أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

“محطات في مسار التعليم في السودان”

رحلة العقل السوداني من ألواح الخلاوي إلى فضاءات التعليم المفتوح

إن الحديث عن التعليم في أي أمة هو في جوهره حديث عن تشكيل هويتها، وصياغة عقلها الجمعي، ورسم ملامح مستقبلها. وفي السودان، ذلك القطر المترامي الأطراف والمتعدد الثقافات، يتخذ مسار التعليم طابعاً ملحمياً تتشابك فيه التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. من هذا المنطلق الاستراتيجي، نغوص اليوم في مراجعة صحفية مفصلة وسردية لكتاب بالغ الأهمية وسم بـ “محطات في مسار التعليم في السودان”. هذا السفر القيم، الذي تكفل بتأليفه الدكتور عمر محمد العماس والدكتور بلة أحمد بلال، وصدر في العام ٢٠١٤ م ، لا يقدم مجرد رصد تاريخي جاف، بل يطرح تحليلاً عميقاً يرمي إلى تتبع خطوات مسيرة التعليم في السودان منذ البدايات الأولى لممارسته، مروراً بأهم الحقب التي نشط فيها أو أهمل تبعاً للسياسات التعليمية التي صاحبتها.

الفجر الروحي: الخلوة كنواة أولى لتشكيل الوجدان السوداني

يرجع بنا المؤلفان إلى الجذور العميقة، حيث لم تكن هناك هياكل خرسانية ولا مناهج مستوردة، بل كانت “الخلوة” هي المؤسسة التربوية والروحية الأولى. لا يشك الباحثان أبداً في أن التعليم في الخلاوى كان يمثل نواة ضرورية الوجود في عصر دخول الإسلام إلى السودان. لقد تبنى هذه المؤسسة نفر من المسلمين الجادين والحادبين على إرساء قواعد التعاليم الإسلامية بكل ما تحويه من قيم وأخلاق وسلوك، وقبل كل ذلك تحفيظ القرآن الكريم ونشر السنّة النبوية الشريفة.

لم تكن الخلوة مجرد مكان للتجمع العشوائي، بل كانت نظاماً مؤسساً ومنظماً يحمل أهدافاً وقيماً عليا، وله طرائق محددة في التدريس ونقل المعرفة. لقد اعتمد هذا النظام العتيق على التلقين، وتحفيظ القرآن الكريم، إلى جانب تعليم أجزاء من السيرة النبوية، ومبادئ القراءة والكتابة. وإذا ما نظرنا بمعيار اليوم إلى تلك الوسائل، قد نصفها بالبدائية، حيث شملت الألواح الخشبية، والكتابة على الأرض، والتلقين المباشر المتدرج. ومع ذلك، فإن هذه الوسائل البسيطة، التي صاحبت تعلم كتابة الأحرف الهجائية وقراءتها متدرجة حتى كتابة الآيات وتجويدها وتشكيلها بحركات الإعراب، تركت أثراً فكرياً واجتماعياً لا يمحى.

لقد أثبتت الأيام أن تلك البقعة المتواضعة المضاءة بنار القرآن خرجت رجالاً من خيرة العلماء الحفظة، الذين لم يكتفوا بالبقاء داخل جدران الخلوة، بل انطلقوا ليساهموا في عمليات التعليم ونقل المعرفة الدينية في نطاقات أوسع، فأصبحوا أئمة للمساجد، وفقهاء في الدين، ومصلحين اجتماعيين يقودون حركة التنوير الأولى في المجتمع السوداني.

من رحم هذه الخلاوي ومدارس المساجد، ظهرت “المدرسة” الحديثة كنتاج للضرورة التاريخية والاجتماعية. ومع اتساع رقعة التعليم، دعت الحاجة لتقديم مواد تعليمية جديدة تستوجب انضباطاً وتنظيماً أكبر، لتشمل معارف متنوعة إلى جوار علوم القرآن الكريم. وهنا برزت المدرسة بأركانها الحديثة المتمثلة في المعلم الذي ينقل المادة، والمتعلم الذي انتقل تعريفه من مجرد متلقٍ سلبي ليصبح محور العملية التعليمية وممثل لخصائص المجتمع وثقافته وآماله، والمحتوى التعليمي أو المنهج، وصولاً إلى الكتاب المدرسي الذي غدا الصديق الملازم للمتعلم. هذا التطور أوجب تقسيم وقت الدراسة إلى حصص مجدولة، وتحديد مراحل تعليمية متعددة، ووضع هرم إداري منظم يحدد مسؤوليات الإدارة المدرسية وطرق القياس والتقويم مثل الامتحانات التي أصبحت المعيار الأهم لتقويم النجاح.

التدخل الحداثي المتعثر: صدمة العهد التركي المصري

يأخذنا الكتاب بعد ذلك إلى منعطف تاريخي حاسم، وهو فترة الحكم التركي المصري. مع قيام هذا الحكم، ازداد إقبال السودانيين على الأزهر الشريف بمصر، حتى تم إنشاء رواق خاص لهم أسوة بالدول الإسلامية الأخرى، عُرف باسم “رواق السنارية” وذلك في عام ١٨٤٦ م، وكان يحظى بإعانة كاملة من الحكومة المصرية.

لكن المشهد لم يكن دائماً وردياً. يسرد المؤلفان كيف أن الخديوي عباس، الذي امتد حكمه بين عامي ١٨٤٨ و١٨٥٤ م، اشتهر بكراهيته للتعليم وعدم تبني سياسة تعليمية إيجابية، سواء في مصر أو السودان، مما أصاب السودان بكساد إداري وتعليمي ملحوظ. ومن المفارقات التاريخية العجيبة التي يسجلها الكتاب، أن الانفراجة جاءت من رحم العقاب؛ فقد كانت فرصة إبعاد وتغريب رفاعة رافع الطهطاوي من مصر سبباً مباشراً في تأسيس مدرسة الخرطوم الابتدائية، حيث تم تعيينه ناظراً لها في عام ١٨٥٣ م.

خطط الطهطاوي لهذه المدرسة لتسير على نهج مثيلاتها من المدارس المصرية، وتم استيعاب أبناء زعماء القبائل من مناطق متفرقة مثل دنقلا والخرطوم وكسلا. كانت المدرسة تعمل بنظام داخلي لسكن الطلاب، ومدة دراستها ثلاث سنوات، وهي ما عُرفت حينها بالمدارس الصغرى أو المجلسية. كان القبول مقتصراً على الفئة العمرية ما بين السابعة والثانية عشرة، وواجهت المدرسة في بداياتها ندرة في أعداد الطلاب بسبب الموقف الشعبي الرافض للمدارس آنذاك، لاعتقاد السودانيين بفسادها وابتعادها عن التربية الدينية السليمة. ورغم ذلك، تم تدريس مقررات أساسية شملت القراءة، الكتابة، اللغة العربية، والحساب.

مع مجيء الخديوي إسماعيل، الذي حكم من ١٨٦٣ إلى ١٨٧٩ م، شهد التعليم اهتماماً أوضح. ففي بداية عهده، تم فتح مدارس ابتدائية في كل من دنقلا، بربر، الخرطوم، كردفان، وكسلا، وتلا ذلك افتتاح مدرستين في سواكن وسنار. وكانت هذه المدارس تتبع مباشرة لوزارة المعارف المصرية وتطبق منهجها. كما يسجل الكتاب التفاتة مهمة للتعليم المهني والصناعي، حيث أُنشئت مدرستان مهنيتان في الخرطوم وكسلا عام ١٨٧٠ م لتخريج فنيين للعمل في خطوط التلغراف. وبموازاة ذلك، ظهرت مدرسة فريدة من نوعها في سواكن خُصصت لأبناء الرقيق الذين حررتهم الحكومة، لتكون أول مدرسة خاصة بفئة معينة في البلاد. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تم تنظيم فرق في مجالات الطب والصيدلة وتدريب حرفيين في مصلحة الوابورات.

إلى جانب هذا الجهد الحكومي، يشير الكتاب إلى ظاهرة بالغة الأهمية في تلك الحقبة، وهي انتشار المدارس التبشيرية. فقد سُمح للإرساليات بفتح كنائس ومدارس ملحقة بها في مدن مثل الخرطوم، أم درمان، سنار وغيرها. ورغم أن المناهج شملت القراءة والكتابة والحساب والموسيقى، إلا أن المحتوى الديني (الإنجيل) كان حاضراً بقوة، وبرز في هذا السياق الأب دانيال كمبوني الذي أسس مدارس كمبوني الشهيرة عام ١٨٥٧ م.

قطيعة المهدية ومكائد الحكم الثنائي

سرعان ما عصفت رياح التغيير الجذري بالسودان باندلاع الثورة المهدية. يوثق الكتاب كيف أدى هذا التحول السياسي والعقائدي إلى إيقاف النشاط التبشيري بالكامل وإغلاق مدارسه، وفي ذات الوقت توقف التعليم الحديث الذي أُسس إبان الحكم التركي المصري. عمدت الثورة المهدية إلى إرساء قواعد التعليم الديني الصارم، فعادت الخلوة لتكون المنهل الوحيد للتعليم في السودان، واقتصر الأمر على تعليم ديني في عدد محدود من الخلاوي لتحفيظ القرآن حتى سقوط أم درمان عام ١٨٩٨ م.

وبسقوط الدولة المهدية ومجيء الحكم الثنائي (الإنجليزي المصري) عام ١٨٩٩ م، دخل مسار التعليم في السودان نفقاً جديداً محكوماً بالهواجس الأمنية والاستعمارية. تبنى نظام الحكم الجديد عملية تطوير التعليم نظرياً، إلا أنه نظر بريبة إلى التعليم الديني الذي خلفته المهدية وعمل على تقليصه تدريجياً. عمدت الإدارة الاستعمارية إلى سياسة التضييق المتعمد وتقليل أعداد الطلاب الملتحقين بالمدارس، بناءً على نظرة سياسية تهدف إلى كبح جماح الحركة الوطنية؛ إذ أدرك المستعمر أن تعليم أعداد كبيرة من الشعب سيؤدي حتماً إلى خلق طبقة متعلمة تتوحد لتقويض نظام الحكم الأجنبي.

لذا، اقتصر توجيه التعليم على تخريج أعداد محدودة لتلبية حاجة الدولة الوظيفية. ويعرض الكتاب بوضوح أهداف التعليم كما صاغها مدير مصلحة المعارف (جيمس كري) في عام ١٩٠٠ م، والتي تلخصت في: خلق طبقة من الصناع المهرة، نشر تعليم بسيط يعين الناس على فهم قواعد جهاز الدولة وخاصة القضاء، تدريب طبقة لشغل الوظائف الحكومية الصغرى، وتدريب سودانيين ليخلفوا المصريين في الجيش.

ولإحكام السيطرة، شجعت الإدارة الاستعمارية “الفكيان” في الخلاوي على إدخال مادة الحساب مقابل رواتب شهرية، ليصبح النظام ثنائياً: تعليم علماني في الكتاتيب، وتعليم ديني في الخلاوي المعانة، وهو نظام لا تزال بعض آثاره ممتدة حتى اليوم. وفي المقابل، نشطت الإرساليات المسيحية وتمددت حتى وصلت مرحلة استيعاب أبناء المسلمين، ما أدى إلى توجسات ومخاوف اجتماعية واسعة، اضطرت معها السلطات لوضع لوائح تفتيش صارمة تشترط موافقة أولياء الأمور قبل تدريس العلوم الدينية المسيحية للطلاب المسلمين.

هذه التفاعلات المتشابكة، من خلاوي تنشر النور في القرى النائية، إلى مدارس تركية حاولت غرس بذرة التحديث، وصولاً إلى سياسات استعمارية حاولت قولبة العقل السوداني لخدمة الإدارة.

صرح غردون التذكاري: التعليم كأداة للسيطرة والتوظيف

نجد أنفسنا أمام مفارقة تاريخية تجسدت في تأسيس “كلية غردون التذكارية”. فبعد معركة أم درمان، وتحت وطأة الهجوم العنيف الذي شنته الصحافة البريطانية على اللورد كتشنر بسبب قسوته المفرطة في معاملة أنصار المهدي ونبشه لقبره، سعت الإدارة البريطانية لتلميع صورتها وتخليد ذكرى الجنرال غردون. لم يكن الهدف من إنشاء هذه الكلية الارتقاء المعرفي الخالص للسودانيين، بل استندت المبررات الاستعمارية إلى قناعة مفادها أن السودانيين لن يتمكنوا من المشاركة في الإدارة أو تكوين جيش قوي دون حد أدنى من التعليم الموجه.

وقد أسهمت التبرعات التي جُمعت في بريطانيا باسم كلية غردون في وضع حجر الأساس لهيكل تعليمي جديد في العاصمة والولايات، حيث تم إنشاء مدارس ابتدائية في أم درمان والخرطوم عامي ١٩٠٠ م و١٩٠١ م، ومدرسة للصناعة، إلى جانب كلية للمعلمين والقضاة. كانت هذه المدارس الأربع تمثل الهيكل التعليمي اليتيم في السودان مطلع القرن العشرين، واعتمدت مقررات المدارس المصرية، في حين انحصر غرضها الأساسي والأوحد في تخريج “صغار الكتبة” لسد حاجة الجهاز الإداري الاستعماري. ومع مرور الوقت، توسعت الكلية لتشمل أقساماً للمساحة والأبحاث البكترولوجية، وتفرعت منها مدارس وسطى في مدن مثل مدني، بربر، وسواكن، حيث فُرضت اللغة الإنجليزية لغةً للدراسة.

المعهد العلمي بأم درمان: قلعة التعليم الأهلي والديني في مواجهة التهميش

في مقابل هذا التعليم الحكومي المُهندس بدقة لخدمة المستعمر، يبرز الكتاب صمود الوجدان السوداني الذي لم يستسلم. كانت جذوة المعرفة تتقد في منازل العلماء الذين أخذوا على عاتقهم تدريس الراغبين في تلقي العلوم الدينية، حيث كان الطلاب يتوافدون من كل حدب وصوب، يقطعون المسافات ولا ينقطعون عن منازل هؤلاء العلماء. تطور هذا الجهد الأهلي المشتت إلى فكرة عبقرية بالتوحد، ففي عام ١٩١٢ م، وتحت رئاسة الشيخ أبو القاسم، تجمع العلماء للتدريس في مكان واحد هو “جامع أم درمان الكبير”، لتمكين الطالب من دراسة أكثر من مادة في اليوم الواحد على يد ثلة من العلماء.

هذه الخطوة العبقرية كانت بمثابة حجر الأساس لـ “المعهد العلمي بأم درمان”. استلهم المعهد هيكلته من قانون الأزهر الشريف، مقسماً الدراسة إلى ثلاث مراحل: ابتدائية، ثانوية، وعليا، مدة كل منها أربع سنوات. ورغم هذا التنظيم الطموح، واجه المعهد تهميشاً متعمداً من الإدارة الاستعمارية التي لم تتحمس للتعليم الديني، وعانى الطلاب من شح الإعانات وسوء بيئة السكن حول الجامع المبني من الطين.

لكن صمود السودانيين تجلى في اعتماد الإدارة على تبرعات الأهالي، وفرض ضرائب رمزية على الماشية والذرة في سوق أم درمان لصالح المعهد. وتوالت المطالبات والإصلاحات، لا سيما في عهد الشيخ محمد المبارك، الذي استقدم خريجي الأزهر للعمل بالمعهد، مما أدى إلى ثورة أكاديمية شملت تعديل المناهج، وتدريس مواد حديثة كالفلسفة، الرياضيات، الجغرافيا، واللغة الإنجليزية، وصولاً إلى مساواة شهادات المعهد بمثيلاتها الحكومية، وتأسيس كليات متخصصة، ليتحول هذا الصرح الذي بدأ على الحصير إلى نواة لجامعة إسلامية كبرى.

مؤتمر الخريجين: وثبة الوعي الوطني واختراق أسوار الاستعمار

لم تنطلِ سياسة “تخريج صغار الكتبة” على العقل السوداني المستنير. يتوقف المؤلفان بإجلال أمام دور الطبقة المتعلمة في الفترة من ١٩٣٦ إلى ١٩٤٦ م، حيث بدأت الأقلام الوطنية، عبر مجلات مثل “الفجر”، تنتقد بشدة السياسة التعليمية البريطانية القاصرة. وبلغ هذا الوعي ذروته بتأسيس “مؤتمر الخريجين” عام ١٩٣٨ م، الذي شكل فور قيامه لجنة خاصة للتعليم ضمت رموزاً وطنية خريجة من كلية غردون.

رفع المؤتمر مذكرة تاريخية للحكومة في عام ١٩٣٩ م، لم تكن مجرد وثيقة مطلبية، بل كانت “مانيفستو” لنهضة أمة. طالب المؤتمر بتوجيه التعليم صوب الحضارة الإسلامية والعربية والثقافة الأفريقية، ومحو الأمية بين جميع أفراد الشعب، وتخصيص سن محددة للقبول، وإرسال البعثات للخارج، والأهم من ذلك: فتح المدارس في جنوب السودان واعتماد اللغة العربية لغة للتخاطب هناك. وعندما رفضت الإدارة الاستعمارية التدخل في سياسة الجنوب التبشيرية ورفضت التوسع في التعليم، لم يكتفِ المؤتمر بالاحتجاج، بل شمر عن ساعد الجد وأطلق شرارة “التعليم الأهلي”.

