د. سراج الدين عبد الغفار يكتب: مناجاة الشاكرين عند الإمام الشافعي
مناجاة الشاكرين عند الإمام الشافعي
من رُزق شكر الله على النعم، فهو بحاجة إلى شكر الله تعالى مرة أخرى على أن وفّقه لشكره، فهذه في حد ذاتها نعمة أخرى تحتاج إلى شكر. ومن هنا تتجلى منزلة الشكر في حياة المؤمن، إذ إن العبد لا يشكر الله على النعمة فحسب، بل يشكره كذلك على توفيقه للشكر عليها.
وقد عبّر الإمام الشافعي عن هذا المعنى في أبيات شعرية بديعة، تعد من أروع ما قيل في العبودية والرضا والشكر لله تعالى:
إذا كان شكري نعمة الله نعمةً
علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله
وإن طالت الأيام واتصل العمر
إذا عم بالسراء عم سرورها
وإن خص بالضراء أعقبها الأجر
وكان الإمام الشافعي يسمي هذه الأبيات «مناجاة الشاكرين»، لما تحمله من معنى عميق في إدراك فضل الله تعالى على عبده، حتى في لحظة شكره له.
وهذا المعنى نفسه تناوله عدد من العلماء في كتبهم، ومنهم الإمام الغزالي رحمه الله في كتاب إحياء علوم الدين، في كتاب الشكر، حيث أشار إلى أن الشكر على النعمة هو في ذاته نعمة من الله تعالى تستوجب شكراً آخر، وأن شكر العبد لله نعمة تستحق أن يشكر الله عليها.
كما تحدث ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين عن حقيقة الشكر، مبيناً أن الشكر يكون بالقلب خضوعاً واستكانة، وباللسان ثناءً واعترافاً، وبالجوارح طاعة وانقياداً. ومن أعظم صور الشكر أن يشكر العبد ربه على توفيقه له للشكر، لأن هذا التوفيق من أعظم النعم.
وأشار ابن رجب الحنبلي رحمه الله في جامع العلوم والحكم إلى أن من شكر الله على نعمه زاده الله من فضله، وأن هذه الزيادة نفسها نعمة جديدة تستوجب الشكر، فيبقى الشكر دائراً لا ينقطع.
وبذلك يمكن فهم الشكر على أنه سلسلة متتابعة من النعم والاعتراف بفضل الله تعالى. فالنعمة الأولى هي النعمة ذاتها، كالإيمان والصحة والرزق وسائر ما أنعم الله به على الإنسان. ثم تأتي النعمة الثانية، وهي توفيق الله للعبد حتى يدرك هذه النعمة ويشكره عليها. ثم تأتي النعمة الثالثة، وهي قبول الله لشكر العبد وزيادته له من فضله، كما قال تعالى: «لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ».
وهكذا يدرك المؤمن أن الشكر ليس مجرد كلمات يرددها اللسان، وإنما هو حال من الخضوع والاعتراف بفضل الله، يظهر أثره في القلب واللسان والجوارح. وكلما ازداد العبد إدراكاً لنعم الله عليه، ازداد شعوره بأنه عاجز عن أداء حق هذه النعم، فيلجأ إلى الله طالباً منه أن يعينه على شكره.
المصادر:
- الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المنهاج، الجزء الرابع، الصفحات 81 إلى 88.
- ابن القيم، مدارج السالكين، دار الكتاب العربي، الجزء الثاني، الصفحات 177 إلى 182.
- ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم، دار ابن رجب، الصفحات 397 إلى 400، ومؤسسة الرسالة، الصفحات 282 إلى 285.
- الإمام الشافعي، ديوان الإمام الشافعي، دار الكتب العلمية، الصفحة 42.
د. سراج الدين عبد الغفار عمر




