حكومة “كامل إدريس” .. هل هي ضحية إستهداف منظم أم ضحية صمتها الإعلامي؟ الشاذلي حامد المادح

حكومة “كامل إدريس” .. هل هي ضحية إستهداف منظم أم ضحية صمتها الإعلامي؟
الشاذلي حامد المادح
منذ تعيين د. كامل إدريس رئيساً لمجلس الوزراء في مايو 2025م لم تتوقف الألة الإعلامية الموازية عن إنتاج و تدوير الأخبار الكاذبة و تكفي نظرة فاحصة على وتيرة و نوعية هذه الشائعات – الممتدة من التشكيك في المؤهلات و السن عند التعيين مروراً بتزوير وثائق الإمتيازات لمسؤولي الدولة في أبريل 2026م وصولاً إلى فبركة دوافع زيارة الفاتيكان في مايو 2026 – لنكتشف أننا لسنا أمام أخبار مغلوطة عفوية بل أمام ظاهرة لافتة تتأرجح مسبباتها بين فرضيتين أساسيتين : الإستهداف السياسي المدروس أم الفراغ الرهيب الذي خلّفه غياب الغطاء الإعلامي للحكومة .
*فرضية الإستهداف الممنهج ..*
تُظهر نوعية الشائعات التي تلاحق (حكومة الأمل) أن هناك “غرفاً إعلامية” تتعمد إختيار ملفات ذات حساسية بالغة لضرب شرعية الحكومة في مقتل .. فالأمر هنا يتجاوز مجرد المعارضة السياسية إلى إستهداف ركائز الدولة :
* ضرب الثقة الإدارية و الاقتصادية .. نشر شائعة فصل 57 ألف موظف من الخدمة المدنية (في مايو 2026) بالتزامن مع تسريب معلومات مغلوطة حول زيادة الأعباء الضريبية و الجباية ليس مجرد خبر كاذب بل هو تكتيك مقصود لضرب الجبهة الداخلية و تحريض الشارع المثقل بأعباء الحرب ضد الطاقم التنفيذي .
* عزل الحكومة دولياً و تشوية اختراقاتها .. عندما تنجح الحكومة في إنتزاع إعتراف أكاديمي و دبلوماسي رفيع مثل دعوة (اتحاد أكسفورد) أو زيارة الفاتيكان في مايو 2026م تنشط غرف الفبركة فوراً لتجهيض هذا النجاح ، تارة عبر ادعاء “إلغاء المناظرة بضغط من الناشطين” و تارة عبر فبركة “طلب الشفاء و البركة بنبرة عقائدية” للعب على أوتار العاطفة الدينية للجمهور و تشويه الأهداف الحقيقية للزيارة المتمثلة في حشد الدعم الإنساني و إنهاء الحرب .
* التشويش الدستوري .. إطلاق قوائم وزراء مفبركة (مثل ترشيح نور الدين ساتي للخارجية في يونيو 2025) و نسب تصريحات لرئيس الوزراء قبل أدائه القسم ، يستهدف إظهار الحكومة بمظهر الخاضع للمحاصصات و خلخلة البناء الدستوري قبل أن يبدأ .
*فرضية الفراغ الإعلامي ..*
رغم وضوح نية الإستهداف إلا أن البيئة التي تتحرك فيها هذه الشائعات تكشف عن ثغرة قاتلة في جسد الحكومة : غياب الغطاء و الاتصال الإستراتيجي المبادر .. ذلك أن تتبع الأزمات الإعلامية الأخيرة يثبت أن الجهاز التنفيذي يتبنى تكتيك (الدفاع و رد الفعل المتأخر) بدلاً من الهجوم و إمتلاك المبادرة :
* صناعة الغموض بذريعة السرية .. غياب رئيس الوزراء في نوفمبر 2025م في مهمته الخارجية إلى سويسرا أثار لغطاً كبيراً و فتح الباب لتكهنات الإقالة أو التدهور الصحي . هذا الغموض صُنع بأيدي الحكومة ، لأن مكتب رئيس الوزراء لم يعلن عن المهمة “المجدولة” مسبقاً ، مما جعل بيانه اللاحق يظهر بمظهر المدافع و المبرر بدلاً من كونه مصدراً موثوقاً للمعلومة .
* الإكتفاء ببيانات النفي .. يتعامل الإعلام الحكومي مع الشائعات بعقلية “مكافحة الحرائق” بعد إشتعالها .. فالبيانات الصادرة لنفي وثائق الإقامات الأوروبية لأبناء المسؤولين (أبريل 2026) أو تفنيد مقال عزمي عبد الرازق و ما نشره موقع (Sky Sudan) تأتي دائماً بعد أن تكون الشائعة قد قطعت شوطاً كبيراً في صياغة الوعي العام و تثبيت الفكرة السلبية .
*خلاصة ذلك كله ..*
إن الكثافة غير المسبوقة للشائعات ضد رئيس الوزراء د. كامل إدريس هي نتاج تكامل خطير بين فرضية الإستهداف و ثغرة الفراغ .. فالإستهداف السياسي الخارجي و الداخلي يبحث عن ثغرة ليتسلل منها و غياب الغطاء الإعلامي الإستباقي و التكتم غير المبرر على التحركات الرسمية هو الذي يخلق هذا الفراغ الرهيب .
طالما ظلت الحكومة تعتمد على (بيانات النفي) اللاحقة كوسيلة وحيدة للمواجهة فإنها ستظل في موقع المدافع ذلك أن السلاح الأقوى لقطع الطريق على حملات الإغتيال المعنوي و الإستهداف الممنهج ليس النفي بل المبادرة بإتاحة المعلومة و تمليكها للشارع قبل أن تصيغها غرف التضليل .




