مقالات الرأي

الشريف محمد بن علي الحسني يكتب : ماذا بعد إيران في ميزان الشرق الأوسط؟

حرب بلا نهاية واضحة: ماذا بعد إيران في ميزان الشرق الأوسط؟
بقلم:الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس مؤسسة الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
ومؤرخ وباحث في التاريخ السياسي والفكري

لا يمكن الجزم باتجاهات الحرب الراهنة التي اتسعت رقعتها لتشمل أجزاء واسعة من منطقة الخليج والشرق الأوسط، لكن المؤكد أن قرار الرئيس الأمريكي Donald Trump شنّ الحرب على Iran أدخل المنطقة والعالم في واحدة من أخطر الأزمات منذ 2003 invasion of Iraq، بما تحمله من تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية عميقة. فالمسألة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحوّلت إلى لحظة مفصلية قد تعيد تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط بأسره.

تكمن خطورة الأزمة في أن الحرب اندلعت دون وجود رؤية واضحة لما سيحدث بعد إيران. فالتاريخ الحديث يعلّمنا أن إسقاط الأنظمة لا يعني بالضرورة بناء دول مستقرة، بل قد يفتح الباب أمام فراغات استراتيجية خطيرة. وإذا سقط النظام الإيراني دون وجود بديل سياسي منظم قادر على ضبط الدولة ومؤسساتها، فإن الاحتمال الأقرب هو انفجار داخلي متعدد المستويات: صراعات بين التيارات السياسية والعسكرية، حركات انفصالية في الأطراف، وتنافس إقليمي ودولي على النفوذ في بلد يمتد جغرافيًا على مفترق طرق آسيا والشرق الأوسط.

وقد شهد العالم نموذجًا قريبًا لذلك بعد إسقاط نظام Saddam Hussein عام 2003، حين أدى انهيار الدولة إلى سنوات طويلة من الفوضى والصراع الطائفي والتدخلات الخارجية. وإذا تكرر هذا السيناريو في إيران، فإن تداعياته ستكون أوسع بكثير، نظرًا لحجم إيران السكاني والجغرافي، ولتشابكها السياسي والعسكري مع عدد كبير من الساحات الإقليمية.

أما الاحتمال الآخر فهو بقاء النظام الإيراني مع تعرضه لضربات قاسية، وهو سيناريو قد يدفع إلى صعود تيار أكثر تشددًا داخل الدولة يسعى للثأر وإعادة تعريف الصراع باعتباره معركة وجودية. وفي مثل هذه الحالات تميل الدول التي تتعرض لضربات خارجية إلى الانغلاق والتصلب بدل الانفتاح، مما قد يحوّل الأزمة إلى حرب استنزاف طويلة تمتد عبر ساحات متعددة في المنطقة.

وفي المقابل، تبدو فرضية التغيير السريع للنظام على غرار ما حاولت بعض القوى فعله في Venezuela مع الرئيس Nicolás Maduro غير واقعية في الحالة الإيرانية. فإيران ليست دولة معزولة بالكامل، بل تمتلك شبكة تحالفات إقليمية وأدوات نفوذ واسعة، إضافة إلى بنية داخلية متماسكة نسبيًا تجعل انهيارها السريع احتمالًا أقل ترجيحًا، وإن كان انهيارها التدريجي احتمالًا قائمًا.

إن الأزمة الراهنة تكشف مأزقًا استراتيجيًا أعمق من مجرد حرب عسكرية؛ فالقوى الكبرى قد تكون قادرة على إشعال الحروب، لكنها كثيرًا ما تعجز عن إدارة نتائجها. ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه المنطقة اليوم ليس من سيربح هذه الحرب، بل كيف يمكن منع انهيار التوازن الإقليمي إذا خرجت إيران من المعادلة كدولة مستقرة.

فالتاريخ القريب يثبت أن الفراغات الجيوسياسية الكبرى لا تبقى فارغة طويلًا، بل تتحول سريعًا إلى ساحات صراع مفتوح بين القوى المحلية والإقليمية والدولية. ولذلك تقف المنطقة اليوم على عتبة مرحلة انتقالية قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات، وربما تعيد تعريف مفهوم الأمن في الشرق الأوسط كله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى