
غيوم السياسة وعواصف الاقتصاد ما قبل ليلة السابع عشر من نوفمبر
حين تُفتح خزائن الأرشيف السري للدول العظمى، فإن التاريخ يعيد كتابة نفسه، وتتساقط الأقنعة عن وجوه الأحداث لتبرز الحقائق عارية كما دُونت في البرقيات المشفرة والتقارير السرية. هذا بالضبط ما يفعله كتاب “السودان في الوثائق البريطانية: انقلاب الفريق إبراهيم عبود ١٩٥٨”، الذي أعده وحققه الدكتور وليد محمد سعيد الأعظمي. يمثل هذا السفر الاستقصائي، الصادر في بغداد عام ١٩٩٠، رحلة غوص عميقة في دهاليز السياسة السودانية في واحدة من أكثر فتراتها حرجاً، معتمداً بشكل أساسي على الوثائق السرية البريطانية التي رُفعت عنها قيود السرية في مطلع عام ١٩٨٩ في العاصمة لندن.
مخاض الاستقلال وتعثر التجربة الديمقراطية
يأخذنا الكتاب في مستهله إلى المناخ العام الذي ساد السودان في السنوات القليلة التي أعقبت استعادته لسيادته واستقلاله التام، وهي سنوات اتسمت بمخاض عسير وتجارب سياسية متعثرة لتغيير هيكل النظام الحاكم من وقت لآخر. لم يكن الاستقرار ضيفاً مألوفاً في أروقة السياسة السودانية آنذاك، بل كان النزاع الحزبي والخلاف المستمر بين القوى السياسية هو السمة الغالبة والمحرك الأساسي للأحداث. هذا الصراع المرير ألقى بظلاله الثقيلة على المشهد، متسبباً في تكوين عدة حكومات حزبية هشة خلال فترة زمنية قصيرة امتدت بين عامي ١٩٥٦ و١٩٥٨، وهو ما شكل السبب الجوهري لفقدان الاستقرار السياسي.
ونتيجة لهذا التصدع الدائم في جدار السلطة، فشلت كافة الحكومات التي انبثقت عن هذه الأحزاب المتناحرة في تحقيق أية إصلاحات اجتماعية أو اقتصادية جذرية تلامس حياة المواطن السوداني. يوضح الكتاب كيف أن الحزب الوطني الاتحادي، الذي كان قد أحرز أغلبية مريحة في المقاعد البرلمانية خلال انتخابات عام ١٩٥٤، وجد نفسه الحزب الحاكم في البلاد بُعيد الاستقلال، إلا أن هذه الهيمنة لم تدم طويلاً. فقد بدأت مقاعده البرلمانية تتقلص تدريجياً، لاسيما بعد شهر أغسطس من عام ١٩٥٥، وصولاً إلى الضربة القاصمة في نوفمبر من العام ذاته عندما نجحت المعارضة في إلحاق هزيمة قاسية بحكومته. لكن عبثية المشهد السياسي تجلت في أبهى صورها عندما فشلت المعارضة ذاتها في الاستمرار في سدة الحكم لأكثر من يومين فقط، ليعود البرلمان أدراجه مؤيداً للحزب الوطني الاتحادي مرة أخرى.
تتعمق الأزمة مع رصد الكتاب لحالة التشظي والانشقاقات؛ إذ انشقت طائفة الختمية عن الحزب الوطني الاتحادي لتنسج تحالفاً جديداً مع حزب الأمة، وهو التحالف الذي وضع العصي في دواليب الحزب الوطني الاتحادي وحال دون قدرته على تمرير أية إصلاحات أو إحداث تغييرات ملموسة. وكما هي طبيعة التحالفات الهشة، سرعان ما انهارت الحكومة عندما قررت فئة من أعضاء الحزب الوطني الاتحادي القفز من المركب والانضمام إلى صفوف المعارضة.
بحلول شهر يوليو من عام ١٩٥٦، شهد السودان ولادة حكومة ائتلافية جديدة استبدلت حكومة الوطني الاتحادي، وضمت في صفوفها أعضاء من حزب الأمة، وحزب الأحرار الجنوبيين، وحزب الشعب الديمقراطي الذي كان يمثل المظلة السياسية لطائفة الختمية. يسجل الكتاب ملاحظة جوهرية هنا، وهي أن الهم الأوحد لهذه الحكومة الائتلافية كان السعي المحموم من أجل البقاء في سدة الحكم والحفاظ على الكراسي، متناسية تماماً ضرورة تحقيق أي إصلاحات سياسية أو اقتصادية حقيقية للبلاد. وفي خضم هذا العبث، أصبح من المألوف والطبيعي جداً أن يغير السياسيون السودانيون ولاءاتهم وانتماءاتهم الحزبية، متنقلين من حزب إلى آخر بحثاً عن المغانم.
عندما حان موعد الانتخابات في مارس من عام ١٩٥٨ لتكوين جمعية تأسيسية جديدة، كانت النتيجة انعكاساً دقيقاً لحالة التشرذم؛ إذ عجز أي من الأحزاب الأربعة الكبرى، وهي حزب الأمة، وحزب الشعب الديمقراطي، والحزب الوطني الاتحادي، وحزب الأحرار الجنوبيين، عن تحقيق أية أغلبية مطلقة تمكنه من تشكيل الحكومة منفرداً. لم يكن هناك مناص إذن من تجرع الكأس المرة واللجوء لتشكيل حكومة ائتلافية ثانية تتألف مجدداً من غريمين تاريخيين هما حزبا الأمة والشعب الديمقراطي، بينما أُجبر الحزب الوطني الاتحادي، وإلى جانبه حزب الأحرار الجنوبيين، على الجلوس في مقاعد المعارضة.
يتتبع الدكتور الأعظمي من خلال الوثائق كيف كُتب الفشل على هذه الحكومة الائتلافية الثانية كسابقتها، إذ كان التضامن والانسجام بين حزبي الأمة والشعب الديمقراطي ضرباً من المستحيل. فقد كان هذا الائتلاف يحمل في طياته جينات فنائه، كونه يعكس تاريخاً طويلاً ومريراً من التنافس والصراع بين طائفتين قويتين هما الأنصار والختمية. تبادل الشريكان في الحكم الاتهامات الخطيرة؛ فحزب الأمة اتهم شريكه، حزب الشعب الديمقراطي، بالعمالة والعمل من أجل خدمة المصالح المصرية، بينما رد الأخير الصاع صاعين متهماً حزب الأمة بأنه مجرد أداة لخدمة الأغراض والمصالح البريطانية في السودان.
صراع المحاور والسياسة الخارجية المتأرجحة
لم تكن الخلافات الداخلية هي المعضلة الوحيدة، بل يوضح الكتاب أن نقطة الخلاف الرئيسية والجوهرية بين الطرفين المؤتلفين كانت تتمحور حول السياسة الخارجية للسودان وتوجهاتها في بيئة إقليمية ودولية شديدة الاستقطاب. منذ فجر الاستقلال، حاول السودان رسم سياسة خارجية قائمة على مبادئ الصداقة وحسن الجوار مع محيطه العربي، وهو ما تُوج بمشاركته الفاعلة في مؤتمر باندونغ الشهير عام ١٩٥٥، ثم انضمامه رسمياً كعضو في منظمة الأمم المتحدة، وتتويج ذلك كله بالانضمام إلى جامعة الدول العربية في نوفمبر من عام ١٩٥٦.
بذلت الحكومات السودانية المتعاقبة جهوداً حثيثة لإقامة علاقات صداقة متينة مع الجارة الكبرى، مصر، بهدف تعزيز روح التفاهم والتعاون الثنائي، وهو تفاهم ظل صامداً ومستمراً حتى شهر شباط (فبراير) من عام ١٩٥٨. لكن الرياح الإقليمية أتت بما لا تشتهي السفن السودانية؛ فقد بدأت العلاقات في التدهور والانحدار السريع والمفاجئ عندما أقدمت مصر على المطالبة بضم القطاع الشمالي من الأراضي السودانية، وتحديداً المنطقة الواقعة شمال وادي حلفا. تطور الأمر إلى تحرك عسكري فعلي، حيث أُرسلت فرقة من الجيش المصري للتوغل في الجزء الشمالي الشرقي من السودان، وهي المنطقة المعروفة استراتيجياً باسم “حلايب”.
لم يقف السودان مكتوف الأيدي أمام هذا التصعيد، بل رد بتعبئة قواته العسكرية والشعبية في استعراض للقوة، وصعد الموقف دولياً بتقديم شكوى رسمية عاجلة إلى مجلس الأمن الدولي. لم تعد الأمور إلى نصابها وتبرد جبهة الصراع إلا بعد تراجع مصر وموافقتها على التخلي عن مطالبها الإقليمية واللجوء إلى طاولة التفاوض لحل هذا النزاع الحدودي. ولم تكن حلايب هي الجرح الوحيد في جسد العلاقات الثنائية، بل برزت مسألة مياه النيل كنقطة نزاع ثانية وحساسة، حيث اجتمعت كافة الأحزاب السودانية، على اختلاف مشاربها، على تأييد ضرورة إعادة النظر في اتفاقية مياه النيل المجحفة الموقعة في عام ١٩٢٩.
في خضم هذه التقاطعات الإقليمية، كانت آراء وتوجهات حزبي الأمة والشعب الديمقراطي تتسم بالتناقض الصارخ، ليس فقط فيما يخص الخلافات مع مصر، بل امتد التباين ليشمل شكل العلاقة مع قوة عالمية صاعدة هي الولايات المتحدة الأمريكية. سعت واشنطن بكل ثقلها الدبلوماسي والسياسي لسحب الخرطوم إلى فلك ما عُرف آنذاك بـ “مبدأ أيزنهاور”، وبلغ الاهتمام الأمريكي ذروته بقيام نائب الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت، ريتشارد نيكسون، بزيارة رسمية إلى الخرطوم للترويج لهذا المبدأ. وهنا تجلى الانقسام الداخلي؛ إذ اصطف حزب الأمة مؤيداً ومباركاً للموقف والتوجه الأمريكي، في حين وقف حزب الشعب الديمقراطي معارضاً بشدة لفكرة الانضمام إلى هذا الحلف. ولم يتوقف الرفض عند هذا الحد، بل عارض حزب الشعب الديمقراطي مشروع توقيع اتفاقية المعونة الأمريكية، وهي الاتفاقية التي مضى حزب الأمة قدماً في الموافقة عليها وتمريرها في شهر مايو من عام ١٩٥٨.
ترافق هذا التخبط السياسي والانقسام الحاد في التوجهات الخارجية مع أزمة طاحنة على الصعيد الاقتصادي، ليزداد الموقف تدهوراً وسوءاً. فقد ضرب الكساد سوق القطن، وهو العصب الرئيسي للاقتصاد السوداني في ذلك العام، مما أدى بالتبعية إلى إشعال الغضب في الشارع السياسي السوداني. اندلعت الإضرابات وعمت المظاهرات أرجاء البلاد، ووقفت الحكومة الائتلافية عاجزة ومشلولة، ففشلت كافة المحاولات والمساعي الرامية إلى إزالة الخلافات بين أعضاء الحزبين الحاكمين، كما باءت بالفشل محاولات تكوين حكومة قومية عريضة تجمع الاحزاب الرئيسية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
في ظل هذا النفق المظلم، لاحت في الأفق محاولات من قبل الوطنيين الاتحاديين لضم قواهم السياسية والتحالف مع حزب الشعب الديمقراطي، أملاً في تكوين حكومة ائتلافية جديدة تكون هي الثالثة من نوعها. جرت مناقشات وحوارات حزبية مكثفة بين هذين الطرفين انطلقت في شهر أيلول (سبتمبر) من عام ١٩٥٨ واستمرت وتيرتها حتى شهر أكتوبر من العام ذاته، وكان الهدف المعلن هو تسوية الخلافات المتراكمة وإزالة أسباب الفرقة لتعبيد الطريق نحو الحكم. ومع اقتراب موعد الدورة البرلمانية الجديدة التي كان من المزمع عقدها في السابع عشر من نوفمبر ١٩٥٨، بات من الواضح والجلي للمراقبين أن هذه الدورة ستتمخض لا محالة عن ولادة حكومة ائتلافية جديدة تجمع الحزب الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي، مما يعني تلقائياً انهيار وحل الائتلاف غير الطبيعي والقلق الذي كان قائماً بين حزبي الأمة والشعب الديمقراطي.
هذه الخلفية التاريخية المتشابكة، المليئة بالصراعات الحزبية، والأزمات الاقتصادية، والتدخلات الإقليمية، مثلت المسرح المثالي والتربة الخصبة لوقوع حدث سيغير وجه السودان لعقود قادمة. ومن هنا، ومن قلب هذه الفوضى، يفتح الكتاب نوافذ الوثائق البريطانية ليرى القارئ كيف كانت أعين لندن وواشنطن تراقب هذا المشهد العبثي، وكيف تدخلت، أو خططت للتدخل، في إكمال الحلقات المفقودة ورسم تفاصيل الانقلاب العسكري المنتظر الذي قاده الفريق إبراهيم عبود.
هندسة الصمت.. كواليس ليلة تسليم المفاتيح العسكرية
لا يمكن فهم ليلة السابع عشر من نوفمبر ١٩٥٨ بمعزل عن المناورات السرية التي جرت في الغرف المغلقة، حيث تحولت الديمقراطية الوليدة في السودان إلى كبش فداء في سوق الحسابات الحزبية الضيقة والمخاوف الإقليمية المتعاظمة. في هذا الجزء من مراجعتنا لكتاب “السودان في الوثائق البريطانية: انقلاب الفريق إبراهيم عبود”، يرفع الدكتور وليد محمد سعيد الأعظمي الستار عن واحدة من أكثر الحقائق إثارة للجدل في التاريخ السياسي السوداني الحديث، وهي أن الانقلاب العسكري الأول في السودان لم يكن تحركاً تمرداً من ضباط ثائرين في ثكناتهم، بل كان عملية “تسليم وتسلم” جرت برضا ومباركة، بل وبتخطيط من رأس السلطة التنفيذية المدنية نفسها؛ رئيس الوزراء عبد الله خليل.
خيار شمشون وأزمة رئيس الوزراء
تكشف الوثائق البريطانية التي استند إليها المؤلف عن الحالة النفسية والسياسية التي كان يعيشها عبد الله خليل، رئيس الوزراء وسكرتير عام حزب الأمة، في أسابيعه الأخيرة في السلطة. فقد وجد الرجل نفسه محاصراً بين مطرقة الانهيار الاقتصادي الناتج عن أزمة تسويق القطن، وسندان التحالف الوشيك بين الحزب الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي، وهو التحالف الذي كان سيعني حتماً إقصاء حزب الأمة عن الحكم وإلقاءه في صفوف المعارضة. بالنسبة لعبد الله خليل، لم يكن هذا التحالف مجرد خسارة لكرسي رئيس الوزراء، بل كان يرى فيه تهديداً وجودياً لكيان السودان واستقلاله، إذ كان يعتقد جازماً أن أي حكومة يسيطر عليها الوطني الاتحادي والختمية ستكون لقمة سائغة للنفوذ المصري المتصاعد بزعامة جمال عبد الناصر، وهو نفوذ كان خليل يوجس منه خيفة ويرى فيه محاولة لابتلاع السيادة السودانية.
أمام هذا الأفق المسدود، بدأ رئيس الوزراء يفكر فيما يمكن تسميته “خيار شمشون”، أي هدم المعبد الديمقراطي بأكمله على رؤوس الجميع بدلاً من تسليم السلطة لخصومه السياسيين وللنفوذ الإقليمي الذي يخشاه. وتشير المراسلات السرية للسفارة البريطانية في الخرطوم إلى أن عبد الله خليل بدأ يلمح لمقربين منه، ولبعض الدبلوماسيين الغربيين، بأن الجيش هو القوة الوحيدة المتبقية القادرة على إنقاذ البلاد من الفوضى السياسية ومن “الابتلاع” الخارجي. ولم يقف الأمر عند حدود التلميح، بل تحول إلى تنسيق وتخطيط فعلي قاده خليل بنفسه مع قيادات الجيش السوداني، وتحديداً مع الفريق إبراهيم عبود القائد العام للقوات المسلحة، واللواء أحمد عبد الوهاب، الرجل القوي في الجيش وأحد المقربين عقائدياً وسياسياً من توجهات حزب الأمة.
الترتيبات جرت بدقة متناهية خلف جدار سميك من السرية؛ حيث تم الاتفاق على أن يقوم الجيش بتحركه العسكري قبل ساعات قليلة من انعقاد الدورة الجديدة للبرلمان، لقطع الطريق تماماً على الإعلان المتوقع للائتلاف الحكومي الجديد. كان الهدف المشترك بين رئيس الوزراء والقيادة العسكرية هو إحداث صدمة سياسية تشل حركة الأحزاب المنافسة وتضع الجميع أمام الأمر الواقع، تحت لافتة عريضة هي “حفظ الأمن وحماية استقلال البلاد”.
ليلة الهبوط الهادئ وعتمة الخرطوم
عندما انتصف ليل السادس عشر من نوفمبر ١٩٥٨، كانت عاصمة المقرن تغط في نوم عميق، لم يقطعه دوي رصاص أو جلبة آليات عسكرية غير معتادة. يعيد الكتاب رسم تفاصيل تلك الليلة بأسلوب يمزج بين التوثيق الصارم والإثارة الصحفية؛ إذ تحركت وحدات مختارة من الجيش السوداني من ثكناتها في الخرطوم بحري وأم درمان صوب الأهداف الاستراتيجية المرسومة لها بدقة. شملت الخطة السيطرة على مبنى الإذاعة والتلفزيون في أم درمان، ومباني الوزارات الرئيسية، ومقر القيادة العامة، ومحولات الكهرباء، والخطوط البرقية والهاتفية.
المثير في تفاصيل هذا التحرك، كما تنقله التقارير البريطانية، هو الغياب التام لأي مظهر من مظاهر المقاومة أو الاحتجاج. لم تكن هناك خطط دفاعية من قبل الحكومة، ببساطة لأن رئيس الحكومة هو من فتح الأبواب. تحركت القوات العسكرية واستقرت في مواقعها بسلاسة تامة، لدرجة أن السواد الأعظم من سكان العاصمة لم يعلموا بالانقلاب إلا بعد استيقاظهم في صباح اليوم التالي على أصوات المارشات العسكرية تنبعث من أجهزة الراديو. ويسجل السفير البريطاني في برقيته إلى لندن مشاعر الدهشة من هذا الانقلاب “النظيف والبارد” الذي لم تُرق فيه قطرة دم واحدة، ولم تُطلق فيه رصاصة واحدة، مما جعله أشبه بعملية إدارية لنقل السلطة أكثر منه انقلاباً عسكرياً تقليدياً.
مع خيوط الفجر الأولى ليوم السابع عشر من نوفمبر، تلا الفريق إبراهيم عبود بيانه الأول عبر أثير الإذاعة السودانية. جاء البيان، كما حلله الدكتور الأعظمي، مغلفاً بلغة وطنية اعتذارية تبريرية؛ حيث وجّه عبود انتقادات لاذعة للسياسيين والأحزاب، متهماً إياهم بالجري وراء المصالح الشخصية والحزبية الضيقة، وتدمير اقتصاد البلاد، والفشل في الحفاظ على الاستقرار، والزج بالسودان في أتون صراعات إقليمية ودولية لا طائل منها. وأعلن عبود في بيانه إلغاء الدستور المؤقت، وحل البرلمان، وحظر كافة الأحزاب السياسية، ومنع التجمعات والمظاهرات، وفرق الطوارئ، معلناً تشكيل “المجلس الأعلى للقوات المسلحة” لإدارة شؤون البلاد برئاسته.
قراءة في الدوافع الدبلوماسية وخفايا الرضا البريطاني
ينتقل الكتاب بعد ذلك لمراقبة ردود الفعل الفورية في أروقة السفارات الأجنبية بالخرطوم، وبشكل خاص السفارة البريطانية التي كانت تتابع الأوضاع بعدسات مكبرة. تظهر الوثائق أن الدبلوماسية البريطانية، رغم إعرابها علناً عن أسفها لتعطل المسار الديمقراطي في بلد نال استقلاله حديثاً تحت رعايتها، كانت في الواقع تشعر بنوع من الارتياح الضمني لهذا التحول. كانت لندن تخشى، مثلها مثل عبد الله خليل، من أن يؤدي صعود الائتلاف الموالي لمصر إلى تحويل السودان إلى قاعدة خلفية للسياسات الناصرية التي كانت تخوض آنذاك حرباً باردة وساخنة ضد المصالح البريطانية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا سيما بعد أزمة السويس عام ١٩٥٦.
لذلك، جاءت التقارير الأولية التي أرسلها السفير البريطاني، سير إدوين تشابمان آندروز، إلى وزارة الخارجية في لندن، لتطمئن الحكومة البريطانية بأن القيادة العسكرية الجديدة بقيادة الفريق عبود واللواء أحمد عبد الوهاب هي قيادة معتدلة، عقلانية، وتحمل وداً تاريخياً تجاه بريطانيا. ووصف السفير عبود بأنه رجل مستقيم وغير مسيس، وأن تحركه جاء كإجراء وقائي لمنع انزلاق البلاد نحو الفوضى أو الارتماء التام في الأحضان المصرية. هذا التقييم الإيجابي جعل لندن تسرع، بالتنسيق مع واشنطن، في دراسة سبل تقديم الدعم الاقتصادي والسياسي للنظام العسكري الجديد لضمان استقراره وتثبيت أقدامه في مواجهة أي ضغوط إقليمية مضادة.
يكشف هذا الفصل من الكتاب كيف أن المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى تقاطعت في تلك اللحظة التاريخية مع طموحات العسكر ومخاوف بعض السياسيين المدنيين، ليصنعوا معاً مشهداً تراجيدياً انتهت فيه التجربة الديمقراطية الأولى للسودان قبل أن تكمل عامها الثالث، وتبدأ حقبة جديدة من حكم البزة العسكرية التي ستترك بصماتها العميقة على مستقبل البلاد السياسي والاقتصادي لعقود طويلة قادمة.
ارتياح في الغرب وهواجس في الشرق
تكشف الوثائق البريطانية، وبجلاء تام، أن الانقلاب العسكري لم يكن مفاجأة صاعقة للدوائر الغربية، بل لعلماء السياسة أن يصفوه بأنه كان “مفاجأة سارة” إلى حد بعيد. في لندن وواشنطن، ساد شعور بالارتياح العميق لأن التحرك العسكري بقيادة الفريق إبراهيم عبود قطع الطريق، في اللحظة الأخيرة، على قيام حكومة ائتلافية كانت ستضم الحزب الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي، وهي حكومة كان الغرب ينظر إليها بعين الريبة والشك، ويعتبرها بوابة مشرعة لتمدد النفوذ المصري، ومن خلفه النفوذ السوفييتي، في عمق القارة الأفريقية.
تنقل التقارير البريطانية المحفوظة في الأرشيف كيف سارعت الصحافة الأمريكية والبريطانية إلى تلقف الحدث وتأطيره بما يخدم الرؤية الغربية. فقد أشارت تقارير كبريات الصحف مثل “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” إلى أن الانقلاب كان نتيجة حتمية للفساد السياسي، وفشل الديمقراطية البرلمانية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية. لكن الأهم من ذلك، هو إبراز الصحافة الغربية للانقلاب باعتباره ضربة استباقية ضد طموحات الرئيس المصري جمال عبد الناصر في السودان. اعتبرت واشنطن أن حكومة الفريق عبود، التي ضمت شخصيات عسكرية محافظة وتكنوقراط، ستكون أكثر استجابة لمشاريع المعونة الأمريكية وأقل تأثراً بالمد القومي الراديكالي الذي كان يعصف بالمنطقة العربية آنذاك.
على النقيض تماماً، توضح الوثائق كيف كان المشهد في العاصمة السوفييتية موسكو. لم تبتلع القيادة السوفييتية الطعم، ونظرت إلى الانقلاب منذ اللحظة الأولى بعين التوجس والعداء المبطن. تابعت السفارة البريطانية في موسكو ردود أفعال الصحافة السوفييتية، مثل وكالة “تاس” وصحيفة “برافدا”، التي رأت في الحدث تحركاً يمينياً رجعياً مدعوماً من الدوائر الإمبريالية الغربية لإجهاض التقدم الديمقراطي في السودان ولإبقاء البلاد رهينة للمصالح الاقتصادية والعسكرية الغربية. كان هذا التخندق السوفييتي متوقعاً، لا سيما مع الإجراءات الصارمة التي اتخذها النظام الجديد فور تسلمه السلطة ضد الحزب الشيوعي السوداني والحركة النقابية العمالية.
أما في تل أبيب، فترصد وثيقة بالغة الأهمية ملامح الموقف الإسرائيلي عبر محادثة جرت بين السفير البريطاني هناك والمدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية. أظهر التقييم الإسرائيلي المبدئي نوعاً من الحذر، لكنه سرعان ما تحول إلى ارتياح مبطن، إذ اعتبرت إسرائيل أن صعود نجم العسكر في الخرطوم، خاصة مع وجود اللواء أحمد عبد الوهاب الذي كان يراه الإسرائيليون خصماً لدوداً للتوجهات الناصرية، يمثل حجر عثرة أمام محاولات مصر دمج السودان في استراتيجيتها الإقليمية الرامية لتطويق إسرائيل وعزلها في محيطها الأفريقي.
سياسة خارجية جديدة.. توازنات على حافة الهاوية
أدرك الفريق إبراهيم عبود ومجلسه العسكري أن تثبيت أركان النظام داخلياً يتطلب انتزاع اعتراف دولي سريع ومريح. ولذلك، سارع النظام في أيامه الأولى إلى إصدار بيانات تفصيلية ترسم ملامح سياسته الخارجية. يوثق الكتاب كيف صاغ العسكر خطاباً دبلوماسياً بالغ الحذر والذكاء، يهدف إلى طمأنة الجميع في الداخل والخارج. أعلن النظام الجديد التزامه التام بكافة المواثيق والاتفاقيات الدولية التي أبرمتها الحكومات السابقة، وأكد تمسكه العضوي بميثاق الأمم المتحدة وميثاق جامعة الدول العربية.
لكن الرسالة الأهم في بيان السياسة الخارجية كانت موجهة شطرين؛ الأول نحو الغرب، من خلال إعلان الترحيب غير المشروط برأس المال الأجنبي والقروض والمساعدات الخارجية، شريطة ألا تنتقص من السيادة الوطنية، وهو ما كان بمثابة ضوء أخضر لقبول المعونة الأمريكية التي كانت مثار جدل عقيم أسقط الحكومات السابقة. والشطر الثاني كان موجهاً نحو الجارة الشمالية، مصر، حيث أكد البيان على رغبة السودان العميقة في إزالة الجفاء المصطنع وحل كافة المشاكل المعلقة بين البلدين، وفي مقدمتها عقدة مياه النيل، عبر الحوار الأخوي الصريح. كان هذا التوجه يرمي إلى سحب ذرائع الهجوم من الآلة الإعلامية المصرية الضخمة، وضمان عدم تدخل القاهرة لدعم المعارضة في الداخل السوداني.
وبهذه المناورات الدبلوماسية، حصد النظام العسكري اعترافاً دولياً سريعاً ومتتابعاً من بريطانيا، والولايات المتحدة، والعديد من الدول الغربية والعربية، ليتجاوز بذلك أهم عقبة تواجه أي انقلاب عسكري في أيامه الأولى.
المفارقة الكبرى: صمت السياسيين ومباركة “الزعيمين”
إذا كانت ردود الأفعال الدولية مفهومة ومحكومة بلغة المصالح، فإن ما يصدم القارئ في ثنايا الوثائق البريطانية هو الانهيار السريع، بل والاستسلام الطوعي، للقوى السياسية المدنية في الداخل السوداني أمام زحف الدبابات. لم تواجه قرارات الفريق عبود بحل الأحزاب وإلغاء الدستور بأي مقاومة شعبية أو سياسية تذكر في الأيام الأولى، باستثناء بعض التململ الخفي.
اللحظة الأكثر دراماتيكية والتي يسلط عليها الدكتور الأعظمي الضوء، هي صدور بيانات التأييد والمباركة من أهم شخصيتين دينيتين وسياسيتين في البلاد: السيد عبد الرحمن المهدي، راعي حزب الأمة وزعيم طائفة الأنصار، والسيد علي الميرغني، زعيم طائفة الختمية وراعي حزب الشعب الديمقراطي. في خطوة أذهلت المراقبين ووجهت ضربة قاضية لأي أمل في استعادة الديمقراطية، أصدر الزعيمان بيانات رسمية منفصلة رحبا فيها بـ “العهد الجديد”، وناشدا الجماهير الهدوء والطاعة لرجال القوات المسلحة الذين “أنقذوا البلاد من الفوضى والانهيار”.
كيف يمكن تفسير هذا الموقف الذي يبدو انتحاراً سياسياً؟ تجيب الوثائق البريطانية بوضوح: بالنسبة للسيد عبد الرحمن المهدي، كان الانقلاب، كما سلف الذكر، هندسة خالصة من صنيعة رجله الأول ورئيس وزرائه عبد الله خليل. لقد اختار المهدي التضحية بالشكل الديمقراطي البرلماني لضمان بقاء السلطة الفعلية في أيدي جنرالات يدينون بالولاء الخفي لحزب الأمة، وتحديداً اللواء أحمد عبد الوهاب، وبالتالي منع وصول خصومه في الاتحادي الديمقراطي إلى مقاعد الحكم.
أما بالنسبة للسيد علي الميرغني، فقد فضل الرجل، بحكم طبيعته المحافظة وحساباته المعقدة، الركون إلى القوة العسكرية المنظمة التي تعد بالاستقرار، بدلاً من المغامرة في ائتلافات سياسية متقلبة قد تضر بمصالحه الطائفية والاقتصادية. وبهاتين المباركتين، حصل النظام العسكري على أقوى غطاء ديني واجتماعي ممكن، مما أصاب القيادات الحزبية الأخرى، كإسماعيل الأزهري، بصدمة وشلل مؤقت جعله يلتزم الصمت والمراقبة الحذرة في منزله دون أن يصدر عنه أي تصريح مناوئ في تلك الأيام الحرجة.
المعارضة المقموعة والمطاردة الصامتة
بينما كان الزعيمان التقليديان يمنحان النظام شرعية روحية، كان سيف العسكر يتدلى على أعناق من اعتبروهم الخطر الحقيقي والفعلي: القوى اليسارية والحركة النقابية. يشير الكتاب، استناداً لتقارير الاستخبارات والدبلوماسيين، إلى أن الضربة الأولى والأعنف للانقلاب وجهت لتفكيك البنية التحتية للحزب الشيوعي السوداني، الذي كان يتمتع بتنظيم دقيق ونفوذ واسع في أوساط العمال والطلبة. شُنت حملات اعتقال واسعة طالت قيادات الحزب والنقابات، وعُطلت صحفهم، ومُنعوا من أي نشاط تنظيمي، في محاولة لاستئصال القوة الوحيدة التي كانت تمتلك القدرة الجماهيرية والإرادة الأيديولوجية لمقارعة النظام العسكري الوليد وإفشال مشروعه منذ المهد.
لقد رسمت الأيام والأسابيع الأولى لانقلاب الفريق إبراهيم عبود لوحة شديدة التعقيد لبلد سقط في فخ التجاذبات المزدوجة؛ تآمر النخب في الداخل، وانتهازية العواصم الكبرى في الخارج. وفي وسط هذا المشهد، وُئدت التجربة الديمقراطية، لتشرع الأبواب أمام فصل جديد من تاريخ السودان، فصل سيكتشف فيه العسكر قريباً أن إدارة الدولة تختلف جذرياً عن إصدار الأوامر في ساحات التدريب.
الإنقلاب :الدعاوي و التبعات
بسطت الدبابات سيطرتها على شوارع الخرطوم في ذلك الصباح الخريفي، لكن المعركة الحقيقية كانت تُحسم في الأثير وعلى صفحات الجرائد الرسمية التي سرعان ما أُجبرت على الصمت. لم يضيع الفريق إبراهيم عبود ورفاقه الكثير من الوقت في تأمل انتصارهم السهل والخالي من إراقة الدماء، بل سارعوا فوراً إلى إحكام قبضتهم عبر هندسة قانونية سريعة تجلت في إصدار أوامر دستورية كانت بمثابة شهادة وفاة رسمية للتجربة الديمقراطية الأولى في السودان. وفي خضم تلك الساعات المتسارعة، أعلن المجلس الأعلى للقوات المسلحة نفسه السلطة العليا والمطلقة في البلاد، مستحوذاً على كافة الصلاحيات التشريعية والتنفيذية، ومفوضاً إياها بالكامل لرئيسه الفريق عبود، لتنتقل السيادة بجرة قلم من يد الشعب ومؤسساته المدنية إلى قبضة المؤسسة العسكرية.
ولم تقتصر هندسة السلطة الجديدة على احتكار القرار، بل امتدت لتفكيك البنية السياسية السابقة من جذورها؛ إذ تقرر وبشكل قاطع وقف العمل بالدستور المؤقت، وحل البرلمان، وتجريد الحياة السياسية من حيويتها عبر حل جميع الأحزاب وحظر التجمعات والمظاهرات، بل وتعطيل الصحف ووكالات الأنباء لفرض عزلة إعلامية تامة ريثما تستقر الأمور. وفي تبريره لهذه الإجراءات الاستثنائية القاسية، استند الفريق عبود في خطابه إلى الجماهير إلى حالة التردي التي بلغتها البلاد، واصفاً إياها بالانحدار نحو حافة الهاوية نتيجة الفساد السياسي والمكايدات الحزبية التي باتت تهدد أمن السودان وتفتح الباب واسعاً أمام التدخلات الأجنبية.
وبينما كانت واجهات النظام تتشكل، بدت التشكيلة الوزارية الجديدة انعكاساً دقيقاً لتوازنات القوة الخفية التي هندست الانقلاب. فقد هيمن العسكريون على المفاصل السيادية؛ فإلى جانب رئاسة الفريق عبود للمجلس والوزارة والدفاع، برز اسم اللواء أحمد عبد الوهاب كحاكم فعلي ورجل قوي يمسك بحقيبتي الداخلية والحكم المحلي، وهو تعيين لم يكن بمعزل عن الانتماءات الروحية والسياسية، إذ كان الرجل معروفاً بولائه لطائفة الأنصار ومقرباً من الدوائر التي خططت لإسقاط النظام البرلماني. ورغم هذه الصبغة العسكرية الصارمة، أدرك العسكر حاجتهم الماسة للخبرات المدنية لتسيير دواليب الدولة، فطعّموا حكومتهم بوجوه تكنوقراطية بارزة مثل السيد زيادة أرباب الذي تولى العدل والتربية، والسيد عبد المجيد أحمد الذي أُسندت إليه مهام الاقتصاد والتجارة، في محاولة ذكية لإضفاء مسحة من الكفاءة الإدارية وطمأنة النخب المدنية بأن تسيير شؤون الحياة اليومية لن يتعطل.
إلا أن هذه الطمأنة لم تكن لتشمل الجميع، فقد أدرك النظام العسكري الوليد أن الخطر الحقيقي على استقراره لا يكمن في الأحزاب التقليدية التي استسلمت لقدرها أو باركت التحرك العسكري، بل في القوى الراديكالية واليسارية التي تمتلك القدرة على تحريك الشارع وتأليب الجماهير. ووفقاً للوثائق البريطانية، لم يتأخر العسكر في توجيه ضربة استباقية قاصمة للحزب الشيوعي السوداني والحركة النقابية؛ حيث شُنت حملات اعتقال واسعة طالت القيادات العمالية والنشطاء السياسيين تحت غطاء قوانين الطوارئ، وتم إخماد الأصوات المعارضة التي حاولت تنظيم إضرابات أو إصدار بيانات تندد بالانقلاب، وهو تحرك قوبل بارتياح بالغ في الدوائر الدبلوماسية الغربية التي كانت تعتبر الشيوعيين التهديد الأبرز لمصالحها في السودان. وامتدت موجة الرفض الصامتة إلى أسوار جامعة الخرطوم، حيث أبدى الطلبة معارضة مبكرة لحكم العسكر، فعقدوا الاجتماعات وأعلنوا عن عزمهم التصدي للحكومة الجديدة، مما دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات صارمة لتهدئة الأوضاع داخل الحرم الجامعي وتحذير الطلاب من مغبة التدخل في الشأن السياسي.
على التوازي مع هذه القبضة الأمنية الداخلية، كان النظام يخوض معركة أخرى لا تقل ضراوة على جبهة السياسة الخارجية، مستهدفاً انتزاع اعتراف دولي سريع يشرعن وجوده. صيغ بيان السياسة الخارجية بعناية فائقة ليعكس نهجاً براغماتياً يتجاوز الاستقطابات الحادة؛ فأعلن السودان التزامه المطلق بمواثيق الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومقررات مؤتمر باندونغ، لكنه في الوقت ذاته فتح ذراعيه صراحة للغرب مرحباً بالمساعدات والقروض الأجنبية، في إشارة لا تخطئها العين لإنهاء الجدل الذي أسقط الحكومات السابقة حول قبول المعونة الأمريكية. ولتأمين جبهته الشمالية، وجّه النظام رسائل ودية مكثفة نحو مصر، معرباً عن رغبته الصادقة في طي صفحة الخلافات وحل أزمة مياه النيل المعقدة، وإزالة الحواجز الاصطناعية التي عكرت صفو العلاقات، وهو تكتيك دبلوماسي ناجح أثمر عن اعترافات دولية متتالية وأجهض أي محاولة لفرض عزلة خارجية على الخرطوم.
وفي عمق هذا المشهد المترامي الأطراف، تبرز الوثائق البريطانية، وتحديداً تقرير السفير السير إدوين تشابمان آندروز المحرر في أواخر ديسمبر، لتميط اللثام عن اللغز الأكبر في هذه الرواية: الدوافع النفسية والسياسية الحقيقية التي دفعت رئيس الوزراء المدني عبد الله خليل لتسليم السلطة طواعية للجيش. لم يكن قرار خليل وليد اللحظة، بل كان تتويجاً لحالة من اليأس العميق والشعور بالانسداد التاريخي؛ فقد كان يراقب بأم عينيه كيف يتهاوى النظام البرلماني تحت وطأة الفساد وانعدام الكفاءة والمكايدات الحزبية التي جعلت من استمرار الحكم المدني ضرباً من العبث. وتعمقت مأساة الرجل مع الانهيار الاقتصادي المريع الذي ضرب البلاد جراء الفشل الذريع في تسويق محصول القطن، وهو الفشل الذي أفرغ خزائن الدولة وجعلها تقف على حافة الإفلاس التام.
غير أن الرعب الحقيقي الذي سيطر على عقل عبد الله خليل، ودفعه لارتكاب ما يشبه الانتحار السياسي، كان يكمن في المشهد الحزبي المتشابك؛ فقد بات يرى شبح ائتلاف حكومي جديد يتشكل بين حزبه “الأمة” والحزب “الوطني الاتحادي”، وهو تحالف كان يمقت فكرته من الأساس، معتقداً بيقين أن عودة خصمه اللدود إسماعيل الأزهري للسلطة عبر هذا الائتلاف ستعني بالضرورة ارتماء السودان في أحضان النفوذ المصري، وهو ما كان يعتبره تفريطاً غير مقبول في الاستقلال الوطني. وزاد من تعقيد موقفه التخبط الداخلي في أروقة حزبه، ومساعي زعيمه الروحي السيد عبد الرحمن المهدي الحثيثة والمكشوفة للترشح لرئاسة الجمهورية، وهي طموحات رأى خليل أنها ستزيد من تمزق النسيج السياسي. أمام هذه العواصف العاتية التي تجمعت في أفق الخرطوم، اختار عبد الله خليل أن يكون هو مهندس نهايته ونهاية التجربة الديمقراطية برمتها، مسلماً مفاتيح البلاد لقيادة عسكرية يثق بولائها الخفي لتوجهاته، مفضلاً حكم البزة العسكرية على رؤية خصومه السياسيين يتوجون على عرش السلطة.
المقاومة الخفية وصناعة شرعية الأمر الواقع
في الوقت الذي كانت فيه الإذاعة السودانية تبث أناشيد النصر العسكري، وكانت العواصم الغربية تتبادل برقيات التهنئة المبطنة بنجاح “التسليم السلس” للسلطة، كانت هناك شوارع خلفية في الخرطوم تغلي برفض صامت سرعان ما وجد طريقه للتعبير عن نفسه.
إذ لم يكن الهدوء الذي خيم على العاصمة في صبيحة السابع عشر من نوفمبر ١٩٥٨ هدوءاً يعكس الإجماع، بل كان صدمة استثمرها العسكر لتثبيت أقدامهم. غير أن الوثائق البريطانية تكشف أن هناك قوة سياسية واحدة لم تبتلع الطعم ولم تستسلم للصدمة، وهي الحزب الشيوعي السوداني. تشير تقارير الاستخبارات المرفقة في الكتاب إلى أن الشيوعيين كانوا أول من أدرك خطورة التحرك العسكري، وفي نفس اليوم الذي أُعلن فيه الانقلاب، تحدوا حظر التجوال وقوانين الطوارئ، وبادروا بتوزيع منشورات سرية في أرجاء العاصمة. وصفت هذه المنشورات ما حدث بأنه ليس إنقاذاً للبلاد، بل هو تأسيس لـ “دكتاتورية عسكرية” هدفها الأول والأخير هو تصفية الحركة الديمقراطية الجماهيرية وتجريد النقابات من مكاسبها، معتبرين أن الانقلاب هو امتداد لمصالح القوى الاستعمارية الغربية التي أزعجها تنامي الوعي العمالي والنقابي في السودان.
لم تتسامح السلطة العسكرية الجديدة مع هذا التحدي السافر الذي يهدد روايتها الرسمية، فجاء الرد سريعاً وباطشاً. توثق برقيات السفارة البريطانية حملات المداهمة الشرسة التي شنتها قوات الشرطة العسكرية على منازل القيادات الشيوعية واليسارية في منتصف الليل. تم اعتقال العشرات من الرموز السياسية والنقابية البارزة، من أمثال حسن الطاهر زروق، واقتيدوا إلى السجون دون محاكمات، في رسالة ترهيب واضحة لكافة القوى المدنية بأن سيف العسكر مشرع ولن يرحم كل من يحاول تعكير صفو “العهد الجديد”. وقد تابعت السفارة البريطانية هذه الاعتقالات بارتياح بالغ، إذ كانت لندن ترى في تنامي النفوذ الشيوعي في السودان تهديداً مباشراً لمصالحها الاستراتيجية في وادي النيل.
لم تقتصر المقاومة المبكرة على الكوادر الحزبية المتمرسة، بل امتدت شرارتها لتشعل أسوار جامعة الخرطوم، التي لطالما كانت مقياساً للنبض السياسي للشارع السوداني. يورد الكتاب تقريراً بالغ الأهمية رفعه السفير البريطاني في الثامن من ديسمبر ١٩٥٨، يرصد فيه تململ الحركة الطلابية وتصاعد غضبها إزاء مصادرة الحريات السياسية. تحدى الطلبة الأوامر العسكرية وعقدوا اجتماعات حاشدة داخل الحرم الجامعي، أعلنوا فيها رفضهم القاطع للدكتاتورية وشرعوا في التخطيط لإضراب شامل. أزعج هذا الحراك السلطات العسكرية التي سارعت إلى تجميد نشاط اتحاد الطلبة والتلويح بإغلاق الجامعة، في محاولة لاحتواء هذا المارد الشاب قبل أن يخرج إلى الشوارع ويلتحم مع الجماهير.
وبينما كان النظام يحكم قبضته الأمنية في الداخل، كانت معركته الحقيقية تدور في أروقة الدبلوماسية الدولية لضمان استمرار تدفق الدعم وتثبيت شرعيته. وتكشف الوثائق بوضوح كيف تحول السودان إلى مادة دسمة للنقاش في أروقة منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو). في برقية سرية من الوفد البريطاني في باريس بتاريخ ١٩ نوفمبر، دار نقاش حول مدى ولاء النظام الجديد للغرب، ونُقل عن أحد الدبلوماسيين الإنجليز تعليقه الساخر والعميق في آن واحد بأن “رئيس الوزراء وقائد الانقلاب في السودان أصبحا أكثر إنجليزية من الإنجليز أنفسهم”. يعكس هذا التعليق حجم الاطمئنان الغربي لتوجهات حكومة عبود، التي رأوا فيها حصناً منيعاً ضد التمدد الناصري والتغلغل السوفييتي.
وتُرجم هذا الارتياح الغربي سريعاً إلى خطوات عملية؛ فقد أظهرت الصحافة الأمريكية، وعلى رأسها “واشنطن بوست” و”نيويورك تايمز”، ترحيباً غير مسبوق بالانقلاب، معتبرة إياه هزيمة للدكتاتور المصري جمال عبد الناصر وصفعة لطموحاته في السيطرة على مياه النيل. وعلى الضفة الأخرى، عبرت موسكو عن امتعاضها الشديد، حيث نشرت صحيفة “برافدا” السوفييتية تحليلات تعتبر ما جرى انقلاباً رجعياً مدعوماً من الإمبريالية. وفي خضم هذا الاستقطاب، لم تضيع بريطانيا الوقت، بل بدأت وزارة الخارجية في لندن في أواخر نوفمبر بدراسة خطط لتقديم شحنات من الأسلحة والمعدات كـ “هدية” عاجلة للجيش السوداني، بهدف ضمان ولائه الدائم وقطع الطريق على أي محاولات مصرية أو سوفييتية لاختراق المؤسسة العسكرية السودانية عبر صفقات التسليح.
وفي سياق مساعيه لكسر صورته النمطية كجنرال صارم، ولمخاطبة الرأي العام الإقليمي والدولي بلغة ناعمة، يورد الكتاب تفاصيل حوار صحفي مطول واستثنائي أجراه الفريق إبراهيم عبود مع وكالة الأنباء العربية والصحفي الهندي براكاش جاندرا في ديسمبر ١٩٥٨، والذي عُرف بـ “حوار الأربعين سؤالاً”. في هذا الحوار، حاول عبود رسم صورة إنسانية وحكيمة لنفسه ولنظامه؛ فأجاب بصبر على أسئلة تتراوح بين سياسات الدولة الكبرى وتفاصيل حياته الشخصية. نفى عبود بشدة أن يكون انقلابه موجهاً ضد الديمقراطية، مؤكداً أنه اضطر للتدخل لإنقاذ البلاد من الفساد والمحسوبية، وأن الجيش سيعود إلى ثكناته متى ما استقرت الأمور.
حرص قائد الانقلاب في إجاباته على إرسال تطمينات لكل الأطراف؛ فأكد تمسكه بالحياد الإيجابي، وأعلن استعداده لقبول المساعدات الخارجية والأمريكية شريطة ألا تمس بالسيادة الوطنية، وفي محاولة لتبريد الجبهة مع القاهرة، تحدث بنبرة تصالحية عن أزمة مياه النيل، مؤكداً أن الحوار الهادئ هو السبيل الوحيد للوصول إلى اتفاق يرضي الطرفين. ولم يخلُ الحوار من لمسات شخصية، حيث صرح بأنه رجل يميل إلى الانضباط، يصحو مبكراً، ويقضي وقت فراغه في القراءة، خاصة قراءة كتب التاريخ والتراث الإسلامي، وأنه لا يدخن ولا يشرب الخمر، في محاولة واضحة لمغازلة الوجدان الشعبي المحافظ وإضفاء مسحة من الوقار الأبوي على زعامته الطارئة.
في ختام هذه الرحلة نجد أنفسنا أمام وثيقة تاريخية بالغة الأهمية تفكك الكثير من الأساطير التي أحاطت بأول انقلاب عسكري في تاريخ السودان. فدبابات السابع عشر من نوفمبر لم تتحرك في فراغ، بل انزلقت على طريق مهده السياسيون المدنيون أنفسهم عندما غلبوا المصالح الحزبية والطائفية الضيقة على مصلحة البناء الديمقراطي. إن المأساة الحقيقية التي ترويها هذه الوثائق لا تكمن فقط في استيلاء العسكر على السلطة، بل في تخلي النخبة المدنية، وعلى رأسها رئيس الوزراء عبد الله خليل، عن الديمقراطية وتسليمها طواعية كقربان لتبديد مخاوف جيوسياسية وإقليمية. وهكذا، لم يكن انقلاب عبود سوى الفصل الأول في مسرحية طويلة ومؤلمة من الانقلابات العسكرية التي ستظل تعصف بالسودان، تاركة وراءها شعباً يدفع في كل مرة ثمن تآمر نُخبه وتلاعب القوى الكبرى بمصيره.




