أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

جذور الاستبداد

كتاب "الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية"

في ساحة الفكر السياسي الإسلامي، حيث تتلاطم أمواج التاريخ العاصف بنصوص الوحي الهادية، تبرز حاجة ماسة وملحة لمقاربات تشريحية تتجاوز سطح الأحداث لغوص في أعماق البنية العقلية والسياسية للأمة. هنا، يطالعنا كتاب “الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية” ، والذي يحمل عنواناً فرعياً دالاً: “من الفتنة الكبرى إلى الربيع العربي”. هذا السفر الضخم، وهو من تأليف الباحث والمفكر محمد المختار الشنقيطي ، وصدر عن “منتدى العلاقات العربية والدولية” ، لا يقدم مجرد سردية تاريخية تقليدية، بل يطرح نموذجاً تفسيرياً مركباً لواحد من أعقد الاستعصاءات في تاريخنا: لماذا فشل المسلمون في بناء مؤسسات سياسية تعكس الرؤية الأخلاقية للإسلام؟ا

توطئة ضرورية: استعادة الوعي الدستوري

يفتتح الكتاب بتقديم بالغ الأهمية للشيخ راشد الغنوشي ، يضع فيه إطاراً نقدياً للحالة الفكرية الراهنة. يشير الغنوشي بحسرة إلى أن دور النشر العربية نادراً ما تقذف بكتب جادة في مجال الدراسات السياسية الإسلامية، واصفاً الحالة بأنها “تشبه حالة توقف، عدا اجترارات لآداب سلطانية عفا عليها الدهر”. هذه الملاحظة ليست مجرد نقد عابر، بل هي تشخيص لحالة من “الجمود الإبداعي” التي أصابت العقل السياسي المسلم، حيث تم تسويغ الواقع المنحرف بعد أن تحولت الخلافة إلى ملك عضوض، وانزوت القيم السياسية العظيمة التي جاء بها الإسلام، مثل العدل والحرية والمساواة، لصالح فقه يبرر الغلبة والقهر.

الكتاب إذن، كما يصفه الغنوشي، هو محاولة جريئة واثقة لفك هذا الارتباط المزيف بين الفقه والشريعة من جهة، وتبرير الاستبداد من جهة أخرى، داعياً إلى ضرورة نقل قاعدة الحكم الإسلامي الشوري من “مجرد موعظة” إلى “نظام سياسي يترجم سلطة الأمة”.

سيف الإمامة المسلول: تشخيص الداء

يبدأ الشنقيطي مقدمته المستفيضة باقتباس بليغ لعبد الرحمن الكواكبي: “فما أنا إلا فاتح باب صغير من أسوار الاستبداد، عسى الزمان يوسّعه”، ليؤسس بذلك لغايته الكبرى: البحث في جذور التناقض المفجع بين “المبدأ السياسي الإسلامي” و”الواقع التاريخي الذي عاشه المسلمون”.

يستعير المؤلف مقولة الإمام الشهرستاني الشهيرة في كتابه “الملل والنحل” لتوصيف عمق الجرح: “وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سُلَّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلَّ على الإمامة في كل زمان”. هذا السيف المسلول، الذي أراق دماءً زكية ومزق نسيج الأمة منذ منتصف القرن الأول الهجري، يراه المؤلف تعبيراً عن أزمة دستورية عميقة تتعلق بشرعية السلطة وتداولها، وليس مجرد صراع شخصي أو فتنة عابرة.

إن المأساة الحقيقية، كما يطرحها الكتاب، تكمن في أن الأمة الإسلامية استبطنت هذا الخلل التاريخي. فالنص القرآني والنبوي وضع قيماً تأسيسية غاية في النبل والعدالة، لكن “التجربة التاريخية” التي أنتجت فقه الضرورة والتغلب، تغلبت في أحيان كثيرة على روح النص. لقد تحول الاستثناء (وهو الصراع والقهر) إلى قاعدة، والقاعدة (وهي الشورى والتراضي) إلى استثناء أو حلم يوتوبي بعيد المنال.

الكواكبي وإشكالية “الفتور العام”

يتوقف الكتاب عند تحليل المفكرين المسلمين المعاصرين لهذه الأزمة، مفصلاً في قراءة الفيلسوف عبد الرحمن الكواكبي الذي أدرك بعبقريته أن الخلافات الاعتقادية في الفقه والتاريخ إنما ترجع في جذورها إلى خلافات سياسية بحتة. فالكواكبي، في تشخيصه لداء “الفتور العام” الذي أصاب الأمة، انتهى بعد بحث عميق استمر لثلاثين عاماً إلى أن “أصل الداء، وسر البلاء، ولم يجد له من علاج غير الشورى الدستورية”.

هذا الإدراك المبكر لمركزية “الاستبداد السياسي” كعلة العلل، هو المنطلق الذي يبني عليه الشنقيطي أطروحته. إلا أن المؤلف يتجاوز الكواكبي بخطوة؛ فالكواكبي شخص الداء، لكن الشنقيطي يسعى إلى تفكيك آليات هذا الداء تاريخياً ومؤسسياً، كيف دخل إلينا؟ وكيف استوطن في فقهنا الدستوري؟

التأصيل للفجوة: بين المبدأ والبيئة

من أبرز الأطروحات النقدية في الكتاب هي تفسير “الفراغ السياسي” الذي نشأ فيه الإسلام. يرى المؤلف أن الإسلام وُلد في بيئة (جزيرة العرب) تفتقر إلى تقاليد راسخة في السياسة والدولة والنظام. هذا “الفراغ الهيكلي” في البيئة البدوية كان سلاحاً ذا حدين:

  • أعطى الإسلام حرية بناء قيمه النقية دون ضغط من مؤسسات دولة قديمة تعيقه.

  • لكنه في ذات الوقت، جعل المسلمين، عندما توسعوا واصطدموا بالإمبراطوريات العريقة (الفارسية والرومانية)، يفتقرون إلى “الصلابة المؤسسية” التي تحمي هذه القيم من الاختراق.

وهكذا، فإن القيم الإسلامية التي أسست للتعاقد السياسي الحر، والشورى، والمساواة، وجدت نفسها وجهاً لوجه أمام “الروح الإمبراطورية” التي تسود العالم آنذاك. وبدلاً من أن تُترجم هذه القيم إلى دساتير ومؤسسات وإجراءات صلبة تحمي حق الأمة في اختيار حكامها وعزلهم، تم الالتفاف عليها تدريجياً، لتبدأ عملية استعارة خطيرة للتقاليد الكسروية والقيصرية، وتغليفها برداء إسلامي زائف.

بين الفقه الإمبراطوري والفقه الدستوري

يطرح الكتاب نقداً جذرياً وموضوعياً للتراث الفقهي الموروث، رافضاً “الثقة المفرطة بالشرح” التي تحجب المتن الأصلي (القرآن والسنة). يشير المؤلف بوضوح إلى أن الكثير من مفردات “الآداب السلطانية” التي كتبها فقهاء ومفكرو عصور الانحطاط، كانت في جوهرها تسويغاً للظلم وتبريراً للضرورة التي أملتها سيطرة المتغلبين بالسيف.

في هذا الجزء من التحليل، يبرز الكتاب أهمية “التمييز بين الالتزام الأخلاقي والقانوني”. فالدساتير الحديثة لا تعتمد فقط على “نوايا الحاكم” أو أخلاقه، بل على كوابح قانونية مؤسسية صارمة. بينما في فترات الانحطاط الحضاري الإسلامي، تم اختزال الالتزام السياسي في الضمير الفردي للحاكم (عدالة الحاكم الفرد)، مع غياب تام للإجراءات المؤسسية التي تترجم هذا العدل إلى قانون يُلزم به الحاكم ويُحاسب عليه إن حاد عنه.

ثنائية “التأمُّر في الأمير” و”فقه الضرورات”: مفاتيح التفسير

يضع الشنقيطي يده على الجرح النازف في الذاكرة السياسية الإسلامية من خلال صياغة نموذج تفسيري بديع يقوم على تقابل منهجي بين مفهومين صاغهما من وحي التراث: “التأمر في الأمير” و”التأمر عن غير إمرة”. هذان المصطلحان ليسا مجرد تلاعب لغوي، بل هما مفتاحان لفهم المعضلة الدستورية التي حكمت مسار التاريخ الإسلامي بأكمله.

“التأمر في الأمير” يمثل في طيات الكتاب رمزاً للمبدأ والأصل؛ أي الرؤية المعيارية التي تضمنها الوحي القرآني والسنة النبوية لبناء سلطة سياسية تقوم على الشورى، والتعاقد الحر، ومساءلة الحاكم، وسيادة الأمة. إنها باختصار “القيم الدستورية” في أبهى صورها التجريدية والنصية. في المقابل، يبرز مصطلح “التأمر عن غير إمرة” ليجسد “حكم الضرورة والاستثناء”؛ وهو التعبير الفقهي والواقعي عن المعاناة التاريخية للمسلمين مع واقع سياسي مضطرب، حيث فرضت الغلبة والقهر نفسها بديلاً عن الاختيار الحر والتراضي.

وبهذا التقابل، يرى المؤلف أن تاريخ المسلمين وحاضرهم محكومان بتزاحم دائم بين هذين المبدأين، حيث أدت الفتن والصراعات المتوالية إلى التضحية بالشرعية السياسية الدستورية لصالح “وحدة الأمة” وحقن الدماء، مما جعل الأمة قابعة في حالة استثناء تاريخية ممتدة، تتغاضى فيها عن “شرعية الإجراءات” خوفاً من الانهيار الوجودي.

الفراغ الهيكلي في البيئة العربية: هشاشة التأسيس

لا يكتفي الكتاب بإلقاء اللائمة على الأشخاص أو الفتن الطارئة، بل يذهب عميقاً في “سوسيولوجيا” نشأة الدولة الإسلامية. يطرح المؤلف تحليلاً رصيناً لـ “الفراغ السياسي” الذي ولد فيه الإسلام في جزيرة العرب. لقد بزغ فجر الدعوة في بيئة بدوية تفتقر إلى تقاليد سياسية راسخة، وتغيب عنها هياكل الدولة والنظام المؤسسي.

هذا الفراغ التشريعي والمؤسسي السابق للإسلام كان له أثر مزدوج؛ فمن جهة، منح الإسلام مساحة لبذر قيمه السياسية الأخلاقية السامية دون مقاومة من هياكل إمبراطورية عتيقة. ومن جهة أخرى، وهو الأهم في سياق الأزمة، أدى هذا الفراغ إلى “هشاشة مؤسسية” مزمنة. فعندما غاب الجيل المؤسس، واندلعت الأزمات، لم تجد القيم الإسلامية النبيلة (كالشورى والعدل والمساواة) أوعية مؤسسية وإجراءات صلبة تحميها من الانهيار أمام طوفان العصبيات القبلية أو أطماع التغلب العسكري.

مأزق “التشكل الكاذب”: بين الروح الإسلامية والهيكل الإمبراطوري

من أعمق المقاربات الفلسفية التي يطرحها الشنقيطي في كتابه، توظيفه العبقري لمفهوم “التشكل الكاذب” (Pseudomorphosis) الذي صاغه فيلسوف الحضارة الألماني أوزفالد شبنغلر. يشير هذا المفهوم في علم الجيولوجيا إلى الحالة التي تملأ فيها المعادن الجديدة تجاويف معادن قديمة، فتأخذ شكلها الخارجي بينما تحتفظ بتركيبها الداخلي المختلف.

يسقط المؤلف هذه النظرية ببراعة على الواقع السياسي الإسلامي الأول؛ فالروح الإسلامية الجديدة، المتوثبة بقيم الحرية والعدالة والمساواة، وجدت نفسها، إثر الفتوحات السريعة والمذهلة، تصطدم بـ “القوالب الإمبراطورية” العتيقة للرومان والفرس. وبدلاً من أن تخلق هذه الروح الحضارية الشابة أشكالها المؤسسية الخاصة النابعة من ذاتها، تم احتواؤها قسراً داخل الهياكل السياسية الإمبراطورية الاستبدادية.

هكذا، سادت في المجتمعات الإسلامية حالة من “التشكل الكاذب”، حيث طُمست معالم الهوية السياسية الإسلامية النقية في عباءة الحضارات القديمة. لقد أصبح الجسد إسلامياً يتلو القرآن، لكن الهيكل المؤسسي الذي يحكمه كان هيكلاً قيصرياً وكسروياً بامتياز، مما أدى إلى وأد الإمكان الديمقراطي والتعاقدي في مهده.

كتاب الله وعهد أردشير: اختراق “الوثنية السياسية”

يخصص الشنقيطي مساحة واسعة وموثقة بدقة لتحليل الاختراق الثقافي الساساني للوعي السياسي الإسلامي، جاعلاً من “عهد أردشير” (مؤسس الدولة الساسانية) وثيقة محورية لفهم هذا الانقلاب الدستوري. يوضح الكتاب كيف تسربت القيم الساسانية تدريجياً، لتبدأ مزاحمة شرسة لقيم الإسلام الأصلية.

لقد تركت هذه الوثيقة والتقاليد التي تمثلها أثراً سلبياً مدمراً تمثل في عدة محاور كبرى، يحددها الكتاب بدقة:

  1. ترسيخ الوثنية السياسية: حيث تحول الحاكم من وكيل للأمة يستمد شرعيته من رضاها، إلى ظل الله في الأرض، يتسامى فوق النقد والمساءلة.

  2. استخدام الدين لخدمة السلطة: بدلاً من أن تكون السلطة خادمة للدين وللأمة، تم ترويض الفقه والدين ليصبح أداة طيعة تبرر للحاكم عسفه، وتضفي على استبداده هالة من القداسة.

  3. تثبيت الطبقية الاجتماعية: وهو ما يتناقض جذرياً مع مبدأ المساواة الصارم الذي أرساه الإسلام، حيث سادت مفاهيم “الخاصة والعامة” و”الرعاع” في الأدبيات السلطانية اللاحقة.

  4. تسويغ العسف السياسي: عبر إعلاء قيمة “الطاعة المطلقة” للحاكم المتغلب على حساب قيمة “العدل” و”الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” في الشأن العام.

في ضوء فلسفة هيجل: “الإمكان التاريخي” المجهض

لا يكتفي الشنقيطي بالوصف التاريخي، بل يرتقي بالتحليل ليعانق آفاق فلسفة التاريخ، مستلهماً مفاهيم الفيلسوف الألماني جورج فريدريك هيجل، وتحديداً فكرة “الإمكان التاريخي”.

يرى المؤلف، متكئاً على هيجل ومفكرين آخرين كمحمد إقبال ومالك بن نبي، أن القيم السياسية التي جاء بها الإسلام، مثل الشورى والعدل وحقوق الإنسان، مثلت “بذرة” لإمكان تاريخي عظيم لديمقراطية إسلامية مبكرة. هذه “البذرة النبيلة” ولدت ونزلت إلى أرض الواقع، لكنها لم تجد “التربة التاريخية” أو “السياق الزمني” الملائم لنموها واكتمال تفتحها.

إن الفجوة الهائلة بين “الممكنات الثمينة” في النص الإسلامي، وبين واقع بشري لا يزال يرزح تحت ثقل مواريث الاستعباد الإمبراطوري، جعلت من الصعب ترجمة هذه المبادئ إلى واقع مستدام. وكما يوضح التحليل الهيجلي، فإن المبدأ المجرد لا يكفي وحده لضمان تجسده في التاريخ؛ بل يتطلب وعياً جمعياً، ومؤسسات، وإجراءات حامية. لقد وفر الإسلام أفقاً رحباً للحرية والهداية، لكن “القصور الذاتي” في الوعي البشري آنذاك، وتوالي الفتن، حالا دون تحويل هذا “الإمكان” إلى حقيقة سياسية راسخة ومستقرة.

انشطار الذات في صفّين: الانقلاب الدستوري الأكبر

لا يقارب الكتاب موقعة “صفين” بوصفها مجرد صدام عسكري عابر على السلطة، بل يغوص في أبعادها الفلسفية والتاريخية ليعتبرها اللحظة التي “انشطرت فيها الذات الإسلامية”. ففي تلك الصحراء، لم تكن السيوف وحدها هي التي تتقارع، بل كانت القيم التعاقدية الشورية تتصادم مع طموحات التغلب وبدايات التأسيس للملك العضوض.

يستدعي الشنقيطي في هذا السياق رؤية المفكر مالك بن نبي، الذي أدرك بعبقريته أن الفتنة الكبرى، وتحديداً صفين، مثّلت تمزقاً عميقاً في “الضمير الشعبي” وانفصالاً حاداً بين الدولة والمجتمع. لقد كانت صفين بمثابة الزلزال الذي ابتلع “الديمقراطية الإسلامية” الوليدة، وأحل محلها “السلطة العصبية”. هذا الانكسار لم يكن انكساراً سياسياً فحسب، بل كان انكساراً نفسياً وحضارياً، حيث أفرزت الفتنة صدمة جعلت العقل الفقهي اللاحق ينكفئ على ذاته، مفضلاً خيارات السلامة على مغامرة المطالبة بالحقوق. لقد شكلت معركة صفين نقطة الانكسار في منحنى التطور التاريخي، حيث أصيب الإنسان المتحضر في النظام السياسي بفقدان همته، وعجز عن التمثل والإبداع.

معادلة الوحدة والشرعية: التضحية الدامية

كيف تعامل العقل المسلم مع هذا الانكسار؟ هنا يقدم الكتاب تحليلاً بالغ الأهمية لما يسميه “معادلة الوحدة والشرعية”. في لحظات التمزق التي هددت الوجود المادي والمعنوي للأمة، وجد الفكر السياسي والاجتماعي الإسلامي نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما التمسك الصارم بالشرعية الدستورية (الشورى والرضا) مما قد يؤدي إلى استمرار الحروب الأهلية وفناء الأمة، أو التنازل المؤلم عن شرط “الشرعية” لصالح الحفاظ على “الوحدة” ودرء الفتنة.

لقد اختار العقل الفقهي السني، تحت ضغط الخوف من الانهيار الشامل، الانحياز إلى “الوحدة” ولو على حساب “الشرعية”. هذا الاختيار الاضطراري، الذي كان مبرراً في سياقه التاريخي كحالة “طوارئ”، تحول للأسف عبر القرون إلى قاعدة فقهية مستقرة، حيث تم تسويغ حكم المتغلب، واستقر في الوجدان أن طاعة الحاكم الجائر خير من فتنة تراق فيها الدماء. وبذلك، أُسس “فقه الضرورة” الذي شكل الغطاء الأيديولوجي للاستبداد، وتحولت التضحية بالشرعية من مجرد استثناء مؤقت إلى حالة دائمة شلت القدرة على التغيير. لقد سعى السعي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه تحت سقف الاستبداد السياسي، بعد اليأس من تأسيس السلطة على أسس شرعية.

المُثُل المرهقة والهشاشة المؤسسية

يطرح الكتاب إشكالية فلسفية عميقة حول طبيعة المبادئ السياسية الإسلامية، مستعيراً مفهوم “المُثُل المرهقة”. فالقيم التي جاء بها الإسلام، من مساواة مطلقة، وعدالة صارمة، ومساءلة دقيقة للحاكم (كما تجسدت في سيرة الخلفاء الراشدين)، كانت قيماً شاهقة السمو، تتطلب وعياً بشرياً استثنائياً و”صلابة مؤسسية” فائقة للحفاظ عليها.

بيد أن المجتمع الإسلامي، الذي ورث “هشاشة مؤسسية مزمنة” بسبب غياب التقاليد الدولتية في بيئة النشأة الأولى، وجد نفسه عاجزاً عن حمل هذه “المثل المرهقة” لفترة طويلة. لقد كان السقف الأخلاقي عالياً جداً، والتربة المؤسسية هشة جداً. وحينما تعجز المؤسسات عن حمل المبادئ، تنهار المجتمعات تحت ثقل متطلباتها، وهو ما يفسر الارتداد السريع نحو النماذج الإمبراطورية المألوفة (الأموية ثم العباسية) التي كانت أقل إرهاقاً أخلاقياً، وأكثر انسجاماً مع طبائع الاستبداد السائدة في ذلك الزمان.

أمهات القيم السياسية: هدم الوثنية الهرمية

على الرغم من التشريح القاسي للتاريخ، لا يغفل الكتاب عن تبيان عظمة “البناء السياسي” الذي قدمه النص الإسلامي. يخصص المؤلف قسماً كاملاً تحت عنوان “التأمر في الأمير: أمهات القيم السياسية”، ليبرز التأسيس المعياري الذي نزل به الوحي.

يبدأ هذا التأسيس بـ “هدم الوثنية السياسية” و”قلب الهرمية الفرعونية”. لقد جاء الإسلام ليحرر الإنسان من الخضوع لأخيه الإنسان، مؤسساً لعلاقة أفقية بين البشر تحت سيادة الخالق وحده. هذه الرؤية التوحيدية لم تكن مجرد عقيدة غيبية، بل كانت “ثورة دستورية” أسقطت تقديس الحكام، وجعلت السلطة عقداً مدنياً قابلاً للفسخ والمحاسبة.

يفصل الكتاب في شرح كيف أسس النص الإسلامي لقيم التكريم الإنساني، والاستخلاف، والجمع بين العدل والفضل. إن الحرية في هذا النسق التأسيسي ليست مجرد ترف، بل هي “إمكان ومسؤولية”؛ إذ لا يمكن محاسبة فرد مسلوب الإرادة. كما يتوسع المؤلف في استعراض قيم الأداء السياسي، مبرزاً كيف جعل الإسلام “المال العام مال الله” لحمايته من نهب السلطة، وشرّع “المدافعة ضد الفساد” كواجب دستوري يقع على عاتق الأمة جمعاء.

هذه القيم المجردة، والتي تُشكل “أمهات القيم السياسية”، تظل هي المرجعية المعيارية التي تحاكم الواقع. إن استعراض الشنقيطي لها في هذا السفر ليس من باب التغني بالماضي، بل لتأكيد أن “النص ملهم” وأن الأزمة تكمن في الجهد البشري الذي عجز عن ابتكار “الآليات” و”الإجراءات” الكفيلة بتنزيل هذه القيم على أرض الواقع، وحمايتها من طغيان الحكام وانكسارات التاريخ.

“كتاب الله وعهد أردشير”: الاختراق الثقافي الساساني

يضع المؤلف يده على واحدة من أخطر التحولات الدستورية في تاريخ الحضارة الإسلامية، مفردًا لها فصلاً بالغ الدلالة بعنوان: “كتاب الله وعهد أردشير”. لا يقف الشنقيطي عند حدود التفسير العسكري أو السياسي للفتنة، بل يتعمق في “الجذور الثقافية” للاستبداد، موضحاً أن التحدي الأكبر لم يكن مجرد صراع على السلطة، بل كان صراعاً في رحم المجتمعات المسلمة بين القيم السياسية الإسلامية ذات الطبيعة التعاقدية الشورية، والقيم الإمبراطورية ذات الطبيعة القهرية.

لقد وجد المسلمون أنفسهم، بعد الفتوحات المذهلة، في قلب العالم الشرقي القديم، محاطين بتراث إمبراطوري فارسي عريق. وهنا، يبرز “عهد أردشير” كوثيقة مركزية تمثل “الثقافة السياسية الساسانية” التي تسربت ببطء ولكن بثبات إلى النخبة الحاكمة. لم يكن هذا التسرب بريئاً، بل أدى إلى “ترويض” رواد الفكر الإسلامي وتطويعهم داخل منطق الاستبداد الشرقي القديم.

يوضح الكتاب، كيف تركت هذه الوثيقة وأمثالها أثراً سلبياً عميقاً في ثقافة المسلمين السياسية؛ إذ حملت معها مساوئ عظيمة، في مقدمتها “لوثة الوثنية السياسية”، التي حولت الحاكم من بشَر يُسأل ويُحاسب، إلى ذات تكتسي بقداسة استثنائية. كما أدت إلى “استخدام الدين بَدَل خِدْمته”، حيث تم توظيف النصوص وتطويع الفقه لتسويغ العسف السياسي، فضلاً عن “ترسيخ الطبقية الاجتماعية” التي تتناقض جوهرياً مع روح الإسلام القائمة على المساواة المطلقة. هكذا، دخلت الحضارة الإسلامية في حالة من التناقض الصارخ؛ جسد إسلامي ينبض بالقرآن، وروح سياسية تتنفس بمفاهيم كسرى وأردشير.

ما وراء التسنن والتشيع: مأزق الشرعية الشامل

من الإسهامات النقدية البارزة في هذا الكتاب، تجاوزه للقراءات الطائفية الضيقة التي تحصر الأزمة الدستورية في مذهب دون آخر. يرى المؤلف أن كلا المدرستين الكبيرتين (السنة والشيعة) قد سقطتا في شِباك “الأزمة الدستورية” بشكل أو بآخر، رغم اختلاف المخارج النظرية التي ابتدعها كل فريق.

يحلل الشنقيطي كيف أن العقل الفقهي السني، تحت وطأة الخوف من تفتت الأمة واندلاع الفتن الكبرى مجدداً، تبنى “معادلة الوحدة على حساب الشرعية”. هذا الانحياز أنتج “فقه الضرورات” الذي شرعن حكم المتغلب، وجعل من قبول الظلم السياسي موقفاً مبرراً أخلاقياً لحقن الدماء. وفي المقابل، لم يكن الفكر الشيعي بمنأى عن هذا المأزق؛ إذ تحول -في شقه التاريخي- إلى الانكفاء والانسحاب من الشأن السياسي العملي من خلال اللجوء إلى مفاهيم مثل “التقية” وانتظار الإمام المعصوم، مما أدى في النهاية إلى تجميد الفعل السياسي الرامي إلى بناء شرعية دستورية واقعية.

إن النتيجة، كما يقرر الكتاب، كانت واحدة: وهي غياب التأصيل المنهجي والمؤسسي لبناء السلطة السياسية على التراضي، وتأجيل المعركة الحقيقية (معركة الحرية والشورى) لصالح تبريرات فقهية أو لاهوتية لا تحل أزمة “التأمُّر عن غير إمرة”.

الربيع العربي: الانعتاق من “فقه الضرورة” إلى الثورة

وهنا نصل إلى الذروة التحليلية للكتاب، حيث يربط الشنقيطي بكل براعة بين هذه الجذور التاريخية العميقة، وبين اللحظة الراهنة، وتحديداً اندلاع ثورات الربيع العربي في خواتيم عام 2010. لا ينظر الكتاب إلى هذه الثورات كأحداث معزولة أو احتجاجات عابرة على تردي الأوضاع المعيشية، بل يعتبرها “تحرراً للشعوب المسلمة -أخيراً- من مواريث الفتنة الكبرى وذيولها”.

إن الربيع العربي، في القراءة الدستورية للشنقيطي، هو محاولة تاريخية كبرى لـ “الانتقال من الفتنة إلى الثورة”. لقد استطاعت الشعوب أن تتغلب على “هواجس الخوف من الفتنة” التي تحكمت في الثقافة السياسية الإسلامية منذ صفقة عام الجماعة (41 هـ). لقد تلاشى هذا الخوف المزمن، وحلت محله إرادة جديدة للوقوف في وجه الظلم السياسي، واستعادة الأمة لحقها الأصيل في بناء سلطتها على أسس شرعية دستورية حقيقية.

من القيم إلى الإجراءات: هندسة المستقبل

يختتم الكتاب رؤيته التشخيصية والعلاجية بشرط جوهري لا يمكن الخروج من الأزمة الدستورية دونه: “الانتقال من القيم إلى الإجراءات”. يرى المؤلف أن المعضلة التاريخية للمسلمين لم تكن يوماً في “نقص القيم”؛ فالنصوص التأسيسية تفيض بمعاني العدل والكرامة والشورى. الخلل القاتل كان يكمن في العجز عن ترجمة هذه القيم المجردة إلى “مؤسسات وإجراءات دستورية” راسخة ومنسجمة مع منطق الدولة المعاصرة.

إن التغني بمثالية القيم الإسلامية لم يعد كافياً، بل إن استمرار هذا النهج الوعظي دون ترجمة إجرائية يُعد تكريساً للأزمة. يدعو الكتاب صراحة إلى ضرورة استثمار الكسب النظري والعملي الذي توصلت إليه الأمم الديمقراطية المعاصرة، مؤكداً أن هذا الاستمداد يجب أن يتم بثقة ووعي، وبعيداً عن عُقَد النقص أو الاستعلاء. فبناء الدولة المدنية الديمقراطية، التي تحمي حقوق المواطنة، وتحقق العدل للجميع، هو الترجمة العملية الوحيدة لمقاصد الإسلام السياسية في هذا الزمان، وهو المخرج الوحيد من التيه الذي طال أمده.

مأزق الخيارات المغلقة: نقد السلفية والعلمانية

في مسعاه لرسم طريق الخروج، يقدم الكتاب نقداً تشريحياً صارماً للمقاربات المطروحة في الساحة العربية والإسلامية، مبدياً استحالة الحل في كلا المعسكرين التقليديين: “الخيار العلماني” و”الخيار السلفي”.

يرى الشنقيطي أن أي سعي لإخراج الحضارة الإسلامية من أزمتها لن يفلح إلا إذا استوفى سمة أساسية، وهي أن يكون “مُقنعاً للضمير المسلم المتعلق بالقيم السياسية الإسلامية”. وهنا يسقط “الخيار العلماني” الذي يصر على تجريد الإسلام وتحييده في معركة الحضارة، واصطناع حل مبتور عن وجدان الشعوب ومزاجها الديني والأخلاقي.

في المقابل، يرفض الكتاب بشكل قاطع “الخيار السلفي” الذي يحاول تقديم حل يستنسخ صورة تاريخية غابرة استمدت ملامحها من الإمبراطوريات الغابرة، مبيناً أن هذا الخيار يقع في مأزق الخلط الشنيع بين “الفقه والشريعة”، ويدّعي الاكتفاء والاستغناء عما أنتجه العقل البشري من فيوضات في مجال الفكر السياسي. إن المنهج التركيبي الذي يتبناه الشنقيطي هو المنهج الذي يجمع بين الديني والمدني، رافضاً الانكفاء على الذات، وداعياً إلى تفاعل خلاق مع منجزات العصر.

الاستمداد الثقافي: لا حرج في استعارة الحكمة

يتجلى الشجاعة الفكرية في الكتاب من خلال دعوته الصريحة والواضحة لضرورة “الاستمداد” من الكسب النظري والعملي الذي توصلت إليه الأمم الديمقراطية الغربية. يرفض المؤلف بوضوح حالة التقوقع والادعاء بوجود نموذج إسلامي جاهز ومكتفٍ بذاته في تفاصيله الإجرائية.

يشير الكتاب إلى أن المسلمين اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى هذا الاستمداد الواسع من الفلسفات والمؤسسات الديمقراطية المعاصرة لتطعيم شجرتهم السياسية. ويشترط أن يتم هذا التلاقح بـ “تواضع المتعلّم، وثقة الراشد، بعيداً عن عُقَد الدونية أو الاستعلاء”. إن الآليات الديمقراطية الحديثة، كالفصل بين السلطات، والانتخابات، وتداول السلطة، هي في جوهرها الترجمة العملية الوحيدة المتاحة اليوم لقيم الشورى والعدل، واستعارتها ليست تبعية، بل هي تطبيق لفريضة استرجاع الحكمة المفقودة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى