دكتور صلاح البندر يكتب مرتضي الرحمة والسند

في ظهر يوم الجمعة، 2 يونيو 1995، وهو خارج من المسجد، غادر عالمنا شقيقي الحبيب مرتضى. وكان رحيله في ذلك النهار كأن باباً من أبواب الطمأنينة قد أُغلق في بيت العائلة، لا لأن الرحمة انقطعت، ولا لأن المحبة انتهت، ولكن لأن القلب منذ تلك اللحظة صار يتعلم لغة أخرى للفقد: لغة الصبر الجميل، ولغة الذكرى المضيئة، ولغة الدعاء الذي لا تنطفئ شعلته كلما طال الغياب.
ومرتضى، رحمه الله، لم يكن مجرد شقيق عاش بيننا، وغادرنا في منتصف سنة 1995. كان معنى من معاني الأخوّة الصافية، وسنداً هادئاً في زمن لا يرحم، وروحاً شفيفة تمشي بين الناس من دون ضجيج، ولكنها تترك فيهم أثراً لا تمحوه السنوات. وبعد 31 عاماً من ذلك الفراق المر، أجدني لا أكتب عنه رثاءً فقط، بل أكتب شهادة محبة، وشهادة وفاء، وشهادة عرفان لشخص كان حضوره في حياتنا أكبر من الكلام، وأعمق من الوصف، وأصدق من كل عبارة.
الأخوّة، في معناها الأول، تبدو رابطة دم ونسب وبيت واحد. لكنها، في معناها الأعلى، مقام من مقامات الرحمة. فليس كل أخٍ سنداً، وليس كل قريبٍ قريباً من القلب، وليس كل من جمعنا به البيت صار بيتاً فينا. الأخوّة الحقيقية هي أن تجد في إنسان آخر ظهراً حين تشتد عليك الأيام، ويداً حين تتعب، وقلباً يفهمك قبل أن تشرح، ووجهاً إذا رأيته شعرت أن الدنيا ما تزال تحتفظ بشيء من أمانها القديم.
كان مرتضى، بهذا المعنى، أخاً كاملاً في إنسانيته. لم يكن يرفع المحبة شعاراً، لكنه كان يمارسها في التفاصيل الصغيرة التي تصنع جوهر الحياة. كان دعمه لي متواصلاً، هادئاً، نبيلاً، من دون منّ، ومن دون إعلان، ومن دون رغبة في أن يعرف الناس ما فعل. كان يقف إلى جانبي كما تقف الجذور تحت الشجرة: لا تراها العيون، لكنها تحمل الجذع، وتغذي الغصون، وتحفظ للظل معناه. وكان في وقوفه معي خلق سوداني أصيل، ذلك الخلق الذي يرى أن حماية ظهر الأخ ليست مكرمة عابرة، بل واجب محبة، وأن الحنان ليس ضعفاً، بل قوة الروح حين تبلغ نقاءها. وهكذا كان مخلصاً لقيم التربية والكرم ومحبة العشيرة والخلان التي زرعتها فينا والدتنا الحاجة هدى آل غندور (1924-2002) ورعاها والدنا الحاج عباس آل بندر (1918-1990).
أتذكره في منزلنا في حي العرب، أحد أعرق أحياء أمدرمان، حيث كانت البدايات الأولى للدفء العائلي، وللصوت الذي يعرف طريقه إلى القلب. ثم أتذكره في عمله لسنوات طويلة مديراً لمصنع لإنتاج الزيوت بمدينة ربك (في الضفة الشرقية، جنوب ولاية النيل الأبيض) على بعد 250 كيلومتراً جنوب الخرطوم، وقد حمل معه إلى هناك خلق البيت، وسماحة النشأة، وكرامة الإنسان العطوف الذي يذهب إلى رزقه من غير أن يفقد صفاءه الداخلي. ثم أتذكر عودته إلى أمدرمان مرة أخرى، وسكنه في حي بيت المال، حيث صار بيته امتداداً لذلك المعنى السوداني العميق: البيت الذي لا يكون جدراناً وسقفاً فحسب، بل رحابة صدر، ومائدة مفتوحة، وباباً لا يسأل القادم عن مرتبته قبل أن يمنحه الأمان.
كان داره مفتوحاً لكل صديق وقريب وبعيد. ولم يكن هذا الانفتاح عادة اجتماعية فحسب، بل كان تعبيراً عن روح لا تضيق بالناس. بعض الناس يمتلكون البيوت، وبعضهم يجعلون البيوت مأوى للقلوب. ومرتضى كان من الصنف الثاني. كان بيته في بيت المال بيتاً للأنس، ومرفأً للمتعبين، ومحطة لمن احتاج كلمة، أو صحبة، أو سنداً، أو مجرد شعور بأن في الدنيا من يستقبله من غير تكلف. بل كان ملاذاً ومُستقراً آمناً للذين كانت تطاردهم الأنظمة الديكتاتورية. كان الباب عنده معنى أخلاقياً، لا قطعة حديد تُفتح وتُغلق. وكان الداخل إلى داره يشعر أن الضيافة لم تكن عادةً اجتماعية ولا إجراءً عابراً، بل حالاً من أحوال الروح، ومقاماً من مقامات الرحمة، يتكئ على قلبين مفتوحين: قلبه السمح، وسند زوجته المغفور لها بإذن الله نعمات الطيب آل بندر (1949-2004)، التي كانت بحضورها الهادئ وإشرافها الحاني تجعل من البيت مأوى للأنس والكرم والطمأنينة.
ولأن مرتضى كان شفيف الروح، كان حسه الإنساني يسبق كلامه. كان يرى الحاجة قبل أن تُطلب، ويلم لمحة الانكسار في وجه الإنسان قبل أن تتحول إلى شكوى. ومن عرفوه يعرفون أنه كان قريباً من المحتاج، لا قرب المتفضل، بل قرب الأخ لأخيه أو أخته. كان يعين بما يستطيع، ويسند حتى بما لا يملك، ويخفف بما يقدر، ويمنح من حضوره ما قد يكون أحياناً أعظم من العطاء المادي. فالناس لا يحتاجون دائماً إلى المال وحده؛ يحتاجون إلى من يراهم، إلى من يصدق وجعهم، إلى من يقول لهم بصمته قبل كلماته: لستم وحدكم.
كان سنداً للضعيف، لا لأنه كان يبحث عن دور ظاهر، بل لأن فطرته لم تكن تقبل أن يرى ضعفاً من دون أن يتحرك قلبه. والضعف في هذه الدنيا له وجوه كثيرة: فقر، وغربة، وخوف، ومرض، وخصومة، وانكسار، وحاجة إلى كلمة تحفظ الكرامة. كان مرتضى يعرف، بحسه الإنساني، أن نصرة الضعيف تبدأ أولاً بعدم إهانته، وأن عون المحتاج يبدأ أولاً بحفظ ماء وجهه، وأن المروءة لا تكتمل إلا إذا جاءت رقيقة، ساترة، بعيدة عن الاستعراض.
وكان في نصرة المظلوم صاحب موقف، لا صاحب صخب. لم يكن من أهل الضجيج، لكنه كان من أهل الميزان. إذا شعر أن ظلماً وقع على قريب أو بعيد، تحرك فيه ذلك الخيط النبيل الذي لا يحتمل اختلال العدالة. كان يرى أن المظلوم لا يحتاج فقط إلى من يقول له إنك مظلوم، بل إلى من يقف معه حتى لا يتحول الظلم إلى قدر مكتوم. وهذه خصلة من خصال الناس الذين تسبق أخلاقهم خطبهم، وتسبق مواقفهم عباراتهم. فليس كل من يتحدث عن العدل عادلاً، وليس كل من يرفع راية الضعفاء يعرف كيف يحملها. أما مرتضى، فكان يحملها بطريقته: بالوقوف، وبالستر، وبالنخوة، وبذلك الحنان الإنساني الذي لا يخذل حين تستدعيه الحاجة.
في حضرة ذكرى مرتضى، يتسع معنى المحبة حتى يصير باباً لمعرفة الله في خلقه. فالإنسان لا يبلغ مقام الرحمة بالكلام عن الرحمة، بل بأن يكون موضع رحمة في حياة الناس. ومن أحبّ عرف، ومن عرف رحم، ومن رحم اتسع قلبه حتى لا يعود قادراً على القسوة. وكان مرتضى، في حياته اليومية البسيطة، واحداً من هؤلاء الذين لا يكتبون الحكمة، بل يعيشونها. لم يكن يشرح المحبة، لكنه كان يمشي بها بين الناس. لم يكن يدرّس الوفاء، لكنه كان يضعه في الفعل. لم يكن يتحدث كثيراً عن السند، لكنه كان سنداً حين يحتاج الناس إلى السند.
ولهذا بقي أثره. فالذي يبقى من الإنسان ليس ما امتلكه، ولا ما لبسه، ولا ما جمعه من مال، بل ما زرعه في أرواح الآخرين. يبقى الوجه حين كان يطمئن، وتبقى اليد حين كانت تعين، وتبقى الجلسة حين كانت ترفع وحشة القلب، ويبقى البيت حين كان مفتوحاً كأنه جزء من رحمة الله الموزعة بين عباده. وبعد 31 عاماً، لا تزال ذكراه تأتي لا كحدث مضى، بل كحضور يتجدد فينا، وكأن الغياب لم يستطع أن يأخذ منه إلا الجسد، أما المعنى فقد بقي في البيت، وفي الذاكرة، وفي أسماء الأماكن التي عبرها وترك بصمته: حي العرب، وربك، وأمدرمان، وبيت المال.
الفقد، حين يكون عميقاً، لا يشيخ. قد تهدأ ناره، لكنه لا يفقد حرارته. وقد يتعلم القلب أن يعيش، لكنه لا ينسى موضع الوجع. ومع ذلك، فإن المؤمن لا يرى الموت نهاية للمحبة، بل انتقالاً من حضرة إلى حضرة. الذين نحبهم لا يخرجون من حياتنا خروجاً تاماً؛ يخرجون من العين ويدخلون في البصيرة، يغيبون عن المجلس ويحضرون في الدعاء، تبتعد أصواتهم ولكن تبقى نبرتهم في الذاكرة، وتغيب خطاهم ولكن تبقى آثارهم على عتبات القلب.
وأنا، في يوم ذكراه، لا أستعيد مرتضى بوصفه فقيداً فقط، بل بوصفه درساً في الأخوّة. درساً يقول لنا إن الأسرة ليست اسماً يجمع الناس، بل عهدٌ بحفظ الود. وإن الصداقة ليست كلاماً في أوقات الرخاء، بل حضور عند الحاجة. وإن البيت لا يكون بيتاً إلا إذا اتسع للضيف، والمحتاج، والمكسور، وصاحب الهم. وإن الإنسان لا يبلغ كماله بما يأخذ من الدنيا، بل بما يمنحها من رحمة، وكرامة، وستر، وسند. لقد غادر مرتضى الدنيا مبكراً، ولكن بعض الراحلين لا تقاس أعمارهم بعدد السنين. من عاش 48 عاماً وترك هذا الأثر في القلوب، فقد كتب لنفسه عمراً آخر في ذاكرة من أحبوه. وما أجمل أن يترك الإنسان خلفه دعاءً صادقاً، وبيتاً يُذكر بالخير، وقلوباً تقول بعد عقود: كان حنوناً، كان كريماً، كان سنداً، كان نصيراً لمن احتاجه، كان باباً من أبواب الأمان.
إلى الأسرة والأصدقاء في هذا اليوم: لنجعل ذكرى مرتضى مناسبة لا للحزن وحده، بل لتجديد العهد مع معناه. أن نصل أرحامنا، وأن نفتح بيوتنا وقلوبنا، وأن نعين المحتاج من دون إذلال، وأن نسند الضعيف من دون تردد، وأن ننصر المظلوم من دون حسابات ضيقة، وأن نحفظ في حياتنا شيئاً من روحه الشفيفة التي كانت ترى الإنسان قبل صفته، وترى الألم قبل الشكوى، وترى الواجب قبل السؤال.
اللهم ارحم مرتضى رحمة واسعة، واغفر له، ونور مرقده، واجعل قبره روضة من رياض الجنة. اللهم اجعل ما قدم من حنان وكرم وستر ووفاء وعون للمحتاج وسند للضعيف ونصرة للمظلوم في ميزان حسناته. اللهم اجمعنا به في مقام الرضا، حيث لا فراق بعد لقاء، ولا حزن بعد طمأنينة، ولا خوف على من سبقونا إليك وأنت أرحم الراحمين.
سلام على روح مرتضى الشفيفة. وجعل ذكراه باباً للمحبة وصلة الرحم، وجعل ما تركه من حنان وستر وسند في ميزان حسناته. سلام على حضوره فينا بعد 31 عاماً من الفراق. وسلام على كل من حمله في قلبه، وذكره بخير، وقرأ الفاتحة على روحه.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
كيمبريدج، بريطانيا
2/6/2026