بتبرعات المواطنين الشرفاء، بنى السودانيون مدارسهم بأيديهم. انتشرت المدارس الوسطى الأهلية في أم درمان، الأبيض، عطبرة، والقولد. وفي ظاهرة تدل على الظمأ المعرفي، تأسست ٣١ مدرسة وسطى أهلية في مختلف أنحاء البلاد بين عامي ١٩٤٠ و١٩٥٢ م. كما أسهمت الحكومة المصرية في كسر الاحتكار البريطاني بفتح أبوابها للطلاب السودانيين مجاناً، وتأسيس “بيت السودان” بالقاهرة لإقامتهم، مما أدى إلى طفرة هائلة في أعداد الطلاب السودانيين المتجاوزين لمظلة التعليم البريطاني المحدودة.

جدلية التعليم في الجنوب: سياسة العزل والتبشير

يفتح الكتاب جرحاً غائراً في الجسد السوداني حين يتطرق لسياسة التعليم في جنوب السودان إبان الحكم الثنائي. لم يكن التعليم هناك أداة للتنوير، بل سلاحاً للعزل الجغرافي والروحي. منذ عام ١٩٠٢ م، عملت الحكومة بصرامة على تفريغ الجنوب من الوجود الشمالي لإبعاد النفوذ الإسلامي والعربي؛ فأبعدت آخر جندي شمالي عام ١٩١٧ م، وفرضت يوم الأحد عطلة رسمية، وأعلنت الإنجليزية لغة رسمية عام ١٩١٨ م، محولة الجنوب إلى “منطقة مقفولة”.

سلمت الإدارة البريطانية مقاليد التعليم بالكامل للمجالس التعليمية التابعة للإرساليات التبشيرية، وقدمت لها الإعانات المالية السخية وتخفيضات أجور السفر. كان الهدف المعلن لهذه المدارس، وفقاً لتقرير “هيللسون”، هو إعداد طبقة من رؤساء العشائر، وتخريج عمال محليين، وسعاة لخدمة البوليس، مع التركيز على التربية المسيحية.

ورغم أن اللغة العربية كانت لغة التخاطب العملي بين قبائل الجنوب المتعددة، باعتراف الحاكم العام نفسه عام ١٩٢٧ م، إلا أن “مؤتمر الرجاف” للغات عام ١٩٢٨ م حسم الأمر بقرارات تعسفية قاطعة: الاعتماد على اللغات المحلية، الرفض المطلق لاستخدام اللغة العربية في التعليم والإدارة، وإذا دعت الضرورة القصوى لاستخدامها تُكتب بالأحرف اللاتينية. لقد كرس هذا النهج الانفصالي في التعليم شرخاً ثقافياً واجتماعياً عميقاً بين شطري الوطن، فُرضت بموجبه الإنجليزية بديلاً قسرياً، ورُبطت بها فرص الترقي الوظيفي للجنوبيين، في محاولة استعمارية مستميتة للقضاء على التمازج الطبيعي الذي كان يتخلق عبر التجارة والتصاهر.

تركة الاستقلال الثقيلة: هندسة الهوية وإدارة التناقضات الموروثة

نقف أمام لحظة فارقة في تاريخ العقل السوداني؛ لحظة جلاء المستعمر وبزوغ فجر الاستقلال في العام ١٩٥٦ م. لم تكن الدولة الوطنية الوليدة تستلم مجرد مؤسسات إدارية، بل كانت ترث تركة تعليمية واجتماعية مثقلة بالتناقضات الهيكلية التي شكلت الجذور العميقة للأزمات السياسية والاقتصادية اللاحقة. لقد وجد السودان نفسه بحدوده المترامية، الممتدة من الصحراء شمالاً إلى الغابات الاستوائية جنوباً، أمام واقع ديموغرافي معقد تتعدد فيه الأعراق والثقافات واللغات. وفي وسط هذا الزخم، كانت نسبة الأمية تقف كشبح مخيف يطارد طموحات الدولة الحديثة، إذ قاربت ٩٨٪ من إجمالي عدد السكان.

يشرح الكتاب بأسلوب يلامس عمق الاقتصاد السياسي للتعليم، كيف أن الدولة الوطنية لم ترث نظاماً تعليمياً واحداً، بل منظومة ممزقة تتجاذبها أربعة تيارات متنافرة: نظام الخلاوي التقليدي الأصيل، ونظام الإرساليات التبشيرية الذي غرس جذوره في الجنوب وبعض مناطق الهامش، والنظام الموازي للمناهج المصرية ومدارس الأقباط، وأخيراً النظام القومي الحكومي الذي أسسه الاستعمار لخدمة أغراضه الإدارية.

أكثر من ذلك، ورثت الدولة خريطة تعليمية مشوهة تعكس أسوأ صور انعدام العدالة التوزيعية والخلل البنيوي؛ فقد تركز التعليم وكثافته العالية في مديريات الخرطوم، النيل الأزرق، كسلا، والشمالية، بينما عانى الجنوب والمناطق الطرفية من شح مخيف في الفرص. وكان هذا التفاوت الجغرافي مدعوماً بتفاوت جندري صارخ، حيث كانت الفرص المتاحة للذكور تفوق بأضعاف مضاعفة تلك المتاحة للإناث. هذه الفجوات العميقة لم تكن مجرد أرقام إحصائية، بل كانت قنابل موقوتة تهدد مشروع بناء الدولة الوطنية وإدارة التنوع وحل النزاعات التاريخية، مما حتم على النخب السياسية والتربوية آنذاك البحث عن مخرج عاجل لإعادة هندسة مسار التعليم ووضعه في نصابه الصحيح.

لجنة “عكراوي” لعام ١٩٥٨: المحاولة الأولى لتوحيد العقل السوداني

أمام هذا الواقع المأزوم، الذي لا يفي بتطلعات أمة تبحث عن موطئ قدم في مسيرة التنمية وتأسيس اقتصاد وطني متماسك ، استعانت الحكومة بخبير منظمة اليونسكو “متى عكراوي” في عام ١٩٥٨ م. تمخضت اجتماعات لجنة عكراوي عن قرارات استراتيجية حاولت إعادة صياغة السلم التعليمي وتوحيد الوجدان الوطني. فقد أقرت اللجنة تصفية المدارس دون الأولية، وجعل فترة الدراسة الأولية ست سنوات، وتقسيم المرحلة الثانوية إلى عامة وعليا.

ولعل أبرز ما يميز هذه الرؤية هو محاولتها ربط التعليم بالاقتصاد، من خلال تقسيم التعليم الثانوي العالي إلى مسارين: أكاديمي، ومهني يتفرع بدوره إلى صناعي وزراعي وتجاري، مع توطين التعليم الزراعي في الريف والتجاري في المدن للنهوض بمتطلبات التنمية. وفي خطوة ذات دلالات سياسية وسيادية عميقة، أوصت اللجنة بجعل اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدراسة حتى المرحلة الثانوية، على أن تُدرس الإنجليزية كمادة بدءاً من السنة الرابعة الأولية.

يحلل المؤلفان أهداف لجنة عكراوي، مؤكدين أنها لم تكن مجرد خطة تربوية، بل كانت مشروعاً جيوسياسياً يرمي إلى تحقيق مزيد من الوحدة والاندماج بين الشمال والجنوب، وإذابة الفروق الطبقية والجندرية بين الرجل والمرأة، ومواءمة مخرجات التعليم مع الظروف الاقتصادية والإدارية المتغيرة للبلاد. ورغم أن بعض هذه المقترحات الجريئة لم تُطبق إلا في فترات متأخرة، إلا أنها مثلت أول محاولة جادة لفك الارتباط مع إرث الإدارة الاستعمارية الذي كان يعتمد سياسة “فرق تسد” الثقافية.

التعليم الفني: المحرك المعطل لعجلة التنمية

ينقلنا الكتاب ببراعة نحو أحد أهم الملفات التي ترتبط مباشرة بالاقتصاد السياسي السوداني؛ ألا وهو التعليم الفني والتقني. انطلقت شرارة هذا النوع من التعليم منذ عهد الحكم الثنائي بافتتاح أول مدرسة صناعية في أم درمان عام ١٩٠١ م. والهدف الاستراتيجي من هذا المسار هو إكساب المتعلمين المهارات التقنية، وتنمية روح الابتكار، وفتح آفاق لرفد السوق بعمالة ماهرة قادرة على دفع عجلة الإنتاج في مختلف مناحي الحياة.

تشعب التعليم الفني ليعانق متطلبات المجتمع؛ فظهر “التعليم الصناعي” لتطوير الصناعات البيئية والحديثة، و”التعليم التجاري” لإعداد الكوادر في المجالات الاقتصادية والمحاسبية لتعلم لغة الأرقام وأجهزة الحاسوب، و”التعليم الزراعي” لخلق وعي قادر على تطوير النظام الرعوي والزراعي كما حدث في مشاريع الجزيرة وإنتاج السكر. كما برز “التعليم النسوي” الذي هدف إلى إكساب المرأة مهارات تعود بالنفع المباشر على اقتصاديات الأسرة والمجتمع.

ورغم هذه النظرة التنموية الطموحة، يكشف الكتاب عن مأساة حقيقية واجهت هذا القطاع الحيوي. فالتعليم الفني، بطبيعته، يحتاج إلى إمكانات هائلة وميزانيات ضخمة لتجهيز الورش والمختبرات. ولكن، للأسف، واجه هذا القطاع في السودان صعوبات بالغة في التمويل وتوفير الكوادر الفنية، مما أدى إلى تدهور مريع جعل الممارسة في بعض المؤسسات أقرب إلى التنظير منها إلى التطبيق العملي.

والطامة الكبرى، كما يرصدها الباحثان بمرارة، لم تكن في شح التمويل فحسب، بل في “النظرة المجتمعية الدونية” لهذا المسار. فقد عزف أولياء الأمور عن إلحاق أبنائهم بالتعليم الفني مفضلين المسار الأكاديمي، ولم يعد يلتحق بالمدارس الصناعية والتجارية والنسوية إلا الطلاب الحاصلون على أدنى الدرجات والنسب، أو ما يُعرف بـ “طلاب القبول المطلق”. هذا التهميش المجتمعي والمؤسسي أدى إلى تسرب مستمر وفشل ذريع في إعداد كوادر مهنية قادرة على انتشال الاقتصاد السوداني من عثراته، ليبقى التعليم الفني محركاً معطلاً ينتظر قوة دافعة تعيد له اعتباره.

ملحمة تعليم البنات: كسر القيود واقتحام الأسوار

في فصل من أمتع فصول الكتاب، نستحضر المعركة الكبرى التي خاضها المجتمع السوداني ضد نفسه؛ معركة تعليم البنات. يقرر المؤلفان حقيقة تاريخية قاسية: رغم دخول الإسلام للسودان وانتشار الخلاوي، ظل التعليم حكراً شبه حصري على الذكور لفترات طويلة، وذلك بسبب العادات والتقاليد المجتمعية الصارمة التي كانت تقف حائلاً دون انضمام الفتيات لركب المعرفة.

استمرت هذه القطيعة المعرفية في كل العهود؛ التركية، المهدية، وحتى في بدايات الحكم الثنائي. فعندما شُيدت كلية غردون العتيدة، لم تلتحق بها فتاة واحدة إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في عام ١٩٤٥ م. كانت الحكومات المتعاقبة تتحاشى إثارة غضب مجتمع محافظ لا يؤمن بتعليم المرأة، مفضلة الركون للسلامة السياسية على حساب التنوير.

ومع ذلك، لم يُعدم التاريخ السوداني نساءً رائدات تمردن على هذا الواقع، فبرزت مبادرات فردية مضيئة، مثل إنشاء خلاوي خاصة بالبنات على يد نخلات شامخات أمثال “فاطمة بت جابر” و”عائشة بت القدال”. وفي المقلب الآخر، نجحت الإرساليات التبشيرية (كمدارس كمبوني) في استقطاب بعض الفتيات المسلمات لتعليمهن مهارات التدبير المنزلي، الخياطة، وصناعة الطواقي.

لكن الاختراق الحداثي الحقيقي، والذي يمثل نقطة التحول الكبرى، جاء على يد الرائد والمصلح الشيخ “بابكر بدري” الذي أسس مدرسة رفاعة الأولية للبنات. كانت هذه المدرسة، التي استمرت وحيدة في الساحة حتى عام ١٩١١ م، هي المعول الأول الذي دك جدار العزلة. بعدها، اضطرت الحكومة لإنشاء خمس مدارس أولية للبنات، تلاها افتتاح كلية تدريب المعلمات بأم درمان، والتي واجهت في بداياتها عزوفاً شعبياً استدعى تقديم محفزات وتسهيلات لتشجيع المواطنين على إرسال بناتهم.

شكلت هذه الخطوات قطرة الغيث التي تحولت إلى سيل هادر. فمع تغير العادات والتقاليد تدريجياً، تسابق المجتمع لتعليم فتياته. ومن إحصائية تخبرنا أنه في بداية الاستقلال (١٩٥٦م) كان عدد مدارس البنات ٢٠٦ مدارس تضم ٣٤,١٥٠ تلميذة، تقفز الأرقام بشكل مذهل في عام ١٩٦٨ م لتصل إلى ٦١٦ مدرسة تضم ١٢٦,٤٧٧ تلميذة. لقد تحول تعليم البنات في السودان من “محرم اجتماعي” إلى حق مكتسب، حتى أصبحت أعداد الفتيات اليوم تضاهي، وربما تتفوق، على أعداد البنين في مختلف المؤسسات التعليمية، في انتصار تاريخي مبين للإرادة الحرة.

محو الأمية: من نور الخلوة إلى مسؤولية الدولة

لا يغفل الكتاب عن تتبع مسار تعليم الكبار ومحو الأمية، هذا الرافد الحيوي الذي يستهدف الفئات التي فاتها قطار التعليم النظامي جراء ظروفها الاقتصادية أو الاجتماعية. يربط الباحثان بدايات هذا المسار بالخلوة أيضاً، التي لم تكتفِ بتعليم الصغار، بل فتحت أبوابها للكبار لتعلم القراءة والكتابة، معتبرين إياها المراكز الأولى لمحو الأمية في السودان.

يستحضر الكتاب بكل فخر أمثلة تاريخية ناصعة، مثل خلوة “ود نوفل” التي لعبت دوراً محورياً في محو أمية أعداد كبيرة من الناس. وتتجلى عظمة الدور النسائي مرة أخرى في ذكر أسماء لامعات كـ “آمنة بت عبود”، شقيقة الشاعرة الشهيرة مهيرة بت عبود، التي كانت تخط المصاحف بيدها وتساهم في إضاءة عقول مجتمعها.

ورغم هذه الجهود التاريخية، يشير الكتاب إلى أن حركة محو الأمية في تلك الحقب عانت من بساطة المنهج وضعف الدافعية؛ إذ كان المجتمع منشغلاً بصراعه اليومي من أجل البقاء في الرعي والزراعة، وكانت التطلعات التعليمية محدودة بمعرفة أركان الإسلام والفتاوى الأساسية. لكن هذه البدايات العفوية شكلت الإرهاصات الأولى لوعي وطني أكبر، أدرك لاحقاً أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق في ظل وجود كتل بشرية معزولة عن لغة العصر ومعارفه.

 ثورة “التعليم المفتوح” والتعليم عن بعد

لم تكن هذه الثورة وليدة الصدفة، بل جاءت استجابة حتمية لثلاث ثورات متلاحقة اجتاحت العالم: الثورة الصناعية، والثورة الإلكترونية في ثمانينيات القرن العشرين التي جلبت الحواسيب والبرمجيات، ثم الثورة اللاسلكية التي ربطت العالم بشبكات الهواتف المحمولة والإنترنت. هذا التطور التقني المذهل حوّل العملية التعليمية من المركزية الصارمة إلى اللامركزية المرنة، منهياً بذلك عصر النموذج التقليدي الذي اعتمد لعقود طويلة على الحفظ والتلقين وسلطة المعلم المطلقة.

إن تتبع الجذور التاريخية للتعليم عن بعد، كما يطرحه الكتاب، يأخذنا في رحلة مدهشة تبدأ منذ فجر البشرية، حيث كان الإنسان الأول يتعلم من بيئته عبر الملاحظة والتقليد في مسعاه الدؤوب للبقاء. ومع اكتشاف الكتابة، أخذ هذا النمط أشكالاً أكثر تنظيماً، فظهر جلياً في التاريخ المسيحي من خلال الرسائل التي كان يبعث بها القديس بولس لأتباعه ومريديه في المناطق المتباعدة لنشر التعاليم الدينية، حيث كانت تُقرأ على الجموع لتعذر اللقاء المباشر. وفي التاريخ الإسلامي، تجسد هذا المفهوم بوضوح في الرسائل التي كان يوجهها النبي محمد صلى الله عليه وسلم لملوك وزعماء الممالك المجاورة، حاملة في طياتها تعاليم الإسلام وشرائعه، لتشكل بذلك وسيلة تعليمية عن بعد في أرقى صورها. أما في العصر الحديث، فقد تبلور التعليم بالمراسلة بشكله النظامي في السويد عام ١٨٣٠م، عندما بدأ “موللر” ومن بعده “هانس هيرمودس” بإعداد برامج تعليمية للطلاب المنقطعين عن المدارس، حيث كانت تُرسل الدروس والتمارين عبر البريد، ليقوم الأستاذ بتصحيحها وإعادتها، مما وضع اللبنة الأولى لنظام تعليمي متكامل يعتمد على التباعد الجغرافي.

لقد تبلور مفهوم “التعليم المفتوح” كصيغة تعليمية ثورية تهدف في المقام الأول إلى إزالة كافة العوائق الزمانية والمكانية التي تحول دون وصول الإنسان إلى المعرفة. هذا النظام لم يكتفِ بتجاوز الحدود الجغرافية، بل حطم القيود المرتبطة بالقبول الأكاديمي الصارم، مقدماً فرصة ذهبية، وأحياناً فرصة ثانية، لأولئك الذين حالت ظروفهم الاجتماعية أو الاقتصادية دون إكمال تعليمهم. ويعود الفضل الأكبر في مأسسة هذا المفهوم عالمياً إلى بريطانيا، حين أعلن رئيس وزرائها “هارولد ويلسون” عام ١٩٦٣م فكرة إنشاء “جامعة الهواء”، والتي تُرجمت واقعاً بتأسيس “الجامعة المفتوحة” التي بدأت استقبال آلاف الدارسين في مطلع السبعينيات، معتمدة على الراديو والتلفزيون والمراسلة، لتصبح نموذجاً يُحتذى به في كافة أرجاء المعمورة.

وفي السياق السوداني، لم تكن الحاجة إلى التعليم المفتوح ترفاً أكاديمياً، بل كانت ضرورة تمليها مجموعة من المبررات المعقدة والمتشابكة. جغرافياً، يتميز السودان بمساحاته الشاسعة وتباعد مناطقه، مما يجعل من الصعوبة بمكان على الكثيرين الوصول إلى المؤسسات التعليمية المركزية، فجاء التعليم المفتوح ليذهب هو إلى الدارس في بيته أو مكتبه. سياسياً، أثبت هذا النظام قدرته على الاستمرار في أحلك الظروف وأوقات عدم الاستقرار التي قد تؤدي إلى إغلاق الجامعات التقليدية، وهو ما استلهمه التربويون من تجربة جامعة القدس المفتوحة. أما على الصعيدين الاجتماعي والثقافي، فقد شكل التعليم المفتوح أداة فاعلة لاختراق حواجز التقاليد التي قيدت تعليم المرأة لفترات طويلة، مانحاً إياها فرصة التعلم والتطور من داخل بيئتها. يضاف إلى ذلك المبرر الاقتصادي القوي؛ فتكلفة التعليم المفتوح لا تتجاوز في الغالب نصف تكلفة التعليم التقليدي المقيم، مما يجعله خياراً استراتيجياً للدول النامية. ولم يغفل الكتاب المبرر النفسي الهام، حيث يوفر هذا النظام بيئة آمنة للمتعلمين الذين يعانون من البطء في الاستيعاب، ويشعرون بالحرج في الفصول التقليدية، مما يجنبهم شبح التسرب المدرسي.

لقد عرف السودان إرهاصات هذا النوع من التعليم منذ ثلاثينيات القرن العشرين، عندما لجأ العديد من المتعطشين للمعرفة إلى نظام المراسلة مع المعاهد العربية في مصر والمؤسسات البريطانية، خاصة وأن فرص التعليم النظامي كانت محدودة للغاية آنذاك. وتوالت التجارب السودانية الرائدة في هذا المضمار، ومن أبرزها تجربة معاهد التأهيل التربوي عام ١٩٧٢م التي استلهمت نموذج وكالة “الأونروا” لتدريب المعلمين أثناء الخدمة، مزاوجة بين المادة المطبوعة واللقاءات الدورية. كذلك برزت تجربة وحدة السودان للتعليم المفتوح (سولو)، التي أُسست استجابة لأزمة النازحين واللاجئين الإثيوبيين والإريتريين، موفرة لهم التعليم الثانوي وبرامج محو الأمية والتوعية الصحية عبر التعلم الذاتي. ولا يمكن إغفال مشروع “تلفزيون الجزيرة الريفي” الذي انطلق عام ١٩٧٤م، مستخدماً البث التلفزيوني في أندية المشاهدة بالقرى لنشر التوعية الزراعية والصحية والاجتماعية بين مزارعي مشروع الجزيرة، في تجربة مبكرة لربط التعليم بالتنمية المجتمعية.

ومع الانفجار السكاني والمعرفي، حاولت العديد من الجامعات السودانية التقليدية، مثل جامعة الزعيم الأزهري وجامعة النيلين وجامعة جوبا، استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب عبر تطبيق أنظمة “الانتساب” وتأسيس مراكز للتعليم عن بعد. إلا أن الكتاب يوجه نقداً تحليلياً عميقاً لهذه التجارب، مؤكداً أنها، ورغم إسهامها في توسيع فرص القبول، ظلت حبيسة العقلية التقليدية. فقد اعتمدت هذه الجامعات على المذكرات والكتب ذاتها التي تُدرس للطلاب النظاميين، دون إخضاعها لمعايير التصميم التعليمي الخاص بالتعلم الذاتي، وافتقرت إلى الإسناد الأكاديمي الفعال، وتجاهلت نظام “التعيينات” المستمرة، مكتفية بامتحان نهائي واحد، مما أفقدها الخصائص الجوهرية للتعليم المفتوح الحقيقي.

أمام هذا القصور، بزغ فجر “جامعة السودان المفتوحة” كاستجابة وطنية شاملة وثورة حقيقية في مسار التعليم العالي. بدأت الفكرة تتبلور منذ عام ١٩٨٤م بدفع من رجال التعليم والإعلام، لتتحول إلى واقع ملموس بصدور قرار مجلس الوزراء عام ٢٠٠٢م وقانون الجامعة عام ٢٠٠٤م، معلنة تبنيها الكامل لنظام التعليم المفتوح. انطلقت الجامعة من فلسفة عميقة تؤمن بأن التعليم حق للجميع، محررة المعرفة من قيود الزمان والمكان، ومستلهمة توجيهات الخبير الدولي “جون دانيال” الذي وصف التعليم المفتوح بمثلث مرن متساوي الساقين، يمكن من خلاله تقليص التكلفة إلى أدنى حد، مع رفع مستويات الجودة وزيادة أعداد المستوعبين بصورة غير مسبوقة.

لم تكن جامعة السودان المفتوحة مجرد صرح أكاديمي إضافي، بل أسست لمنظومة تشغيلية معقدة ومتكاملة. فهي لا تعتمد على التلقين، بل تجعل الطالب محور العملية التعليمية. يبدأ هذا النسق من “الكتاب المطبوع” الذي يُعد خصيصاً ليخاطب الدارس الغائب، ويمر بسلسلة من لجان التحكيم والتصميم التعليمي والتدقيق اللغوي، ليصبح أداة قادرة على التوجيه الذاتي. ويُدعم هذا الكتاب بحزمة من الوسائط المساندة كالأشرطة الصوتية والأقراص المدمجة. ولتجسيد مفهوم “الجامعة التي تذهب إلى الدارس”، أنشأت الجامعة إذاعة متخصصة وقناة فضائية تعليمية لكسر عزلة الطلاب في أطراف البلاد. وعلى الأرض، نشرت الجامعة شبكة واسعة من المناطق والمراكز التعليمية في كافة ولايات السودان، حيث لا يُترك الدارس وحيداً، بل يُدعم بـ “مرشد أكاديمي” يتابع مسيرته، و”مشرفين أكاديميين” (Tutors) يلتقون بالطلاب في لقاءات تفاعلية ومباشرة لا تعتمد على المحاضرات التقليدية، بل على الحوار وحل المشكلات.

وقد تجلى النجاح الأعظم لجامعة السودان المفتوحة في تصديها لأكبر أزمة واجهت قطاع التعليم العام، وهي قضية إعداد وتأهيل المعلمين. ففي حين كانت الجامعات التقليدية تعجز عن استيعاب أكثر من عشرة بالمائة من أصل مائة وثلاثين ألف معلم في مرحلة الأساس يحتاجون لرفع مؤهلاتهم لدرجة البكالوريوس، تدخلت الجامعة المفتوحة لتقدم الحل السحري. استطاعت الجامعة تأهيل هؤلاء المعلمين وهم على رأس عملهم، دون أن تضطرهم لترك مدارسهم أو أسرهم، مطبقة برامج للتربية العملية الميدانية تمتد لثلاثة فصول دراسية كاملة بإشراف موجهين مختصين. وتوجت الجامعة جهودها في هذا المضمار بشراكات إقليمية ودولية ضخمة، أبرزها مشاركتها الفاعلة في مشروع تدريب المعلمين في أفريقيا جنوب الصحراء (TESSA)، حيث ترجمت المقررات إلى العربية وواءمتها مع البيئة السودانية، وهو الجهد الذي أهلها بجدارة للفوز بجائزة الملكة إليزابيث الثانية للتفوق العلمي عام ٢٠١٠م، متفوقة على نظيراتها في القارة.

ومواكبةً لروح العصر، رفعت الجامعة شعار “نحو جامعة إلكترونية بالكامل”، موظفة تقنيات الإنترنت عبر نظام (Moodle) لإدارة التعلم، مما أتاح للطلاب التفاعل في فصول افتراضية، وتقديم التعيينات إلكترونياً، والوصول إلى مكتبة رقمية ضخمة تربطهم بأحدث قواعد البيانات العالمية. كما ابتكرت الجامعة استخدام شبكات الهاتف المحمول ونظام الرسائل القصيرة (SMS) للتواصل الفوري مع عشرات الآلاف من الدارسين، لتنبيههم بمواعيد التسجيل والامتحانات، متجاوزة بذلك تعقيدات البريد التقليدي وضعف البنية التحتية في بعض المناطق.

يختتم الكتاب هذا الطرح الشامل بالتأكيد على أن ثورة التعليم المفتوح لا تتوقف عند الحصول على الدرجة الجامعية، بل تفتح الباب واسعاً أمام مفهوم “التعليم المستمر” مدى الحياة. ففي عصر اقتصاد المعرفة ومجتمع المعلومات، تتغير الحقائق وتتطور المهارات بوتيرة مذهلة. ويضرب الكتاب مثالاً بمهنة الطب؛ فالطبيب الذي يتوقف عن التعلم سيجد نفسه عاجزاً أمام مستجدات كالجراحة بالروبوت أو العلاج بالجينات، مما يجعل التعليم الطبي المستمر حتمية للبقاء. وبالمثل، لم تعد محاربة البطالة تعتمد على بناء المصانع الضخمة كما في القرن العشرين، بل ترتكز أساساً على برامج إعادة التأهيل والتدريب المستمر للعمالة والخريجين لمواكبة متطلبات سوق العمل المتغيرة. هكذا، يقدم الكتاب شهادة حية على أن التعليم المفتوح ليس مجرد بديل اضطراري، بل هو الفلسفة التعليمية الأقدر على قيادة المجتمعات نحو المستقبل، وتحويل أحلام التنمية إلى واقع ملموس يلامس حياة كل فرد أينما كان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى