أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

“أزمة الحكم في السودان”

تشريح الجسد السياسي المنهك

يقف المتابع للشأن السوداني حائراً أمام متلازمة عدم الاستقرار التي تلازم هذا البلد الشاسع والغني بموارده والمأزوم في إدارته. وفي محاولة جادة وصارمة لتفكيك شفرة هذه الأزمة المستدامة، يبرز كتاب “أزمة الحكم في السودان: أزمة هيمنة أم هيمنة أزمة” للباحث والمفكر الدكتور عطا الحسن البطحاني. يمثل هذا السفر التحليلي، الصادر في طبعته الأولى عام 2011، محاولة نقدية شجاعة للغوص في جذور الفشل السياسي المتراكم، متجاوزاً القراءات السطحية التي تكتفي برصد الأعراض، ليضع مبضع الجراح على البنية الهيكلية والمفاهيمية للطبقة السياسية الحاكمة عبر حقب مختلفة.

مقدمة ضرورية: لمن يُكتب هذا التاريخ؟

لم يأتِ هذا الكتاب من فراغ تنظيري معزول، بل هو حصيلة تراكمية لأوراق عمل ومشاركات بحثية امتدت منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، مروراً بفترة الديمقراطية الثالثة (1987 – 1989)، وصولاً إلى حقبة حكم الجبهة الإسلامية القومية. الميزة الاستثنائية في هذا العمل هي التوقيت؛ إذ يسجل الباحث مراجعاته في مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد، حيث كانت اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا 2005) تضع السودان على مفترق طرق تاريخي.

يوجه البطحاني رسالته في هذا الكتاب إلى ما أسماهم “قوى التغيير – القوى الحية والحيوية المتطلعة للمستقبل”. إنه يكتب للمرأة الجسورة التي تقهر إرهاب “النظام العام”، وللمزارع الذي يكابد شمس النهار، وللطالب الجامعي، وللشباب الذي يجيد التعامل مع تقنيات العصر كأدوات للتغيير الاجتماعي. إنها دعوة صريحة لاستنهاض هذه القوى لبناء “كتلة تاريخية” تقوم على تسوية وطنية شاملة، تهدف إلى ترويض واقع شوهته الرأسمالية الطرفية التي تقتات على تهميش المهمشين.

المتاهة الأيديولوجية ومأزق “العالمية”

يفتتح الكاتب رحلته التحليلية بتسليط الضوء على فكر الطبقة السياسية الحاكمة، متناولاً التجاذبات الفكرية الكبرى التي تمزق هذه الطبقة: الديني – الإسلامي، العلماني/المدني، والقومي – العربي – الإفريقي. هنا، يطرح البطحاني إشكالية عميقة تتعلق بـ “أزمة المرجعية ومأزق العالمية”.

يقف الكاتب مطولاً أمام تجربة “الإسلام السياسي”، متسائلاً بشفافية علمية: هل نجح هذا الطرح في إرساء مرجعية متماسكة تستوفي شروط العالمية؟. المقارنة هنا تعقد مع المفهوم الغربي – الرأسمالي الذي استطاع، رغم كل عيوبه التاريخية والاستعمارية، أن يفرض هيمنته ويطرح مفهوماً مؤسساً لـ “الديمقراطية الليبرالية” كمعيار كوني. يرى البطحاني أن أي فكر سياسي بديل (إسلامياً كان أو اشتراكياً) لا يمكن أن يكتسب مرجعيته العالمية إلا إذا استوعب وتجاوز نظرياً ما طرحه الفكر السياسي البشري من حلول، وقدم مساهمة تدفع بقضايا البشر للأمام.

في السياق السوداني، وقع الفكر الإسلامي السياسي في فخ “الشمولية” ومحاولة تطويع الواقع المعقد لصيغة واحدة. فبدلًا من أن يكون الدين عامل تماسك، تحول في أيدي هيمنة المركز إلى أداة لفرض صيغة “الوحدة التماثلية” المركزية ذات الطابع الشمولي الأبوي، مما هدد التعددية التي يزخر بها السودان وأدى إلى تغذية الانقسامات بدلًا من رتقها.

الهوية السودانية.. فسيفساء متمردة على القوالب

ينتقل التحليل بانسيابية إلى واحدة من أكثر القضايا تعقيداً ودموية في تاريخ السودان: قضية الهوية والذاتية. الأرقام التي يوردها الكتاب تشكل لوحة سريالية لبلد لا يمكن اختزاله؛ فالسودان يضم 19 مجموعة عرقية رئيسية، تنطوي تحتها 597 مجموعة عرقية فرعية. على مستوى اللغة، يتحدث أهل السودان 115 لغة، منها 26 لغة يتخاطب بكل منها أكثر من 100,000 نسمة.

أمام هذا التباين، يطرح البطحاني سؤالاً جوهرياً: هل يمكن دمج هذا التعدد في هوية “كلية” دون طمس أو إقصاء؟. يتتبع الكاتب تطور مفاهيم الهوية، مسلطاً الضوء على كيف أن “المركزية الإثنية” (العربية/الإسلامية) سعت لاحتكار تعريف الدولة، وفرضت تصوراً مثالياً للذات السودانية يقصي الثقافات الأفريقية أو غير المسلمة.

ينتقد الكتاب بشدة نظرة النخب التي تتعامل مع الهوية كقيمة جوهرية مطلقة (Apriori) جامدة وخارجة عن سياق التاريخ. فالهوية، كما يستخلص الكاتب، ليست معطىً نهائياً يُفرض بقوة السلطة، بل هي عملية تفاعل دؤوب وتلاقح حضاري مستمر لحل المشكلات المعاشة. إن محاولة تجميد الهوية في قالب شعائري ماضوي قد ساهمت في تعطيل التطور السياسي، وجعلت من أجهزة الدولة آلة للإقصاء بدلاً من أن تكون وعاءً للتكامل وإدارة التنوع.

البناء الوطني.. الرقص على حافة الديكتاتورية والديمقراطية

بين عامي 1956 و2005، عاش السودان متوالية مرهقة من الانقلابات العسكرية والانتفاضات الشعبية والفترات الديمقراطية القصيرة المجهضة. في الفصل الثالث، يرفض البطحاني التقييم الشكلي المؤسسي لهذه الفترات (وجود برلمان، قضاء، أحزاب)، وينتقل إلى تقييم جوهري يعتمد على قياس قدرة هذه النظم على إنجاز مهام “البناء الوطني”.

يستعرض الكاتب كيف أن التوازن المفقود بين “ديكتاتورية عسكرية” لا تعبأ بمظالم العمال والفلاحين، و”ديمقراطية برلمانية” تخضع لسيطرة أرباب الطوائف والبيوتات التقليدية والرأسمالية، قد حال دون إنجاز مهام التحرر الاقتصادي والانعتاق الاجتماعي. الديمقراطيات السودانية المتعاقبة (1956-1958، 1964-1969، 1985-1989) اتسمت بهشاشة التحالفات وبقاء السلطة الحقيقية في يد قوى بيروقراطية ورأسمالية تجارية غير معنية بتطوير البنية الإنتاجية للمجتمع.

ويغوص الكاتب في تقييم أداء هذه الحكومات وفق معايير صارمة: التنمية الاقتصادية، الاندماج الاجتماعي، العدالة في توزيع الموارد، وتأمين السيادة الوطنية. وتأتي النتائج صادمة، حيث فشلت “دولة الجلابة” (وهو المصطلح الذي استخدمته أدبيات سياسية لوصف نخب المركز التجاري/الرعوي/الإسلامي) في كسر التلازم بين التقسيم العرقي والتقسيم الاقتصادي للعمل. بدلاً من ذلك، استمر تهميش الأطراف، وتحولت الدولة إلى جهاز لامتصاص الفائض الاقتصادي من الريف لتغذية مصالح رأسمالية طفيلية في المركز، مما أفضى إلى تفجر الحروب الأهلية في الجنوب ولاحقاً في دارفور والشرق.

إن المتوالية التاريخية التي يستعرضها البطحاني تثبت أن الأزمة ليست مجرد غياب لصناديق الاقتراع، بل هي أزمة في طبيعة “الكتلة التاريخية” الحاكمة التي تعجز باستمرار عن دمج المكونات المتباينة للمجتمع السوداني في مسار تنموي إنتاجي يعود بالنفع على الجميع، مستعيضة عن ذلك بشعارات أيديولوجية لا تسمن ولا تغني من جوع.

ثنائية السلطة والثروة ومتاهة الفيدرالية 

نواصل الغوص في أعماق السفر القيم “أزمة الحكم في السودان” للدكتور عطا الحسن البطحاني، منتقلین من جدليات الهوية والبناء الوطني المأزوم، إلى تشريح البنية التحتية الحقيقية للأزمة: الاقتصاد وتوزيع الموارد. فإذا كانت الصراعات الأيديولوجية هي الدخان الذي يعمي الأبصار في الساحة السياسية السودانية، فإن احتكار الثروة وسوء إدارتها هو النار التي تذكي هذا الدخان.

في الفصل الرابع، نقف أمام تحليل منهجي صارم يفكك العلاقة المعقدة بين الإدارة، السياسة، والاقتصاد، ليقدم لنا إجابات شافية حول الأسباب الهيكلية التي قادت إلى حروب الأطراف وتصدع جدار الدولة الوطنية.

الفيدرالية المالية.. أوهام اللامركزية في قبضة المركز

يطرح البطحاني في هذا الفصل الإشكالية الكبرى التي طالما أرقت الإدارة في بلد شاسع كالسودان؛ وهي قضية “الحكم المحلي” وتوزيع الإيرادات. لقد سادت نظرة تفاؤلية بأن توقيع اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا عام 2005 سيشكل تحولاً جذرياً (Paradigm Shift) في صيغة الحكم والانتقال نحو اللامركزية الحقيقية. إلا أن القراءة العميقة التي يطرحها الكتاب تثبت أن التحولات في النصوص الدستورية لا تعني بالضرورة تحولاً في موازين القوى أو في الهياكل الاقتصادية.

يستعين الكاتب باستعارة ذكية من حقل الهندسة الكهربائية لتشريح أزمة العلاقة بين الحكم القومي والمحلي. ففي النظام المتوازي (Parallel Circuit)، يؤدي تعطل مصباح واحد إلى استمرار إضاءة بقية المصابيح؛ وهو ما يعادل استقلالية الأقاليم في نظام فيدرالي حقيقي. أما في النظام المتوالي (Series Circuit)، فإن تعطل مصباح واحد يقطع التيار عن الشبكة بأكملها. لقد أدير السودان – رغم كل اللافتات الفيدرالية – بمنطق “النظام المتوالي”، حيث ظلت الأقاليم والولايات تعتمد في شريان حياتها على مركز قابض، مما جعل أي خلل أو عجز في العاصمة الخرطوم ينعكس شللاً تاماً وإظلاماً تنموياً في بقية أرجاء البلاد.

تشريح الحقب التاريخية: من الاستقلال المالي إلى التبعية العمياء

لتفكيك هذه الأزمة، يقسم الباحث مسيرة الحكم المحلي في السودان إلى مراحل تاريخية دقيقة، تكشف كيف تدهورت قدرة الأقاليم على تمويل ذاتها لصالح تغول المركز:

  • المرحلة الأولى (1951 – 1971): عقب التوصيات التي قدمها الخبير الإنجليزي مارشال عام 1949، أُسس نظام للحكم المحلي يتمتع فيه المجلس المحلي بقدر من الاستقلال النسبي، معتمدًا على موارد مالية منفصلة مثل ضرائب أرباح الأعمال، العشور، القطعان، وعوائد الأراضي. في هذه المرحلة، كانت المجالس تمتلك الشخصية الاعتبارية وتدير شؤون الصحة والتعليم والمياه بكفاءة معقولة، محتفظة بهامش من الاستقلالية عن المركز.

  • المرحلة الثانية (1971 – 2005): شهدت هذه المرحلة انقلاباً إدارياً وسياسياً مع صدور قانون الحكم الشعبي المحلي لعام 1971 وقانون الحكم الإقليمي لعام 1980. هنا حدث التغير الأخطر؛ حيث تفهمت الحكومة المركزية “الدور المهم” للمجالس المحلية، ولكنها قامت بتجريدها من كافة الضرائب المباشرة، محولة إياها إلى المركز. لقد أُلغيت سلطات المجالس في تحصيل الضرائب ذات العائد المجزي، وتُركت لها فتات الرسوم المحلية، لتصبح تابعة كلياً للإعانات المركزية التي تأتي متأخرة أو لا تأتي أبداً.

يورد الكتاب إحصائيات صادمة تدلل على هذا الانهيار؛ ففي دراسة لميزانيات الإقليم لعدة أعوام، يتبين أن الدعم المركزي كنسبة من ميزانية الإقليم كان يتجاوز 81%، بينما الموارد المحلية لم تتعد حاجز الـ 18.4% في أفضل أحوالها، لتنخفض في سنوات لاحقة إلى أقل من 7%. هذا العجز الهيكلي ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة لسياسات منهجية سحبت البساط المالي من تحت أقدام الإدارات الإقليمية.

العون الذاتي واستنزاف الأطراف: الجذور الاقتصادية للتمرد

عندما يعجز المركز عن توفير الخدمات الأساسية، وتُسلب الأقاليم من مواردها، يبرز مصطلح “العون الذاتي” كغطاء لاستنزاف المواطن. يوضح البطحاني كيف أن المجالس المحلية في الأرياف والمدن الإقليمية أُجبرت على فرض رسوم وضرائب غير مباشرة وقاسية لتغطية تكاليف التعليم، الصحة، وحتى تشغيل مؤسسات الدولة كالأمن والشرطة.

ويقدم الكتاب أمثلة مؤلمة من ولايات دارفور والشرق؛ حيث اضطرت المجالس إلى ابتكار رسوم على كل حركة اقتصادية، من أسواق المحاصيل إلى نقاط العبور، بل وتحميل المواطنين فاتورة تسيير أجهزة الأمن والضيافة الحكومية. هذا “الضرائب غير المباشرة” العشوائية أدت إلى هروب رؤوس الأموال، وارتفاع تكلفة الإنتاج، وتدمير البيئة الاستثمارية في الأقاليم، مما خلق تربة خصبة للتمرد والشعور العميق بالتهميش الاقتصادي.

إن إصرار المركز على دمج الإيرادات الضريبية الناجعة في خزينته، وترك الأقاليم تواجه شح الموارد عبر فرض ضرائب محلية مزدوجة، قاد إلى ما يسميه الكاتب استنزاف “الفائض الاقتصادي من الريف” وتكريس للتركيب الاجتماعي الموروث من عهد الاستعمار.

نيفاشا وإعادة إنتاج الأزمة: التدمير البنّاء للاقتصاد

يصل التحليل إلى مرحلة اتفاقية السلام الشامل (2005)، حيث يرى الباحث أن البروتوكولات الاقتصادية، وعلى رأسها قسمة الثروة وتأسيس اللجان مثل مفوضية تخصيص الإيرادات (Fiscal and Financial Allocation and Monitoring Commission)، لم تعالج الخلل الهيكلي. لقد هيمن التفكير السياسي القصير النظر على المشهد، وتم التعامل مع الثروة القومية (تحديداً البترول) كـ “كعكة” تُقتسم بين شريكي الحكم (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية)، دون الانتباه إلى ضرورة تحطيم الهياكل الاحتكارية التي تعيق التنمية الحقيقية للمجتمع العريض.

يستعير البطحاني مفهوم الاقتصادي الشهير جوزيف شومبيتر “الهدم الخلاق” (Creative Destruction)، ليصف ما حدث في السودان بأنه “تدمير بنّاء” (Constructive Destruction). إذ بدلًا من أن تؤدي الاتفاقيات إلى ثورة حقيقية في الاقتصاد السوداني تحفز الإنتاج وتوزع العبء والفرص بعدالة، تم توجيه الموارد الهائلة للحفاظ على شبكات المحسوبية (Patronage State)، والإنفاق على آلة عسكرية وأمنية بيروقراطية متضخمة، تاركة قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والزراعة في حالة ذبول تام.

يؤكد الكتاب بالأرقام حجم المأساة، حيث تراجعت نسبة الإنفاق على التعليم والصحة بشكل مريع، ودُمر الغطاء النباتي، وتعرضت الأرياف لإفقار منظم، في وقت كانت فيه الخرطوم تعيش طفرة استهلاكية غير منتجة وممولة من عائدات النفط الزائلة.

تحولات البنية التحتية: حين تغتال الرأسمالية الطفيلية حلم الدولة المنتجة 

ينتقل بنا الدكتور عطا الحسن البطحاني في منعطف حاسم من كتابه إلى منطقة شائكة ومعقدة، وهي منطقة “الاقتصاد السياسي” للتحول الاجتماعي في السودان. فإذا كانت السياسة في واجهتها هي صراع على كراسي السلطة، فإن جوهرها العميق في السودان ظل صراعاً مريراً على الموارد ووسائل الإنتاج. يقدم الكاتب في هذا السياق سرداً تاريخياً تحليلياً يربط بين تبني السياسات الاقتصادية الكلية وبين التفسخ الذي أصاب النسيج الاجتماعي والسياسي، معتبراً أن الأزمة السودانية ليست مجرد “سوء إدارة”، بل هي نتاج “تغييب متعمد” لمشروع النهضة الوطني لصالح فئات ضيقة ومصالح طفيلية.

تبدأ هذه الرحلة من لحظة التحول الدراماتيكي في الاقتصاد السوداني، وتحديداً مع بداية السبعينيات حينما دخلت البلاد نفق “الرأسمالية الطرفية”. يحلل البطحاني بعين الفاحص كيف أن النخب الحاكمة، سواء كانت في ثوبها العسكري أو الحزبي، قد عجزت عن بناء قاعدة إنتاجية وطنية صلبة. وبدلاً من استثمار الموارد الطبيعية الهائلة في قطاعات الزراعة والصناعات التحويلية، انزلقت الدولة نحو سياسات “التحرير الاقتصادي” العشوائية التي فرضتها مؤسسات التمويل الدولية، والتي لم تجد في السودان بنية مؤسسية قادرة على امتصاص صدماتها. هذا المسار لم يؤدِ إلى انتعاش السوق كما كان يبشر المنظرون، بل قاد إلى ولادة طبقة جديدة وصفها الكاتب بدقة بـ “الرأسمالية الطفيلية”، وهي فئة لا تعيش على الإنتاج أو الابتكار، بل تقتات على المضاربات العقارية، والعمولات التجارية، واحتكار السلع الأساسية عبر التقارب مع دوائر السلطة المركزية.

إن هذا التشوه البنيوي في الاقتصاد كان له ثمن اجتماعي باهظ، حيث يرصد الكتاب كيف تآكلت الطبقة الوسطى السودانية التي كانت تمثل صمام الأمان للاستقرار السياسي. ومع تراجع دور الدولة في تقديم الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، وتحول هذه القطاعات إلى سلع تباع لمن يملك الثمن، اتسعت الفجوة الطبقية بشكل لم يسبق له مثيل. ويوضح البطحاني أن هذا الانهيار الاقتصادي لم يكن محصوراً في الخرطوم، بل ضرب بقسوة أكبر في الأطراف والريف السوداني. فالسياسات التي فضلت الاستيراد على الإنتاج المحلي أدت إلى تدمير المشاريع الزراعية الكبرى، مما دفع بملايين المزارعين والمنتجين إلى حافة الفقر، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لظهور النزاعات المسلحة كأداة للمطالبة بالحقوق الاقتصادية المهدرة.

ولا يتوقف البطحاني عند رصد الانهيار، بل يغوص في تحليل “فخ النفط” الذي وقع فيه السودان في أواخر التسعينيات. ويرى أن تدفق عائدات البترول قد منح النظام الحاكم “عصب حياة” مؤقتاً، مكنه من تضخيم الآلة الأمنية والبيروقراطية وتوسيع شبكات الولاء والمحسوبية، بدلاً من أن يكون قاطرة للتنمية المتوازنة. لقد خلق النفط حالة من “الوهم التنموي” في المركز، تجلت في النهضة العمرانية الزائفة في الخرطوم، بينما ظلت مناطق إنتاج الثروة في الجنوب والأطراف تعاني من التهميش المزمن. هذا “الاقتصاد الريعي” ساهم في تعميق أزمة الهوية والسياسة، حيث تحولت الدولة إلى “غنيمة” يتصارع عليها المتنفذون، مما أضعف هيبتها وأفقدها وظيفتها الأساسية كراعية للمصلحة العامة، وجعل من السلام نفسه مجرد صفقة لتقاسم العوائد المالية لا عقداً اجتماعياً لبناء الوطن.

وفي فصل آخر من هذا السرد المعمق، يتناول الكاتب قضية “الدولة والدين” من زاوية غير تقليدية، متجاوزاً الجدل اللاهوتي إلى البحث في الوظيفة السياسية للأيديولوجيا. يرى البطحاني أن توظيف الدين في السياسة السودانية لم يكن يهدف في كثير من الأحيان إلى ترسيخ قيم العدالة والمساواة التي يدعو إليها الإسلام، بل استُخدم كغطاء أيديولوجي لتشريع سياسات الإقصاء والتهميش. فمن خلال فرض “صيغة أحادية” للهوية الوطنية تقوم على تفسيرات ضيقة، تم تهميش المكونات الثقافية والعرقية الأخرى، مما جعل من “الدين” عنصراً مفرقاً بدلاً من أن يكون جامعاً. وينتقد الكتاب بمرارة كيف تحولت الشعارات الدينية إلى أدوات لـ “التمكين” المالي والسياسي لفئة معينة، مما أفقد المشروع السياسي الأخلاقي صدقيته لدى جماهير واسعة، وأدى في نهاية المطاف إلى حالة من الاغتراب السياسي والاجتماعي.

إن جوهر الأزمة كما يراها البطحاني يكمن في “عجز الهيمنة”؛ أي عجز أي قوة سياسية عن طرح مشروع وطني شامل يحظى بإجماع شعبي حقيقي. وبسبب هذا العجز، لجأت الأنظمة المتعاقبة إلى “هيمنة الأزمة”، أي إدارة البلاد عبر خلق الأزمات المستمرة والاعتماد على الحلول الأمنية القصيرة النظر. هذا الانسداد التاريخي يفرض على القوى الحية في المجتمع، كما يقترح الكاتب، ضرورة البحث عن “كتلة تاريخية” جديدة تتجاوز الانقسامات التقليدية (يمين ويسار، عروبة وأفريقانية، إسلام وعلمانية)، لتؤسس لمنصة وطنية ترتكز على المواطنة المتساوية والتنمية العادلة والديمقراطية المستدامة.

إن قراءة “أزمة الحكم في السودان” في ظل التحولات الجارية اليوم، تضعنا أمام مرآة كاشفة لعيوب الماضي ومخاطر الحاضر. فالبطحاني لا يكتفي بالتنظير، بل يقدم “مانيفستو” نقدياً يدعو إلى إعادة بناء الدولة السودانية على أسس عقلانية وإنتاجية. إنها دعوة للانعتاق من أوهام “الرأسمالية الطفيلية” و”الاستبداد الأيديولوجي” نحو فضاء وطني يتسع للجميع، ويحول التنوع الثقافي والجغرافي من عبء سياسي إلى مصدر للقوة والازدهار.

قوى التغيير المنبعثة من الرماد: فاعلية المجتمع في مواجهة تكلُّس الدولة

ننتقل مع الدكتور عطا الحسن البطحاني من تشريح الهياكل الاقتصادية والسياسية الصماء إلى فحص النبض الحي في عروق المجتمع السوداني. يرى الباحث أن الدولة السودانية، بطابعها الشمولي وتوجهاتها الإقصائية، قد حاولت لمدد طويلة تدجين المجتمع وتحويله إلى مجرد تابع سلبي لقرارات المركز. إلا أن ما يكشفه الكتاب هو “جدلية المقاومة” التي ولدت من رحم المعاناة؛ حيث يحلل البطحاني بروز قوى اجتماعية جديدة استطاعت، رغم كل محاولات القمع والاحتواء، أن تخلق فضاءات بديلة للعمل العام وتؤسس لمفاهيم مغايرة للمواطنة والانتساب الوطني.

يستهل الكاتب هذا الجانب من تحليله بالوقوف إجلالاً للدور التاريخي والبطولي للمرأة السودانية، معتبراً إياها العمود الفقري لأي مشروع تغيير حقيقي. يوضح البطحاني أن استهداف النظام الحاكم للمرأة عبر حزمة من القوانين القمعية، وعلى رأسها قانون “النظام العام”، لم يكن مجرد رغبة في الضبط الأخلاقي، بل كان محاولة سياسية واعية لكسر إرادة المجتمع في أكثر حلقاته حيوية. إلا أن رد الفعل المجتمعي كان عكسياً؛ فقد تحولت تلك الضغوط إلى وقود لوعي حقوقي وسياسي متنامٍ، جعل من قضايا المرأة قضية مركزية في صراع الحرية والكرامة. ويسرد الكتاب كيف أن المرأة السودانية، في الريف والحضر، في معسكرات النزوح وفي قاعات الجامعات، قد طورت آليات للمقاومة اليومية الصامتة والمعلنة، مما جعل منها فاعلاً سياسياً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية وطنية قادمة، متجاوزة بذلك الأدوار التقليدية التي حاولت النخب “الأبوية” حصرها فيها.

وفي سياق متصل، يفرد البطحاني مساحة واسعة لتحليل ظاهرة “الشباب” كقوة تغيير راديكالية ومنفصلة عن الأطر الحزبية التقليدية. يرى الباحث أن الفجوة الجيلية في السودان لم تكن فجوة عمرية فحسب، بل كانت فجوة في “المعرفة والأدوات”. فالشباب السوداني الذي نشأ في ظل ثورة المعلومات، استطاع أن يتجاوز الرقابة الصارمة للدولة عبر الفضاء الرقمي، محولاً وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصات للتنظيم والتعبئة ونشر الوعي. ويؤكد الكتاب أن هذه القوى الشبابية، التي أطلق عليها البطحاني وصف “القوى الحية والحيوية”، قد كفرت بالوعود الأيديولوجية الجوفاء للطبقة السياسية القديمة، وبدأت في صياغة خطاب وطني يركز على الحقوق الأساسية، والعدالة الاجتماعية، والحق في حياة كريمة بعيداً عن صراعات النخب على كراسي السلطة. هذا التحول نحو “الأجندة المدنية” يمثل في نظر الكاتب بداية النهاية لعصر “الهيمنة الطائفية” و”الاستبداد العسكري”، حيث أصبح الشارع هو المصدر الحقيقي للمشروعية.

ينتقل الحديث بعد ذلك لتفكيك مفهوم “الكتلة التاريخية” الذي يطرحه البطحاني كمخرج من نفق الأزمة. هذا المفهوم، المستلهم من الأدبيات الغرامشية والمُكيَّف مع الواقع السوداني، يدعو إلى بناء تحالف عريض يضم المهنيين، والعمال، والمزارعين، والطلاب، والنازحين، والمهمشين في الأطراف. يرى الكاتب أن عجز الأحزاب التقليدية عن إحداث التغيير يعود إلى طبيعتها النخبوية وارتباط مصالح قياداتها ببنية الدولة القديمة. لذا، فإن الرهان يقع على عاتق هذه “الكتلة” التي تلتقي مصالحها في تحطيم “الرأسمالية الطفيلية” وبناء دولة المؤسسات. ويوضح البطحاني أن نجاح هذه الكتلة مرهون بقدرتها على جسر الهوة بين المركز والأطراف، وتحويل المطالب الجهوية والعرقية إلى مشروع وطني شامل يرى في “التنوع” مصدر ثراء لا سبب نزاع.

وفي تحليل نقدي لمؤسسات المجتمع المدني، يلاحظ البطحاني أن هذه المؤسسات قد تعرضت لمحاولات “تأميم” من قبل السلطة، أو “تغريب” من قبل المنظمات الدولية. إلا أنه يرى في “النقابات المهنية” و”لجان الأحياء” والروابط المطلبية بذوراً لمجتمع مدني أصيل ينبع من احتياجات الناس الحقيقية. إن هذه الكيانات، برغم تواضع إمكانياتها، تمثل خط الدفاع الأول عن مصالح المواطنين، وهي التي تؤسس لثقافة “الديمقراطية القاعدية” التي تفتقدها الأنظمة المركزية. ويشدد الكاتب على أن قوة المجتمع المدني ليست في معارضته للدولة فحسب، بل في قدرته على تقديم البدائل التنموية والخدمية في ظل غياب أو عجز أجهزة الدولة الرسمية.

ويختتم البطحاني هذا الفصل برؤية استشرافية حول “صناعة الأمل”. فهو يرى أن السودان، برغم كل الجراحات والحروب، يمتلك طاقة بشرية هائلة قادرة على اجتراح المعجزات إذا ما توفرت لها القيادة الحكيمة والمنصة الوطنية العادلة. إن الأزمة في السودان، كما يصورها الكتاب في هذا الجزء، هي أزمة “إدارة للتنوع” وليست أزمة “وجود للتنوع”. فالشعب السوداني، بتعدد أعراقه وثقافاته، قد أثبت في لحظات الانعطاف التاريخي قدرة مذهلة على التكاتف والتضامن. ويخلص الكاتب إلى أن كسر “دائرة الفشل التاريخي” يتطلب شجاعة نقدية لمواجهة أخطاء الماضي، وإرادة سياسية صلبة لوضع مصلحة الوطن فوق مصالح الأفراد والجماعات، معتبراً أن “المستقبل يُصنع الآن” في ورش العمل، وفي الحقول، وفي الميادين التي يرتفع فيها صوت المطالبة بالحق والعدل.

يرى البطحاني أن الخروج من “متاهة الأزمة” يتطلب أولاً وقبل كل شيء شجاعة في الاعتراف بأن الصيغ القديمة لإدارة الحكم قد استنفدت أغراضها ولم تعد صالحة لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. إن “التسوية التاريخية الشاملة” التي ينادي بها الكاتب ليست مجرد محاصصة سياسية بين النخب لتوزيع الحقائب الوزارية، بل هي عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف العلاقة بين الفرد والدولة، وبين المركز والأطراف. هذه التسوية يجب أن تنطلق من قاعدة صلبة وهي “المواطنة المتساوية” التي لا تميز بين مواطن وآخر على أساس العرق، أو الدين، أو الجهة، أو الانتماء الحزبي. ويشدد الكتاب على أن أي محاولة للالتفاف على مبدأ المواطنة عبر حلول ترقيعية لن تؤدي إلا إلى تأجيل الانفجار القادم، وتعميق حالة التشظي الوطني.

وفي سياق الإصلاح الهيكلي، يطرح البطحاني رؤية جذرية لتفكيك “بنية الدولة الطفيلية” التي تعيش على امتصاص الفائض الاقتصادي وتوظيفه في حماية مصالح الأقلية الحاكمة. إن البديل الذي يقترحه هو الانتقال نحو “دولة التنمية والإنتاج”؛ وهي الدولة التي تستثمر في الإنسان أولاً عبر التعليم والصحة، وتعمل على تحفيز القطاعات المنتجة في الزراعة والصناعة. ويرى الكاتب أن نجاح هذا التحول يتطلب إصلاحاً شاملاً للخدمة المدنية وللجهاز البيروقراطي للدولة، ليتحول من أداة للقهر والجباية إلى محرك للتنمية والنهضة. كما يؤكد على ضرورة استقلال القضاء وتفعيل آليات الرقابة والمحاسبة، معتبراً أن “العدالة” هي الركن الركين الذي لا يمكن بدونه بناء أي استقرار سياسي أو اقتصادي مستدام.

ويعرج البطحاني في خاتمة أطروحته على “الدور الخارجي” وتأثيره في الأزمة السودانية، محذراً من ارتهان الإرادة الوطنية للأجندات الإقليمية والدولية. ويرى أن ضعف “الكتلة التاريخية” في الداخل وغياب المشروع الوطني الجامع هو الذي يفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية التي غالباً ما تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب تطلعات الشعب السوداني. لذا، فإن استرداد “السيادة الوطنية” يبدأ من تقوية الجبهة الداخلية وبناء مؤسسات وطنية قوية قادرة على إدارة التنوع وحماية المكتسبات. إن السودان، بموقعه الاستراتيجي وموارده، يجب أن يتحول من “منطقة صراع” إلى “منطقة تكامل”، وهذا لن يحدث إلا إذا نجح السودانيون في تقديم أنفسهم للعالم ككتلة موحدة تمتلك رؤية واضحة لمستقبلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى