أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

“دع ما لقيصر لقيصر”: كيف تُوظَّف النصوص المقدسة لهندسة العلمانية كمنجز غربي خالص؟

في عالم تتشابك فيه الفلسفة السياسية مع علم اجتماع المعرفة، وتُعاد فيه صياغة النظام الدولي بناءً على تصورات حضارية مسبقة، نادراً ما تكون النصوص التاريخية والدينية مجرد كلمات عابرة. بل تتحول، بمرور الزمن وبتوجيه من نخب محددة، إلى أدوات استراتيجية تُستخدم لرسم الحدود بين “الأنا” الحضارية و”الآخر”. في هذا السياق المعقد، تأتي الورقة البحثية المهمة للباحثة “هانا إم. سترومن” (Hannah M Strømmen) من جامعة لوند السويدية ، والمنشورة عام 2025 في دورية “أبحاث نقدية في الدين” (Critical Research on Religion) ، تحت عنوان دال: “أن تؤدي لقيصر ما لقيصر: تلقي الكتاب المقدس كمصدر للعلمانية”.

تطرح سترومن في هذه الورقة أطروحة جريئة وعميقة، تفكك فيها السردية الغربية المعاصرة التي تحتكر مفهوم “العلمانية” وتصوره على أنه إنجاز غربي مسيحي أصيل. ولعل أهمية هذه المراجعة تكمن في قدرتها على تشريح الكيفية التي يتم بها تسييس النصوص المقدسة، وتحديداً اقتباس العهد الجديد الشهير المنسوب للمسيح: “أعطوا إذاً ما لقيصر لقيصر وما لله لله” ، لتحقيق غايات جيوسياسية وثقافية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وخصوصاً في مواجهة العالم الإسلامي.

هندسة “الآخر”: السياق الجيوسياسي لسنوات التسعينيات وما بعدها

لفهم الجذور العميقة لهذه الظاهرة، تأخذنا الباحثة إلى حقبة مفصلية في تاريخ العلاقات الدولية الحديثة: فترة التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين. لم يكن هذا الاختيار الزمني عشوائياً؛ فمع انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة، فقدَ الغرب “الآخر” الشرقي المتمثل في المعسكر الشيوعي، والذي كان يُعرّف هويته من خلال التضاد معه. وفي خضم هذا الفراغ الاستراتيجي، برزت الحاجة إلى صياغة “آخر” جديد، وكان الإسلام هو المرشح الأبرز لاحتلال هذا الموقع في السردية الغربية.

تشير سترومن إلى أن هذه الفترة شهدت تكثيفاً غير مسبوق للنقاشات حول العلاقة بين “الغرب” و”الإسلام”. وقد تبلور هذا التوجه بوضوح في تنظيرات استراتيجية وفكرية كبرى، مثل مقال المؤرخ برنارد لويس “جذور الغضب الإسلامي” عام 1990 ، وأطروحة “صدام الحضارات” لعالم السياسة صامويل هنتنغتون التي ظهرت كمقال عام 1993 ثم ككتاب عام 1996. هذه الأطروحات لم تكتفِ برسم خطوط التماس السياسي، بل أسست لما يمكن تسميته بـ “حروب الهوية الحضارية”، والتي بلغت ذروتها بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وهي اللحظة التي وُصفت بأنها نقطة تحول فاصلة في السياسة العالمية.

في هذا السياق المتوتر، برز تساؤل جوهري حول طبيعة “المنجز الغربي” الذي يجب الدفاع عنه. وهنا، تم استدعاء مقولة “دع ما لقيصر لقيصر” بشكل مكثف ومتكرر من قبل مفكرين محافظين أمريكيين وأوروبيين. لقد تم تصوير هذه المقولة التوراتية على أنها البذرة الأولى والفريدة التي فصلت بين السلطة الزمنية (السياسة) والسلطة الروحية (الدين)، مما مهد الطريق لظهور العلمانية والديمقراطية في أوروبا وأمريكا، في تناقض صارخ مع الإسلام الذي يُتهم بأنه يدمج بين الدين والدولة.

النص كـ “دال أفرغ من محتواه”: صناعة رأس المال المعرفي

تغوص الباحثة في أعماق علم اجتماع المعرفة لتفكيك آلية عمل هذا الاقتباس. وهي تستند في ذلك إلى مفاهيم تحليلية بالغة الأهمية. المفهوم الأول هو “رأس المال الاعترافي أو الإدراكي” (Recognition capital) الذي صاغته الباحثة في الدراسات الكلاسيكية كلير فوستر. يجادل هذا المفهوم بأن تكرار الإشارة إلى نص كلاسيكي معين بطريقة محددة يخلق حالة من “الألفة” والاعتراف التلقائي بقيمته وسلطته، دون الحاجة للرجوع إلى النص الأصلي أو سياقه التاريخي.

أما المفهوم الثاني فهو تحول النص إلى “دال شِبه مُفرغ” (Emptied signifier)، وهو استعارة من تحليل أنيا توبولسكي لمصطلح “اليهودية-المسيحية”. ما تخلص إليه سترومن هو أن استخدام جملة “دع ما لقيصر لقيصر” في الخطاب الغربي المحافظ لا علاقة له بالفهم اللاهوتي أو بالتفسير الكتابي العميق للعهد الجديد. بل على العكس تماماً، إن هذا الاقتباس يعمل بكفاءة قصوى تحديداً لأنه جرى تفريغه من سياقه التاريخي والديني، ليصبح مجرد شعار سياسي أو “علامة تجارية” حضارية.

توضح الباحثة أن هؤلاء المفكرين المحافظين لا يهتمون بتعقيدات التفسير التي تحيط بهذا النص في الأناجيل (متى، مرقس، ولوقا). فالنص الأصلي يتحدث عن محاولة الفريسيين والهيرودسيين الإيقاع بالمسيح بسؤاله عن جواز دفع الجزية لقيصر الروماني. ولم يكن لدى المسيح أو معاصريه في العالم القديم أي تصور لمفهوم “العلمانية” الحديث أو الفصل المؤسسي بين الكنيسة والدولة بالشكل الذي نعرفه اليوم، حيث أثبت علماء العالم القديم أن التمييز بين “الدين” و”السياسة” هو إسقاط تاريخي مفارِق لزمنه (Anachronistic).

ومع ذلك، يتم استدعاء هذا الاقتباس القصير جداً وتكراره باستمرار كقاعدة تأسيسية صلبة. هذا التكرار—كما تؤكد كلير فوستر—ليس بريئاً أو محايداً على الإطلاق. إنه أداء استراتيجي يهدف إلى تثبيت سردية التفوق الحضاري؛ فمن يمتلك هذا النص ضمن تراثه (أي الغرب المسيحي) يمكنه أن يحتفل بمنجزاته العلمانية الحداثية، ومن يفتقده في نصوصه المقدسة (أي الإسلام والقرآن) يُترك في الخارج، متخلفاً، ومفتقراً للأساس النصي الذي يتيح له التطور نحو العلمانية.

مهندسو الصدام الحضاري: كيف تحول النص إلى عقيدة جيوسياسية؟

في هذا الجزء من قراءتنا التحليلية للورقة البحثية الاستثنائية التي قدمتها هانا إم. سترومن، ننتقل من الإطار النظري وعلم اجتماع المعرفة إلى التطبيق العملي. كيف تم توظيف مقولة “دع ما لقيصر لقيصر” لتشكيل بنية النظام الدولي ثقافياً؟ ترصد سترومن تبلور هذه السردية من خلال تتبع أعمال نخبة من المفكرين والمؤرخين وعلماء السياسة المحافظين، الذين شكلت كتاباتهم ما يشبه “البيان التأسيسي” للعقلية الغربية في تعاطيها مع العالم الإسلامي خلال مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

يبدأ الخيط التحليلي مع المؤرخ البريطاني-الأمريكي البارز برنارد لويس، وتحديداً في مقاله الشهير “جذور الغضب الإسلامي” المنشور في مجلة “أتلانتيك” عام 1990. يجادل لويس بأن فكرة فصل الدين عن السياسة، رغم اعتبارها حديثة نسبياً، إلا أن جذورها العميقة تعود إلى البدايات الأولى للمسيحية، مستشهداً بالنص الإنجيلي الذي يحث المسيحيين على أن “يؤدوا لقيصر ما لقيصر ولله ما لله”. هذا التفسير، وفقاً للويس، أسس لشرعية وجود مؤسستين متوازيتين: الكنيسة والدولة.

من هذه النقطة اللاهوتية، ينطلق لويس لبناء رؤية استراتيجية عالمية. فهو يرى أن العالم الإسلامي، على النقيض من ذلك، لم يشهد هذا التطور العلماني؛ فمحمد لم يكن نبياً فحسب، بل كان حاكماً وجندياً ورأس دولة، مما جعل التشابك بين الديني والسياسي أمراً عضوياً في الإسلام. وبناءً على ذلك، يفسر لويس العداء الإسلامي للغرب بأنه “حرب ضد العلمانية”، وبما أن الولايات المتحدة هي الوريث الشرعي للحضارة الأوروبية، فقد ورثت هذا الغضب الذي يستهدف تراثاً “يهودياً-مسيحياً” وحاضراً علمانياً.

لم تكن أطروحة لويس سوى حجر الأساس الذي شيد عليه عالم السياسة الأمريكي صامويل هنتنغتون نظريته الأوسع انتشاراً “صدام الحضارات”، سواء في مقاله عام 1993 أو كتابه عام 1996. يقسم هنتنغتون العالم إلى حضارات متمايزة بناءً على أسس ثقافية ودينية، جاعلاً من الدين الفارق الجوهري بينها. وفي سعيه لتعريف “الاستثناء الغربي”، يضع هنتنغتون الثنائية بين السلطة الروحية والزمنية كإحدى أهم ركائز الحضارة الغربية.

يستعير هنتنغتون، ببراعة واقتضاب، الشعار التوراتي، ليقرر أن التمييز بين “الله وقيصر” كان ثنائية سائدة في الثقافة الغربية، بينما في الإسلام “الله هو قيصر”. ورغم اعتراف هنتنغتون بتراجع الممارسة الدينية في أوروبا، إلا أنه يصر على أن المفاهيم والقيم المسيحية لا تزال تتخلل الحضارة الأوروبية. بالنسبة له، هذا الفصل بين مجالي الله وقيصر هو المفهوم المسيحي الغربي الذي يساهم بشكل لا يُقاس في تطور الحرية، وهو يقف في تعارض جذري مع مفهوم الإسلام كأسلوب حياة يوحد الدين والسياسة. تلاحظ سترومن هنا أن هنتنغتون يستخدم النص الكتابي كاقتباس عابر ومبتسر، دون أي محاولة للغوص في معانيه اللاهوتية، مكتفياً بتوظيفه كأداة سريعة (Shorthand) لإثبات تغلغل القيم المسيحية في العلمانية الغربية.

الفلسفة الأوروبية وتأصيل “الاستثناء الغربي”

لم تقتصر هذه الهندسة المعرفية على الضفة الأمريكية من الأطلسي، بل امتدت لتجد صدى عميقاً في الفلسفة الأوروبية المحافظة، التي سعت لترسيخ الهوية الأوروبية في مواجهة تحولات النظام الدولي. تبرز هنا إسهامات الفيلسوف الفرنسي المحافظ ريمي براغ (Rémi Brague) في كتابه “أوروبا، الطريق الروماني” (الصادر عام 1992، والمترجم للإنجليزية بعنوان الثقافة اللامركزية: نظرية الحضارة الغربية).

ينشغل براغ بالبحث عن “جوهر” أوروبا، رافضاً اعتبار الهوية الأوروبية معطى طبيعياً، بل حقيقة ثقافية مرنة تتشكل في تميزها عن “الآخر”. ويرى براغ أن ما يمنح أوروبا والمسيحية تفردهما هو القدرة على التمييز بين الروحي والزمني، مقتبساً بشكل صريح ومباشر كلمات المسيح حول “ضرورة أن نؤدي لقيصر ما لقيصر، ولله ما لله” (متى 22:17). هذا الظهور للمجال “الدنيوي” أو “العلماني”، كما يحلل براغ، هو نتاج مباشر لفكرة التجسد المسيحية، وهو ما غاب تماماً عن العالم الإسلامي.

على النحو ذاته، ينخرط الفيلسوف والمفكر البريطاني المحافظ روجر سكروتون (Roger Scruton) في هذا الجدل التأسيسي من خلال كتابيه “الثقافة الحديثة” (1998) و”الغرب والبقية” (2002). يقدم سكروتون سرداً تاريخياً يربط فيه بقوة بين التراث الكتابي وظهور العلمانية، معتبراً أن الحضارة الغربية نشأت من معتقد ديني ونص مقدس، قبل أن تنتقل إلى فضاء الشك والنقاش المفتوح.

يضع سكروتون حدوداً صارمة بين الغرب الذي “تحكمه السياسة” وبقية العالم الذي “تحكمه القوة”. ويؤكد أن الديانة المسيحية، بفضل أمثلة مثل قصة أموال الجزية واستخدام القديس بولس للقانون الروماني، شجعت على التنظيم القانوني العلماني الذي لا يدعي سلطة إلهية. وفي كتابه الذي تلا هجمات الحادي عشر من سبتمبر، يشن سكروتون هجوماً صريحاً على الإسلام، مدعياً أن القرآن لا يفصل بين المجالين العام والخاص، وبما أن “كل شيء مستحق لله، فالنتيجة أنه لا شيء مستحق لقيصر”. يقابل سكروتون ذلك بالرؤية الغربية حيث توجد سيادة وطنية وقانون علماني، وهو إرث مسيحي رسخ “مثال الحكومة العلمانية”، متناقضاً بشكل جذري مع القرآن الذي تؤسس فيه الأوامر الإلهية للنظام القانوني.

هكذا، تكشف الورقة كيف تم تحويل لاهوت مسيحي قديم ومعقد إلى صك ملكية حصري للعلمانية، يُستخدم لرسم خرائط معرفية وسياسية تفصل بين حضارة غربية تملك في بذورها نصاً يسمح لها بالتطور، وحضارة إسلامية تُصوّر على أنها أسيرة نص يمنعها من إدراك الحداثة.

من النخبة الأكاديمية إلى الجماهير: النص التوراتي في الخطاب الشعبوي

إذا كانت أروقة الفلسفة والعلوم السياسية قد تكفلت بوضع اللبنات النظرية الأولى لأسطورة “الاستثناء الغربي” عبر توظيف النص الإنجيلي، فإن هذه السردية لم تلبث أن غادرت أبراجها العاجية لتجتاح الفضاء العام والثقافة الشعبية. في هذا الجزء من قراءتنا لورقة هانا إم. سترومن، نتتبع الكيفية التي تحول بها اقتباس “دع ما لقيصر لقيصر” من أداة تحليلية في مقالات برنارد لويس وصامويل هنتنغتون، إلى سلاح أيديولوجي ماضٍ في أيدي علماء الاجتماع الجماهيريين، والصحفيين ذوي الانتشار الواسع، والشخصيات العامة المثيرة للجدل. لقد كان الهدف واضحاً: تحويل هذه المقولة اللاهوتية إلى “عقيدة جيوسياسية” تُباع لملايين القراء حول العالم، لتبرير تفوق الغرب وتكريس الخوف من الإسلام.

الرأسمالية، العقل، وانتصار الغرب: مقاربة رودني ستارك

تتوقف الباحثة عند عالم الاجتماع الأمريكي البارز رودني ستارك (Rodney Stark)، وكتابه الصادر عام 2006 بعنوان “انتصار العقل: كيف قادت المسيحية إلى الحرية، الرأسمالية، والنجاح الغربي”. يمثل هذا الكتاب نقلة نوعية في توظيف السردية؛ فستارك يغادر خندقه الأكاديمي الصارم في علم الاجتماع ليكتب لـ “القارئ العام”، مستهدفاً رسم لوحة جدارية كبرى لتاريخ “الثقافة الغربية”.

في هذا العمل، لا تُختزل المسيحية في كونها مجرد دين، بل تُقدم باعتبارها المحرك الأول والأوحد للرأسمالية والعقلانية. وكما هي العادة في هذه السلسلة من الأدبيات، لا تكتمل صورة “الذات” الغربية المشرقة إلا باستحضار “الآخر” المظلم، وهو هنا الإسلام. يقتبس ستارك أفكار برنارد لويس ليؤكد أن النبي محمد لم يكن مجرد نبي بل قائد دولة، مما جعل الإسلام ديناً “يُضفي طابعاً مثالياً على اندماج الدين والحكم السياسي”.

وفي المقابل، وبحركة سردية سريعة وخاطفة، يُرجع ستارك الفضل في فكرة فصل الكنيسة عن الدولة إلى المسيح شخصياً، مستحضراً النص السحري إياه: “أعطوا إذاً ما لقيصر لقيصر وما لله لله”. يفسر ستارك هذا التوجه العلماني المبكر جزئياً بأن المسيحية بدأت كأقلية مضطهدة ومهمشة، مما أجبرها على التكيف وتطوير مسافة آمنة بينها وبين السلطة السياسية. هنا، نرى بوضوح كيف يُوظف الاقتباس كحجر زاوية لبناء صرح حضاري كامل، دون التوقف لحظة لمساءلة السياق التاريخي للنص في القرن الأول الميلادي، أو التعقيدات اللاهوتية التي أحاطت بتفسيره طوال ألفي عام.

أوريانا فالاتشي وفوبيا “أورابيا”: النص كعلامة تجارية

من التنظير السوسيولوجي في أمريكا، تنتقل بنا سترومن إلى الضفة الأخرى من الأطلسي، حيث يتخذ الخطاب طابعاً أكثر حدة وشعبوية ودرامية على يد الصحفية الإيطالية ذائعة الصيت أوريانا فالاتشي (Oriana Fallaci). لم تكن فالاتشي أكاديمية، بل كانت صوتاً صحفياً هادراً كرس سنواته الأخيرة للتحذير مما أسمته “أسلمة أوروبا”. عبر كتابيها الأكثر مبيعاً “الغضب والكبرياء” (2001) و”قوة العقل” (2004)، لعبت فالاتشي دوراً محورياً في ترويج نظرية المؤامرة المعروفة بـ “أورابيا” (Eurabia)، والتي تدعي وجود خطة ديموغرافية وثقافية خبيثة لإخضاع أوروبا ثقافياً ودينياً لصالح المسلمين.

رغم إعلان فالاتشي عن إلحادها، واصفة نفسها بـ “الملحدة المسيحية”، إلا أنها تستلهم المسيحية بعنفوان كـ “جوهر” للحضارة الغربية التي يجب حمايتها من “التلوث”. تشن فالاتشي هجوماً لاذعاً على المؤسسة الكنسية المعاصرة، لكنها في الوقت ذاته تحتفي بشخصيتي المسيح والقديس بولس باعتبارهما ملهمي العلمانية.

ولعل أكثر التعبيرات فجاجة ودلالة على تحول النص المقدس إلى “دال مفرغ” وشعار استهلاكي، هو الطريقة التي صاغت بها فالاتشي المقولة التوراتية. لقد كتبتها في سلسلة طويلة موصولة بالشرطات (Hyphenated): “دع-لقيصر-ما-ينتمي-لقيصر-ولله-ما-ينتمي-لله”. هذا التشكيل الطباعي الغريب لا يعكس نصاً دينياً يُتأمل في معانيه، بل يحاكي تعويذة سحرية، أو شعاراً سياسياً (Slogan)، أو حتى شفرة هوية (Identity code) تُميز المواطن الغربي العلماني عن “الغزاة” المسلمين المتربصين بحضارته.

العلم، الحضارة، والمحاكمة المفتوحة: فيرغسون وهيرسي علي

لم تتوقف عجلة الاستنساخ لهذا النص عند فالاتشي. ففي العقد التالي، وتحديداً في عام 2011، أصدر المؤرخ الاسكتلندي ذو النفوذ الواسع نيال فيرغسون (Niall Ferguson) كتابه “الحضارة: الغرب والبقية”. يسعى فيرغسون لتفسير الهيمنة الغربية الاستثنائية، رابطاً بين الثورة العلمية وعصر التنوير من جهة، وبين “المبدأ المسيحي الأساسي القائل بوجوب فصل الكنيسة عن الدولة” من جهة أخرى.

يضع فيرغسون اقتباس متى (22:21) في مواجهة مباشرة وحادة مع القرآن، مدعياً أن الآية القرآنية تصر على “عدم قابلية تجزئة شريعة الله كما أوحى بها للنبي، ووحدة أي بنية سلطة قائمة على الإسلام”. ونتيجة لهذا الفارق الجوهري في “النصوص المؤسسة”، يفسر فيرغسون “التخلف العلمي” في الإمبراطورية العثمانية والعالم الإسلامي بـ “السيادة المطلقة للدين”، مقدماً سرداً اختزالياً يتجاهل قروناً من الازدهار العلمي الإسلامي والتعقيدات المؤسسية لتلك الإمبراطوريات.

تتوج سترومن استعراضها لهذه النماذج بالشخصية العامة الهولندية-الأمريكية آيان هيرسي علي، من خلال كتابها “المهرطقة: لماذا يحتاج الإسلام إلى إصلاح الآن” الصادر عام 2015. تنطلق هيرسي علي، التي نشأت مسلمة قبل أن ترتد وتتحول إلى نقد الدين (ثم لاحقاً اعتناق المسيحية)، من فرضية أن العنف السياسي متأصل في الإسلام كنص وأيديولوجيا.

تستخدم هيرسي علي نفس المنطق المقارن الذي اعتمده سابقوها؛ فالمسيحية، وفقاً لها، تم “تشكيلها منذ بدايتها لتتعايش مع الدول والإمبراطوريات”، بينما سعى الإسلام “منذ البداية ليكون الكنيسة والدولة والإمبراطورية”. ولتأكيد هذا الفارق الهيكلي، تستحضر مبدأ المسيح بضرورة “إعطاء قيصر ما لقيصر”، معتبرة إياه الأساس الذي سمح للمسيحيين واليهود بالخضوع لقوانين مدنية تختلف عن قوانينهم الدينية، في تناقض مع الشريعة الإسلامية التي تستمد شموليتها من القرآن والحديث.

هكذا نرى إجماعاً مذهلاً بين هؤلاء الكتاب، من أوائل التسعينيات وحتى عام 2015. لم يهتم أي منهم بتقديم تفسير لاهوتي أو تاريخي رصين للنص. لقد تم استنساخ المقولة وتكرارها كحقيقة مطلقة ومُسلّم بها، لتقوم بوظيفة واحدة: العمل كعلامة فارقة، وبوصلة أخلاقية، وحجة دامغة تُثبت أن العلمانية هي إرث مسيحي نقي، وأن الإسلام هو النقيض الجذري لهذا الإنجاز الحضاري.

آليات التزييف المعرفي: المفارقة التاريخية ومحو الذاكرة الصراعية لأوروبا

لا تكتفي الباحثة هانا إم. سترومن في ورقتها برصد المظاهر الخارجية وتتبع أسماء المفكرين الذين تداولوا مقولة “دع ما لقيصر لقيصر”، بل تنتقل إلى عمق العملية النقدية لتشريح البنية الداخلية لهذا الخطاب. إنها تسعى للإجابة عن سؤال منهجي حاسم: كيف ينجح خطابٌ يفتقر إلى الدقة التاريخية والعمق اللاهوتي في الهيمنة على العقل السياسي الغربي المعاصر؟ وتكشف الباحثة أن هذه الهيمنة تتحقق عبر استراتيجيتين معرفيتين رئيستين: الأولى هي “المفارقة التاريخية المتعمدة” (Anachronism)، والثانية هي “المحو المنظم للذاكرة التاريخية الصراعية” في أوروبا.

وهم “النص المؤسس” والمفارقة التاريخية

توضح سترومن أن أولى خطايا هذا الخطاب المحافظ هي إسقاط مفاهيم حداثية معقدة بأثر رجعي على عالم قديم لم تكن تلك المفاهيم قد خطرت له على بال. عندما يتم استدعاء جملة المسيح حول أموال الجزية لقيصر، فإن المفكرين—من لويس إلى هيرسي علي—يتعاملون معها وكأنها بيان دستوري صادر عن دولة حديثة تفصل بين السُلطات.

إلا أن الدراسات التاريخية واللاهوتية النقدية المعاصرة، التي تستشهد بها الباحثة، تؤكد أن عالم القرن الأول الميلادي في فلسطين تحت الحكم الروماني لم يكن يعرف تمايزاً بين ما هو “ديني” وما هو “سياسي” بالمعنى الحديث. فالقيصر الروماني لم يكن حاكماً علمانياً مدنياً، بل كان يمثل سلطة ثيوقراطية وإمبراطورية تُضفي على نفسها طابعاً إلهياً أو شبه إلهي، وكانت المطالبة بدفع الجزية جزءاً من منظومة خضوع ديني وسياسي متكاملة. وبالمثل، لم تكن إجابة المسيح تؤسس لـ “علمنة الدولة”، بل كانت إجابة استراتيجية ذكية ومحايدة للنجاة من فخ سياسي نصبه له خصومه.

إن تحويل هذا النص السياقي إلى “بذرة جينية” للعلمانية الغربية يمثل، في نظر سترومن، نوعاً من “المفارقة التاريخية الفجة”. هذه المفارقة تعمل على إفراغ النص من واقعه التاريخي المعقد، وإعادة شحنه كمفهوم أيديولوجي حديث يُستخدم حصرياً لرسم الحدود الثقافية بين الغرب والشرق. وهنا يتجلى مفهوم “رأس المال الإدراكي”؛ إذ يصبح النص مألوفاً ومقبولاً تلقائياً لدى الجمهور الغربي لا لأنه صحيح تاريخياً، بل لأن تكراره المستمر في وسائل الإعلام والكتب الأكثر مبيعاً صَنَع منه “حقيقة بديهية” لا تقبل النقاش.

تاريخٌ بلا دماء: كيف تُمحى الصراعات من سردية “الهبة المسيحية”؟

الاستراتيجية الثانية والأخطر التي تفككها الباحثة هي عملية “تطهير التاريخ” (Sanitization of History). في السردية التي يروجها هنتنغتون، وسكروتون، وستارك، تبدو العلمانية وكأنها ثمرة طبيعية ناضجة سقطت من شجرة المسيحية بسلاسة وسلام، بمجرد أن قرأ الأوروبيون إنجيل متى. هذا الاختزال المعرفي يمحو قروناً طويلة ومريرة من الصراعات الدامية والحروب الدينية التي طحنت القارة الأوروبية.

تذكرنا سترومن بالواقع التاريخي الذي يتجاهله هؤلاء المفكرون عمداً: إن العلمانية في أوروبا لم تكن هبة من النص الديني، بل كانت انتزاعاً شاقاً ومخضباً بالدماء ضد سلطة المؤسسة الكنسية التي استمرت لقرون في ممارسة حكم ثيوقراطي شمولي. لقد ولدت الأفكار العلمانية الحديثة، وحقوق الإنسان، وحرية الضمير من رحم المعاناة والحروب التي تلت حركة الإصلاح البروتستانتي، وتحديداً حرب الثلاثين عاماً (1618-1648) التي مزقت أوروبا، وصراعات التنوير والتحولات الثورية العنيفة مثل الثورة الفرنسية.

إن تصوير العلمانية كمنجز مسيحي خالص، نابع مباشرة من كلمات المسيح، يحجب حقيقة أن الكنيسة الكاثوليكية والمؤسسات الدينية الأرثوذكسية والبروتستانتية قاومت التحديث والعلمنة والديمقراطية بضراوة لقرون طويلة. وعبر هذا المحو المنظم، يتم تحويل العلمانية من مفهوم تولد عبر صيرورة تاريخية واجتماعية واقتصادية معقدة وصراعية، إلى “ميزة عرقية وثقافية ثابثة” متأصلة في النصوص التأسيسية للغرب.

تجاوز المركزية الغربية: أطروحة “العلمانيات المتعددة”

في الجزء الأخير من البناء التحليلي لورقتها، تسعى سترومن إلى تقديم بديل نظري يتجاوز هذه المركزية الغربية الخانقة. وهي تستعين هنا بأطروحة عالمة اجتماع الدين الألمانية مونيكا فولراب-زار (Monika Wohlrab-Sahr) وكريستوف كلاينه (Christoph Kleine) حول “العلمانيات المتعددة” (Multiple Secularities).

تجادل هذه الأطروحة بأن العلمانية ليست نموذجاً واحداً فريداً وصيغة معولمة يجب على الجميع محاكاتها، ولا هي حكرٌ على مسار تاريخي مسيحي معين. بل إن العلمانية هي عبارة عن “استجابات بنيوية ومؤسسية” للمشاكل والتحديات التي تظهر في سياقات حضارية واجتماعية مختلفة، عندما يتطلب الأمر التمييز بين مجالات السلطة المختلفة لحل النزاعات، أو لإدارة التنوع الثقافي، أو لضمان استقرار الدولة.

توضح سترومن، بالاستناد إلى هذا الإطار، أن التمييز بين السلطة السياسية والسلطة الروحية، أو تنظيم العلاقة بين العام والخاص، هو ظاهرة يمكن رصدها وتتبعها تاريخياً في حضارات مختلفة خارج الفضاء الأوروبي المسيحي، بما في ذلك التاريخ الإسلامي نفسه، والسياقات الآسيوية مثل الصين واليابان، دون الحاجة لوجود نص إنجيلي يشرعن ذلك. ففي التاريخ الإسلامي، على سبيل المثال، كانت هناك مساحات واسعة وعملية للفصل بين سلطة الخليفة أو السلطان الزمنية (السياسة والحكم) وبين سلطة الفقهاء والعلماء (الشريعة والفتوى)، وهو تميز بنيوي تمايزت فيه ممارسة الحكم عن المرجعية الدينية المطلقة في محطات تاريخية عديدة.

من خلال تبني مفهوم “العلمانيات المتعددة”، تُوجّه الباحثة ضربة قاضية لادعاءات الاحتكار الثقافي. إنها تكشف أن ربط العلمانية باقتباس “دع ما لقيصر لقيصر” ليس قراءة علمية للتاريخ، بل هو “أداء جيوسياسي” (Geopolitical performance) يهدف إلى عزل العالم الإسلامي وحرمانه من أهليته للحداثة، من خلال الإصرار على أن العلمانية تتطلب “جينات نصية مسيحية” لا يمتلكها.

أسطورة “التحالف اليهودي-المسيحي”: محو الذاكرة وتسطيح التاريخ

تتوقف سترومن بذكاء نقدي لافت عند إشكالية استخدام مفهوم “الغرب اليهودي-المسيحي”، مشيرة إلى أن هذا الاستخدام لا يخلو من إشكاليات عميقة؛ فهو يبتلع الديانة اليهودية ويذيبها داخل المسيحية، مما يؤدي إلى تجانسهما قسراً وكأنهما تقليد واحد متطابق. تعتمد الباحثة هنا على تحليلات أنيا توبولسكي التي تتبعت جينالوجيا (تاريخ تشكل) هذا الدال اللغوي، لتكشف عن مفارقة تاريخية مذهلة: لقد كان مصطلح “اليهودية-المسيحية” يُستخدم في ألمانيا خلال القرن التاسع عشر كوصمة سلبية للإشارة إلى تلوث المسيحية الكاثوليكية وتأثرها باليهودية، في مقابل مسيحية بولسية (بروتستانتية) زُعم أنها أكثر نقاءً وتفوقاً.

أما اليوم، وفي القرن الحادي والعشرين، فقد تم إفراغ هذا الدال تماماً من دلالته التاريخية السلبية، ليُعاد شحنه بدلالات إيجابية، ولكن بوظيفة إقصائية جديدة تستهدف استبعاد المسلمين حصراً. هذا التوظيف المعاصر يعمل على “تسطيح” اليهودية وتحويلها إلى مجرد “بادئة لغوية غامضة” (Vague prefix) تُضاف إلى المسيحية. والأسوأ من ذلك، وفقاً لسترومن، أن هذا الدمج المفتعل يُستخدم كستار ملائم لتهميش ومحو قرون من معاداة اليهودية واللاسامية التي وسمت التاريخ الغربي.

تكتسب هذه النقطة أهمية مضاعفة عندما نربطها بتاريخ تفسير نص “دع ما لقيصر لقيصر” نفسه. تُشير سترومن، مستندة إلى دراسات سابقة، إلى أن العديد من المفسرين في القرن التاسع عشر استخدموا هذا النص بلهجة معادية لليهود، حيث تم تصويرهم على أنهم يعتقدون بإمكانية أن يحكم الله المجتمع، وبالتالي فهم “عاجزون عن الفصل بين ما هو روحي وما هو دنيوي”. المفارقة الكبرى هنا هي أن نفس التهمة—التي استُخدمت تاريخياً في أوروبا لوصم اليهود وإقصائهم بحجة عجزهم عن استيعاب العلمانية—قد تم تدويرها اليوم وإعادة توجيهها بالكامل نحو المسلمين ليلعبوا دور “الآخر” الذي يُبرز هوية الغرب المسيحي أو اليهودي-المسيحي.

نحو سوسيولوجيا معرفية متحررة في العلاقات الدولية

تمثل ورقة هانا إم. سترومن إضافة نوعية ومهمة للباحثين في مجالات العلاقات الدولية، والدراسات الاستراتيجية، وعلم اجتماع المعرفة. إنها تفضح الكيفية التي تُصنع بها السرديات الحضارية الكبرى، ليس من خلال الحقائق الموضوعية، بل عبر الانتقاء الموجه، والبتر السياقي، والتكرار المؤسسي الذي يحول الأيديولوجيا إلى “حقيقة بديهية”.

إن السردية التي تحتكر العلمانية وتجعلها وقفاً مسيحياً وغربياً حصرياً، بناءً على مقولة مبتسرة صدرت في سياق الإمبراطورية الرومانية، ليست مجرد ترف أكاديمي أو خطأ في التأريخ. إنها أداة هيمنة أيديولوجية تُستخدم في تبرير السياسات الإقصائية، وتغذية فوبيا الإسلام، ورسم خرائط الصراع الثقافي والجيوسياسي في عالم اليوم.

في الختام، تدعونا هذه الورقة المرجعية إلى ممارسة أقصى درجات اليقظة النقدية تجاه النصوص والخطابات التي تبدو “بديهية” في الثقافة السياسية العالمية. وتؤكد على أن الطريق إلى نظام دولي أكثر توازناً، واستيعاباً للفلسفات السياسية المتنوعة، لا يمر عبر احتكار فضيلة الحداثة وربطها تعسفياً بنصوص مقدسة معينة، بل يمر عبر الاعتراف بـ “العلمانيات المتعددة”، وبقدرة الحضارات المختلفة على صياغة مساراتها الخاصة نحو التحديث، دون الحاجة لانتظار صك غفران، أو ختم جودة، من “قيصر” الغرب وتأويلاته الاستراتيجية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى