مقالات الرأي

تفكيك “العقل الإعلامي المأزوم”.. الشاذلي حامد المادح 

تفكيك “العقل الإعلامي المأزوم”..

 

الشاذلي حامد المادح

 

لم تكن تصريحات وزير الثقافة و الإعلام خالد الأعيسر على شاشة “الجزيرة مباشر” و التي تحدث فيها عن أصوات تتلقي أموالا مقابل الدفاع عن الجيش ، مجرد “زلة لسان” أو سقطة تواصلية لمسؤول في حكومة حرب .. إنها في العمق ، أزمة كاشفة و بنيوية تضع الإصبع على جرح غائر في جسد الدولة و الإعلام السوداني على حد سواء .. لتفكيك هذه الأزمة يجب ألا ننظر إليها كخصومة شخصية بين وزير و كتّاب ، بل كعرض لمرض أعمق يتصل بتشوه الفضاء العام و غياب المؤسسية .

 

*أزمة المهن العامّة و سقوط جدار الإستثناء الأخلاقي*

 

المنطلق الأساسي لتفكيك هذه المعضلة يبدأ من الإقرار بحقيقة سوسيولوجية عامة .. الفساد و الارتزاق آفتان عابرتان للمهن . لا توجد مهنة معصومة ، فالصحافة – كبقية المهن من طب و هندسة و محاماة – تضم الشريف الذي يدفعه الضمير، و الإنتهازي الذي تحركه المنفعة .

علاوة على ذلك ، فإن ظاهرة “النائحة المستأجرة” ليست إبتكاراً سودانياً و لا حكراً على معسكر دون آخر ، فالمليشيا و دولة الشر الداعمة لها تملك مطابخ إعلامية ممولة بمليارات الدولارات و صحفيين يتحركون بـ “الدفع المقدم” .

الأزمة هنا لم تكن في (وجود) هذا التشوه ، بل في أن ينطق به “رجل الدولة الأول” المسؤول عن إعلام الحرب و بتعميم مخل أطاح بالحدود الفاصلة بين النقد البنّاء و الإتهام العشوائي .

 

*مأزق “رجل الدولة” و عقلية “الناشط”*

 

تكمن المشكلة الكبرى في الخلط بين موقعين .. موقع “الناشط و المحلل التلفزيوني” و موقع “الوزير و المسؤول التنفيذي” :

 

* الناشط .. يملك ترف إطلاق الأحكام المفتوحة و الفضفضة الإنفعالية و تصفية الحسابات السياسية عبر الشاشات .

* رجل الدولة .. محكوم بقانون الحصافة و الدبلوماسية الرسمية و مبدأ (المسؤولية عن حماية الجبهة الداخلية) .

 

عندما صعد الوزير إلى المنصة الرسمية محاطاً بـ (غبائن شخصية) و ضيق من نقد أدائه التنفيذي ، استبدل خطاب الدولة بخطاب الخصومة .. إن نطق المسؤول بالحقيقة العارية دون امتلاك الشجاعة لتسمية الأشياء بمسمياتها و سوق الأدلة و المستندات ، يتحول فوراً إلى (تضليل مغلف) يضع ألاف الإعلاميين الشرفاء الذين يقاتلون بجهدهم و أقلامهم و دون مقابل في خندق إتهام واحد .

 

*تسييل “معركة الكرامة” و خدمة سردية العدو*

 

الخسارة الأكبر في هذا الإنفعال الإعلامي هي الضرر الإستراتيجي بالخطاب الوطني .. على مدى أشهر إستبسلت غرف المليشيا الإعلامية و ناشطو المحاور لإثبات سردية مفادها أن الإستنفار الشعبي و الدعم الإعلامي للقوات المسلحة هو (صناعة إعلام مأجور) يتم تحريكه عبر المكافآت المالية (تطبيق بنكك) .

عندما يأتي وزير إعلام الحرب ليصرح – و بطريقة غير مباشرة – بأن هناك أموالاً تُدفع و إستجلاباً للمواقف ، فإنه يمنح الخصم (إقراراً مجانياً) و شهادة توثيق لسرديته .. لقد أفرغ هذا التصريح معركة الوعي من محتواها القيمي و صوّر الإلتفاف الشعبي التلقائي حول الجيش و كأنه حملة علاقات عامة مدفوعة الثمن .

 

*البنية الهيكلية المشوهة .. غياب القانون و سيطرة “السيولة”*

 

لو كانت هناك مؤسسات إعلامية حقيقية لما أحدثت هذه التصريحات كل هذا الإرتجاج .. الأزمة الحقيقية تتصل مباشرة بـ التشوه الهيكلي للإعلام السوداني الذي يعاني من :

 

* غياب القانون الإطاري .. لا توجد تشريعات واضحة تنظم المهنة و تحميها و تحدد شروط الممارسة .

* تعطيل المجالس الفاعلة .. الفشل في تعيين و إسناد مجلس الصحافة و المطبوعات و المؤسسات التنظيمية منذ أعوام ترك الساحة الإعلامية في حالة سيولة كاملة ، يختلط فيها الصحفي المهني بالدخيل و الناشط .

* كسل إعلام الدولة .. تعيش المؤسسات الرسمية (الإذاعة والتلفزيون ووكالات الأنباء) حالة من العجز و الكسل المهني مما جعل الدولة تعتمد كلياً على المبادرات الذاتية لصحفيين مستقلين و منصات خاصة لتقوم بدور “الناطق الرسمي” و المدافع عن الدولة .

 

*الخلط بين قدسية المؤسسة و تجارة المناصب*

 

التفكيك الأعمق للأزمة يتطلب فرزاً دقيقاً للمفاهيم ، فالجيش كمؤسسة شرعية و راسخة يلتف حولها الشعب بفطرته السليمة دفاعاً عن أرضه و عرضه ، لا يحتاج إلى (حارقي بخور) أو أقلام دفع مسبق كما هو الحال في إعلام المليشيا .

لكن الأزمة تكمن في أن بعض القادة و الوزراء، و الولاة في الحكومة أو في الولايات ، إستغلوا حالة الحرب و حاجة بعض أصحاب الظروف الصعبة ، فاستجلبوا أقلاماً للتطبيل لـ “أشخاصهم و مناصبهم” و ليس للدفاع عن الوطن .. هذا الخلط بين “الدفاع عن المؤسسة الباقية” و “التجارة بالمناصب الزائلة” هو الذي أحدث التصدع الأخلاقي و المالي الذي أشار إليه تحقيق “بيت الجالوص” منذ ذلك الزمان و سيظل الحال على ما هو عليه ما لم تكون هناك معالجة جذرية للإعلام .

 

جاء توضيح الوزير اللاحق محاولة تقليدية للإستدراك و الحد من الأضرار حيث حاول حصر التهمة في (فئة قليلة من الدخلاء و المبتزين) ، مؤكداً أن رفض الدولة للإستجابة لإبتزازهم هو دليل نزاهة لا دليل إدانة .. و مع ذلك فإن هذا التوضيح لم يمحُ الأثر فالأزمة كشفت أن الدولة تدار أحياناً بعقلية ردود الأفعال و أن المنظومة الإعلامية المساندة لها هشّة و قابلة للإختراق و الإضطراب عند أول منعطف شخصي .. إن تفكيك هذه القضية يثبت أن الإعلام الوطني بحاجة عاجلة إلى (ثورة تشريعية و مؤسسية) تضع حداً للإسترزاق و تلزم المسؤولين بسمت رجال الدولة و تفصل بوضوح بين ثوابت الوطن و مصالح الأشخاص .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى