مقالات الرأي

جمال كامل ابوالحسن يكتب : السادة الأدارسة وأثرهم في نشر العلم والدين في العالم

وعلاقتهم بمدينة دنقلا

بقلم الأستاذ جمال كامل ابوبكر ابوالحسن

تُعدّ مدينة دنقلا، حاضرة الولاية الشمالية، من المدن التي عرفت تلاقح الثقافات والأنساب منذ قرون بعيدة. فقد استقبلت عبر تاريخها عدداً من العلماء والصلحاء الذين وفدوا إليها من مختلف أقطار العالم الإسلامي، وكان لهم أثر واضح في نشر العلم والدين وترسيخ القيم الإسلامية في المجتمع. ومن بين هذه الأسر الكريمة التي ارتبط اسمها بتاريخ دنقلا الديني والاجتماعي أسرة السادة الأدارسة.
ينتسب الأدارسة إلى الإمام الأكبر أحمد بن إدريس، من ذرية الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وهم من الأسر الشريفة التي انتشرت في بلاد المغرب ثم تفرعت منها فروع في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي، ومنها السودان. وقد اشتهر كثير من أفراد هذه الأسرة بالعلم والتصوف والدعوة إلى الله.
قدم السيد عبدالعالي الإدريسي إلى المنطقة في زمن مبكر، قادماً من الزينية بمصر التي استقر فيها الأدارسة بعد قيام دولتهم في المغرب الأقصى. وقد كان قدومه بدافع نشر العلم والدعوة إلى الإسلام، وهي الرسالة التي حملها كثير من العلماء والصلحاء الذين ارتحلوا عبر وادي النيل.
وعندما وصل السيد عبدالعالي إلى دنقلا، كان لجدي أبوالحسن محمد البصري الحجاجي شرف مرافقته. وقد وجد السيد عبدالعالي في دنقلا مجتمعاً متديناً بطبعه، لكنه كان بحاجة إلى العلماء الذين يقومون بالتعليم والإرشاد. فعمل على نشر تعاليم الإسلام بين الناس، وتعليم القرآن الكريم والفقه والآداب الإسلامية، وأصبح مجلسه ملتقىً للطلاب وطالبي العلم يقصدونه للاستفادة من علمه وتقواه.
ومن أبرز أعماله في دنقلا أنه أعاد بناء مسجد دنقلا العتيق بعد أن قام بتعديل قبلته، إذ كان عالماً بعلم الفلك ويُحسن تحديد الاتجاهات بدقة. غير أن مقامه في دنقلا لم يطل، فبعد ستة أشهر من وصوله انتقل إلى رحمة الله تعالى، تاركاً أثراً طيباً وسيرة عطرة في نفوس أهل المدينة.
وبعد وفاة السيد عبدالعالي، واصل ابنه السيد محمد الشريف الإدريسي المسيرة التي بدأها والده، فكان امتداداً لذلك الدور الديني والتعليمي. فقد اهتم بتعليم القرآن الكريم ونشر العلم، كما كان له إسهام واضح في بناء المساجد أو الإشراف على عمارتها، لتكون مراكز للعبادة والتعليم والاجتماع. وقد كانت المساجد في تلك الفترة تقوم بدور كبير في حياة المجتمع، إذ لم تكن مجرد أماكن للصلاة، بل كانت مدارس لتعليم القرآن والفقه، ومنابر للإصلاح الاجتماعي.
وقد ساهمت أسرة الأدارسة، من خلال وجودها في دنقلا، في ترسيخ القيم الدينية بين الناس، كما شاركت في الحياة الاجتماعية للمدينة، فارتبطت بعلاقات المصاهرة والتعاون مع الأسر المحلية، وأصبحت جزءاً أصيلاً من نسيج المجتمع في دنقلا.
ولم يقتصر أثرهم على الجانب الديني فحسب، بل امتد إلى دعم الحياة العلمية والثقافية، حيث كان العلماء والصلحاء غالباً ما يشجعون التعليم ويحضّون الناس على طلب العلم، وهو ما أسهم في ازدهار الحركة العلمية في المنطقة عبر الأجيال.
وقد انتشر أبناء السيد محمد الشريف في أنحاء السودان المختلفة لنشر العلم والدين، فكان لهم وجود في أرقو وبيوضة والغابة وأم درمان بحي الموردة وحي العرضة، وبلاد الشايقية وفي ود مدني وكان عمي المهندس صلاح أبوبكر أبوالحسن خليفتهم ولهم مجمع إسلامي كبير في حي بانت . كما انتشروا في سنار وكوستي وكثير من مدن السودان.
ولم يقف انتشارهم عند حدود السودان، بل امتد إلى خارج البلاد، فكان لهم حضور في جمهورية مصر حيث يوجد نسلهم الشريف الذين كان لهم دور ديني واجتماعي كبير. كما كان لهم امتداد في الصومال، حيث كان والد الرئيس الصومالي الأسبق شريف شيخ أحمد خليفتهم في الصومال. كذلك انتشرت تعاليمهم في عدد من البلدان الآسيوية والأوروبية، حتى أصبحت دعوتهم جزءاً من الحركة العلمية والدينية في كثير من أرجاء العالم الإسلامي.
وهكذا ظل اسم السادة الأدارسة حاضراً في ذاكرة دنقلا كما هو حاضر في كثير من بقاع الأرض. وقد أحبهم أهل دنقلا لما لمسوه فيهم من علم وتقوى وحسن سيرة، كما أحب الأدارسة دنقلا وأهلها، فكانت بينهم علاقة مودة واحترام متبادل.
لقد قام السادة الأدارسة بدور كبير في بناء المساجد، وإقامة المعاهد الدينية، ونشر العلم وتعليم القرآن الكريم، وهي أدوار تركت أثراً طيباً في المجتمع ما تزال ملامحه باقية حتى اليوم.
إن الحديث عن هذه الأسرة الكريمة ليس مجرد استحضار لوقائع تاريخية، بل هو تذكير بدور العلماء والصلحاء في بناء المجتمعات وترسيخ قيم الدين والعلم، وهي القيم التي قامت عليها كثير من مدن السودان، وكانت دنقلا واحدة من أبرز تلك الحواضر التي احتضنت هذا الإرث المبارك.
وفي ختام هذا المقال، لا يسعنا إلا أن نرفع أكفّ الدعاء للسادة الأدارسة الذين أفنوا أعمارهم في نشر العلم والدين وخدمة الإسلام والمسلمين، سائلين الله تعالى أن يتغمدهم بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدموه في ميزان حسناتهم، وأن يجزيهم عن الأمة خير الجزاء، وأن يبارك في ذريتهم ويجعلهم امتداداً لذلك النهج المبارك في خدمة الدين والعلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى