أرصدةٌ موقوفة التنفيذ.. وبنوكٌ بلا حسيب ..! > كيف ابتلعت التطبيقات الهشة وغياب الرقابة أموالنا في أشد أوقات الحاجة؟ د. مصعب برير

أرصدةٌ موقوفة التنفيذ.. وبنوكٌ بلا حسيب ..!
> كيف ابتلعت التطبيقات الهشة وغياب الرقابة أموالنا في أشد أوقات الحاجة؟
د. مصعب برير

هل جربت يومًا أن تقف أمام بائع، وبيدك هاتفك الذي يحمل كل ما تملك، لكنك تشعر فجأة بالعجز التام لأن شاشة التطبيق البنكي ترفض التجاوب؟ هذا المشهد القاسي لم يعد لقطة عابرة في حياة السودانيين، بل أصبح واقعًا يوميًا يتكرر بمرارة وإحباط. في لحظة واحدة، يتحول الرصيد الرقمي إلى مجرد أرقام وهمية لا تستطيع أن تشتري بها رغيف خبز أو دواء لمريض. إننا نتحدث عن شريان حياة حقيقي، عن ثقة وضعها المواطن في شاشة صغيرة لتدبير شؤون حياته في ظل غياب النقد، لنكتشف فجأة أن هذه الثقة معلقة بخيوط تقنية واهية تنقطع عند أول اختبار جدي.
ما حدث مؤخرًا من توقف لتطبيق “بنك الخرطوم” وتطبيقات أخرى في أوقات حرجة، خاصة مع تزايد متطلبات عيد الأضحى، لم يكن مجرد عطل فني عابر، بل أزمة كشفت هشاشة النظام المالي الرقمي برمته. الناس الذين اعتمدوا كليًا على هذه التطبيقات لشراء الأضحية أو تلبية احتياجاتهم الأساسية، وجدوا أنفسهم فجأة محاصرين بصعوبات بالغة في تسجيل الدخول وإجراء أبسط التحويلات. القضية هنا تتجاوز مجرد الانزعاج المؤقت، لتطرح سؤالاً جوهريًا حول من يحاسب على هذه التداعيات التي تحرم العملاء من أموالهم في أكثر الأوقات حرجًا وحاجة، وتتركهم يواجهون مآزق حقيقية في الأسواق والمستشفيات ومحطات السفر.
الأسباب الحقيقية خلف هذه الإخفاقات المريعة لا تتعلق غالبًا بظروف قاهرة أو مفاجآت تقنية، بل بغياب الاستثمار الحقيقي والجاد في البنية التحتية. البنوك تجني أرباحًا طائلة ومقابلًا مجزيًا من عمولات هذه التحويلات والخدمات، لكنها في المقابل لا تخصص ما يكفي لتوسيع سعة الخوادم أو تحديث أنظمة الطوارئ لتستوعب الضغط المتزايد. عندما يتحول مجتمع بأكمله إلى الدفع الإلكتروني، فإن البنية التقنية يجب أن تتضاعف قوتها بشكل استباقي، لكن ما يحدث في واقعنا هو الاكتفاء بالحد الأدنى من التشغيل. هذا الاستسهال يعود إلى غياب المنافسة الحقيقية والشعور بأن العميل مضطر ومجبر على الانتظار، لأنه ببساطة لا يمتلك أي بديل آخر للوصول إلى مدخراته.
إذا نظرنا إلى التجارب العالمية الشبيهة، سنجد أن الأمر يُدار بعقلية مختلفة تمامًا وبضوابط صارمة لا تقبل المساومة أو التأجيل. في دول مجاورة كينيا مع تجربة “إم بيسا” الرائدة، أو في الأنظمة المصرفية المتقدمة، يُلزم البنك المركزي المؤسسات المالية بمعايير جودة صارمة لضمان استمرارية الخدمة، وتُفرض غرامات باهظة على أي دقيقة توقف، مع إلزام البنوك بتعويض العملاء ماديًا. هذه الضوابط الاستباقية، مثل بناء أنظمة الخوادم الاحتياطية المزدوجة والاختبارات الدورية لتحمل الضغط الفائق، تجعل من انهيار الخدمة حدثًا نادرًا ومكلفًا للبنك، فلماذا تغيب هذه الإجراءات البديهية والحاسمة عن نظامنا المصرفي في السودان؟
هنا يبرز التساؤل الملح حول دور الجهات الرقابية، وتحديدًا بنك السودان المركزي ووزارة التحول الرقمي في ضبط هذا المشهد الفوضوي. إن ترك البنوك تعمل دون رقابة تقنية صارمة ومحاسبة فعلية هو تفريط صريح في حقوق المواطنين وحمايتهم. دور هذه المؤسسات لا ينبغي أن يقتصر على منح التصاريح الورقية، بل يجب أن يمتد لفرض بروتوكولات طوارئ ملزمة، وإلزام البنوك بشفافية تامة تعلن عن أسباب الأعطال وتتعهد بعدم تكرارها. المعاناة القاسية التي يتجرعها المواطن، وهو ينتظر لساعات تحت حر الشمس على أمل أن تعود شبكة التطبيق، هي نتيجة مباشرة لغياب هذه المحاسبة والتهاون المستمر في ضبط إيقاع التحول الرقمي.
إن الحلول الممكنة ليست مستحيلة أبدًا، ولكنها تتطلب إرادة حقيقية لإنهاء هذا العبث المستمر بمصالح وأوقات الناس. نحتاج فورًا إلى قرارات حاسمة تلزم البنوك بتحديث بنيتها التقنية كشرط أساسي لاستمرار رخصتها في تقديم هذه الخدمات. يجب تفعيل آليات حماية المستهلك المالي بصرامة، وتطبيق نظام الغرامات التصاعدية على الأعطال غير المبررة، وتوفير بدائل دفع سريعة للطوارئ. نحن أمام لحظة فاصلة تتطلب أن تتحول التكنولوجيا من أداة لمضاعفة قلق وتوتر المواطن إلى وسيلة حقيقية لتيسير حياته، فكل دقيقة يتوقف فيها النظام المالي الرقمي، تعني تعطل حياة بأكملها واستنزافًا مجانيًا لأعصاب الجمهور.
بعد اخير:
خلاصة القول، لقد تحول التطبيق البنكي من رفاهية حديثة إلى قيد يتحكم في مصير يومنا، مما يجعل استمرار هذه الإخفاقات دون محاسبة بمثابة تفريط صامت يُمارس مع سبق الإصرار والترصد. إن الخلل الحقيقي ليس في خوادم تعطلت أو شبكات انهارت تحت وطأة الضغط المالي الموسمي، بل في منظومة إدارية بأكملها استرخصت وقت المواطن واحتياجه وتركته يواجه مصيره وحيدًا.
وأخيرًا، أسوأ ما في هذا الانهيار الرقمي المتكرر، أنه جعل كرامة الإنسان وحقه المشروع في ماله، رهينة قاسية لشاشة تحميل لا تنتهي أبدًا.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الثلاثاء | 27 مايو 2026م
musapbrear@gmail.com




