رحلة في “السودان العادي” من السلطنة الزرقاء إلى ثورة ديسمبر
تاريخ الهوامش حين يكتب المتن

حين اندلعت شرارة الاحتجاجات في مدن السودان في ديسمبر 2018، لم يكن العالم، ولا حتى كبار المحللين السياسيين، يتوقعون أن تلك الحشود التي ملأت الشوارع كانت تحمل في جيناتها الاجتماعية تراكمات قرون من “السياسة من أسفل”. في تلك اللحظة التاريخية، تحولت الأجساد “العادية” إلى محركات كبرى للتغيير، معلنةً سقوط نظام استبدادي جثم على صدر البلاد لثلاثة عقود. ومن رحم هذه اللحظة، وتحديداً بعد عام واحد من انفجار الثورة، اجتمع في باريس كوكبة من الباحثين الدوليين والسودانيين ليطرحوا سؤالاً جوهرياً: هل يمكن كتابة تاريخ السودان بعيداً عن صراعات القصور، ومؤامرات النخب، والتقارير الاستعمارية الجافة؟.
الإجابة جاءت في عمل موسوعي ضخم صدر عن دار “دي غرويتر” (De Gruyter) تحت عنوان “السودان العادي، 1504-2019: من التاريخ الاجتماعي إلى السياسة من أسفل” (Ordinary Sudan, 1504-2019: From Social History to Politics from Below). هذا الكتاب، الذي حرره فريق أكاديمي متميز يضم إيلينا فيزاديني، وإيريس سيري-هيرش، ولوسي ريفيلا، وأنايل بوسييه، ومحاسن عبد الجليل، لا يكتفي بتوثيق الأحداث، بل يعيد تعريف مفهوم “التاريخ” نفسه في السياق السوداني.
تحطيم صنم “تاريخ النخبة”
لفترة طويلة، ظل البحث الأكاديمي حول السودان أسيراً لازدواجية غريبة؛ فبينما تنشغل المنظمات الدولية والصحافة بالنتائج الكارثية للنزاعات المسلحة على “الناس العاديين”، يميل البحث الأكاديمي إلى التركيز على المجموعات النخبوية، وهو ما خلق فجوة معرفية بين دراسات التنمية وحقوق الإنسان وبين العمل الأكاديمي الرصين. ينطلق هذا الكتاب من فرضية ثورية بمقتضاها أن دراسة الرجال والنساء “العاديين بشكل استثنائي” ليست مجرد ترف فكري، بل هي ضرورة لفهم التحولات التاريخية والديناميكيات السياسية للسودان الكبير.
إن هؤلاء “العاديين”، كما يوضح المحررون في مقدمتهم الرصينة، لم يكونوا مجرد ضحايا سلبيين، بل كانوا فاعلين أساسيين تفاعلوا مع الدولة منذ نشأة سلطنتي الفونج ودارفور في القرن السادس عشر. لقد ساهموا في تسيير الحياة اليومية للأنظمة المتعاقبة — سلطانية كانت، أو عثمانية مصرية، أو مهدية، أو استعمارية — وفي الوقت ذاته، كانوا هم أنفسهم من أسقطوا هذه الأنظمة عبر انتفاضات شعبية متكررة، من ثورة المهدية (1881-1885) إلى ثورة أكتوبر 1964، وانتفاضة أبريل 1985، وصولاً إلى زلزال ديسمبر 2018.
“التاريخ الهادئ” وجماليات اليومي
لا يبحث الكتاب عن “العاديين” فقط في لحظات الصخب الثوري، بل يغوص فيما تسميه الباحثة هيذر شاركي بـ “التاريخ غير المثير” (Unsensational History) أو “التاريخ الهادئ” للحياة اليومية. هنا نجد قصصاً عن هموم وشغف البشر في تفاصيلهم البسيطة: طلب تميمة من رجل دين للعلاج من العقم، المساعدة في عمليات الولادة، ممارسة الألعاب الشعبية، الذهاب إلى السينما، وحتى عصيان المعلمين في المدارس.
هذا التوجه المنهجي يعيد الاعتبار لـ “التاريخ الاجتماعي” كأداة نقدية تكشف كيف يتم محو الأشخاص العاديين من السرديات المهيمنة. فالكتاب يتبنى رؤية “المعرفة المتموقعة” (Situated Knowledge)، مستلهماً أطروحات دونا هاراوي وميشيل-رولف ترويو، ليؤكد أن الرؤية من “أسفل” — من منظور الفئات المهمشة والمستضعفة — هي الوحيدة القادرة على تفكيك السرديات الكبرى للأسياد والدولة.
معركة الأرشيف: استعادة الذاكرة من براثن المحو
أحد أكثر فصول الكتاب إثارة هو ذلك الذي يتناول “الأرشيف” ليس كمخزن للأوراق، بل كساحة صراع سياسي. تشير الباحثة محاسن عبد الجليل إلى أن الجلوس داخل الأرشيف الوطني السوداني يسمح للمرء بملاحظة كيف تحدد الأعراف الاجتماعية والأنظمة السياسية ما يمكن كتابته من التاريخ ومن الذي يحق له الكتابة.
تتحدث عبد الجليل عن “أفعال المحو المتعمد”، حيث يقوم الموظفون الإداريون بحذف أسطر من الوثائق أو طمس حقائق تاريخية كاملة. لكن المثير في الأمر هو أن هذه “الندوب” التي تتركها محاولات التدمير تظل شاهدة على العنف الذي مورس، مما يفتح الباب للمؤرخين لاستعادة أجزاء من ذلك الماضي الضائع.
وفي هذا السياق، يثمن الكتاب المبادرات الأرشيفية الجديدة التي ولدت من رحم ثورة ديسمبر، مثل “أرشيف ثورة السودان” وأرشيف “الحركات النسائية في السودان” الذي ترعاه فرنسا. هذه المشاريع، إلى جانب “مشروع ذاكرة السودان” (Sudan Memory Project) الذي قام برقمنة مئات الآلاف من الوثائق والصور والأعمال الفنية، تمثل طفرة في العلوم الإنسانية الرقمية، وتوفر حماية للذاكرة السودانية في بلد تهدد فيه الظروف المناخية والتقلبات السياسية سلامة السجلات الورقية.
السياسة من أسفل: ما وراء “كرش الفيل”
ينتقل الكتاب من التاريخ إلى العلوم السياسية، ليطبق مفهوم “السياسة من أسفل” (Politics from Below). فبدلاً من التركيز التقليدي على مؤسسات الدولة والأحزاب، يسلط الباحثون الضوء على “الزحف الهادئ للعاديين” — بتعبير آصف بيات — وكيف يشارك المهمشون في صياغة علاقات القوة بصمت.
يوضح الكتاب كيف تم استغلال فكرة “التعبئة الشعبية” في تاريخ السودان الحديث بطرق متناقضة؛ فبينما استخدمتها الدولة المهدية من أجل الجهاد، أعاد الحزب الشيوعي السوداني تعريفها في الأربعينيات، ليتم الاستيلاء عليها لاحقاً من قبل الأنظمة العسكرية (نظام مايو ونظام الإنقاذ) لتكريس سلطتها تحت مسمى “ديمقراطية الجماهير”. لكن “السياسة من أسفل” التي يطرحها الكتاب تسعى لتجاوز هذه القوالب الجاهزة، من خلال تحليل العلاقة بين الحركات الاجتماعية والممارسات اليومية التي تجعل السياسة المؤسساتية ممكنة أصلاً.
النساء في “طبقات ود ضيف الله”: ما وراء الستار الصوفي
يبدأ الكتاب رحلة الاستقصاء من العصر الحديث المبكر، وتحديداً من خلال إعادة قراءة ناقدة لكتاب “الطبقات” لود ضيف الله، وهو المرجع الأساسي لتاريخ الأولياء والصالحين في سلطنة الفونج. هنا، لا يبحث الباحثون عن أسماء الملكات أو الأميرات فحسب، بل عن “المرأة العادية” التي كانت تتردد على خلوات الشيوخ.
يكشف التحليل أن النساء في ذلك العصر لم يكنّ مجرد ظلال؛ بل كنّ فاعلات اقتصاديات واجتماعيات. نجد المرأة التي تطلب “حجاباً” لحماية أطفالها، وتلك التي تساهم في نفقات الزوايا الصوفية، واللاتي مارسن أدواراً كـ “قابلة” أو “مداوية”. إن حضور المرأة في “الطبقات” يعكس نظاماً اجتماعياً كانت فيه السلطة الروحية والمادية متداخلة، حيث استطاعت النساء المناورة داخل الفضاءات الذكورية لانتزاع حقوقهن أو تأمين حيواتهن اليومية.
الاستعمار وإعادة هيكلة “الأنوثة”
ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى حقبة الحكم الثنائي (الإنجليزي-المصري)، وهي الفترة التي شهدت محاولات الدولة الاستعمارية “لهندسة” المجتمع السوداني. وهنا تبرز مفارقة مذهلة؛ فبينما كان المستعمر يدعي جلب “الحضارة”، كان في الواقع يفرض قيوداً جديدة على حركة النساء وتواجدهن في الفضاء العام.
يركز الباحثون على تطور مهن مثل التمريض والتدريس والقبالة. فمدرسة القابلات في أم درمان، التي أسستها “المس وولف”، لم تكن مجرد مؤسسة طبية، بل كانت ساحة للاشتباك بين الثقافة المحلية والطب الحديث. يوضح الكتاب كيف استطاعت النساء السودانيات “تبيئة” هذه المهن الجديدة، وتحويلها من أدوات سيطرة استعمارية إلى منصات للوعي الاجتماعي والسياسي. فالمرأة التي تعلمت التمريض لم تكن تعالج الأجساد فقط، بل كانت تنقل الأفكار التحررية بين البيوت، ممهدة الطريق لظهور أولى الجمعيات النسائية.
ثورة 1924: حين هتفت “زهرة” في وجه “البيطري”
يصحح الكتاب خطأً شائعاً في التاريخ السياسي السوداني بحصر ثورة 1924 في “جمعية اللواء الأبيض” والضباط الرجال. يسلط الضوء على دور النساء مثل “زهرة الخليل” وغيرها ممن ساهمن في المظاهرات وتوزيع المنشورات. هذه اللحظة كانت بمثابة “التعميد السياسي” للمرأة السودانية في الفضاء الحضري الحديث.
ويكشف البحث في الأرشيفات الاستعمارية عن حالة القلق التي انتابت الإدارة البريطانية من “خروج النساء”. لم تكن مطالباتهن مجرد شعارات سياسية عامة، بل كانت مرتبطة بقضايا الأحوال الشخصية، والتعليم، والحق في العمل، مما يثبت أن النسوية السودانية كانت منذ بداياتها “سياسة من أسفل” بامتياز، تنبع من احتياجات الواقع وليست استيراداً من الخارج.
من “جمعيّة النهضة” إلى اعتصام القيادة
غلاف الكتاب نفسه يحمل دلالة عميقة؛ فهو يزدان بصورة لـ “جمعية النهضة النسوية”، وهي جمعية ظهرت في منتصف القرن العشرين. هذا الاختيار البصري يعكس انحياز الكتاب لتاريخ التنظيمات النسوية القاعدية.
يربط الكتاب بين نضالات اتحادات المعلمات والممرضات في الستينيات والثمانينيات، وبين الزخم النسوي الذي ميز ثورة ديسمبر 2018. في ساحة الاعتصام أمام القيادة العامة بالخرطوم، لم تكن النساء “ديكوراً” للثورة، بل كنّ العمود الفقري لها. يحلل الباحثون كيف تحولت “المتاريس” إلى فضاءات جندرية أعاد فيها الشباب والفتيات صياغة مفهوم “الرجولة” و”الأنوثة” بعيداً عن قمع قوانين “النظام العام” التي جثمت على صدورهم لثلاثين عاماً.
إن “الكنداكة” التي وقفت فوق ظهر السيارة تهتف، ليست ظاهرة وليدة اللحظة، بل هي وريثة لقرون من المقاومة الصامتة والعلنية. إنها حفيدة النساء اللاتي قاومن الجباية في عهد الفونج، واللاتي تحدين قوانين الانضباط الاستعماري، واللاتي خرجن في أكتوبر وأبريل.
التاريخ الجندري كأداة للتحرر
ما يميز هذا القسم من الكتاب هو ابتعاده عن لغة “التمكين” (Empowerment) الليبرالية السطحية، والتركيز بدلاً من ذلك على “الفاعلية” (Agency). النساء في السودان العادي لسن “مشروعاً” يحتاج إلى مساعدة خارجية، بل هنّ صانعات تاريخ يمتلكن أدواتهن الخاصة للمقاومة، حتى في أحلك الظروف السياسية.
من خلال استعادة قصص النساء العاديات — من بائعة الشاي في شوارع الخرطوم إلى الأكاديمية في الجامعة — يقدم الكتاب درساً في كيف يمكن للتاريخ الاجتماعي أن يكون أداة للتحرر. ففهم الماضي ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لتمكين الفئات المهمشة من امتلاك سرديتها الخاصة ومواجهة محاولات التغييب المتعمد.
تفكيك “أسطورة المركز”
يرى محررو الكتاب أن مفهوم “الهامش” في السودان ليس قدراً جغرافياً، بل هو عملية سياسية واقتصادية مدروسة. ومن خلال دراسات تغطي مناطق من دارفور في الغرب إلى جبال النوبة في الجنوب، ومن سواكن في الشرق إلى النيل الأزرق، يكشف الكتاب كيف كان “الإنسان العادي” في هذه المناطق يدير علاقاته مع الدولة المركزية عبر قرون.
في الفصل المخصص لسلطنة دارفور، يوضح الباحثون كيف كان “الهامش” الغربي يدير دبلوماسيته الخاصة وتجارته العابرة للصحراء بعيداً عن نفوذ وادي النيل. إن تاريخ دارفور في هذا الكتاب لا يبدأ بـ “الأزمة” أو “الحرب” كما جرت العادة في الإعلام المعاصر، بل يبدأ ككيان سياسي واجتماعي معقد، له أنظمته القانونية والأرضية (الحواكير) التي كانت تنظم حياة المزارعين والرعاة “العاديين” ببراعة مذهلة.
حركة البشر: الهجرة كفعل سياسي صامت
من أمتع المحاور التي يطرحها الكتاب هو محور “التنقل”. فالسوداني العادي، تاريخياً، هو إنسان متحرك؛ سواء كان تاجراً في “درب الأربعين”، أو نازحاً بسبب الجفاف، أو عاملاً يبحث عن رزقه في مشاريع الزراعة المروية.
يحلل الكتاب كيف ساهمت هذه التحركات في صياغة “سياسة من أسفل”. فالهجرة من الأطراف إلى المركز لم تكن مجرد انتقال مادي، بل كانت عملية “تذويب” للحدود الثقافية والاجتماعية. نجد قصصاً عن العمال الذين أسسوا “أحياء الهامش” حول الخرطوم، وكيف تحولت هذه الأحياء من مجرد تجمعات سكنية عشوائية إلى بؤر للوعي السياسي والاجتماعي. هؤلاء “العاديون” هم الذين جلبوا معهم إيقاعاتهم، وفنونهم، ومظالمهم إلى قلب الدولة، مما أجبر المركز — في لحظات الثورة — على مواجهة حقيقة تنوعه التي ظل ينكرها لعقود.
جبال النوبة: صمود اليومي في وجه “الأدوات العنيفة”
يفرد الكتاب مساحة مميزة لمنطقة جبال النوبة، ولكن بمنظور يبتعد عن سرديات الحرب الأهلية الصرفة. يركز الباحثون على كيفية حفاظ المجتمعات المحلية على نسيجها الاجتماعي تحت ضغوط الدولة المركزية ومحاولات الاستيعاب الثقافي القسري.
نتعرف هنا على دور “الكوجور” (الزعماء الروحيين) والقيادات الأهلية في إدارة الصراعات اليومية وتوفير الحماية للمجتمع. هذه “السياسة اليومية” هي التي مكنت إنسان جبال النوبة من الصمود. يوضح الكتاب أن المقاومة هناك لم تكن فقط بحمل السلاح، بل كانت عبر التمسك بالأرض، وممارسة الزراعة التقليدية، والحفاظ على اللغات والطقوس، وهي أفعال يصفها الكتاب بأنها “مقاومة صامتة” سبقت وأسست للمقاومة المنظمة.
الشرق وسواكن: نافذة العالم على “العاديين”
لا يغيب شرق السودان عن المشهد؛ حيث يعيد الكتاب قراءة تاريخ مدينة “سواكن” وساحل البحر الأحمر. فبدلاً من رؤيتها كمجرد ميناء لاستقبال الغزاة أو تصدير المواد الخام، يقدمها الكتاب كملتقى ثقافي كوزموبوليتاني كان يضم تجاراً من حضرموت، والحجاز، واليونان، والهند، جنباً إلى جنب مع قبائل البجا.
هذا التنوع “العادي” في الشرق خلق نوعاً من السياسة المنفتحة على الخارج، والتي اصطدمت مراراً مع سياسات “التأميم” أو “الأسلمة القسرية” التي حاولت الأنظمة المركزية فرضها. يظهر الكتاب كيف أن مظالم الشرق المعاصرة لها جذور في تجاهل المركز لهذه الخصوصية التاريخية والاجتماعية التي تميز “إنسان البحر”.
نحو “سودان موحد” من الأسفل
إن أهم ما يخرج به القارئ من هذا الجزء من الكتاب هو أن “وحدة السودان” لا يمكن أن تُفرض بمرسوم من الخرطوم، بل هي وحدة قائمة بالفعل في “يوميات” الناس. فالعلاقات التجارية بين الرعاة في كردفان والمزارعين في الجزيرة، والتزاوج بين المجموعات المختلفة في أحياء أم درمان، هي التي صنعت السودان “العادي”.
يرى الباحثون أن ثورة ديسمبر 2018 كانت اللحظة التي التقى فيها المركز بالأطراف في شعار “يا عنصري ومغرور، كل البلد دارفور”. هذا الشعار لم يكن مجرد عاطفة عابرة، بل كان اعترافاً سياسياً متأخراً بالسردية التاريخية التي يوثقها هذا الكتاب: أن تاريخ الهوامش هو، في جوهره، تاريخ السودان الحقيقي.
“السوق” كبرلمان يومي للمهمشين
ينتقل بنا الكتاب من الدواوين الحكومية إلى “السوق”، ليس فقط كمكان للتبادل التجاري، بل كفضاء سياسي بامتياز. يحلل الباحثون كيف كان “السوق السوداني” عبر القرون مختبراً للتفاوض الاجتماعي. ففي الأسواق الأسبوعية في كردفان ودارفور، لم يكن الناس يتبادلون المحاصيل فحسب، بل كانوا يتبادلون الأخبار، ويصيغون التحالفات، ويحلون النزاعات القبلية بعيداً عن أعين السلطة المركزية.
يوضح الكتاب أن “الاقتصاد العادي” في السودان ظل لفترة طويلة مقاوماً لمحاولات “التقنين” الاستعمارية وما بعدها. فالبشر العاديون ابتكروا أنظمة ائتمان محلية، وشبكات تكافل تعتمد على الثقة، مما جعلهم يمتلكون نوعاً من الاستقلال المادي الذي حمى مجتمعاتهم من الانهيار التام في فترات القمع السياسي أو الجفاف الاقتصادي.
السكة حديد: ولادة “الطبقة” من رحم الحديد والنار
أحد أقوى فصول الكتاب هو الذي يتناول تاريخ عمال السكة حديد، وتحديداً في مدينة “عطبرة” (عاصمة الحديد والنار). هنا، نرى كيف تحول “العامل العادي” من مجرد ترس في الآلة الاستعمارية البريطانية إلى طليعة سياسية هزت أركان الحكم.
يرسم الكتاب صورة مدهشة للحياة اليومية في “كمبوات” العمال؛ حيث لم تكن المطالب تقتصر على الأجور، بل امتدت لتشمل الحق في السكن اللائق، والتعليم، والكرامة الإنسانية. إن نشأة “نقابة عمال السكة حديد” في الأربعينيات لم تكن مجرد حدث عمالي، بل كانت ولادة لوعي طبقي سوداني خالص، ربط بين “المطلب المعيشي” و”المطلب الوطني” بالاستقلال. يثبت الكتاب أن هؤلاء العمال، الذين كانت الدولة تراهم “مجرد أيدي عاملة”، كانوا في الحقيقة مفكرين استراتيجيين أدركوا مبكراً أن السياسة تبدأ من لقمة العيش.
الأرض و”الحواكير”: معارك الصمود ضد “نزع الملكية”
ينتقل التحليل إلى الريف السوداني، حيث الأرض هي الوجود. يسلط الكتاب الضوء على الصراع التاريخي بين مفهوم “الحواكير” (الملكية التقليدية للأرض) وبين قوانين الدولة الحديثة التي حاولت “تأميم” الأرض لصالح المشاريع الزراعية الكبرى (مثل مشروع الجزيرة).
يكشف الباحثون كيف قاوم المزارعون “العاديون” محاولات تحويلهم إلى مجرد “أجراء” في أرضهم. هذه المقاومة لم تكن دائماً عبر ثورات مسلحة، بل كانت عبر “المقاومة الهادئة”: التلاعب بسجلات الأراضي، الرفض الضمني لزراعة محاصيل نقدية معينة، والتمسك بالزراعة المعيشية التي تضمن أمنهم الغذائي. هذا القسم من الكتاب يفسر لنا الكثير من جذور النزاعات الحالية في السودان؛ فهي ليست “نزاعات عرقية” كما يُشاع غالباً، بل هي صراعات اقتصادية عميقة حول “من يملك الأرض ومن يملك حق العيش عليها”.
الذهب والموارد: “لعنة” السلطة ومقاومة “المعدنين التقليديين”
في السنوات الأخيرة، أصبح الذهب هو المحرك الأساسي للاقتصاد السوداني، ولكن أيضاً للصراعات. يتناول الكتاب ظاهرة “التعدين التقليدي” كفعل يقوم به “ناس عاديون” حاولوا انتزاع نصيبهم من ثروات بلادهم بعيداً عن سيطرة الدولة والمليشيات.
يحلل الكتاب كيف تحولت مناطق التعدين إلى مجتمعات “عادية” جديدة، لها قوانينها الخاصة وإيقاعها الخاص. وبالرغم من المخاطر البيئية والصحية، يرى الباحثون في هذا السعي المحموم نوعاً من “السياسة من أسفل”؛ حيث يرفض الفرد انتظار “فتات” الدولة ويقرر الحفر بأظافره في الأرض للحصول على حقه. ولكن الكتاب لا يغفل الجانب المأساوي، حيث يوضح كيف يتم “افتراس” هؤلاء العاديين في نهاية المطاف من قبل قوى السلاح التي تسيطر على منافذ التصدير.
دروس في “الصمود الاقتصادي”
إن ما يميز هذا القسم من الكتاب هو قدرته على إظهار أن السوداني العادي ليس “كائناً محتاجاً” ينتظر المعونات، بل هو “فاعل اقتصادي” مبدع تحت أقسى الظروف. فمن “ستات الشاي” اللاتي يدِرن اقتصاداً غير رسمي ضخم في المدن، إلى الرعاة الذين يقودون قطعانهم عبر آلاف الكيلومترات متحدين الحدود السياسية، يقدم الكتاب شهادة على أن “الاقتصاد العادي” هو الذي أبقى السودان واقفاً على قدميه بينما كانت “اقتصادات الدولة” تنهار وتتفكك.
يختتم الباحثون هذا المحور بالتأكيد على أن أي إصلاح سياسي في السودان لن يكتب له النجاح ما لم يعترف بهذه “الاقتصاديات القاعدية” ويجعلها في صلب اهتمامه، بدلاً من محاولات سحقها أو تهميشها لصالح “رأسمالية المحاسيب” والمليشيات.
ما وراء “الشريعة”: التدين كفعل اجتماعي
ينطلق الباحثون في هذا المحور من فكرة أن التدين في السودان العادي كان دوماً “شأناً مجتمعياً” قبل أن يكون “مشروعاً سلطوياً”. من خلال العودة إلى عصر سلطنة الفونج، يوضح الكتاب كيف كانت “الطرق الصوفية” هي المؤسسة الحقيقية التي تدير حياة الناس. الشيخ الصوفي لم يكن مجرد مرشد روحي، بل كان قاضياً، ومعالجاً، وملاذاً للجائعين.
يكشف الكتاب كيف استطاع “المريد العادي” أن يجد في رحاب التصوف مساحة من الحرية والمساواة لا تتوفر في الفضاءات السياسية. ففي “الحلقة” أو “الذكر”، تذوب الفوارق الطبقية والعرقية، ويصبح الإنسان “عظيماً بفقره” وبصلته بالخالق. هذا النوع من التدين “الأفقي” ظل حائط الصد الأول ضد محاولات الأنظمة المتعاقبة (خاصة نظام الإنقاذ لاحقاً) لتأميم الدين وتحويله إلى أداة للقمع والفرز السياسي.
“الزار” والطقوس الهامشية: برلمان النساء والمستضعفين
من أكثر الأجزاء إثارة في الكتاب هو التحليل الأنثروبولوجي لظاهرة “الزار”. فبدلاً من النظر إليه كـ “خرافة” أو ممارسة “غير شرعية”، يقرأه الباحثون كـ “سياسة من أسفل” بامتياز. كان “الزار” — ولا يزال في بعض الأماكن — فضاءً تملك فيه النساء والمهمشون لغة خاصة للتعبير عن آلامهم النفسية والاجتماعية التي لا تجد لها صدى في “اللغة الرسمية” للدولة أو الدين المؤسسي.
يوضح الكتاب كيف تحول طقس “الزار” إلى آلية صمود اجتماعي؛ حيث تجد المرأة فيه “فاعلية” (Agency) تمكنها من الضغط على محيطها الذكوري أو التحرر مؤقتاً من ضغوط الحياة اليومية. إنه “تاريخ موازي” يُكتب بالأجساد والإيقاعات، يتحدى محاولات “التنميط” الأخلاقي التي حاولت الدولة الاستعمارية ثم الدولة “الإسلاموية” فرضها على المجتمع.
صراع “الإسلامات”: العادي في مواجهة “المؤدلج”
يفرد الكتاب مساحة لنقد تجربة “الإسلام السياسي” في السودان، ولكن من منظور ضحاياها “العاديين”. يحلل الباحثون كيف حاولت دولة الإنقاذ (1989-2019) هندسة “سوداني جديد” عبر قوانين النظام العام والشرطة المجتمعية.
لكن المثير في السردية التي يقدمها الكتاب هو رصده لآليات “المقاومة الصامتة” لهذا المشروع. نجد قصصاً عن الشباب الذين استمروا في ممارسة حياتهم، وفنونهم، وعلاقاتهم الاجتماعية ضاربين عرض الحائط بـ “مانيفستو” الدولة. لقد فشل المشروع “الحضاري” للإنقاذ لأنه لم يستطع اختراق “السودان العادي”؛ فالدين بالنسبة للسودانيين كان أوسع وأرحم من أقبية الأجهزة الأمنية، مما جعل الناس في نهاية المطاف ينحازون لـ “إسلامهم الفطري” ضد “إسلام السلطة”.
الهوية المعاشة: حين تتكلم “الأمشاط” والملابس
ينتقل الكتاب إلى لغة “البصريات” كأداة للهوية. يحلل الباحثون كيف كان السودانيون العاديون يعبرون عن هوياتهم عبر “الشلوخ” (الوشم على الوجه)، أو طريقة لف “التوب” النسائي، أو تسريحات الشعر. هذه التفاصيل “الصغيرة” لم تكن مجرد زينة، بل كانت “بيانات سياسية” صامتة تحدد الانتماء والطبقة والموقف من الآخر.
يوضح الكتاب كيف حاولت الحداثة القسرية مسح هذه العلامات، وكيف عادت الهوية لتبرز بشكل أقوى في لحظات الأزمات. ففي ثورة ديسمبر، استعاد الثوار الرموز الثقافية السودانية الأصيلة (مثل ثوب الكنداكة، والرسوم الجدارية، والأغاني التراثية) ليواجهوا بها هوية الدولة الجافة التي حاولت عزل السودان عن عمقه الأفريقي وتنوعه الثقافي.
نحو “مواطنة” تنبع من اليومي
يخلص هذا الجزء من الكتاب إلى أن “الهوية السودانية” ليست معطىً ثابتاً، بل هي “عملية بناء مستمرة” يقوم بها الناس العاديون في لقاءاتهم اليومية. الوحدة الوطنية التي يبحث عنها السياسيون موجودة بالفعل في “الأسواق” و”المآتم” و”الأفراح” التي يختلط فيها الجميع بعفوية.
إن “السودان العادي” في بعده الروحي والثقافي يقدم درساً بليغاً: أن القوة الحقيقية لأي أمة لا تكمن في فرض “هوية واحدة” من الأعلى، بل في الاعتراف بـ “التنوع العادي” وحمايته. فالدين والثقافة في السودان كانا دوماً جسوراً للتواصل، ولم يتحولا إلى جدران عازلة إلا عندما تدخلت “السياسة من فوق” لتشويههما.
التعليم “من أسفل”: ما وراء أسوار مدرسة المستعمر
يكشف الباحثون في هذا القسم أن السودانيين لم يكونوا مجرد متلقين سلبيين للتعليم الاستعماري الذي كان يهدف لتخريج “أفندية” لخدمة الجهاز الإداري. بدلاً من ذلك، يسلط الكتاب الضوء على “المبادرات الشعبية” في التعليم؛ من “الخلاوي” التي طورت مناهجها لتشمل قضايا اجتماعية، إلى “المدارس الأهلية” التي أسسها السودانيون بتمويل ذاتي هرباً من قيود المنهج البريطاني.
نتعرف هنا على قصص المعلمين العاديين في الأقاليم، الذين لم يكتفوا بتدريس الأبجدية، بل كانوا يبثون في تلاميذهم روح التمرد الوطني. يوضح الكتاب أن “التعليم العادي” في السودان كان يتسم بنوع من “السيولة”؛ حيث كان الطالب ينتقل بين التعليم الديني والمدني، مما خلق جيلاً يمتلك وعياً مركباً يجمع بين الأصالة الثقافية وأدوات الحداثة، وهو الوعي الذي شكل لاحقاً العمود الفقري للحركات الوطنية.
السينما السودانية: برلمان “الجمهور العادي”
من أكثر الفصول إثارة هو ذلك الذي يتناول تاريخ السينما في السودان، ليس كفن فحسب، بل كـ “فضاء اجتماعي”. يجادل الكتاب بأن دور السينما التي انتشرت في الخرطوم، وأم درمان، وعطبرة، وحتى المدن الصغيرة، كانت تمثل “المجال العام” الحقيقي للسودانيين.
في “السينما”، كان يلتقي العامل بالموظف، والمرأة بالرجل، والجنوبي بالشمالي. يحلل الباحثون كيف أصبحت شاشات السينما نافذة للسوداني العادي على العالم، وكيف تأثر الخيال الشعبي بالأفلام المصرية، والهندية، والأمريكية. السينما لم تكن للترفيه فقط، بل كانت مساحة يتدرب فيها الناس على “الفرجة النقدية” ومناقشة قضايا التحرر والعدالة الاجتماعية التي كانت تُعرض في الأفلام العالمية، مما خلق نوعاً من “الثقافة الكوزموبوليتانية” (العالمية) في قلب المدن السودانية العادية.
الصحافة الشعبية: حين يكتب “العاديون” تاريخهم
ينتقل الكتاب إلى عالم الصحافة، مبرزاً دور “القارئ العادي” في تشكيل الخطاب العام. فالسودان عرف نوعاً من “الصحافة التشاركية” مبكراً؛ حيث كانت الرسائل والمقالات التي يبعث بها المواطنون العاديون من الأقاليم إلى صحف مثل “حضارة السودان” أو “السودان الجديد” تشكل جزءاً كبيراً من المحتوى.
هذه الرسائل كانت تعكس هموم “الرجل العادي”؛ من مشاكل الري في الجزيرة إلى سوء الإدارة في المكاتب الحكومية. يرى الباحثون في هذا التفاعل نوعاً من “الممارسة الديمقراطية المبكرة”؛ حيث استخدم الناس الحرف المكتوب لمساءلة السلطة وتوثيق حياتهم اليومية، محولين الصحافة من أداة للنخبة إلى منبر لمن لا منبر لهم.
الأغنية والموسيقى: الأرشيف العاطفي والسياسي
لا يغفل الكتاب دور الموسيقى، وتحديداً “أغنية الحقيبة” وما تلاها، كخزان للذاكرة الاجتماعية. يوضح الباحثون أن الأغنية في السودان لم تكن مجرد “طرب”، بل كانت وسيلة لنقل الأخبار، وتوثيق التحولات الاجتماعية، والتعبير عن الموقف السياسي بشكل مشفر لا تفهمه أجهزة الرقابة.
في الأحياء الشعبية و”الأندية الرياضية”، كانت الأغنية تجمع الناس وتوحد وجدانهم. يحلل الكتاب كيف تحولت بعض الأغاني العاطفية إلى “أناشيد ثورية” في لحظات الغليان الوطني، وكيف استطاع الفنان “العادي” أن يكون لسان حال المجتمع، معبراً عن أشواق الناس للحرية والحياة الكريمة بلغة بسيطة ومؤثرة تصل إلى الجميع.
مدرسة الشارع وثورة الوعي
يختتم هذا الجزء بالتأكيد على أن ثورة ديسمبر 2018 لم تكن “خروجاً مفاجئاً” للشباب، بل كانت الثمرة الناضجة لقرون من “التعلم في الشارع”. فالوعي الذي تشكل في المنتديات الثقافية، وفي لجان الأحياء، وفي النقاشات التي كانت تدور في “المواصلات العامة”، هو الذي صنع “المواطن الثائر”.
إن “السودان العادي” في هذا المحور يثبت أن المعرفة ليست حكراً على من يملكون الشهادات، بل هي فعل يومي يمارسه السودانيون في بحثهم عن الحقيقة. ومن خلال استعادة هذا التاريخ الثقافي “من أسفل”، يعيد الكتاب الاعتبار للإنسان السوداني كصانع وعي مبدع، استطاع رغم كل محاولات التجهيل الممنهجة أن يظل متصلاً بروح عصره ومنفتحاً على قيم الإنسانية الكبرى.
الخرطوم: “الشبكة” الاستعمارية والروح “العادية” المتمردة
يتناول الكتاب بالتحليل التخطيط العمراني للخرطوم، الذي صممه اللورد كتشنر على هيئة “علم الاتحاد البريطاني” ليسهل التحكم فيها أمنياً وعسكرياً. لكن المثير في تحليل الباحثين هو كيف قام “السوداني العادي” بكسر هذه الشبكة الصارمة. فمن خلال “الزحف الهادئ” والسكن العشوائي في البدايات، ثم تحويل الشوارع العريضة إلى أسواق مفتوحة، قام الناس بـ “سودنة” الفضاء الاستعماري.
يوضح الكتاب أن الخرطوم لم تكن يوماً مدينة “أوروبية” كما أرادها الإنجليز، بل تحولت بفضل سكانها العاديين إلى “قرية كونية” كبرى، حيث حافظ المهاجرون من الأقاليم على روابطهم الاجتماعية داخل الأحياء الحضرية، مما خلق نسيجاً فريداً يجمع بين كفاءة المدينة ودفء الريف.
أم درمان: العاصمة الوطنية وملاذ “الأصالة”
بالمقابل، يقدم الكتاب “أم درمان” كنموذج للمدينة التي ولدت من رحم الثورة (المهدية). فبينما كانت الخرطوم تمثل “وجه الدولة الإداري”، كانت أم درمان تمثل “قلب السودان الشعبي”. يحلل الباحثون كيف أصبحت أم درمان ملاذاً للثقافة السودانية الخالصة؛ حيث ازدهرت فيها الفنون، والصحافة، والسياسة الوطنية.
في أحيائها مثل “حي العرب” و”الملازمين”، تشكلت نخب “عادية” لم تكن ترتبط بالدولة بقدر ارتباطها بالمجتمع. يرى الكتاب أن سيكولوجية أم درمان القائمة على “الندّية” للسلطة المركزية في الخرطوم هي التي جعلتها عبر التاريخ منطلقاً لكل الهزات السياسية الكبرى. إن “المواطن الأم درماني” في هذا الكتاب هو تجسيد لرفض التنميط الاستعماري والتمسك بالهوية الوطنية المتعددة.
“الديوم” والأطراف: حين يقود الهامش حداثة المدينة
من أعمق الفصول ذلك الذي يتناول تاريخ “الديوم” (الأحياء الشعبية) التي نشأت حول المدن الكبرى. هذه المناطق كانت تاريخياً تُعتبر “هامشاً”، لكن الكتاب يثبت أنها كانت “محرك الحداثة” الحقيقي. ففي هذه الأحياء، التقى العمال القادمون من الشمال، والنازحون من الغرب، والموظفون الصغار.
هذا الاختلاط في “الديوم” هو الذي أنتج “السوداني العادي” العابر للقبيلة. يحلل الكتاب كيف تحولت هذه الأحياء إلى بؤر للمقاومة؛ فمنها خرجت مظاهرات أكتوبر وأبريل، وفيها ولدت “لجان المقاومة” التي قادت ثورة ديسمبر. يجادل الباحثون بأن “سيكولوجية الهامش الحضري” هي التي كسرت كبرياء الأنظمة الدكتاتورية، لأنها مناطق لا تملك الدولة فيها سيطرة كاملة على حياة الناس اليومية.
الميادين والأندية: جغرافيا “البرلمانات المفتوحة”
لا يكتمل الحديث عن المدينة دون “الميدان” و”النادي”. يبرز الكتاب دور الأندية الرياضية والثقافية في الأحياء كـ “برلمانات مصغرة”. في هذه الفضاءات، كان الناس العاديون يتدربون على الإدارة الذاتية، وحل النزاعات، والتخطيط للعمل الجماعي.
أما “الميدان” (الساحة العامة)، فقد تحول من مكان للعب كرة القدم إلى “منصة سياسية”. يحلل الكتاب كيف استطاع الثوار في 2018 تحويل “ميدان القيادة العامة” إلى “مدينة فاضلة” مصغرة، أعادت إنتاج قيم التعاون والتكافل التي يوثقها الكتاب عبر قرون. تلك اللحظة لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت استعادة لـ “ذاكرة المدينة” التي طالما حاول النظام طمسها بالأسوار والحواجز الأمنية.
المدينة كمعمل للتحرر الجندري والاجتماعي
يوضح الكتاب أيضاً كيف منحت المدينة “المرأة السودانية” و”الشباب” هوامش من الحرية لم تكن متاحة في الأطر التقليدية الصارمة. ففي فضاء المدينة، استطاعت النساء الانخراط في سوق العمل، وارتياد المقاهي، والمشاركة في الحلقات الثقافية.
هذا “التحرر الحضري العادي” كان يثير قلق الأنظمة المحافظة، التي حاولت محاربته عبر “قوانين النظام العام”. لكن سيكولوجية المدينة كانت أقوى؛ إذ يثبت الكتاب أن نمط الحياة الحضري السوداني، القائم على “المجاورة” والتضامن اليومي، خلق سداً منيعاً ضد محاولات الدولة لفرض رؤية أخلاقية أحادية الجانب.
الفوتوغراف: من “عين المستعمر” إلى “فخر السوداني”
يحلل الكتاب كيف استُخدمت الكاميرا في بداياتها كأداة استعمارية لتصنيف السودانيين “كأعراق” و”قبائل” ضمن رؤية إثنوغرافية جامدة. لكن التحول المذهل الذي يرصده الباحثون هو كيف استولى السودانيون العاديون على هذه الأداة.
نرى قصص المصورين السودانيين الأوائل في الخرطوم وعطبرة، وكيف بدأ “الرجل العادي” و”المرأة العادية” يرتادون الاستوديوهات لالتقاط صور تعكس كبريائهم الشخصي. هذه الصور — بفساتينها الأنيقة، و “تُيُوبها” الملونة، وجلسات الشباب الواثقة — كانت فعلاً سياسياً بامتياز؛ إنها تقول للمستعمر: “نحن لسنا مجرد نماذج للدراسة، نحن بشر نصنع حداثتنا الخاصة”. يجادل الكتاب بأن “الأرشيف البصري العائلي” هو أصدق شاهد على ولادة الطبقة الوسطى السودانية وتطلعاتها نحو الحرية.
الطوابع البريدية: “بروباغندا” الدولة في مواجهة “أصابع” الناس
في فصل فريد من نوعه، يتناول الكتاب “الطابع البريدي” ليس كأداة لنقل الرسائل، بل كـ “بوستر” سياسي مصغر. يحلل الباحثون كيف حاولت الإدارة الاستعمارية، ثم الأنظمة الوطنية، استخدام الطوابع لفرض صورة معينة عن السودان (الجمل، القطن، صور الرؤساء).
لكن “السياسة من أسفل” تظهر هنا في كيفية تعامل الناس مع هذه الرموز. فمجرد لصق طابع يحمل صورة “ديكتاتور” على رسالة تحمل أنيناً من القمع هو نوع من المفارقة التاريخية. يوضح الكتاب أن الطوابع البريدية هي الأثر المادي الوحيد الذي كان يربط “المواطن العادي” في أقاصي الريف بـ “الدولة” في المركز، وهي علاقة كانت تتأرجح دائماً بين الانتماء والمقاومة.
الرسائل الشخصية: “الداخل” الذي لم يفسده المؤرخون
يعتمد الكتاب على مجموعات من الرسائل الشخصية التي تبادلها السودانيون عبر العقود. هذه الرسائل تفتح نافذة على “العالم الداخلي” للبشر العاديين؛ مخاوفهم من الغلاء، أشواقهم للمغتربين، دعواتهم للمرضى، وحتى صراعاتهم الأسرية.
يرى الباحثون أن هذه الرسائل هي “التاريخ الحميمي” للسودان، فهي تكشف كيف كانت الأحداث الكبرى (مثل الاستقلال أو الحروب الأهلية) تنعكس على حياة الفرد اليومية. الرسالة في هذا السياق ليست مجرد نص، بل هي “فعل صمود” ضد التفتت الأسري والاجتماعي الذي تسببت فيه تقلبات السياسة.
“ذاكرة السودان”: الثورة الرقمية وحماية الماضي
يثني الكتاب على المشاريع الحديثة مثل “مشروع ذاكرة السودان” (Sudan Memory)، الذي قام برقمنة آلاف الوثائق والصور والأفلام. يجادل الباحثون بأن هذه “الرقمنة” هي عملية “ديمقراطية” للتاريخ؛ فهي تنزع ملكية الماضي من يد “الأرشيف المركزي” وتضعه في متناول “المواطن العادي” عبر شاشة هاتفه.
هذا التحول الرقمي كان حاسماً في ثورة ديسمبر 2018؛ حيث تحول كل هاتف محمول إلى “أداة توثيق” فورية. يربط الكتاب بين “صورة الكنداكة” الشهيرة التي انتشرت عالمياً، وبين قرون من المحاولات السودانية لامتلاك صورتهم الخاصة. إن “الأرشيف الرقمي” للثورة هو الامتداد الطبيعي لألبومات الصور الورقية التي كان السودانيون يخبئونها تحت أسرتهم خوفاً من المداهمات الأمنية.
نحو تاريخ “محسوس” و”مرئي”
إن ما يخرج به القارئ من هذا المحور هو أن تاريخ السودان ليس مجرد كلمات تُقرأ، بل هو إحساس يُلمس ومناظر تُرى. من خلال دمج الصور والمواد البصرية في البحث الأكاديمي، ينجح “السودان العادي” في جعل التاريخ “إنسانياً” إلى أقصى حد.
يختتم الباحثون هذا الجزء بالتأكيد على أن “الأرشيف الحقيقي” هو ما نحمله في جيوبنا وفي قلوبنا. إن صورة الجد بالعمامة البيضاء، ورسالة الجدة المكتوبة بخط مرتعش، هي اللبنات الحقيقية التي يُبنى عليها “السودان العادي”، وهي التي ستبقى عندما تذرو الرياح بيانات الحكومات وخطابات السياسيين الجوفاء.
“الأجاويد”: دبلوماسية اليومي وفن جبر الخواطر
يفرد الكتاب مساحة واسعة لتحليل مؤسسة “الأجاويد” (المصلحين المحليين). هؤلاء ليسوا قضاة معينين من الدولة، بل هم “عاديون” اكتسبوا شرعيتهم من الحكمة والنزاهة. يوضح الباحثون كيف كان مجلس الأجاويد يعمل كآلية لـ “العدالة الترميمية”؛ فبينما تبحث المحاكم الرسمية عن “المذنب” لتعاقبه، يبحث الأجاويد عن “العلاقة” لإصلاحها.
نرى في قصص الكتاب كيف كانت تُحل أعقد قضايا الأرض والدم في الأقاليم عبر “الجودية”. هذا النوع من القضاء “من أسفل” كان يضمن استمرار الحياة المشتركة بين المجموعات المتنازعة، وهو ما فشلت فيه القوانين الاستعمارية والوطنية اللاحقة التي كانت غالباً ما تُصعد النزاعات بدلاً من إخمادها. يجادل الكتاب بأن “روح الأجاويد” هي التي حافظت على تماسك السودان في أحلك فترات غياب الدولة.
قضاء “المسيد”: حين يكون الشيخ ملاذاً من عسف الحاكم
يعود الكتاب إلى تاريخ سلطنة الفونج ودارفور ليحلل دور “الشيخ الصوفي” كقاضٍ شعبي. “المسيد” (مكان العلم والعبادة) لم يكن منفصلاً عن الواقع؛ بل كان ملجأً لـ “العاديين” الذين يفرون من مظالم الجباة أو عسف الملاك.
يوضح الباحثون أن سلطة الشيخ القانونية كانت “سلطة أخلاقية” نافذة، قادرة على الوقوف في وجه السلطان نفسه. الكتاب يوثق حالات استطاع فيها الناس العاديون انتزاع حقوقهم عبر الاحتماء بـ “حرمة المسيد”، مما جعل الدين في السودان العادي يلعب دور “الدستور غير المكتوب” الذي يحمي الضعفاء من بطش القوي.
مواجهة القانون الاستعمارى: “التحايل” كستراتيجية بقاء
من الفصول الممتعة في هذا القسم، ذلك الذي يتناول كيفية تعامل السودانيين مع القوانين البريطانية خلال “الحكم الثنائي”. فبدلاً من الرفض المطلق، مارس العاديون نوعاً من “المناورة القانونية”. نجد قصصاً عن مواطنين استخدموا المحاكم الاستعمارية ضد خصومهم المحليين، لكنهم في الوقت ذاته كانوا يخفون “الحقيقة الاجتماعية” للنزاع عن القاضي الإنجليزي.
هذا “التلاعب بالقانون” يصفه الكتاب بأنه “سياسة من أسفل” بامتياز؛ حيث يصبح القانون أداة يتم “سودنتها” واستخدامها لتحقيق مآرب اجتماعية لا تدركها السلطة المركزية. يرى الباحثون أن السوداني العادي لم يكن يوماً “خاضعاً” للقانون، بل كان “مفاوضاً” ذكياً يعرف متى يمتثل ومتى يلتف على النصوص.
العدالة الانتقالية في “الشارع”: لجان المقاومة والقصاص الشعبي
ينتقل الكتاب إلى العصر الحديث، وتحديداً إلى دور “لجان المقاومة” في أحياء السودان خلال ثورة ديسمبر. يحلل الباحثون كيف تحولت هذه اللجان إلى “سلطة عدلية شعبية”؛ فهي التي كانت تنظم الحياة، وتفض النزاعات بين الجيران، وتحمي الممتلكات في غياب الأمن الرسمي.
هذا النموذج من “العدالة القاعدية” هو استمرار لتاريخ طويل من الإدارة الذاتية السودانية. يجادل الكتاب بأن مطالبة الثوار بـ “القصاص” لم تكن مجرد رغبة في الانتقام، بل كانت صرخة لاستعادة “ميزان العدل” الذي كسره النظام السابق. إن “المواطن العادي” الذي وقف في المحكمة يشهد ضد الجلادين في محاكمات ما بعد الثورة، هو تجسيد للرحلة الطويلة التي خاضها السودانيون لانتزاع حقهم في “عدالة حقيقية” تعبر عن قيمهم لا عن أهواء حكامهم.
نحو “قانون” يشبه الناس
يخلص هذا الجزء من الكتاب إلى أن أي محاولة لبناء دولة “دولة القانون” في السودان يجب أن تبدأ من الاعتراف بـ “قوانين الناس”. فالفجوة التاريخية بين “القانون الرسمي” و”العدالة العادية” كانت هي الثغرة التي نفذ منها الاستبداد.
إن “السودان العادي” في بعده العدلي يثبت أن السودانيين يمتلكون إرثاً ضخماً من قيم التسامح والتوافق والعدل والمساواة، وهي قيم لم تُستورد من الكتب، بل صُقلت في تجارب الحياة اليومية المريرة. ومن هنا، فإن الكتاب يدعو إلى “مصالحة تاريخية” بين الدولة والمجتمع، تُبنى فيها المؤسسات القانونية على أنقاض الوعي العادل للإنسان السوداني العادي.
ثورة المنهج: التاريخ كأداة تحرر
أهم ما يقدمه “السودان العادي” للأكاديمية السودانية والدولية هو “ثورة في المنهج”. لقد أثبت الباحثون أن الاعتماد الحصري على “أرشيف الدولة” لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج “رؤية الدولة”. وبدلاً من ذلك، نجح الكتاب في ابتكار “أرشيف بديل” يعتمد على اليوميات، والصور، والممارسات الدينية، والنزاعات القانونية الصغيرة، والتحركات العمالية.
هذا المنهج — “التاريخ من أسفل” — ليس مجرد انحياز أيديولوجي للفقراء والمهمشين، بل هو ضرورة علمية لفهم “الدولة” نفسها. فلا يمكن فهم لماذا فشلت الأنظمة المركزية في السودان إلا بفهم كيف قاومها “الإنسان العادي” وكيف بنى حياته بموازاتها. إن الكتاب يعلمنا أن “القوة” لا تسكن فقط في القصور الرئاسية أو ثكنات الجيش، بل هي موزعة في الأسواق، والديوم، والجامعات، ولجان الأحياء.
جدلية الدولة والمجتمع: من “الافتراس” إلى “المواطنة”
يلخص الكتاب تاريخ السودان كصراع طويل بين “دولة مفترسة” حاولت استنزاف الموارد وفرض هوية أحادية، وبين “مجتمع حي” ظل يدافع عن تنوعه وسبل عيشه. يوضح الباحثون أن لحظات الانفجار الثوري (1964، 1985، 2018) لم تكن أحداثاً طارئة، بل كانت اللحظات التي قرر فيها “السودان العادي” أن يخرج من حيز المقاومة الصامتة إلى المواجهة العلنية.
الرؤية المستقبلية التي يطرحها الكتاب تتطلب “قلب الهرم السياسي”؛ أي بناء مؤسسات الدولة لخدمة “الحياة اليومية” للناس، بدلاً من إخضاع الناس لخدمة بقاء السلطة. إن المواطنة في “السودان العادي” ليست شعاراً دستورياً، بل هي ممارسة تبدأ من حق المرأة في الأمن، وحق المزارع في الأرض، وحق الشاب في التعبير والابتكار.
“السودان الذي لم يكتمل”: دعوة للأجيال القادمة
يختتم الكتاب صفحاته بلهجة مليئة بالأمل المشوب بالحذر، واصفاً السودان بأنه مشروع “لم يكتمل بعد”. إن ثورة ديسمبر 2018، كما يراها الباحثون، كانت محاولة لاستعادة هذا المشروع وتصحيح مساره التاريخي. وبالرغم من التحديات الجسيمة والانتكاسات التي تلت الثورة، فإن الكتاب يراهن على “الوعي القاعدي” الذي تشكل عبر القرون.
يرى المحررون أن هذا العمل هو “حجر أساس” لبحوث مستقبلية؛ فهو يدعو الباحثين الشبان لعدم الاكتفاء بما كُتب، بل للذهاب إلى الأقاليم، والاستماع للقصص المنسية، وتوثيق أرشيفاتهم الخاصة. فالسودان لا يمكن أن يُعرف حق المعرفة إلا إذا تعددت أصوات من يحكون قصته.
كلمة أخيرة: في مديح “العاديين”
في نهاية هذا المقال المراجعي المطول، يمكننا القول إن كتاب “السودان العادي: 1504-2019” هو أعظم تكريم قُدّم للإنسان السوداني البسيط. إنه اعتذار معرفي لكل من جرى محوهم من كتب التاريخ الرسمي، واحتفاء بذكاء وصمود الأمهات، والمعلمين، والعمال، والمزارعين، والمعدنين، والنازحين.
لقد نجح هذا الكتاب في أن يكون “مرآة” يرى فيها السودانيون أنفسهم، ليس كضحايا للسياسة، بل كصنّاع للحياة. إن “السودان العادي” ليس عادياً على الإطلاق؛ بل هو سودان استثنائي في قدرته على التجدد، وهو السودان الذي سيبقى طويلاً بعد أن تنتهي صراعات النخب وعسف السلطة. إننا أمام “مانيفستو” جديد لقراءة السودان، يدعونا جميعاً للمساهمة في كتابة الفصول القادمة من تاريخ هذا البلد العظيم، بمداد من وعي “العاديين” وأحلامهم التي لا تنكسر.




