مقالات الرأي

من “ الدرع الإبراهيمي ” إلى شرعنة الفوضى الدولية ! -قراءة في دعوات ترامب للتطبيع بعد حروب الإبادة- السفير / رشاد فراج الطيب

من “ الدرع الإبراهيمي ” إلى شرعنة الفوضى الدولية !

-قراءة في دعوات ترامب للتطبيع بعد حروب الإبادة-

السفير / رشاد فراج الطيب

في مشهد يكاد يفوق الخيال السياسي سخريةً وعبثاً ، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدعو دول المنطقة إلى اغتنام “ فرصة السلام ” والانضمام إلى ما يسمى بـ« الاتفاق الإبراهيمي » ، وذلك في أعقاب واحدة من أكثر الفترات دموية واضطراباً في تاريخ المعاصر للشرق الأوسط .

وكأن المطلوب من شعوب المنطقة بعد كل هذا الخراب أن تصفق للجلاد ، ثم توقّع له شهادة حسن سلوك !

فبينما كانت سماء المنطقة مشتعلة بالصواريخ والطائرات والقاذفات ، وكانت غزة تُسحق تحت الركام ، ولبنان يُدفع نحو الانهيار ، وإيران تُهدد حضارتها العريقة بالإزالة من الوجود ، كان البيت الأبيض يفكر بكل برود استراتيجي في كيفية تحويل الدماء والحرائق إلى فرصة تسويق سياسي جديدة لمشروع التطبيع .

لقد بدا الأمر وكأن الإدارة الأمريكية تقول للعرب والمسلمين : “ نحن نحطم الإقليم أمام أعينكم ، ثم نمنحكم فرصة ذهبية للانضمام إلى نادي المنتصرين !”

أي منطق سياسي هذا ؟ وأي سلام يُولد من رحم القصف والتجويع والإبادة ؟

لقد تعرضت إيران ، وهي دولة عضو في الأمم المتحدة وذات سيادة كاملة لعدوان عسكري مباشر ، خارج أي تفويض قانوني أو غطاء أممي ، في سابقة تؤكد أن النظام الدولي لم يعد تحكمه القوانين ، وإنما موازين القوة والغطرسة العسكرية .

ثم جاء التهديد الأخطر والأكثر فجاجة ، حين جرى الحديث عن “ إزالة الحضارة الإيرانية من الوجود ” ، وكأننا عدنا إلى عصور الغزوات الإمبراطورية القديمة ، حيث كانت الأمم تُمحى بقرار من إمبراطور غاضب أو جنرال منتشٍ بالقوة !

أما في قطاع غزة ، فقد شاهد العالم واحدة من أبشع صور العقاب الجماعي في العصر الحديث :
مدن كاملة سويت بالأرض .
آلاف الأطفال والنساء والعجزة قُتلوا تحت الأنقاض .
تجويع ممنهج وحصار خانق .
تدمير المستشفيات والمدارس والبنية الأساسية .
تحويل الحياة الإنسانية إلى جحيم مفتوح .

ثم ويا للمفارقة يُطلب من الضحية أن توقع على “ اتفاق سلام ” مع من حاصرها ودمّرها !

لقد أصبح السلام في القاموس السياسي الجديد يشبه عقد إذعان : توقّع أولاً … ثم اسأل لاحقاً عن حدود دولتك وحقوق شعبك وكرامتك الوطنية .

بل إن الأمر تجاوز التطبيع التقليدي إلى ما يشبه “ الدرع الإبراهيمي ” ، أي تحويل المنطقة إلى منظومة حماية أمنية وسياسية للكيان المحتل ، بينما تبقى الشعوب العربية والإسلامية مطالبة فقط بدفع الفاتورة السياسية والاقتصادية والأخلاقية .

وفي لبنان ، تكررت المأساة ذاتها : قصف واسع وتدمير للبنية التحتية و استهداف للمدنيين ، وإغراق دولة صغيرة منهكة بالأزمات في مزيد من الانهيار والفوضى .

وكل ذلك جرى مرة أخرى بلا مسوغ قانوني واضح ، وبلا احترام للقانون الدولي أو ميثاق الأمم المتحدة أو المبادئ التي طالما بشّرت بها القوى الغربية عن حقوق الإنسان وحق الشعوب في الحياة والسيادة .

لقد تحولت القواعد الدولية إلى مجرد شعارات للاستهلاك السياسي .

أما حين يتعلق الأمر بإسرائيل ، فإن كل شيء يصبح مباحاً ،
القصف مباح ،
الحصار مباح ،
التجويع مباح ،
الاغتيال مباح ،
والاحتلال نفسه يصبح “ حقاً في الدفاع عن النفس ” !
ثم يأتي من يحدثنا عن “ السلام الإبراهيمي ” !

إن أكثر ما يثير السخرية في هذه الدعوات أنها تُقدَّم وكأنها منحة تاريخية للعرب ، بينما هي في حقيقتها محاولة لإعادة هندسة المنطقة وفق ميزان القوة وحده ، وإجبار الجميع على الاعتراف بنتائج الحروب والإبادة والاحتلال كأمر واقع دائم .

فأي سلام هذا الذي يُقام فوق جماجم الأطفال ؟ وأي تطبيع هذا الذي يُولد من رحم المجازر ؟ وأي شراكة إقليمية تلك التي تبدأ بإلغاء حق شعب كامل في إقامة دولته المستقلة ؟

لقد جعلت الولايات المتحدة وإسرائيل العالم يسير بلا قواعد حقيقية.

عالمٌ تُعاقَب فيه بعض الدول لأنها احتلت شبراً ، بينما تُكافأ دول أخرى رغم احتلالها المستمر لعقود .

عالمٌ تُفرض فيه العقوبات على الضعفاء ، بينما تُمنح الحصانة المطلقة للأقوياء .

إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط الحروب ذاتها ، بل محاولة تحويل نتائجها إلى نظام سياسي دائم ، وإقناع شعوب المنطقة بأن الاستسلام هو الطريق الوحيد للسلام .

غير أن التاريخ يقول شيئاً مختلفاً ، فالسلام الحقيقي لا يُبنى بالقهر ، ولا بالتجويع ، ولا بالإبادة ، ولا بفرض الوقائع بالقوة العسكرية .

السلام الحقيقي يبدأ بالعدالة ، واحترام حقوق الشعوب ، والاعتراف المتبادل بالكرامة والسيادة الإنسانية المتساوية.

أما تحويل المنطقة إلى سوق مفتوح للخوف والابتزاز السياسي والبلطجة ، ثم تسمية ذلك “ اتفاقاً إبراهيمياً ” ، فهو أقرب إلى السخرية السوداء منه إلى أي مشروع سلام حقيقي .

وربما كان الأجدر بالسيد ترامب قبل أن يدعو الآخرين للتوقيع على اتفاقات جديدة أن يسأل أولاً ، كيف يمكن للعالم أن يثق في نظام دولي تُكتب قواعده بالصواريخ ، وتُفسَّر مبادؤه
وفق هوية الضحية ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى