تاريخ عاطفي للشك: كيف مهدت المشاعر، لا العقول، طريق الإلحاد في الغرب؟

في رائعة جون بونيان الكلاسيكية “رحلة الحاج” (The Pilgrim’s Progress)، يلتقي الصديقان “مسيحي” و”متفائل” برجل يُدعى “مُلحد” (Atheist) في طريقهما للبحث عن الجنة. وبمجرد أن يخبراه عن وجهتهما، ينفجر الرجل في ضحك هستيري ساخر، ناعتاً إياهما بالجهل لخوضهما رحلة شاقة نحو مكان “لا وجود له إلا في الأحلام”. يواصل الصديقان طريقهما ويسدان آذانهما عن كلماته، لكن بونيان كان يدرك تماماً، وهو يكتب نصه في سبعينيات القرن السابع عشر، أن تلك الكلمات الساخرة كانت تمتلك جاذبية مرعبة ومغرية. لقد كانت فكرة “الإلحاد” تحوم كشبح فوق الثقافات الغربية التي كانت يوماً ما مسيحية خالصة.
من هذه النقطة الاستهلالية البليغة، ينطلق المؤرخ أليك ريري (Alec Ryrie) في كتابه المثير للتفكير “غير المؤمنين: تاريخ عاطفي للشك” (Unbelievers: An Emotional History of Doubt) لتفكيك واحدة من أرسخ السرديات في التاريخ الحديث: قصة موت الله في الغرب.
وهم البدايات: الإلحاد لم يولد في صالونات التنوير
لعقود طويلة، استقرت في الأذهان سردية نمطية تقول إن الإلحاد وتراجع الدين في الغرب كانا صنيعة عقول الفلاسفة والعلماء والنخب الفكرية. تقول القصة الشائعة إن الثورة العلمية وعصر التنوير في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بفضل مفكرين من أمثال سبينوزا، وفولتير، وكانط، ووصولاً إلى داروين، قد شنوا هجوماً معرفياً كاسحاً بالمنطق والعلم على حصون الكنيسة، مما جعل الدين تدريجياً مجرد “فرضية زائدة عن الحاجة”.
لكن أليك ريري يرفض هذه السردية، واصفاً إياها بأنها “مغالطة فكرية” (Intellectualist fallacy). فالجداول الزمنية، والمشتبه بهم، وحتى طبيعة “جريمة قتل الإله” (كما وصفها نيتشه)، كلها خاطئة. إن النخب الفكرية تميل دائماً إلى المبالغة في تقدير قوة الأفكار، متوهمة أنها من يصنع طقس التاريخ، بينما في الواقع هي مجرد ركاب متأخرين يحاولون بأثر رجعي تفسير العواصف التي هبت بالفعل.
يطرح الكتاب سؤالاً جوهرياً يقلب المعادلة: ماذا لو أن الناس توقفوا عن الإيمان أولاً، لأسباب عاطفية ونفسية ومجتمعية، ثم وجدوا أنفسهم بحاجة إلى فلاسفة لصياغة حجج عقلانية تبرر هذا التحول الطارئ؟ إن البشر، كما يرى ريري، لا يتخذون خياراتهم الكبرى في الحياة بناءً على عمليات حسابية باردة، بل يتخذونها حدسياً وبكليتهم العاطفية. الإيمان خيار حدسي عاطفي، وكذلك هو “اللاإيمان”.
من هنا، يقدم ريري تاريخاً “عاطفياً” للشك، يتتبع فيه تيارين عاطفيين رئيسيين جرفا يقينيات الغرب: “الغضب” المتدفق ضد سطوة الكنيسة ورجالها، و”القلق” الدفين والمزعج من انهيار اليقين الديني وعجز الفرد عن الحفاظ على إيمانه الداخلي.
عصر الشكوك: غضب العوام وتجديف السكارى
يأخذنا ريري في رحلة إلى العصور الوسطى، التي غالباً ما تُوصف بأنها “عصر الإيمان” المطلق، ليثبت أن الشك كان موجوداً دائماً كهمهمة خافتة، حتى لو لم يمتلك بعد بياناً فلسفياً متماسكاً. لم يكن الإلحاد في تلك الحقبة منظومة فكرية، بل كان أقرب إلى “شائعة” أو شك لا واعي، متجسداً في قصة الكتاب الأسطوري “عن الدجالين الثلاثة” (Of the Three Impostors) الذي زُعم أن الإمبراطور فريدريك الثاني قد ألهمه، والذي وُصف فيه موسى والمسيح ومحمد بأنهم مجرد مخادعين سحروا عقول البشر. ورغم عدم وجود هذا الكتاب فعلياً في تلك الحقبة، إلا أن مجرد تداول عنوانه همساً كان دليلاً على وجود الاستعداد النفسي لرفض المقدس.
يتجلى الغضب كأول محركات الشك في العصور الوسطى من خلال ظاهرة “التجديف”. لم يكن التجديف الفج، الذي تنظر فيه محاكم التفتيش يومياً، مجرد زلة لسان، بل كان تعبيراً عن سخط شعبي تجاه السلطة الكهنوتية، والقيود الأخلاقية الصارمة، وحتى تجاه الإله نفسه الذي يُعتقد أنه يسمح بالمعاناة. عندما يصرخ فلاح إسباني غاضب أو مُقامر خاسر بأن “الله لا شيء” أو يسخر من عقيدة تحول الخبز والخمر إلى جسد المسيح بكلمات لاذعة، فهو لم يكن يقرأ للفلاسفة، بل كان يفرغ شحنة غضب تجاه رجال الدين الذين يستنزفون أمواله. كان هذا الغضب، رغم فجاجته، بداية تشكيل مساحات “علمانية” بدائية، كالحانات وصالات القمار، حيث لا تسري قواعد السماء.
الأطباء والإنسانيون: بذور التمرد الصامت
إلى جانب غضب العوام، كان هناك قلق وشك أكثر برودة يتخلق في غرف الأطباء. يوضح الكاتب كيف ارتبطت مهنة الطب تاريخياً بالشك؛ فالطب الأوروبي استمد جذوره من جالينوس اليوناني الذي لم يؤمن بخلود الروح. كان الأطباء، بطبيعة مهنتهم، يبحثون عن أسباب طبيعية للأمراض (Naturians) ويحاولون تغيير الأقدار بدلاً من الاستسلام لها كـ “إرادة إلهية”. لقد خلق هذا التوجه هوة صامتة بين الطبيب والكاهن، وتجلت في السخرية المبطنة لبعض الأطباء من معجزات الشفاء الكنسية التي اعتبروها مجرد استغلال لجيوب المرضى السذج.
ثم جاءت النهضة الإيطالية لتزيد الطين بلة. لم يقصد الإنسانيون في بداياتهم هدم المسيحية، بل أرادوا إحياء بلاغة روما القديمة. لكن انبهارهم بنصوص مفكرين وثنيين مثل لوكريتيوس، الذي نظر إلى الكون باعتباره تحركاً عشوائياً للذرات وتحدث عن فناء الروح، أدى إلى تسرب أفكار الفلسفة الأبيقورية ببطء إلى التربة الأوروبية.
وتصل هذه النزعة إلى ذروتها البراغماتية مع نيكولو مكيافيلي. ففي كتابه “الأمير”، والمجادلات الأخرى، جرد مكيافيلي الدين من أي قداسة ميتافيزيقية، محولاً إياه إلى مجرد أداة سياسية لترويض الشعوب وبناء الدول. لم يقدم مكيافيلي إلحاداً لاهوتياً، بل قدم ما هو أخطر: الإلحاد العملي النابع من احتقار “سذاجة” الروحانية المسيحية، والاحتفاء بالبراغماتية الباردة التي تعتبر الدين مجرد خدعة مفيدة للحاكم الذكي.
إن هذه الإرهاصات المبكرة من الغضب الشعبي والشك الطبي والانبهار الإنساني، لم تهدم صرح المسيحية في الغرب، بل كانت بمثابة احتكاكات وتوترات يمكن استيعابها ضمن النظام العام. لكن الأمور كانت على وشك أن تتغير جذرياً وبشكل عنيف.
تآكل السلطة: حين كذب الجميع بعضهم البعض
قبل الإصلاح، كانت الكنيسة الكاثوليكية هي المرجع الوحيد للحقيقة. لكن عندما بدأ البروتستانت في مهاجمة روما، استخدموا سلاحاً فتاكاً: “الشك المنهجي”. وصف البروتستانت معجزات الكنيسة الكاثوليكية بأنها “خرافات”، واعتبروا ذخائر القديسين “خدعاً”، وسخروا من عقيدة استحالة الخبز والخمر وصفوها بأنها “أكل لحوم بشر” أو “سحر رخيص”.
رد الكاثوليك بالمثل، فهاجموا مبدأ “الكتاب المقدس وحده” الذي نادى به لوثر، مؤكدين أن غياب سلطة الكنيسة سيؤدي إلى فوضى تأويلية، حيث سيصنع كل فرد “إلهاً” على مقاسه. يوضح ريري أن هذا القصف المتبادل بين الطرفين أدى إلى نتيجة لم يتوقعها أحد: لقد تعلم العوام كيف “يشكون”. عندما يقضي الناس عقوداً وهم يسمعون السلطات الدينية تكذب بعضها البعض، فإن النتيجة المنطقية ليست انحيازهم لجهة ما، بل تساؤلهم الدفين: “ماذا لو كان الجميع كاذبين؟”.
غضب “الثوار”: الإلحاد كفعل تمرد سياسي
هنا يبرز “الغضب” مرة أخرى كمحرك عاطفي. في خضم الحروب الدينية التي مزقت أوروبا، بدأ الشك يتخذ طابعاً راديكالياً. يركز ريري على جماعات مثل “المستنيرين” أو “الرانترز” (Ranters) في إنجلترا، الذين دفعوا بأفكار الإصلاح إلى أقصى حدودها. هؤلاء لم يعودوا يكتفون بمهاجمة البابا، بل بدأوا يهاجمون فكرة “الجحيم” و”الخطيئة الأصلية”، معتبرين إياها مجرد أدوات اخترعها “الملوك والكهنة” لاستعباد الفقراء.
بالنسبة لهؤلاء الغاضبين، لم يكن “اللاإيمان” ترفاً فكرياً، بل كان صرخة تحرر. إذا لم يكن هناك جحيم، فلا خوف من التمرد على الملك. وإذا لم يكن هناك إله يراقب كل حركة، فإن الإنسان سيد نفسه. هذا “الإلحاد العملي” كان مدفوعاً بكراهية عميقة للظلم الاجتماعي الذي كان يمارس باسم الدين.
الشك الذي يسكن “المؤمن”: القلق البروتستانتي العظيم
لكن أخطر أنواع الشك لم يكن ذلك الذي يمارسه المتمردون، بل ذلك الذي يسكن قلب المؤمن التقي نفسه. يغوص ريري في “تاريخ القلق” (Anxiety) الذي صاحب البروتستانتية. فبينما كانت الكاثوليكية تقدم “الأمان” عبر الطقوس والاعتراف، ألقت البروتستانتية بالعبء كله على عاتق الفرد. صار على المؤمن أن يبحث في أعماق قلبه عن “علامات الخلاص”.
هذا التفتيش الدائم في الذات أدى إلى نوع من “الوسواس القهري الإيماني”. يسرد الكتاب قصصاً مؤثرة لمؤمنين بروتستانت، مثل الشاعرة سارة وايت أو الكاتب جون بونيان، الذين عذبهم الشك: “ماذا لو كنت منافقاً؟”، “ماذا لو كان إيماني مجرد وهم؟”. هذا القلق الوجودي المنهك جعل فكرة “عدم وجود إله” أحياناً تبدو كـ “راحة” أو مخرج من عذاب الضمير.
يرى ريري أن هذا القلق هو “المختبر” الحقيقي للإلحاد الحديث. فالإنسان الذي اعتاد أن يشك في صدق مشاعره الدينية يومياً، صار مهيأً نفسياً لتقبل فكرة أن الدين برمته قد يكون مجرد بناء سايكولوجي.
الإلحاد كـ “ظل” للإيمان
يختتم ريري هذا السياق بالتأكيد على أن “اللاإيمان” في القرن السابع عشر لم يكن إنكاراً لوجود الله بقدر ما كان عجزاً عن “الشعور” به. لقد تحول الدين من حقيقة بديهية كالهواء، إلى “قضية” تحتاج إلى دفاع واحتشاد عاطفي. وعندما يتحول اليقين إلى “مجهود”، يبدأ الشك بالنمو في الفراغات.
لقد مهدت الحروب الدينية، وصراعات الهوية، والتمزق الداخلي للمؤمنين، الطريق لظهور “الفيلسوف” الذي سيأتي لاحقاً ليضع الكلمات فوق هذه الجروح العاطفية. لم يكن سبينوزا أو هوبز هم من خلقوا الشك، بل كانوا ببساطة يجمعون الحطام الذي خلفته عواصف “الغضب” و”القلق” الديني.
من التمرد الصامت إلى اليقين البديل: كيف صاغ العقل أسلحته من وهج المشاعر؟
مع دخلونا القرن السابع عشر، بدأ ذلك التوتر العاطفي المكتوم يجد قنوات تصريف فكرية وسياسية غير مسبوقة. لم يعد الشك مجرد أزمة ضمير يعاني منها المؤمن في مخدعه، بل تحول إلى قوة دفع تاريخية أعادت تشكيل الفضاء العام في الغرب. في هذا الجزء من كتاب “غير المؤمنين”، يركز أليك ريري على اللحظة التي بدأ فيها الشك يخلع عباءته الدفاعية ليرتدي دروع الهجوم، مستنداً إلى تراكمات العواطف التي استوت على سوقها.
الفلسفة كترجمة لغوية للمشاعر: هوبز وسبينوزا
تاريخ الفلسفة التقليدي يخبرنا أن توماس هوبز في إنجلترا وباروخ سبينوزا في هولندا هما الأبوان الروحيان للراديكالية الفكرية التي مهدت للإلحاد. لكن ريري يعيد قراءة هذين العملاقين من منظور عاطفي؛ لم يكن هوبز مدفوعاً بـ “رغبة مجردة في إنكار الله”، بل كان مرعوباً من فوضى الحروب الأهلية الإنجليزية التي غذتها الصراعات الدينية. كان محركه العاطفي هو “الخوف من الفوضى” وسعيه وراء “الأمن”. ولذلك، في كتابه “اللوياثان”، لم ينكر الله، بل قام بنزع مخالب الدين، وتحويله إلى وظيفة تابعة للدولة خاضعة للملك تماماً، بهدف إسكات طاقة الغضب الديني التدميرية.
أما سبينوزا، فقد كان مدفوعاً بنوع آخر من العاطفة: الشوق إلى “السلام الروحي والحرية” بعيداً عن تعصب المؤسسات الدينية، سواء اليهودية التي طردته، أو المسيحية التي حاصرته. عندما قدم سبينوزا فكرته الثورية بأن “الله والطبيعة شيء واحد” (Deus sive Natura)، لم يكن يطرح معادلة رياضية باردة، بل كان يقدم مخرجاً عاطفياً لجيل ملَّ من إله الحروب والطوائف، باحثاً عن إله لا يغضب، لا ينتقم، ولا يطالب بدم المهرطقين. الفلسفة هنا لم تخلق الشك، بل أعطته شرعية أخلاقية وفكرية.
العلم والميكانيكا: الكون كساعة لا تحتاج إلى صانع يومي
في الوقت ذاته، كانت الثورة العلمية تؤسس لنظرة جديدة للعالم، وهي نظرة تمددت في الفراغ العاطفي الذي خلفه تراجع اليقين الديني. مع إسحاق نيوتن وروبرت بويل، تحول الكون في الأذهان إلى “آلة ضخمة محكمة” تشبه الساعة.
المفارقة أن نيوتن وبويل كانا مؤمنين متدينين، وأرادا من خلال كشف قوانين الطبيعة إثبات عظمة الخالق. لكن الأثر العاطفي غير المقصود لـ “الميكانيكية النيوتنية” كان عكسياً تماماً. لقد شعر الإنسان الغربي تدريجياً بـ “الاستغناء”. إذا كانت القوانين الطبيعية تدير كل شيء بدقة متناهية، فإن الحاجة إلى تدخل إلهي مباشر لإحداث المعجزات أو تسيير الأمور اليومية تلاشت عاطفياً. تحول الإله من “أب سماوي قاصد ومُعتنٍ” إلى “مهندس متقاعد” وضع القوانين ثم تنحى جانباً. هذا الانتقال النفسي جعل فكرة غياب الإله تماماً فكرة مألوفة وغير مرعبة.
صعود “الإلحاد الفعلي” وبداية العصر العشبي للشك
يرصد ريري في هذه المرحلة ظاهرة يسميها “الإلحاد الفعلي” (Practical Atheism). وهي تختلف عن الإلحاد الفلسفي؛ إذ لم يكن هؤلاء الأشخاص يملكون نظرية متكاملة لإنكار وجود الله، بل كانوا ببساطة يعيشون حياتهم “كما لو أن الله غير موجود”.
لقد ساهم التوسع التجاري، واكتشاف العوالم الجديدة (التي تبين أنها تضم شعوباً تعيش أخلاقياً دون معرفة بالمسيحية)، وصعود ثقافة الاستهلاك، في خلق اهتمامات دنيوية صرفة. بدأ “القلق” البروتستانتي القديم يذوب في بحر من الانشغالات المادية. لم يعد الناس خائفين من الجحيم لأنهم ببساطة لم يعد لديهم الوقت للتفكير فيه، وصارت الحانة، والمقهى، والبورصة، والمحفل، فضاءات بديلة تشبع رغبة الإنسان في الانتماء والاجتماع دون الحاجة إلى طقوس الكنيسة.
لقد كانت هذه الحقبة هي اللحظة التي التقت فيها السواقي العاطفية الصغيرة لتشكل نهراً هادراً؛ حيث تلاقى غضب المتمردين مع قلق الباحثين عن اليقين، وتغطى الجميع بعباءة العلم والبراغماتية السياسية، ليصبح الغرب على شفا قفزة كبرى نحو التنوير الخالص.
معمودية التنوير وصعود “الدين البديل”: حين تخلت الأخلاق عن السماء
مع إشراقة القرن الثامن عشر، الذي اصطلح المؤرخون على تسميته “عصر التنوير”، دخلت قصة الشك طوراً جديداً من النضج والتنظيم. لم يعد اللاإيمان مجرد رد فعل عاطفي عفوي أو معالجات فلسفية للنخبة المحاصرة؛ بل تحول إلى تيار جارف يمتلك أدواته الفكرية، وصالوناته الأدبية، ومقدساته البديلة. لكن أليك ريري، ببراعته المعهودة، يذكرنا في هذا المنعطف من كتابه “غير المؤمنين” بأن هذا الصعود لم يكن انتصاراً للعقل المحض بقدر ما كان إعادة توجيه وتأطير للمشاعر الإنسانية العميقة.
معركة الأخلاق: انتزاع الفضيلة من يد الكنيسة
لقد ارتكزت السردية الدينية التقليدية لقرون على فكرة حتمية: “إذا لم يكن الله موجوداً، فكل شيء مباح”، وهي المقولة التي صاغها فيودور دوستويفسكي لاحقاً ببراعة. كان الاعتقاد الراسخ أن غياب الإيمان يعني بالضرورة السقوط في مستنقع الرذيلة والأنانية والهمجية.
هنا خاض فلاسفة التنوير معركة عاطفية وأخلاقية شرسة لكسر هذا الاحتكار. لقد أدرك مفكرون من أمثال ديفيد هيوم في اسكتلندا، وفولتير ودنيس ديدرو في فرنسا، أن الطريقة الوحيدة لجعل اللاإيمان مقبولاً ومحترماً اجتماعياً هي إثبات أن “الملحد يمكن أن يكون إنساناً فاضلاً وذا ضمير حي”.
لم يكن الهدف مجرد تفكيك لاهوتي للعقائد، بل كان محاولة لبناء “أخلاق علمانية” مستندة إلى التعاطف الإنساني الطبيعي (Sympathy) والواجب الاجتماعي. جادل التنويريون بأن الإنسان يفعل الخير ليس خوفاً من نار جهنم أو طمعاً في الجنة، بل لأن لديه غريزة أخلاقية فطرية تجعله يشعر بالألم لألم الآخرين ويسعد بسعادتهم. هذا التحول العاطفي مكن الإنسان الغربي من التخلي عن الإيمان دون الشعور بالذنب الأخير أو الخوف من الانهيار الأخلاقي.
الثورة الفرنسية: غضب عارم يتجسد في “عبادة العقل”
لم تلبث هذه الأفكار الأخلاقية أن تحولت إلى طاقة ثورية متفجرة مع اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789. هنا، تلاقى “الغضب” التاريخي المتراكم ضد تحالف “العرش والكنيسة” ليتحول إلى إعصار مدمر. لم تكتفِ الثورة بمصادرة أملاك الكنيسة الكاثوليكية، بل حاولت “اجتثاث المسيحية” (Dechristianization) كلياً من التربة الفرنسية.
وفي مشهد يعكس كيف يحتاج اللاإيمان إلى طقوس ومشاعر تشبه الدين تماماً، أسس الثوار “عبادة العقل” (Cult of Reason)، وحولوا كاتدرائية نوتردام الشهيرة في باريس إلى “معبد للعقل”، حيث وُضعت امرأة تمثل آلهة الحرية والعقل على المذبح ليطوف حولها الثوار في طقوس شبه دينية. يوضح ريري أن هذا التطرف لم يكن عملاً عقلانياً بارداً، بل كان طقساً عاطفياً مشحوناً بالانتقام والرغبة في ملء الفراغ الروحي الهائل الذي خلفه غياب الإله القديم. لقد أثبتت الثورة الفرنسية أن العقل عندما يُعبد، فإنه يتبنى بسرعة كل سمات التعصب الكنسي الذي جاء ليحاربه.
القرن التاسع عشر: الإلحاد كـ “مهمة مقدسة”
مع الانتقال إلى القرن التاسع عشر، ووصول الثورة الصناعية، أخذ الشك طابعاً أكثر رصانة وعمقاً. يركز الكاتب على تحول جوهري في طبيعة الإلحاد؛ إذ لم يعد اللاإيمان مجرد خيار فكري مريح، بل صار ينظر إليه كـ “واجب أخلاقي ومهمة مقدسة” من أجل تحرير البشرية.
تجلت هذه النزعة في أعمال فلاسفة الشك الكبار الذين أعادوا صياغة الوعي الغربي. كارل ماركس اعتبر الدين “أفيون الشعوب”، لكنه لم يقصد مجرد الهجوم الفج، بل رأى فيه صرخة الكائن المضطهد وقلب عالم لا قلب له؛ أي أنه قدم تحليلاً عاطفياً سايكولوجياً لسبب تمسك الفقراء بالوهم. وفي ذات الوقت، كان سيجموند فرويد يفكك الدين باعتباره “عصاباً جماعياً” ونوعاً من إسقاط صورة الأب البدائي لحماية الإنسان من رعب الطبيعة والموت.
أما فريدريك نيتشه، فقد كان النبي الأخطر لهذا العصر. عندما أعلن نيتشه مجنونُه صرخته الشهيرة: “لقد مات الله! ونحن من قتلناه!”، لم يكن يحتفل بالحدث كما يظن الكثيرون، بل كان مرعوباً ومتوجساً من العواقب العاطفية والوجودية لهذا الغياب. كان نيتشه يدرك أن موت الإله يعني انهيار المنظومة الأخلاقية الغربية برمتها، وأن الغرب مقبل على عصر من “العدمية” (Nihilism) حيث ستفقد الأشياء معناها، وتتحول السياسة إلى صراع عارٍ على القوة والسيطرة.
لقد تحول الإلحاد في القرن التاسع عشر إلى عقيدة بديلة تمتلك أنبياءها (ماركس، وداروين، وفرويد) وكتابها المقدس (العلم البحت) وطموحاتها الخلاصية لتأسيس الجنة على الأرض عبر التقدم العلمي والاجتماعي. لقد نجح “الشك العاطفي” أخيراً في بناء حصونه الفكرية الكاملة، وبات مستعداً لتسجيل انتصاره النهائي في القرن العشرين.
العلمانية المعاصرة: حين صار الشك هواًء نتنفسه
يفكك ريري في ختام كتابه طبيعة “المجتمع العليم” أو العصر العِلماني الحالي. في الماضي، كان الملحد أو الشكاك هو الشخص الذي يتعين عليه بذل مجهود عاطفي وفكري وتجريد شجاعة كبرى ليعلن خروجه عن المألوف والمقدس. أما اليوم، فقد انعكست الآية تماماً في المجتمعات الغربية وشرائح واسعة من العالم؛ إذ أصبحت العلمانية هي “الوضع الافتراضي” (Default Mode) الذي يُولد فيه الإنسان ويعيش دون أن يشعر بضرورة اتخاذ موقف وجودي محدد.
إن الشك المعاصر لم يعد ثورياً أو غاضباً كشك القرن الثامن عشر، ولم يعد قلقاً وباحثاً عن اليقين كشك القرن السابع عشر؛ بل تحول إلى نوع من “اللامبالاة الهادئة” (Apathy). يعيش ملايين البشر حياتهم اليومية، يستهلكون، يعملون، ويرفهون عن أنفسهم، دون أن تخطر مسألة وجود الله أو عدم وجوده في بالهم، ليس لأنهم قرؤوا كتب “الملحدة الجدد” من أمثال ريتشارد دوكينز أو كريستوفر هيتشينز، بل لأن “البنية العاطفية” للمجتمع الحديث لا توفر مساحة أو حاجة ملحة للشعور بالمقدس.
“الملحدون الجدد”: غضب قديم في قوارير علمية
رغم رواج ظاهرة “الإلحاد الجديد” (New Atheism) في العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين، إلا أن ريري ينظر إليها باعتبارها تأكيداً صادقاً لأطروحته الأساسية. فعندما نتأمل خطابات هذا التيار، نجد أنها لا تقدم حججاً فلسفية جديدة لم يقلها سبينوزا أو ديفيد هيوم أو نيتشه؛ بل إن قوتها الجاذبة تكمن في شحنتها العاطفية العالية: “الغضب”.
إنه الغضب العارم ضد الأصوليات الدينية، وضد الإرهاب باسم الله، وضد تدخل المؤسسات الدينية في الحريات الفردية والحقوق المدنية. يعود الإلحاد هنا ليقتات عاطفياً على أخطاء المتدينين وسلوكياتهم، تماماً كما كان يفعل فلاحو العصور الوسطى أو ثوار فرنسا. هذا يثبت مجدداً أن محرك اللاإيمان يظل دائماً محركاً أخلاقياً وعاطفياً بالدرجة الأولى، حتى لو تدثر بلغة العلم والمنطق والبيولوجيا التطورية.
مفارقة العصر الحاضر: قلق المؤمن والملحد على السواء
يختتم أليك ريري كتابه بلفتة إنسانية عميقة تسلط الضوء على المشهد الروحي الراهن. يرى الكاتب أن “القلق” (Anxiety) الذي كان يعصف بقلوب المؤمنين البروتستانت في القرن السابع عشر خوفاً من فقدان الإيمان، قد انتقل في عصرنا هذا إلى قلب الإنسان المعاصر بصفة عامة، سواء كان مؤمناً أو ملحداً.
الإنسان العِلماني المعاصر، الذي تخلص من فكرة الإله والبعث والحساب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام أسئلة المعنى والجدوى. إن غياب المطلق قد يمنح حرية كاملة، لكنها حرية ثقيلة ومخيفة تُشعر الفرد بـ “الضآلة” والعدمية وسط كون شاسع وصامت. وفي المقابل، يعيش المؤمن المعاصر قلقاً مستمراً لحماية إيمانه وسط عالم يهمس له بالشك من خلال كل شاشة، وكل كتاب، وكل فضاء عام.
خاتمة قراءة: درس ريري للمستقبل
إن الأطروحة المركزية لكتاب “غير المؤمنين” (Unbelievers: An Emotional History of Doubt) ليست مجرد سرد لتاريخ الإلحاد، بل هي دعوة لإعادة التواضع المعرفي. يخبرنا أليك ريري أننا -كبشر- كائنات عاطفية قبل أن نكون عقولاً مفكرة. نحن نشعر أولاً، ونتخذ خياراتنا الوجودية الكبرى بناءً على انجذابات القلب والروح والحدس، ثم نذهب إلى رفوف المكتبات الفلسفية لنختار الحجج والقرائن التي تبرر ما شعرنا به مسبقاً.




