خالد عويس يكتب :السودان الذي في خاطري.. مصر التي في خاطري

السودان الذي في خاطري.. مصر التي في خاطري
خالد عويس
يقال، إن الزعيم السوفييتي، جوزيف ستالين، حين أضحى الجيش النازي على أبواب بلاده، حث شعبه على الدفاع عنها: اخرجوا ودافعوا عن وطن بوشكين ودوستوفيسكي وإيفان تورجنيف وتشيخوف وغوغول وتولستوي وتشايكوفسكي.
اختار ستالين أعظم عقول بلاده من الأدباء والموسيقيين لإلهام الشعب.
الآن، وفي غمرة موجات الشعبوية والكراهية التي تجتاح وسائل التواصل الاجتماعي فإن السودان الذي في خاطري، رغم ظروفه الحالية، هو وطن الطيب صالح وعبد الله الطيب ومحمد الفيتوري ومحمد وردي وعبد الكريم الكابلي وخليل فرح والتجاني يوسف بشير وإدريس جماع ومعاوية ومحمد نور وغيرهم من فطاحلة السودان.
ومصر التي في خاطري هي وطن عباس العقاد وطه حسين وزكي نجيب محمود وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ والدكتور أحمد زكي وخليل عبد الكريم ونجيب محفوظ وأمل دنقل وصلاح عبد الصبور وصلاح جاهين ويحيى الفخراني وجمال حمدان وميلاد حنا وغيرهم من فطالحة مصر.
إن أوطانا أنجبت مثل هؤلاء العظماء، مع حجم تأثير هائل – بفكرهم وفنهم وإبداعهم – لا يمكن التقليل من شأنها، ولا يمكن لشعوبها إلا أن تكن لبعضها بعضا احتراما كبيرا، فمن أجل عين تكرم ألف عين، من أجل عين نجيب محفوظ والطيب صالح
تكرم كل الأعين في شمال وجنوب الوادي.
وإن غاب هؤلاء العمالقة أو جلهم اليوم، فمن باب أولى أن نستلهم منهم، أن نمضي على درب الترفع عن الصغائر، أن نكون كبارا، أن نعضد روح العلم والفكر لا الشعبوية والكراهية.
أرى ذلك، وفي البال ما نقرأه يوميا في وسائل التواصل الاجتماعي، من سيول الكراهية وتأجيج المشاعر السلبية بين شعبين جارين بينهما تاريخ عريق، وتأثير متبادل، وأواصر قربى ودم وتمازج، وفي المقابل أيضا، بعض جراح التاريخ والسياسة، التي لا بد من تطهيرها علميا ليستقيم المستقبل. لمصر أياد بيضاء على السودان طوال تاريخه، كما أن للسودان أياد بيضاء على مصر. فمن عمق كوش القديمة انطلق بيعانخي ليوحد مصر المنقسمة آنذاك سياسيا ودينيا، ومن عجب أن “العهد القديم” يشير في بعض أسفاره إلى كوش ومصر جنبا إلى جنب.
وأعاد السودان لمصر معنوياتها المشتتة بعد 67 حين خرجت الخرطوم عن بكرة أبيها لاستقبال عبد الناصر بل وعقد مصالحة تاريخية بينه وبين الملك فيصل عليهما رحمة الله.
السودان لم يؤثر على نفسه خصاصة أرض ومدينة كاملة ابتلعتها مياه السد العالي ولم يضن بذلك على مصر لكي تمضي على درب النهضة. ومصر والسودان، إلى جانب الضلع الثالث في هذه الجغرافيا الحضارية، أسسا الاتحاد الإفريقي لكرة القدم. وكان السودان إلى جانب مصر في حروبها، بل وسعى الإمام المهدي لمبادلة القائد البريطاني، تشارلز غوردون، بالزعيم المصري، أحمد عرابي ليضمن له الحرية في 1885. ولا يعلم الكثيرون ربما أن السودان فتح مطاراته لأسراب سلاح الجو المصري في 67، وقبل ذلك أمضى العملاق عباس العقاد شهورا في الخرطوم التي أبعدته إليها سلطات الاحتلال البريطاني أثناء الحرب العالمية الثانية. ولم يطالب السودان أبدا بمقابل لنحو 6 مليارات من حصته المائية سنويا، تنساب لمصر تحمل معها المحبة والخصب والجيرة الحسنة، دونما من أو أذى.
وبذات المستوى، ومنذ فجر التاريخ، قدمت مصر للسودان الكثير، دون من أو أذى. يكفي مصر أنها فتحت أبوابها وقلبها للملايين الذين فروا من جحيم الحرب، فوجدوا في شوارعها ومقاهيها وأزقتها حبا وإعزازا وتعاطفا. وقبل ذلك، كان للسودان حضور باهر في أروقة الأزهر الشريف برواقي السنارية ودارفور، وامتد هذا التواصل العلمي في المدارس المصرية في السودان وجامعة القاهرة فرع الخرطوم التي كانت صرحا تعليميا وثقافيا أيضا، فبعض كبار عقول مصر عاشت بين السودانيين وتلاقحت الأفكار بين هؤلاء وبعض ألمع العقول السودانية.
ومن عجب أيضا، أن محمل الكعبة المشرفة كان ينطلق من القاهرة ودارفور معا. فلنتأمل هذا التماثل التاريخي المذهل.
في الشق الديني كذلك، تهوي أفئدة السودانيين والمصريين سويا لسيدنا الحسين والسيدة زينب وذي النون المصري والمرسي أبو العباس ولمشايخ التصوف وطرقه في البلدين، وليس في الأمر عجب أن يمدح الشيخ البرعي “مصر المؤمنة بأهل الله”، وليس فيه عجب أن تتشابه الكنائس هنا وهناك.
غنت السيدة أم كلثوم للشاعر السوداني، الهادي آدم، وغنى الكابلي لمصر، بل وغنى القصيدة الوحيدة المغناة ربما للعقاد: شذى زهر ولا زهر. هذا حين كانت الخرطوم والقاهرة، كلتاهما تنضحان بالعمق والوعي والثقافة، لا يتصدر مشهدهما أنصاف وأرباع المثقفين، وفيالق الجهلاء الذين يشيعون الكراهية دون أي أسس معرفية !
يثور الجدل أحيانا بشأن التاريخ الورائي، وكأنما الأمر منافسة بين
السودان ومصر، إلا أن المنطق يقول إن التأثيرات الحضارية المتبادلة بين الشعبين تقف شاهدة على الدوام على آصرة ينبغي أن نعض عليها بالنواجذ، لأن ذلك هو المستقبل الذي ننشد لأجيالنا القادمة.
إن مستقبلا يقوم على تعزيز كل هذا التاريخ، وتقوية المصالح، وترسيخ وعي شامل بكل هذه الأبعاد يتطلب جهودا مشتركة بين الجانبين، رسميا وشعبيا، ل:
مؤتمرات تبحث جوانب التعاون الاقتصادي والثقافي والإعلامي والفني.
دراسة أسباب وجذور المشكلات التاريخية وحلها بطرق علمية.
التشديد على المصالح في جوانبها كلها.
رؤية جديدة للمستقبل وآفاقه تشمل كل دول الجوار تقوم على المصالح والتعاون.




