محليات

بأي حق يُهدم محراب العلم؟ مأساة طالبات “السرايا” تحت وطأة “دنقلا عاصمة الثقافة”

وزارة "التبرير" والتوجيه.. كيف تتباكى على سلامة الطالبات وتتركهن في هجير الخيام؟

بعد صمتٍ طويل ومريب، وفي وقتٍ كانت تترقب فيه الأوساط التعليمية والأهلية بالولاية الشمالية موقفاً حاسماً يحمي صرحاً دراسياً عريقاً، خرج علينا وزير التربية والتوجيه المكلف بالولاية الشمالية، الأستاذ التجاني إبراهيم، بتصريحٍ جاء -للأسف- بعيداً كل البعد عن الحقائق الماثلة على الأرض، ومخيباً لآمال مجتمع دنقلا الذي يرى أعرق مدارسه للبنات تُنتزع فصولها وتُقلص مساحتها أمام أعين الجميع.

التباكي على السلامة.. والامتحانات في الخيام الحارقة!

أبرز ما يثير الدهشة والاستهجان في حديث السيد الوزير، هو تبريره بأن الاستيلاء على مبنى السرايا جاء بذريعة أن الفصول “متصدعة وآيلة للسقوط” حرصاً على سلامة الطالبات! وهنا يبرز السؤال الحارق المنبثق من عين الواقع: إذا كانت الوزارة حريصة حقاً على صحة وسلامة الطالبات كما تدّعي، فكيف سمحت لهن بالجلوس لأداء امتحانات الشهادة المصيرية داخل “خيمة” نُصبت في فناء المدرسة، تحت هجير درجات الحرارة العالية ووسط ظروف بيئية بالغة القسوة؟

إن هذا التناقض الصارخ يكشف الحقيقة المقلوبة؛ فالجزء الذي تمت مصادرته وتحويله لمتحف بمناسبة اختيار “دنقلا عاصمة للسياحة في السودان” هو الجزء السليم والحيوي، بينما الجزء الحقيقي الأكثر تصدعاً ومتهالكاً هو ما تُرِك للطالبات ليكملن فيه مسيرتهن التعليمية! فلماذا لا تُوجه جهود الولاية لصيانة الجزء الشمالي المتصدع واستمراره في خدمة تعليم البنات بدلاً من تدمير المدرسة؟

لغة الأرقام والمكاتبات المغلقة: عشرة فصول لا ثلاثة!

في محاولة للتقليل من حجم الكارثة، تحدث السيد الوزير عن ثلاثة فصول فقط خرجت عن الخدمة، لكن الواقع والتقارير الميدانية داخل المدرسة تكشف أن التعدي طال عشرة فصول دراسية كاملة وثلاثة مكاتب معلمات.

هذه الفصول لم تكن مجرد جدران خاوية، بل هي الفصول ذاتها التي قامت جمعية خريجات السرايا بصيانتها وتأهيلها بالكامل بجهد شعبى خالص، وأُنفقت عليها المليارات من أموال الخيرين وأهالي المنطقة لتوفر بيئة كريمة ومستقرة لطالباتنا، خاصة بنات القرى اللاتي يعتمدن على المدرسة وداخلياتها لمواصلة تعليمهن العالي.

والسؤال الجوهري الذي تهرب الوزير من الإجابة عليه: لحين بناء الفصول الموعودة من قِبل الوالي -والتي قد يستغرق تشييدها سنوات طويلة في ظل ظروف البلاد الاقتصادية والأمنية المعروفة للجميع- ما هو مصير الطالبات الحالي؟ كيف سيتم إجلاس هؤلاء الطالبات بطريقة معقولة وآدمية؟ غياب الإجابة يثبت غياب البديل، ويؤكد الشبهات بأن ما حدث لم يكن تعدياً عشوائياً من أمين عام السياحة، بل مكاتبات وتنسيقات تمت خلف الأبواب المغلقة، وافقت بموجبها الوزارة على تشريد الطالبات!

مصادر “نايل بوست” تفجر المفاجأة: لعنة الموقع الجغرافي والأطماع الحكومية

وفي تطور خطير يكشف أبعاد المؤامرة على هذه المدرسة العريقة، علمت “نايل بوست” من مصادرها الخاصة أن الأطماع لم تتوقف عند انتزاع الفصول والمكاتب؛ بل إن هنالك تحركات ومحاولات جارية الآن لمصادرة منزل مديرة المدرسة وتحويله لصالح أمانة الحكومة!

هذا الإجراء لا يمثل فقط تعدياً على ممتلكات المدرسة، بل هو هدم مباشر لخصوصية وأمن الطالبات؛ فالمدرسة في الأصل مدرسة داخلية تضم مئات البنات من مختلف قرى الولاية، وكان وجود منزل المديرة داخل أسوار المدرسة ضرورة قصوى لتكون بالقرب من طالباتها، ترعاهن وتسهر على أمنهن وسلامتهن على مدار الساعة.

يبدو أن “لعنة السرايا” الحقيقية تكمن في موقعها الجغرافي الاستراتيجي المتميز، والذي تحول بفعل الأطماع من نعمة إلى نقمة! فالمدرسة تقع في مربع سيادي حساس بين منزل الوالي وبيت الضيافة، وتتمتع بإطلالة ساحرة ومباشرة على النيل؛ هذا الموقع الفريد جعلها مطمعاً لجهات حكومية عديدة تسعى جاهدة لقضم مساحتها شبراً بعد شبر، دون أي اعتداد بحق البنات في التعليم. فهل تصمد السرايا العريقة وتاريخها الطويل أمام هذه الأطماع السلطوية؟

بيان جمعية الخريجات: “يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط”

أمام هذا التغول الحكومي الممنهج، أصدرت جمعية خريجات السرايا بياناً قوياً ومؤثراً، استهلتْه بالآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ). ووصف البيان حديث الوزير التجاني إبراهيم عن المباني المتصدعة ووعود الوالي بأنه “للأسف ليس قضيتنا الآن، بل القضية الأساسية هي أخذ مبنى السرايا بحجة إقامة متحف مزعوم”.

وفضح البيان تفاصيل التعدي الميداني الذي قام به أمين عام السياحة بالولاية، السيد عبد الرحمن ابراهيم سعيد، مؤكداً أنه:

  • أخرج كل معينات الدراسة من عشرة فصول ومكاتب معلمات، وألقى بها مكدسة فوق بعضها البعض في الساحات.

  • كسر السور الشرقي للمدرسة والطالبات متواجدات في الداخلية، وحوّله إلى باب يناسب أغراض المتحف.

  • أغلق الممر الرابط بين الجزء الجنوبي (الذي يضم مبنى السرايا، وحوض السباحة، ومنزل المديرة والميز) والجزء الشمالي من مباني المدرسة.

وشددت الجمعية في بيانها على أن هذا الصرح الذي تم استرداده من “بيع خاسر” عام 2013، تعلمت فيه أجيال وأجيال من بنات الشمال وكل السودان، مطالبين الوزير بأن يكون في المقدمة لاستعادة المبنى وإيقاف المتحف. وجاء في ختام البيان تأكيد حاسم: “هذا العمل خالص لوجه الله وخدمة لأهلنا الكرام، ونحن لسنا معارضة وليست لنا انتماءات حزبية أو جهوية أو فكرية، بل نعمل تحت قيادات رشيدة خدموا الوطن بإخلاص”.

صوت الخريجات عابر للقارات

هذا الارتباط الوجداني بالسرايا تخطى حدود الوطن؛ فمن بريطانيا، تحدثت منى إبراهيم، إحدى طالبات المدرسة السابقات، بمرارة جارفة تعكس ارتباطاً عاطفياً لم تغيره السنين: “بالرغم من طول سنوات الغربة وبعد المسافات، إلا أننا ما زلنا مرتبطين بمدرسة السرايا بكل جوارحنا؛ فهي البيت الذي صنع هويتنا ونحن من قمنا بصيانة هذه الفصول بعرقنا وجهدنا وأموالنا. إنه لمن المؤلم والمخزي أن نرى فصولنا تُصادر وممتلكات المدرسة ومنزل المديرة يُستهدف، وتُترك الطالبات في مواجهة المجهول والخيام الحارقة بينما تقف الوزارة موقف المبرر لهذا التعدي. لن نتخلى عن مدرستنا، وسنواصل دعمنا لمنع هذا التجفيف”.

كما أكدت رئيسة الجمعية، الأستاذة آمنة عثمان، ومعهما اللجنة المفوضة برئاسة د. صابر محمد حسن وخريجي دنقلا بنين وروابط المغتربين، جاهزيتهم التامة للبناء والتطوير وفق الخرائط العالمية التي أعدها مهندسون أكفاء، فور إلغاء هذا القرار الجائر وإعادة الحق لأصحابه.

إن مجتمع الولاية الشمالية يترقب الآن تراجع حكومة الولاية عن هذا القرار وإخلاء المدرسة فوراً من مشروع المتحف، والكف عن استهداف أصولها ومنزل إدارتها. ونؤكد ختاماً أن حق الرد مكفول تماماً للجهات الحكومية المعنية، وخصوصاً لوزارة التربية وللمجلس الأعلى للسياحة بالولاية الشمالية، للرد على هذه الحقائق والاتهامات الموثقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى