جمال كامل ابوبكر ابوالحسن يكتب عيد الأضحى في دنقلا
عيد الأضحى في دنقلا
بقلم ✍️ جمال كامل ابوبكر ابوالحسن
في دنقلا لعيد الأضحى طعم آخر، طعم لا يعرفه إلا من عاش فيها.
البيوت عامرة بالمحبة والقلوب متقاربة والعائلة كالجسد الواحد.
ليس العيد مجرد أيام عابرة بل موسماً تبدأ ملامحه قبل أسابيع، فتتغير حركة الأسواق، وتمتلئ الطرقات بالناس بحثاً عن الأضحية كما يبدأ الجميع في الاستعداد لذلك الضيف (العيد) حتى يشهدوا الذبح
وقبل العيد بأيام تبدأ رحلة شراء خراف الأضحية، وهي رحلة لها هيبتها ومكانتها الخاصة عند أهل دنقلا. فالأضحية ليست مجرد واجب يؤدى، بل شعيرة تعظم بكل فخر ومحبة. لذلك الناس يحرصون على شراء أجود أنواع الخراف جمالاً وحجماً وقوةً، وكأن كل بيت يريد أن يظهر تعظيمه لشعائر الله بأفضل ما يستطيع.
فتجد الرجال يجوبون الأسواق، يتفحصون الخراف بعناية ينظرون إلى شكل القرون، وقوة البنية، ولمعان الصوف ويتبادلون الآراء والخبرات (الخروف دا سمين و ده تني وده رباع ٠٠٠٠٠)
والأطفال يتعلقون بالخروف منذ لحظة دخوله البيت يطعمونه ويجرونه في الحوش ويتباهون به أمام الجيران، حتى يصبح جزءً من فرحة العيد نفسها.
ثم يأتي يوم عرفة… ذلك اليوم الذي له وقار خاص في دنقلا. يصوم الناس نهاره، وتمتلئ البيوت بالدعاء والذكر وقراءة القرآن، وتبدأ الأمهات بعد العصر في إعداد إفطار يوم عرفة، بينما تنشغل البنات بترتيب البيت وتجهيز أواني الضيافة
وفي ليلة العيد بالكاد ينام الأطفال بفرحتهم بالثياب الجديدة وتفوح روائح البخور في البيوت، والأمهات يوصين أبناءهن بالنوم مبكراً استعداداً لصلاة العيد
ومع أول خيوط الفجر تستيقظ دنقلا كلها على صوت التكبير في المساحد. يخرج الرجال والشباب والأطفال بالجلاليب البيضاء النظيفة، تفوح منهم رائحة الطيب وتسير الجموع نحو المصليات في منظرٍ مهيبٍ يبعث الطمأنينة في النفوس.
بعد الصلاة تبدأ المصافحات والعناق والمعايدات العيد مبارك كل سنة وأنتم طيبين
ثم تتجه العائلات إلى منزل عميد الأسرة كبير العائلة الذي يجتمع عنده الجميع، والذي كانت كلمته مسموعة ومحترمة من الصغير قبل الكبير. هناك تبدأ (اللمّة) الحقيقية.
تُذبح الأضاحي وسط أجواء من التكبير والدعاء، ويتحول البيت إلى خلية نحل هذا يقطع اللحم، وذاك يشعل الفحم، وآخر يعد الشاي والقهوة، بينما النساء يجهزن الطعام في الداخل، والأطفال يركضون هنا وهناك بفرح لا يوصف.
و الذبائح لا تتوقف في أول يوم فقط، بل تستمر حتى رابع أيام العيد، فتظل البيوت عامرة بالضيوف والولائم والزيارات. ومن جمال هذه الأيام أن كل وجبة تكون في منزل مختلف اليوم عند العم، وغداً عند الخال، وبعده عند ابن العم، فتتنقل العائلة كلها من بيتٍ إلى بيت، يحملهم الفرح وتجمعهم المحبة.
ومن العادات المشهورة إعداد (الشربوت) ، ذلك المشروب الشعبي المرتبط بأفراح العيد والمناسبات، إلى جانب الشية والمرارة والكبدة واللحم الطازج الذي تعبق رائحته في الأحياء منذ الصباح.
أما المجالس فلها هيبتها الرجال يجلسون في مكانٍ خُصص لهم يتبادلون الحكايات والذكريات، والنساء في جهة أخرى يعددن الطعام ويتبادلن الأحاديث، والأطفال يملؤون المكان ضجيجًا وفرحًا.
وأجمل ما في العيد في دنقلا أن لا أحد يشعر فيه بالوحدة. الفقير يجد من يطرق بابه باللحم، والمريض يُزار والكبير يُكرم، والغائب يُذكر بالدعاء.
الأعياد تصنع الناس وتزرع في القلوب معنى الأسرة، ومعنى الجيرة، ومعنى أن يكون للإنسان سند من أهله وأقاربه.
تمضي أيام العيد لكن ذكراها زال تسكن القلوب، كلما جاء العيد عادت معها صور الآباء والأمهات والأجداد
رحم الله من رحل من
حأهلنا الطيبين، وحفظ الله دنقلا وأهلها، وأعاد على الجميع الأعياد بالخير والمحبة واللمة الجميلة.




