مقالات الرأيإقتصاد

 أزمة وزارة المالية السودانية: بين متاريس اتفاق سلام جوبا وشبح الحرب الأهلية نوار الربيع  بقلم: عبد الرحمن إبراهيم الكنين

أزمة وزارة المالية السودانية: بين متاريس اتفاق سلام جوبا وشبح الحرب الأهلية

 

نوار الربيع

بقلم: عبد الرحمن إبراهيم الكنين

 

 

يعيش السودان اليوم واحدة من أخطر أزماته السياسية والاقتصادية منذ عقود وهي أزمة لا تقتصر شظاياها على أرقام الموازنة العامة أو معدلات التضخم الكارثية بل تمتد لتضرب في عمق السلم الاجتماعي والوحدة الوطنية. في قلب هذه العاصفة تقف وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي بقيادة د. جبريل إبراهيم، ليس فقط كجهة مسؤولة عن إدارة اقتصاد دولة منهارة بفعل الحرب، بل كبؤرة للصراع السياسي ومحور لاتهامات وتجاذبات قد تعصف بما تبقى من كيان الدولة.

التمسك باتفاقية جوبا: الحق الذي يراه الآخرون متأخراً

منذ تسلمه حقيبة المالية ظل د جبريل إبراهيم رئيس حركة العدل والمساواة متمسكاً ببنود اتفاق جوبا لسلام السودان الموقع في أكتوبر 2020. يرى جبريل ومؤيدوه أن هذا الاتفاق خط أحمر وأن الاستحقاقات المالية المخصصة لمسارات السلام خاصة دارفور والمنطقتين هي حقوق تاريخية لتنمية مناطق عانت من التهميش العقود الطويلة

ومع ذلك يرى منتقدو هذا التمسك الصارم أنه تحول إلى ممارسة انتقائية تركز على المحاصصة السياسية والامتيازات المالية للحركات المسلحة، دون النظر إلى الواقع الجديد الذي فرضته الحرب الحالية والتي غيرت أولويات الإنفاق القومي بالكامل.

إهدار المال العام للحركات.. وتجميد شريان التنمية

تتصاعد الأصوات المنددة بآلية إدارة الموارد داخل أروقة وزارة المالية، حيث تشير التقارير والاتهامات المتداولة إلى وجود تسييس واسع في توزيع الأموال وإهدار للمال العام عبر تخصيص ميزانيات ضخمة وإعفاءات جمركية وضريبية واعتمادات مالية لصالح الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا.

هذا الإنفاق الموجه نحو تمكين النخب السياسية والعسكرية للحركات جاء على حساب أمرين حيويين:

1. *إيقاف التنمية الشاملة:* تجمدت كافة المشروعات التنموية والخدمية في الولايات الأخرى، وعجزت الدولة عن الإيفاء بمرتبات العاملين في القطاع العام وتدهورت الخدمات الصحية والتعليمية والبنية التحتية إلى مستويات غير مسبوقة.

2. *غياب الشفافية:* تحولت المالية إلى ما يشبه الإقطاعية الحزبية التي تُدار بآليات تفتقر إلى الرقابة المؤسسية مما عمق الإحباط الشعبي وأجج الغبن لدى قطاعات واسعة من السودانيين الذين يرون ثروات بلادهم تُبدد في وقت يتضور فيه الملايين جوعاً.

معادلة الكرسي أو السلاح: التهديد بشن الحرب

لعل البعد الأكثر خطورة في هذه الأزمة هو تحول منصب وزير المالية من موقع خدمي وتكنوقراطي إلى رهينة عسكرية فقد ارتبطت الأنباء والتقارير السياسية بتهديدات مبطنة وصريحة من قادة الحركات وعلى رأسهم جبريل إبراهيم بالعودة إلى مربع الحرب أو سحب قواتهم من جبهات القتال الحالية إذا ما تمت الإطاحة به من منصبه أو إذا جرت محاولات لإعادة هيكلة الوزارة بعيداً عن محاصصات اتفاق جوبا.

هذه التهديدات تضع الدولة السودانية في ابتزاز حقيقي حيث يُقايض الاستقرار الأمني بالسيطرة على الخزينة العامة مما ينسف مفهوم الدولة المدنية ويجعل من الاقتصاد القومي غنيمة حرب لا يمكن المساس بها دون إشعال فتيل مواجهة جديدة.

المخرج والحل: خارطة طريق لإنقاذ الاقتصاد والسيادة

إن استمرار الوضع الحالي في وزارة المالية هو بمثابة قنبلة موقوتة. ولتفكيك هذه الأزمة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه نقترح الحلول الشاملة التالية:

تجميد المحاصصات وتفعيل ميزانية الطوارئ: يجب إعلان حالة طوارئ اقتصادية تُجمد بموجبها كافة البنود السياسية والمحاصصات المرتكزة على اتفاق جوبا مؤقتاً وتوجيه كل قرش في الخزينة العامة نحو: إعانة النازحين دعم القطاع الصحي توفير السلع الأساسية ودفع رواتب الخدمة المدنية

*تكنوقراطية وزارة المالية:* إبعاد وزارة المالية تماماً عن المحاصصة الحزبية والحركات المسلحة وتعيين لجنة من الخبراء الاقتصاديين السودانيين المستقلين (التكنوقراط) لإدارتها وفق معايير الشفافية والمحاسبة الدولية.

*مراجعة وإعادة صياغة اتفاق جوبا:* السلام لا يعني إفلاس الدولة. يجب مخاطبة الحركات المسلحة بمسؤولية وطنية لإعادة التفاوض على الآليات المالية لاتفاق جوبا، لكي تتسق مع مقدرات الدولة الفعلية الحالية وربط أي دعم مالي ببرامج دمج وتسريح حقيقية (DDR) وليس بتمويل النخب. (الدمج في الجيش او التسريح

*إنهاء الابتزاز العسكري وتوحيد القرار:* يجب على قيادة الدولة مجلس السيادة والجيش اتخاذ موقف حازم يرفض ربط المواقف العسكرية بالامتيازات المالية إن الأمن القومي لا يجوز أن يكون سلعة تُقايض بالحقائب الوزارية وتوحيد السلاح تحت راية العقيدة الوطنية هو السبيل الوحيد لإنهاء تهديدات الحروب البينية

*تفعيل الرقابة الشعبية والمستقلة:* تأسيس مفوضية مستقلة لمكافحة الفساد ومراجعة الحسابات الختامية لوزارة المالية عن الفترة السابقة لنشر الحقائق وتحديد أوجه الصرف وإيقاف التجنب الضريبي والإعفاءات غير القانونية.

*خاتمة:*

إن الوفاء بالعهود والاتفاقيات أمر محمود لكن عندما يصبح الاتفاق معبراً لتبديد موارد شعب يموت بالمسغبة وتحت القصف، وعندما يتحول الكرسي الوزاري إلى متراس يهدد أمن البلاد، يصبح التغيير واجباً وطنياً لا يقبل التأجيل. على الحركات المسلحة أن تدرك أن حكم السودان وإدارة موارده ينبغي أن ينطلق من تفويض الشعب وصندوق الانتخابات والعدالة التوزيعية، لا من فوهة البندقية والابتزاز السياسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى