مقالات الرأي

هل تمثل الانشقاقات بداية النهاية لحرب 15 أبريل؟ د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

هل تمثل الانشقاقات بداية النهاية لحرب 15 أبريل؟

د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

 

تكشف التطورات الأخيرة داخل قوات الدعم السريع عن تحولات مهمة في مسار الحرب السودانية، إذ لم تعد المواجهات العسكرية وحدها العامل الحاسم في تحديد اتجاهات الصراع، بل برزت الانقسامات الداخلية والانشقاقات كعامل مؤثر في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والعسكري. فعندما تبدأ قيادات ميدانية وسياسية في الابتعاد عن القيادة المركزية أو إعلان مواقف مغايرة، فإن ذلك غالبًا ما يعكس وجود اضطراب داخلي وتراجع في مستوى الثقة والانسجام داخل التنظيم.

وتشير تجارب الحروب الأهلية عبر التاريخ إلى أن كثيرًا من النزاعات المسلحة لا تُحسم فقط بالقوة العسكرية المباشرة، وإنما تبدأ مراحل نهايتها عندما تتعرض البنية الداخلية للجماعات المقاتلة إلى التآكل، وتفقد القيادة قدرتها على السيطرة وتوحيد القرار. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الانشقاقات الجارية في الساحة السودانية باعتبارها مؤشرًا على دخول الحرب مرحلة جديدة، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة قرب انتهائها بصورة فورية، لأن النزاعات المعقدة غالبًا ما تمر بمراحل متدرجة من الضعف والتفكك قبل الوصول إلى التسوية أو الحسم النهائي.

ويبقى ملف المقاتلين والعناصر المسلحة من أكثر القضايا تعقيدًا في أي مرحلة انتقالية بعد الحرب. فبعض الأفراد قد يختارون العودة إلى مجتمعاتهم ومناطقهم الأصلية، بينما قد ينخرط آخرون في ترتيبات أمنية أو برامج لإعادة الدمج والتأهيل، في حين قد تستمر مجموعات أخرى في حمل السلاح نتيجة دوافع متعددة، من بينها الخوف أو المصالح المرتبطة باستمرار النزاع. ولذلك فإن مرحلة ما بعد الحرب تتطلب مشروعًا وطنيًا شاملًا يعالج قضايا العدالة والمساءلة وإعادة الإدماج بصورة متوازنة، بما يمنع ظهور بؤر جديدة للعنف أو الفوضى الأمنية.

وفي المقابل، فإن أبرز ما تكشفه الانشقاقات الحالية هو أن مشروع الحرب الممتدة يواجه تحديات داخلية متزايدة، وأن عددًا من القيادات والعناصر ربما باتوا أكثر إدراكًا لحجم الخسائر التي خلّفها استمرار الصراع على الدولة والمجتمع. ومن هنا، لم يعد السؤال الأساسي مقتصرًا على من يحقق التفوق العسكري، بل أصبح يدور حول الكيفية التي يمكن بها للسودان أن يتجاوز هذه الحرب بأقل قدر ممكن من الانقسامات والتداعيات المدمرة.

إن السودان اليوم في حاجة إلى رؤية وطنية تتجاوز منطق الانتقام والاستقطاب، وتتجه نحو بناء دولة قوية تستند إلى سيادة القانون، وتحافظ على وحدة المؤسسات، وتمنع تكرار ظاهرة التشكيلات المسلحة خارج إطار الدولة. فالحروب، مهما امتدت، لا بد أن تصل إلى نهايتها، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في شكل الدولة التي ستنشأ بعد الحرب، وفي قدرة السودانيين على إعادة بناء وطنهم على أسس السلام والاستقرار والعدالة الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى