبهة وطنية سودانية-مصرية موحدة” تعني نهاية الوجود البريطاني الفعلي في وادي النيل.
المأزق البريطاني: كيف يتم التراجع بـ “كرامة”؟
تنتقل الوثائق في نهاية هذا الجزء لتصوير “المأزق الأخلاقي والسياسي” للحكومة البريطانية. تورد الوثيقة مراسلة من وزير الخارجية أنتوني إيدن إلى مجلس الوزراء البريطاني، يعترف فيها بأن “المبادرة قد انتقلت من أيدينا إلى أيدي القاهرة والخرطوم”.
كان البريطانيون يخشون أن يظهروا بمظهر “المنهزم”، لذا بدأت الوثائق ترصد محاولاتهم لوضع “شروط فنية” لإطالة أمد الفترة الانتقالية. ناقشت الوثائق قضايا مثل “تشكيل لجنة دولية” لمراقبة الانتخابات، و”صلاحيات الحاكم العام في حالات الطوارئ”. هذه التفاصيل القانونية الدقيقة التي وثقها المجلد السادس تكشف كيف حاول المستعمر البريطاني أن يبني “حصوناً ورقية” قانونية قبل رحيله لضمان حماية مصالحه المستقبلية.
“فيتو” الحاكم العام: الحماية أم الوصاية؟
تتمحور الوثائق البريطانية في الربع الأخير من عام 1952 حول “المادة 100” وما شابهها في مسودات الدستور، وهي المواد التي كانت تمنح الحاكم العام البريطاني سلطات خاصة لحماية “مصالح شعوب الجنوب”. تورد الوثيقة مراسلات حادة بين الخارجية البريطانية والإدارة في الخرطوم؛ حيث كان الإداريون البريطانيون في جوبا وواو يصرون على أن رحيل بريطانيا دون “ضمانات دستورية” للجنوبيين يمثل “خيانة للأمانة”.
لكن المجلد يكشف أيضاً عن وجه آخر لهذه “الحماية”؛ حيث كانت القاهرة تنظر إليها باعتبارها محاولة بريطانية مفضوحة لـ “فصل الجنوب” أو إبقائه تحت نفوذ التاج لتهديد أمن مياه النيل. المحرر يورد محاضر سرية تظهر كيف ضغط المفاوضون المصريون والسودانيون الشماليون لإلغاء أي “وضع خاص” للجنوب في الاتفاقية النهائية، معتبرين أن “وحدة وادي النيل” لا تقبل القسمة، وهو ما سجلته الوثائق كبداية لشرخ عميق في الثقة بين النخبة الجنوبية والشمالية.
رحلات “صلاح سالم” للجنوب: الدبلوماسية الراقصة
من الأوراق الأكثر إثارة في هذا المجلد هي التقارير الاستخباراتية البريطانية التي تتبعت تحركات الصاغ صلاح سالم في مديريات الجنوب. ترسم الوثائق صورة درامية لـ “دبلوماسية الوعود”؛ حيث كان سالم يوزع الوعود بالوظائف والتنمية والمساواة الكاملة في سودان ما بعد الاستقلال.
تصف التقارير البريطانية، بنبرة لا تخلو من السخرية والمرارة، كيف كان سالم يحاول كسر “الحاجز النفسي” الذي بناه البريطانيون لعقود بين الشمال والجنوب. إلا أن الوثائق ترصد أيضاً تحذيرات مبكرة من بعض الزعماء القبليين الجنوبيين، الذين نقلوا لمفتشي المراكز الإنجليز أنهم “يخشون استبدال سيد بآخر”، وهي عبارة وردت في تقرير سري لمفتش مركز “توريت” عام 1952، وتعد نبوءة مبكرة لما حدث في عام 1955.
غياب “الصوت الجنوبي” عن طاولة القاهرة
يكشف المجلد عن ثغرة كبرى في شرعية مفاوضات 1952، وهي الغياب الشبه كامل للتمثيل الجنوبي الحقيقي في اجتماعات القاهرة. يورد المحرر رسائل احتجاجية أرسلها بعض المثقفين الجنوبيين إلى الحاكم العام، يتساءلون فيها: “لماذا يقرر الشماليون والمصريون والبريطانيون مصيرنا في غيابنا؟”.
الرد البريطاني، كما تعكسه الوثائق، كان يتسم بالبراغماتية الباردة؛ حيث كانت لندن مستعدة للتضحية بمطالب الجنوبيين “الأكثر راديكالية” مقابل ضمان خروج آمن واتفاقية دفاعية مع مصر. هذا الجزء من الكتاب يضع يدنا على الجذور التاريخية لشعور “التهميش” في الجنوب، وكيف أن “لحظة الاستقلال” التي كانت فرحة في الخرطوم، كانت لحظة “قلق وجودي” في جوبا.
“الفيدرالية”: الكلمة التي ولدت ميتة
تظهر وثائق نهاية عام 1952 أولى الإشارات لمصطلح “الفيدرالية” في المراسلات السودانية-البريطانية. يورد الكتاب مذكرات لبعض السياسيين الجنوبيين الذين بدأوا يطالبون بنظام حكم يمنحهم نوعاً من الإدارة الذاتية. ولكن، وكما تكشف المحاضر، قوبل هذا المطلب برفض قاطع من الأحزاب الاتحادية ومن حزب الأمة على حد سواء، خوفاً من أن تكون الفيدرالية “مؤامرة بريطانية” لتفتيت الدولة.
دارفور وكردفان: هدوء ما قبل العاصفة السياسية
تتضمن الوثائق تقارير دورية من مدير مديرية دارفور ومدير مديرية كردفان. في عام 1952، كانت هذه الأقاليم تشهد صراعاً صامتاً بين “الإدارة الأهلية” (التي كان الإنجليز يراهنون على ولائها) وبين “الخريجين” والشباب المتطلعين للتغيير.
الوثيقة، وهي تقرير سري من الفاشر، تكشف عن “قلق الزعامات القبلية” من انتقال السلطة إلى الخرطوم. يورد التقرير أن بعض السلاطين والناظرين كانوا يخشون أن يؤدي الاستقلال إلى تهميش دورهم التقليدي لصالح “الأفندية” في العاصمة. محمود صالح يبرز من خلال هذه الوثائق جذور العلاقة الملتبسة بين “المركز” و”الأطراف”، مبيناً أن التوجس من هيمنة الخرطوم لم يكن وليد اللحظة، بل كان موثقاً في التقارير البريطانية قبل الاستقلال بأربع سنوات.
شرق السودان: الميناء كرهينة سياسية
يخصص المجلد مساحة هامة لمديرية البحر الأحمر، وخصوصاً مدينة بورتسودان. تورد الوثائق) تقارير عن نشاط “مؤتمر البجا” المبكر والحركات المطلبية في الشرق. كانت بريطانيا تنظر إلى الميناء كعصب استراتيجي لا يمكن التفريط فيه، وتكشف المراسلات السرية عن خطط بريطانية لمحاولة “تحييد” الشرق في حال حدوث اضطرابات في العاصمة.
التقارير الأمنية ترصد بدقة نمو الوعي السياسي لدى عمال الموانئ، وكيف بدأت “القضية السودانية” تأخذ أبعاداً اقتصادية مرتبطة بحقوق العمال وتنمية الإقليم. هذا الجزء من الكتاب يصحح الصورة النمطية التي تحصر النضال الوطني في “مثلث حمدي” أو الوسط، ويثبت أن الأطراف كانت تغلي بمطالبها الخاصة.
مشروع الجزيرة: “دولة داخل الدولة”
تعود وثائق عام 1952 لتسليط الضوء على “مديرية النيل الأزرق” ومشروع الجزيرة. يورد المجلد تقريراً فنياً وسياسياً بالغة الأهمية حول “مستقبل المفتشين البريطانيين في الجزيرة”. كانت الجزيرة تمثل 50% من دخل السودان، والوثائق تكشف عن صراع خفي بين إدارة المشروع البريطانية وبين “اتحاد المزارعين” الذي كان يطالب ليس فقط بزيادة الأجور، بل بـ “سودنة” إدارة المشروع.
المحرر يضع يدنا على وثيقة “سرية للغاية” ناقشت احتمال قيام المزارعين بـ “إضراب القطن” كوسيلة للضغط السياسي على بريطانيا في مفاوضات القاهرة. هذا الربط بين “القطن” و”السيادة” يوضح كيف أن السودان كان يملك أوراق ضغط اقتصادية فاعلة لم يحسن التاريخ التقليدي إبرازها كما فعلت هذه الوثائق.
الأقاليم الشمالية: حنين الوحدة وصوت الاتحاد
في المديرية الشمالية، ترصد الوثائق قوة “التيار الاتحادي” المدعوم من مصر. التقارير تصف الاحتفالات التي عمت مدناً مثل “دنقلا” و”عطبرة” بعد ثورة يوليو، وكيف تحول الشعور بالانتماء لوادي النيل إلى تيار جارف أحرج الإدارة البريطانية.
تكمن أهمية هذه التقارير الإقليمية في أنها ترسم “خارطة فسيفسائية” للسودان في عام 1952؛ حيث نرى بلداً تتنازعه الولاءات الحزبية، والطموحات الإقليمية، والمخاوف التاريخية. محمود صالح عثمان صالح، عبر اختياره لهذه الوثائق، يقدم لنا “تشريحاً” للجسم السوداني وهو في مخاض الولادة، مبيناً أن وحدة السودان لم تكن أمراً مفروغاً منه، بل كانت “معجزة سياسية” تطلبت توازنات هشة ودقيقة.
ما وراء الوثيقة: دروس للمستقبل
بينما نغلق دفتي المجلد السادس، نجد أن التحديات التي رصدتها الوثائق في عام 1952 (مثل علاقة المركز بالأطراف، معضلة الجنوب، دور المؤسسة العسكرية، والتدخلات الخارجية) لا تزال، ويا للمفارقة، هي ذاتها التحديات التي تواجه الدولة السودانية اليوم. إن قراءة هذا الكتاب ليست مجرد استرجاع للماضي، بل هي “قراءة في الحاضر”؛ فالوثائق البريطانية تعطينا “الخريطة الجينية” للأزمات السودانية وكيف تم التعامل معها في لحظة التكوين.




