مقالات الرأي

سراج الدين عبدالغفار يكتب : مثال يختصر الدنيا كلها في جملة واحدة

🟢*كل ما ضاقت بك الدنيا تذكر: “فلينظر بم يرجع*

⭕️سراج الدين عبد الغفار عمر
*مثال يختصر الدنيا كلها في جملة واحدة.*

: *حقيقة الدنيا أمام نعيم الآخرة*:
*قال رسول الله ﷺ*:
(** ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بمَ يرجع **).
*رواه مسلم (2858)*

*1. تشبيه نبوي بليغ يخاطب العقل:*
هذا الحديث النبوي العظيم يوضح بجلاء ضآلة الدنيا وقصر مدتها وفناء نعيمها، مقارنة بالآخرة وعظمتها وخلود نعيمها. فشبه الرسول ﷺ حيز الدنيا وما فيها من متاع بالنسبة للآخرة بنسبة الماء الذي يعلق بإصبع الإنسان إذا غمسها في البحر، فما يعلق بالإصبع لا يكاد يذكر أمام البحر العريض.

*2. فلينظر بم يرجع:*
لا ترجع بشيء، مقارنة بالبحر، وهذا معنى الدنيا بالنسبة إلى الآخرة في قصر مدتها وفناء لذاتها ، ودوام الآخرة ودوام لذاتها ونعيمها إلا كنسبة الماء الذي يعلق بالأصبع إلى باقي البحر.
قال تعالى: (فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل). فجميع ما أوتيه الخلق من نعيم الدنيا وملذاتها، يتمتع بها العبد وقتاً قصيراً، محشواً بالمنغصات، ممزوجاً بالمكدرات، ويتزين به الإنسان زماناً يسيرا للفخر والرياء، ثم يزول ذلك سريعا، ويعقب الحسرة والندامة: (وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون). فما عند الله من النعيم المقيم، وهو دائم أبدًا.

*ولا تنس نصيبك من الدنيا* :
إن تحذير القرآن من الحياة الدنيا، وترغيبه بالدار الآخرة لا ينبغي أن يُفهم منه أن المسلم عليه أن يقف من الحياة الدنيا موقفاً سلبياً جملة وتفصيلاً، فليس هذا الفهم مراداً للقرآن، بل إن الموقف المتوازن من الدنيا أن يقف المسلم منها موقفاً متزناً، بحيث يجعل هذه الدنيا في يديه لا في قلبه، فيأخذ منها ما يخدم دينه وآخرته، ويُعْرِض عنها في كل ما يعود بالضرر عليه دنيا وأخرى، وهذا هو المساق الثالث الذي وردت فيه آيات تدل على هذا المعنى.

فالقرآن الكريم يثني على من يجمع بين أمري الدنيا والآخرة، فيقول: {ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة} (البقرة:201)، ويقول على لسان نبي الله موسى عليه السلام: {واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة} (الأعراف:156)، ويمدح سبحانه خليله إبراهيم عليه السلام، فيقول: {وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين} (النحل:122).

ويخاطب القرآن عباده
بالاقتصاد في طلب الدنيا، والأخذ منها بقدر، فيقول سبحانه: {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا} (القصص:77).
ويبين سبحانه أن طيبات الدنيا إذا أُخذت باعتدال أمر لا حرج فيه، والحرج كل الحرج إنما يكون بالإفراط في الأخذ من طيباتها، وتجاوز ذلك إلى حدِّ الوقوع في محرماتها، يقول سبحانه: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} (الأعراف: 31). ويذم سبحانه الذين يحرمون ما أحل الله لعباده من الطيبات، وذلك قوله سبحانه: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة} (الأعراف:32).

ومما يرشد إلى اهتمام القرآن بأمر الدنيا أنه سبحانه جعل من جملة غاية وجود الإنسان في هذه الدنيا إعمارها بكل ما هو نافع، واستصلاحها بكل ما فيه خير، يقول سبحانه في هذا الصدد: {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} (هود:61)، فالآية الكريمة تبين أن الغاية من خلق الإنسان عمارة هذه الأرض على الوجه الأفضل، واستغلالها على النحو الأمثل.
وبما تقدم يتضح لنا موقف القرآن والهدي النبوي ،من الحياة الدنيا، موقف يجمع بين متطلبات الدنيا ومتطلبات الآخرة، ويلحظ الجانب المادي للإنسان والجانب الروحي، ويوائم بين مقتضى العقل وحاجة العاطفة، موقف لا يقدم الدنيا بإطلاق ويُنكر أمر الآخرة، ولا يقدم الآخرة بإطلاق ويلعن الدنيا وما فيها من طيبات وخيرات، بل يأخذ من هذه لتلك، ويجعل الدنيا وسيلة للآخرة، ويجعل الآخرة عاقبة لأعمال الدنيا.

*3. كيف نعيش بهذا الميزان؟*
ومن ثم يقرر القرآن الكريم حقيقة الحياة الدنيا بأنها لا تعدو كونها مقراً مؤقتاً للعمل، وداراً للابتلاء والاختبار؛ لتمييز الصالح من الطالح، والمصلح من المفسد، والطيب من الخبيث، يقول سبحانه في تقرير هذا المعنى: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا} (الملك:2). والآخرة خير وأبقى .

لم يكتف القرآن ببيان حقيقة الدنيا والتحذير منها، بل قرر الوجهة الأساسية التي ينبغي على المسلم أن يجعلها نُصب عينه، وهي الدار الآخرة؛
إذ هي الدار الحقيقية الباقية، وهي الجديرة بالاهتمام والاعتناء، ولا ينبغي للعاقل الفطن أن يقدم ما يفنى على ما يبقى.
*اجعل همك الأكبر* :
*⁠ ماذا قدمت للآخرة*؟
واستقراء المواضع التي ورد فيها لفظ (الدنيا) في القرآن الكريم، يرشد إلى أن هذا اللفظ جاء في سياقات ثلاثة: أولها: التحذير من الدنيا.
ثانيها: تفضيل الآخرة على الدنيا.
ثالثها: الأخذ بنصيب من الدنيا، مع جعل الآخرة هي المقصد الأهم والأول.

*الخلاصة:*
العاقل من قاس بعين الآخرة.
الدنيا مزرعة، والآخرة هي الحصاد.
فلا تبع بحراً بنقطة.
🟢***صدق رسول الله ***ﷺ

*المصدر:* صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة (2858)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى