مقالات الرأي

رفيدة ياسين تكتب عودة الربيع

حروف متمردة
عودة الربيع 🌸

بقلم..رفيدة ياسين

احتضنت مدينتا القاهرة والإسكندرية عروضاً فنية راقية وبديعة لأوركسترا الملتقى بقيادة الموسيقار أحمد شمة بمشاركة فنية عربية وإفريقية ثرة ومتنوعة.

وعلى خشبات مسارح ساقية الصاوي وقصر الأمير طاز والمنارة والأنفوشي، انتظمت تظاهرات فنية لموسيقيين ومبدعين، لعل أبرزها تلك التي توسطها ملك الجاز شرحبيل أحمد.
في قلب هذه اللوحة الباذخة، بدا الربيع وكأنه قد اختار موعد عودته.
فقد التفّت نخبةٌ من نجوم الفن والإبداع بينهم الموسيقار د.الفاتح حسين وعصفورة السودان إنصاف فتحي والموسيقار الشافعي شيخ إدريس حول العظيم شرحبيل كما يلتفّ الشذى حول الزهرة، وكما تحتضن الأغصان الشجرة الوارفة في لحظة اكتمالها.
كان حضوره رمزاً لتاريخٍ فنيٍّ عريق، وذاكرةٍ موسيقيةٍ لا تزال تنبض بالحياة، وشاهداً على أنّ الإبداع الحقيقي لا يشيخ مهما تعاقبت الأعوام.

مشهدٌ لا يقتصر على كونه حفلاً عابراً، بل بدا كأنه حدثٌ أعاد للسودانيين شيئاً من بهاء الأزمنة الجميلة، فاستحضروا ذكريات مناسبات كشاي المغربية، ومنتدى دال الثقافي، وجائزة محجوب محمد صالح للصحافة، ومهرجان كل الجمال الذي كرَّم الفنان الكبير عبد الكريم الكابلي، ومن قبله تكريم فنان أفريقيا الأول محمد وردي…إلخ.
جميعها أحداث لا تزال عالقة في أذهان السودانيين، وفي ذاكرة الخرطوم التي اعتادت، قبل أن تدق طبول الحرب، أن تتزين برداء الفن الرفيع، وأن تتنفس عبق الجمال الذي طالما كان أحد أسرار خلودها.

ولعلّ المرء يتساءل، وهو يتأمّل هذا المشهد الآسر العابر للجغرافيا: أحقّاً عاد الربيع، أم أنّ الفن وحده قادرٌ على أن يوقظ الفصول النائمة في وجدان الشعوب؟
في أمسيات استثنائية بكل المقاييس، عزفت أوركسترا الملتقى بقيادة الموسيقار المبدع أحمد شمة سيمفونيات من الألق والجمال،أبرزها أنا إفريقي أنا سوداني، وعازة في هواك،أحب مكان وطني السودان،
بحضور كوكبة من نجوم الفن والثقافة والإبداع، فكان اللقاء احتفاءً نادراً بالقيمة الإنسانية للفن، وتجسيداً حيّاً لقدرته على جمع القلوب من دول مختلفة حول لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمان.

ولم يكن هذا النجاح الباهر إلا امتداداً لرؤية تؤمن بأن الثقافة استثمارٌ في الروح قبل أن تكون فعلاً احتفالياً، وهي الرؤية التي جسدتها لسنوات طوال «دال الغذائية» بقيادة إيهاب داوود وشركة «TRIBE» المنظمة لهذا الحدث بقيادة خالدة إبراهيم، اللتان قدمتا نموذجاً راقياً للتنظيم بمعايير عالمية، حيث اجتمع الإبداع والدقة والأناقة في مشهد يليق بمكانة الفن السوداني والأفريقي ورسالته السامية في الحفاظ على التراث والهوية.

في مثل هذه الأمسيات ندرك أن الفن ليس ترفاً ثقافياً عابراً، بل ضرورة إنسانية عميقة، فهو الملاذ الذي يحفظ للروح نقاءها، والجسر الذي يعبر فوق الانقسامات، واللغة التي تتسع للجميع دون استثناء.

الفن سلامٌ حين تضيق السبل، وحياةٌ حين يثقل الواقع كاهل البشر، والفن أرقى أشكال المقاومة في مواجهة القبح والعنف والخراب.

لهذا يبقى الفن، في جوهره، انتصاراً دائماً للإنسان، واحتفاءً لا ينقطع بالجمال، وإعلاناً متجدداً بأن الأرواح العظيمة قادرةٌ على أن تصنع الربيع مهما اشتد برد الفصول، وأن تنسج من رماد الألم أجنحةً للأمل، وتحفظ في هذا العالم قبساً من المحبة، ومساحةً من التسامح، ووعداً بالسلام مهما تعالت أصوات الحروب وتكاثفت على الأرواح غيوم الفقد والخذلان.

فشكراً لدال الغذائية التي عرفت كيف تجعل من الموسيقى موعداً للفرح، ومن الثقافة جسراً للتلاقي، ومن الجمال أسلوباً للحياة.

شكراً لأن تلك المساحة لا تزال ممكنة رغم المصاعب والمتاعب، وشكراً لكل من آمن بأن دعم الإبداع ليس رفاهية في زمن الأزمات، بل ضرورة تُبقي جذوة الحياة مشتعلة.

وشكراً لكل يدٍ امتدت لتصنع من الموسيقى وطناً مؤقتاً، ومن الفن نافذةً واسعة يطل منها السودانيون على غدٍ أكثر إشراقاً.

ربما لا تستطيع الموسيقى وحدها أن توقف الحروب أو تغير الواقع، لكنها قادرةٌ على أن تذكّر البشر بما يستحق أن يُحافَظ عليه بعد أن تضع الحرب أوزارها،
وقادرة على أن تحفظ للذاكرة دفئها، وللأمل صوته الخافت الذي يرفض الانطفاء رغم كل شيء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى