أب قبة فحل الديوم

تظل مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، حاضرة في الوجدان السوداني بوصفها “أب قبة فحل الديوم”، المدينة التي ارتبط اسمها بالتاريخ والتجارة والتعايش، قبل أن تصبح اليوم واحدة من المدن التي تعيش تحت وطأة الحرب، بعد تعرضها خلال الأيام الأخيرة لهجمات متكررة بالطائرات المسيّرة، ألقت بظلالها الثقيلة على حياة المدنيين ومقومات معيشتهم.
ولليوم الحادي عشر على التوالي، تعيش المدينة على وقع القلق والترقب، مع استمرار الهجمات التي طالت منشآت حيوية، من بينها مرافق الكهرباء ومستودعات الوقود، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على خدمات المياه والرعاية الصحية، وفاقم من معاناة السكان في مدينة تستضيف أعدادًا كبيرة من النازحين الفارين من مناطق القتال في ولايات أخرى.
وتسببت الانقطاعات المتكررة للكهرباء في تعطيل محطات ضخ المياه، بينما واجهت المستشفيات والمراكز الصحية تحديات كبيرة في تشغيل أقسام الطوارئ وحفظ الأدوية واللقاحات، في وقت ارتفعت فيه تكاليف تشغيل المولدات ونقل الوقود، ما ألقى بأعباء إضافية على المواطنين والسلطات المحلية.
ويخشى مراقبون ومنظمات إنسانية من أن يؤدي استمرار استهداف البنية التحتية المدنية إلى تدهور الأوضاع الإنسانية في الأبيض، على نحو قد يكرر مشاهد المعاناة التي شهدتها مدينة الفاشر، إذا استمرت الخدمات الأساسية في التراجع، وتعذر وصول الإمدادات الإنسانية بصورة منتظمة. وتزداد هذه المخاوف مع اتساع رقعة النزوح، وتراجع الإمكانات المتاحة للاستجابة للاحتياجات المتزايدة للسكان.
ورغم قسوة الظروف، يواصل سكان الأبيض التمسك بمدينتهم، رافضين مغادرتها أو الاستسلام للخوف. ففي الأحياء والأسواق وأماكن العمل، يحاول الأهالي الحفاظ على إيقاع الحياة اليومية، رغم أصوات الانفجارات والانقطاعات المتكررة للخدمات. ويعكس هذا الصمود ارتباطًا عميقًا بالمدينة، وإيمانًا بأن تجاوز المحنة يبدأ بالتمسك بالأرض والحفاظ على النسيج الاجتماعي الذي عُرفت به الأبيض عبر تاريخها.
لقد أصبحت “أب قبة فحل الديوم” اليوم عنوانًا لمعركة أخرى، ليست معركة السلاح فحسب، بل معركة الحفاظ على الحياة والخدمات الأساسية وكرامة المدنيين. وبين المخاوف من اتساع الأزمة الإنسانية، وآمال السكان في عودة الأمن والاستقرار، تبقى الأبيض في حاجة إلى حماية مرافقها المدنية وضمان استمرار الخدمات الأساسية، حتى لا تتحول مدينة عُرفت بالحياة والحركة إلى ساحة جديدة للأزمات الإنسانية التي يدفع ثمنها المدنيون قبل غيرهم.

