السـودان… كمـا لا تـراه أمانـي الطويـل عمار العركي

السـودان… كمـا لا تـراه أمانـي الطويـل
عمار العركي

▪️في مقالها “مصر بين الإلهام والهيمنة”، تحاول د. أماني الطويل تقديم صورة تقول فيها إن الحضور المصري في السودان والمنطقة ليس “هيمنة”، بل مجرد “ثقل حضاري” طبيعي ناتج عن التاريخ والثقافة والجغرافيا. وهذا في حد ذاته حق مشروع، فمصر دولة كبيرة ومؤثرة، ولا أحد ينكر وزنها التاريخي والثقافي. لكن المشكلة في المقال ليست في الدفاع عن مصر، وإنما في الطريقة التي قُدم بها هذا الدفاع، وما حمله من تناقضات وتعالٍ ناعم على السودان تحت غطاء أكاديمي هادئ.
▪️منذ البداية، حرصت الكاتبة على تقديم نفسها كصوت محايد يرفض “الشوفينية” و”التفاخر الوطني” و”السجال”، لكن المقال نفسه سار في الاتجاه المعاكس تماما. فهي تقول إنها لا تؤمن بالتفاخر ولا بالتاريخ كإنجاز، ثم تعود وتجعل التاريخ المصري أساسا لفكرة “الإلهام” و”التميز” و”الثقل الحضاري” لدحض فكرة “الهيمنة”. وتقول إنها لا “تدافع عن مصر”، بينما المقال كله قائم على تبرير الدور المصري وإعادة تفسير أي انتقاد له باعتباره سوء فهم أو حساسية من “الثقل المصري”.
▪️الأخطر من ذلك أن الكاتبة أغلقت الباب أمام أي نقد سوداني، حين ربطت الحساسية السودانية تجاه مصر بما أسمته “أزمة الهوية السودانية”. وهنا تحولت القضية من “تحليل سياسي” طبيعي بين بلدين إلى “تحليل نفسي وهوياتي” يوحي بأن المشكلة ليست في السياسات أو طريقة التعامل، بل في السودانيين أنفسهم. وكأن السودان يعاني من أزمة تعريف للذات أمام مصر، لا من علاقة غير متوازنة أو من تراكمات سياسية وإعلامية معروفة.
هذه الفكرة تحديدا تحمل قدرا واضحا من التعالي، حتى وإن جاءت بلغة هادئة. لأن أي نقد سوداني لمصر يصبح في هذه الحالة مجرد انعكاس لعقدة أو حساسية، وليس موقفا سياسيا أو فكريا له أسبابه الواقعية.
▪️كذلك حاول المقال تقديم النفوذ المصري باعتباره أمرا طبيعيا وبريئا، فقط لأنه لا يقوم على القوة العسكرية المباشرة. لكن الحقيقة أن الهيمنة ليست دائما بالقوة والدبابات والجيوش. أحيانا تكون الهيمنة عبر الإعلام والثقافة وصناعة الصورة الذهنية، وعبر تقديم تجربة خاصة باعتبارها معيارا ونموذجا يجب أن يعمل به الجميع. وهذا بالضبط ما فعله المقال عندما قدم التجربة المصرية كأنها النموذج الأكثر نضجا في بناء الدولة، مقابل تصوير السودان كدولة ما تزال عالقة في القبيلة وأزمة الهوية والانتماءات الأولية.
▪️السودان في المقال لا يظهر كتجربة مختلفة لها ظروفها وتعقيدها الخاص، بل كحالة تحتاج إلى “الإلهام المصري” حتى تكتمل. وكأن مصر هي الصيغة الأعلى والأكثر نضجا، بينما أي طريق مختلف يصبح دليلا على التعثر أو النقص. وهذه نظرة تتجاهل تماما أن لكل بلد ظروفه وتاريخه المختلف.
▪️المفارقة أيضا أن المقال يتحدث كثيرا عن نجاح الدولة المركزية المصرية، لكنه يتجاهل أزمات هذا النموذج نفسه. فمصر تواجه أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية كبيرة، وتعاني من مركزية شديدة وتفاوت واضح، لكن المقال يتعامل فقط مع فكرة “استمرار الدولة” باعتبارها دليلا على النجاح، دون النظر إلى طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع أو حجم الأزمات داخل هذا النموذج.
وفي المقابل، يتم اختزال السودان في صورة الدولة الضعيفة والمجتمع القبلي، رغم أن ما حفظ السودان طوال سنوات الحرب والانهيار لم يكن الدولة المركزية، بل المجتمع السوداني بكل مكوناته. فشبكات التكافل والتعاضد، والعلاقات الاجتماعية، والروابط الأهلية لعبت دورا كبيرا في منع الانهيار الكامل، بينما تعامل المقال مع هذه العناصر كأنها مجرد بقايا تخلف أو مرحلة ما قبل الدولة.
*_خلاصة القول ومنتهاه_ :*
المشكلة ليست في الاعتراف بمكانة مصر وتأثيرها، فهذا أمر ليس محل نقاش، وإنما في تحويل هذا التأثير إلى معيار يُقاس به الآخرون، وفي النظر إلى السودان دائما من زاوية النقص مقارنة بالكمال المصري، لا من زاوية ما يملكه هو من خصوصية وقدرات وتجربة مختلفة.
▪️العلاقة بين السودان ومصر أكبر من فكرة “المُلهم والمتلقي”، وأعمق من خطاب التعالي والتفوق. فالسودان ليس نسخة ناقصة من أحد، كما أن مصر لا تحتاج إلى خطاب استعلائي ناعم حتى تثبت مكانتها. وما يحتاجه البلدان فعلا هو علاقة تقوم على الاحترام المتبادل، لا على فكرة أن مصر بلغت السمو والكمال، بينما يظل السودان مجرد مشروع غير مكتمل.




