“نظام الأمن الضمني” العلاقات المستترة بين إسرائيل وممالك الخليج؟

زلزال جيوسياسي في الشرق الأوسط
في سبتمبر من عام 2018، وقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثالثة والسبعين، ليلقي خطاباً لم يكن مجرد تحذير تقليدي من الطموحات النووية الإيرانية، بل كان بمثابة إعلان غير رسمي عن ولادة هندسة جيوسياسية جديدة في الشرق الأوسط. قال نتنياهو بلهجة دراماتيكية إن الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة)، رغم عيوبه القاتلة التي قوّت طهران، قد أسفر عن نتيجة إيجابية واحدة غير مقصودة: لقد قرّب هذا التهديد المشترك بين إسرائيل والعديد من الدول العربية بأواصر من الود والصداقة لم يشهدها طوال حياته، وهي علاقات كانت قبل سنوات قليلة ضرباً من الخيال الممتنع.
لم يكن هذا التصريح مجرد مناورة بلاغية؛ بل كان تعبيراً مكشوفاً عن تحول عميق تجاوز منطق “السياسة الواقعية” التقليدية إلى آفاق جديدة من التعاون الاستراتيجي والتكنولوجي. يعيد كتاب “الأعداء الأشقاء: إسرائيل وممالك الخليج” (Fraternal Enemies: Israel and the Gulf Monarchies)، الصادر عن دار نشر جامعة أكسفورد للمؤلفين البروفيسور كلايف جونز والدكتور يوئيل جوزانسكي، صياغة فهمنا لهذا التحول الإقليمي الاستثنائي. يقدم المؤلفان دراسة أكاديمية مستندين إلى خبرات استثنائية؛ فجوزانسكي باحث كبير في معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب وشغل سابقاً منصب المسؤول عن القضايا الاستراتيجية في مجلس الأمن القومي بمكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بينما يحمل جونز كرسي الأمن الإقليمي والشرق أوسطي في جامعة دورهام البريطانية.
يأخذنا هذا الكتاب في رحلة تحليلية محكمة لفهم كيف تحولت العلاقات الإسرائيلية-الخليجية من حالة الرفض المطلق والعداء العقائدي إلى نمط معقد من الشراكة الاستراتيجية التي يصفها المؤلفان بـ “نظام الأمن الضمني” (Tacit Security Regime). إنه نظام تتشابك فيه المصالح الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية خلف الكواليس، بينما تظل الواجهة السياسية محكومة باعتبارات الشرعية المحلية وحساسية القضية الفلسطينية في الشارع العربي.
من اللاءات الثلاث إلى البراغماتية الجيوسياسية: قراءة في سياق التحول
لكي نفهم عمق التحول الذي يطرحه جونز وجوزانسكي، يجب العودة بالذاكرة الجيوسياسية إلى إرث اتفاقية “سايكس بيكو” ونظام الدول الإقليمي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية. لعقود طويلة، كان الموقف العربي الجماعي يتسم بالرفض القاطع للكيان الصغير ككيان سيادي شرعي، وهو الموقف الذي تكرّس رسمياً في إعلان الخرطوم الشهير في نوفمبر 1967، عقب الهزيمة العربية، والذي رفع “اللاءات الثلاث”: لا اعتراف بإسرائيل، لا تفاوض مع إسرائيل، لا سلام مع إسرائيل.
ورغم أن التاريخ يخبرنا بأن شقوقاً سرية ظهرت مبكراً في هذا الجدار الصلب عبر علاقات تحت الطاولة قادتها دول مثل الأردن والمغرب لعقود، ورغم التصدع العلني الذي أحدثته معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 ثم اتفاقيات أوسلو 1993 ومعاهدة وادي عربة مع الأردن 1994، إلا أن ممالك الخليج العربي ظلت تاريخياً تتبنى مساراً مزدوجاً. هذا المسار كان يقوم من جهة على الإدانة العلنية لبناء المستوطنات والانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الفلسطينيين، ومن جهة أخرى على استكشاف البراغماتية النابعة من الحاجة الاستراتيجية لمواجهة التهديدات المشتركة، وهو ما دفع القضية الفلسطينية تدريجياً من مركز الصدارة إلى الهامش في حسابات النخب الحاكمة.
يُعزز البروفيسور إيتامار رابينوفيتش، السفير الإسرائيلي الأسبق والبروفيسور الفخري بجامعة تل أبيب، هذا السياق في تمهيده للكتاب بالإشارة إلى المفارقة التاريخية الصارخة. ففي مارس 1945، وقف الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت أمام الكونغرس عقب لقائه التاريخي بالملك عبد العزيز آل سعود على متن السفينة الحربية “كوينسي” في البحيرات المرة، ليقول إنه تعلم عن مشكلة المسلمين واليهود في خمس دقائق من حديثه مع ابن سعود أكثر مما كان سيتعلمه من دزينات الرسائل. حاول الملك السعودي حينها ثني واشنطن عن دعم إقامة دولة يهودية، وغدا الضغط السعودي المباشر وغير المباشر -عبر النفط والدبلوماسية- بعداً ثابتاً في صياغة السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل. لذلك، يرى رابينوفيتش أن الحوار الضمني المعاصر بين إسرائيل وممالك الخليج، وشكواهما المشتركة من سياسات إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، يمثل ذروة السخرية السياسية والتحول الجذري في مسار العلاقات الإقليمية.
الإطار المفاهيمي: تفكيك “نظام الأمن الضمني” (TSR)
يتمثل الابتكار النظري الأساسي الذي يقدمه كتاب “الأعداء الأشقاء” في صياغة مفهوم نظام الأمن الضمني (Tacit Security Regime – TSR) كأداة تفسيرية تتجاوز قصور النظريات التقليدية في العلاقات الدولية. يرفض المؤلفان إسقاط المفاهيم الليبرالية المؤسسية الغربية -مثل نموذج الاتحاد الأوروبي الذي يقوم على تعزيز القيم الليبرالية المشتركة والقواعد القانونية المشفرة- على الحالة الإسرائيلية-الخليجية. في المقابل، يرفضان أيضاً الاكتفاء بالطرح الواقعي الكلاسيكي لإنبار وساندلر الذي يفسر الاستقرار الإقليمي من خلال “نظام عدم التدخل” (Laissez-faire) المستند حصراً إلى قوة الردع العسكرية الإسرائيلية الساحقة التي تُجبر الأطراف الأخرى على القبول بالوضع الراهن على مضض.
بدلاً من ذلك، يعيد جونز وجوزانسكي إحياء وتطوير أفكار روبرت جيرفيس حول “الوفاق الأوروبي” (Concert of Europe) وأفكار جانيس غروس شتاين التي رأت أن الصراع العربي الإسرائيلي لم يعد منافسة صفرية بل إدارة صراع تعترف بقواعد اللعبة والمعاملة بالمثل. لكن نقطة الانطلاق الجوهرية لهما كانت أطروحة أهارون كليمان حول “النظام الأمني الدولي الضمني” الذي أدار العلاقات السرية بين إسرائيل والأردن قبل معاهدة 1994 كـ “خصوم لا أعداء”، حيث تُدار التوترات عبر تفاهمات غير مكتوبة وقنوات خلفية من تحت الطاولة.
يقوم نظام الأمن الضمني بين إسرائيل وممالك الخليج، كما يحدده الكتاب، على ستة محددات :
-
تجاوز الجغرافيا: لم تعد المسافة الجغرافية عائقاً يحدد شدة أو طبيعة التبادل الاستراتيجي والاقتصادي بين الأطراف.
-
التهديد الخارجي كمحرك أساسي: النظام لا ينبع من رغبة في إدارة العلاقات البينية بين الدول نفسها، بل هو استجابة مباشرة لإدراك تهديد مشترك متمثل في طهران، حيث يعمل النظام على كبح المنافسات البينية لضمان الهدف الأساسي وهو احتواء إيران.
-
الاعتراف بالقيود المحلية: يدرك الفاعلون تماماً القيود الأيديولوجية والعاطفية المرتبطة بالشرعية المحلية للأنظمة الخليجية (مثل رمزية القدس وفلسطين)، وهو ما يمنع الانتقال إلى علاقات دبلوماسية رسمية مفتوحة، مما يمثل تصحيحاً للنظرية الواقعية الكلاسيكية التي تتجاهل المحددات الداخلية.
-
تراجع الثقة في الحليف الأكبر: يعكس النظام التصورات الذاتية المشتركة حول تذبذب التزام الولايات المتحدة بأمن حلفائها في المنطقة.
-
توظيف القوة التكنولوجية الناعمة: يتجاوز النظام المسائل العسكرية الصرفة ليشمل تبادلاً تجارياً واستثمارياً، حيث تستخدم إسرائيل تفوقها التكنولوجي والسيبراني (أنظمة المراقبة والأمن السيبراني المتقدمة) كقوة ناعمة ذات نصل حاد تسعى الأنظمة الخليجية لاقتنائها لتعزيز أمنها الداخلي.
-
مرونة الإشارات المفتوحة والدقيقة: يسمح النظام بتبادل إشارات علنية ومدروسة تهدف بمرور الوقت إلى تهيئة الرأي العام المحلي لقبول الحوار واستيعاب المتغيرات الاستراتيجية.
تصدع مجلس التعاون الخليجي وظهور الجغرافيا السياسية الجديدة
ينتقل الكتاب بعد ذلك لتحليل البيئة الإقليمية التي سمحت لهذا النظام الضمني بالنمو، مشيراً إلى أن الانتفاضات العربية عام 2011 (الربيع العربي) مثلت نقطة تحول زلزالية فككت اليقينيات الاستراتيجية القديمة. لقد أدت هذه التحولات إلى انهيار مجلس التعاون الخليجي كـ “مجمع أمني” أو “مجتمع أمني” موحد. فإذا كان المجتمع الأمني يعني اتفاق الأعضاء على طبيعة التهديدات وكيفية مواجهتها، فإن الخليج بات يعيش انقساماً راديكالياً حول مسألة إيران وكيفية التعامل مع الفاعلين من غير الدول.
تجلت هذه التصدعات بوضوح في القطيعة الإقليمية ونبذ قطر في يونيو 2017 من قبل الثلاثي (السعودية، الإمارات، والبحرين). يوضح المؤلفان بسخرية تحليلية كيف أن الدوحة دأبت على دعم حركات الإسلام السياسي كالإخوان المسلمين وحماس، التي تمثل أيديولوجيتها نقيضاً مطلقاً للحكم الملكي العائلي القائم في الخليج، في حين أن هذا الدعم يُبنى على ثروة هائلة مستمدة من السلطة المطلقة لآل ثاني. هذا التضارب الجيوسياسي الخليجي، الذي قابله انهيار دول مثل سوريا والعراق وتحول الصراعات إلى سياسات طائفية دموية (إيران ضد المحور السعودي الإماراتي البحريني)، جعل النخب الخليجية ترى في التقارب مع إسرائيل حاجة استراتيجية ملحة لا غنى عنها لاحتواء النفوذ الإيراني المتمدد من بغداد إلى بيروت وصنعاء. وكما كتب الباحث مأمون فندي في صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية، فإن الدول العربية في أضعف حالاتها السياسية باتت جاهزة لتوقيع صفقات شاملة، وهو الواقع الذي التقطته القدس بذكاء لتعزيز نهج نتنياهو القائم على استراتيجية “من الخارج إلى الداخل”. هذا النهج يقوم على بناء التطبيع والتحالف مع المحيط العربي المعتدل أولاً، للدخول في أي مفاوضات مستقبلية مع الفلسطينيين من موقع قوة وسيطرة مُطلقة.
التأسيس التاريخي والجغرافيا السياسية للممرات الخلفية: من حرب 1948 إلى زلزال كامب ديفيد
لا يمكن فهم الحاضر المتشابك للعلاقات الإسرائيلية-الخليجية دون الغوص في التضاريس التاريخية المعقدة التي شكلت وعي النخب الحاكمة على ضفتي الصراع والتعاون، وهي التضاريس التي يفرد لها المؤلفان كلايف جونز ويوئيل جوزانسكي مساحة تحليلية واسعة لتفكيك ما يسميانه “الذاكرة الاستراتيجية المستترة”. يعود بنا الكتاب إلى حقبة التأسيس، وتحديداً إلى حرب عام 1948 وما تلاها من صعود للمد القومي العربي بقيادة جمال عبد الناصر، حيث كانت ممالك الخليج، الناشئة والواقعة تحت الحماية البريطانية آنذاك، تنظر إلى إسرائيل من منظورين متناقضين في ظاهرهما، ومتكاملين في عمقهما الجيوسياسي. المنظور الأول هو الالتزام العقائدي والعروبي المعلن بالقضية الفلسطينية، والذي كان ضرورياً لشرعية هذه الأنظمة أمام شعوبها وأمام المد الثوري الناصري والبعثي الذي كان يهدد عروشها بالزوال. أما المنظور الثاني، فهو الإدراك المبكر بأن القوة العسكرية الإسرائيلية الصاعدة يمكن أن تشكل، بطريقة غير مباشرة، كابحاً إقليمياً للمشاريع التوسعية الرديكالية في المنطقة، سواء كانت ناصرية أو شيوعية مدعومة من الاتحاد السوفيتي.
يكشف المؤلفان كيف بدأت الشقوق الأولى في جدار المقاطعة الخليجية بالظهور في ستينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال حرب اليمن (1962-1967)، حيث وجدت السعودية نفسها في مواجهة عسكرية مباشرة مع الجيش المصري الذي أرسله عبد الناصر لدعم النظام الجمهوري هناك. في تلك اللحظة الحرجة، تقاطعت مصالح الرياض والقدس بشكل سري ومثير؛ إذ كانت إسرائيل ترى في استنزاف الجيش المصري في جبال اليمن مصلحة أمنية عليا لها، وقامت بتنفيذ عمليات إسقاط جوي سرية للسلاح والمؤن للقوات الملكية الزيدية المدعومة سعودياً عبر عملية أُطلق عليها اسم “عملية المانجا”. ورغم أن هذا التعاون لم يكن مباشراً أو منسقاً بشكل وثيق بين الأسرة الحاكمة في الرياض والحكومة الإسرائيلية، بل تم عبر وساطة الاستخبارات البريطانية ومرتزقة فرنسيين وبريطانيين، إلا أنه مثل أول اختراق بنيوي أثبت للنخب الخليجية أن إسرائيل يمكن توظيفها كفاعل إقليمي موازن للتهديدات الوجودية التي تواجه ممالكهم.
جاءت حرب يونيو 1967 وتلتها حرب أكتوبر 1973 لتعيد ترتيب الأولويات الإقليمية بشكل جذري، حيث برز سلاح النفط الخليجي كأداة ضغط سياسي واقتصادي مرعبة في الحظر النفطي الشهير عام 1973، وهو الحدث الذي رسخ صورة دول الخليج كقوة قائدة للمواجهة الاقتصادية مع الغرب وإسرائيل. لكن خلف هذا الصخب القومي والدبلوماسي، كان هناك تحول صامت يتبلور في أروقة صنع القرار الخليجية، إذ بدأت النخب تدرك أن استمرار الصراع العسكري المفتوح يهدد استقرار خطوط الملاحة الدولية وتدفقات الطاقة، وهي شريان الحياة للأنظمة الخليجية. ومن هنا، كانت الصدمة الجيوسياسية التي أحدثها الرئيس المصري أنور السادات بزيارته للقدس عام 1977 وتوقيعه معاهدة السلام في كامب ديفيد عام 1979، بمثابة نقطة الفراق التاريخية التي وضعت حداً لزمن الحروب النظامية الكبرى، وأجبرت عواصم الخليج على تبني مقاربة جديدة تقوم على احتواء التداعيات ومحاولة صياغة مسار سلام عربي يضمن الاستقرار الإقليمي دون التنازل التام عن الحقوق الفلسطينية المعترف بها دولياً.
في هذا السياق المتغير، يحلل جونز وجوزانسكي الانتقال من الرفض السلبي إلى المبادرة السياسية، مسلطين الضوء على “مشروع فهد للسلام” الذي طُرح في قمة فاس بالمغرب عام 1981، والذي تحول لاحقاً إلى “مبادرة السلام العربية” في قمة بيروت عام 2002 بقيادة الملك عبد الله بن عبد العزيز. يرى المؤلفان أن هذه المبادرات، التي عرضت اعترافاً عربياً كاملاً وتطبيعاً شاملاً مع إسرائيل مقابل الانسحاب الكامل إلى حدود عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، كانت تمثل أول إشارة استراتيجية علنية من الخليج نحو القدس. ورغم أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة رفضت المبادرة أو تجاهلتها نظراً لرفضها التنازل عن القدس والمستوطنات أو مناقشة حق العودة، إلا أن أهمية المبادرة تكمن في أنها كسرت التابو الأيديولوجي، وجعلت فكرة “السلام والاعتراف” بإسرائيل خياراً مطروحاً على الطاولة الخليجية، بانتظار اللحظة الجيوسياسية المناسبة التي تتلاقى فيها المصالح الأمنية المباشرة لتتجاوز الشروط السياسية التقليدية للمبادرة.
شهدت فترة التسعينيات، وتحديداً عقب مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 وتوقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993، ذروة الانفتاح الخليجي العلني الأول على إسرائيل قبل الألفية الجديدة. فتحت كل من سلطنة عمان ودولة قطر مكاتب تمثيل تجاري إسرائيلية في مسقط والدوحة، وقام رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين بزيارة تاريخية علنية إلى سلطنة عمان في ديسمبر 1994 بدعوة من السلطان قابوس، تلتها زيارة لشمعون بيريز عام 1996 إلى عمان وقطر. كانت هذه الخطوات الخليجية تعبيراً عن التفاؤل بمفهوم “الشرق الأوسط الجديد” الذي بشر به بيريز، والذي يقوم على دمج التكنولوجيا الإسرائيلية بالمال والنفط العربي لخلق منطقة ازدهار مشترك. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما انهار تحت وطأة الاغتيالات السياسية، وصعود اليمين الإسرائيلي بقيادة بنيامين نتنياهو، واندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، مما دفع العواصم الخليجية إلى إغلاق هذه المكاتب رسمياً أو تجميدها بضغط من الشارع العربي، ليعود الحوار مجدداً إلى قنواته السرية والمستترة بانتظار صعود خطر إقليمي جديد يعيد صياغة التحالفات من الصفر.
المحرك الإيراني وتآكل المظلة الأمريكية: صياغة التهديد المشترك كرافعة للتقارب الاستراتيجي
ينتقل المؤلفان كلايف جونز ويوئيل جوزانسكي في هذا الجزء من الكتاب إلى تحليل العقيدة الأمنية المشتركة التي تبلورت في أعقاب تحولين جيوسياسيين زلزاليين أعادا رسم خارطة التهديدات في الشرق الأوسط: الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، والغزو الأمريكي للعراق عام 2003. يرى الكتاب أن طهران تحولت، عبر تبنيها استراتيجية تصدير الثورة ودعم الفاعلين المسلحين من غير الدول، من لاعب إقليمي تقليدي إلى مهدد وجودي مشترك عَبَر الخلافات الأيديولوجية والتاريخية بين الدولة العبرية وممالك الخليج. وإذا كانت عواصم الخليج قد نظرت تاريخياً إلى العراق كحائط صد منيع أمام التمدد الجيوسياسي الإيراني، فإن إسقاط نظام صدام حسين قد فتح صندوق بندورا الطائفي، وقدم بغداد على طبق من ذهب للنفوذ الإيراني، مما سمح لطهران ببناء ما يُعرف بـ “الهلال الشيعي” الممتد عبر شبكة من الوكلاء من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت، وصولاً إلى صنعاء مع صعود جماعة الحوثي. هذا الطوق الجيوسياسي الذي شعرت دول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات، أنه يلتف حول أعناقها، كان يتطابق بنيوياً مع التحذيرات الإسرائيلية المستمرة من “المشروع الإمبراطوري الإيراني” وطموحات طهران النووية والصاروخية.
ومع ذلك، يوضح المؤلفان أن الخوف المشترك من إيران لم يكن كافياً وحده لدفعهما نحو بناء “نظام الأمن الضمني”؛ بل كان المحرك الأعمق هو التآكل التدريجي والمقلق في موثوقية المظلة الأمنية الأمريكية في المنطقة. يسلط الكتاب ضوءاً تحليلياً كاشفاً على حقبة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، والتي تعتبرها النخب الحاكمة في تل أبيب والرياض وأبوظبي نقطة تحول مريرة وتراجعاً استراتيجياً لواشنطن عن التزاماتها التاريخية بدعم حلفائها التقليديين. لقد شكل أسلوب تعامل إدارة أوباما مع أحداث الربيع العربي عام 2011، وتخليها السريع عن حلفاء قدامى مثل الرئيس المصري حسني مبارك، صدمة عميقة لعروش الخليج التي شعرت بأن واشنطن يمكن أن تضحي بها في أي لحظة. لكن الطعنة الاستراتيجية الكبرى، من منظور خليجي وإسرائيلي متطابق، تمثلت في توقيع الاتفاق النووي مع إيران (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2015 من وراء ظهر الحلفاء الإقليميين، وهو الاتفاق الذي رأى فيه الطرفان مكافأة لطهران وضخاً لمليارات الدولارات في خزائن الحرس الثوري لتمويل التوسع الإقليمي، دون معالجة برنامجها للصواريخ الباليستية أو سلوكها المزعزع للاستقرار.
هذه العزلة الاستراتيجية المشتركة ولدت قناعة راسخة لدى عواصم الخليج وإسرائيل بأن الاعتماد المطلق على الحامي الأمريكي أصبح مقامرة غير مضمونة، مما دفعها للبحث عن خيارات بديلة لتعزيز الأمن الإقليمي الذاتي. وضمن هذا الفضاء من التوجس، بدأت إسرائيل تطرح نفسها أمام العواصم الخليجية ليس كقوة عسكرية متفوقة فحسب، بل كشريك استراتيجي صلب يمتلك الإرادة السياسية والقدرة العملياتية لمواجهة النفوذ الإيراني بشكل مباشر ودون تردد، على عكس التذبذب الأمريكي. يحلل جوزانسكي وجونز كيف بدأت اللقاءات السرية تتكثف خلف الكواليس في العواصم الأوروبية وفي أروقة الاستخبارات، حيث جرى تبادل المعلومات الأمنية الحساسة حول تحركات الحرس الثوري الإيراني، وتهريب الأسلحة، والأنشطة السيبرانية لطهران. تحول هذا التعاون الاستخباراتي الصامت بمرور الوقت إلى ركيزة أساسية لنظام الأمن الضمني، حيث وفرت إسرائيل عمقاً تكنولوجياً ومعلوماتياً، بينما وفرت دول الخليج عمقاً جغرافياً ومالياً، مما أوجد نمطاً جديداً من توازن القوى يقوم على تلاقي المصالح العملياتية الحادة.
جاءت إدارة الرئيس دونالد ترامب في عام 2017 لتعيد تنشيط هذا المسار وتمنحه غطاءً أمريكياً علنياً عبر استراتيجية “الضغط الأقصى” ضد إيران والانسحاب من الاتفاق النووي في مايو 2018، وهي الخطوات التي حظيت بتأييد حار ومبرر من تل أبيب والرياض وأبوظبي. ورغم ذلك، فإن الكتاب يكشف عن لحظة كاشفة أخرى في سبتمبر 2019 عندما تعرضت منشآت “أرامكو” النفطية في بقيق وخريص السعودية لهجوم بطائرات مسيرة وصواريخ كروز نُسبت إلى إيران، حيث جاء الرد الأمريكي الصامت والممتنع عن التدخل العسكري ليعيد تذكير الخليجيين بالدرس القاسي: واشنطن لن تحارب نيابة عن أحد ما لم تتعرض قواتها المباشرة للهجوم. هذا الحادث بالتحديد، يرى المؤلفان، أنه سرّع من وتيرة التحول الاستراتيجي الخليجي نحو إسرائيل، حيث ترسخت القناعة بأن بناء خط دفاعي إقليمي متين بالتعاون مع الدولة العبرية، والاستفادة من منظوماتها الدفاعية المتقدمة وقدراتها الردعية، بات ضرورة حتمية لا تحتمل التأجيل، متجاوزة الأطر الدبلوماسية التقليدية نحو صياغة تحالف أمني وظيفي غير مكتوب في مواجهة التهديد الممتد من طهران.
التكنولوجيا كدبلوماسية صامتة: اختراق الفضاء السيبراني وأمن النظم الملكية
في هذا المحور المفصلي من الكتاب، يفكك المؤلفان كلايف جونز ويوئيل جوزانسكي البعد التكنولوجي والسيبراني الذي يمثل “الغراء الاستراتيجي” الأحدث والأكثر متانة في نظام الأمن الضمني بين إسرائيل وممالك الخليج، حيث لم تعد العلاقات محصورة في التنسيق العسكري الكلاسيكي أو تبادل المعلومات الاستخباراتية التقليدي، بل انتقلت إلى أفق أرحب وأكثر تعقيداً يتمثل في تصدير التكنولوجيا الأمنية المتقدمة. يجادل الكتاب بأن إسرائيل نجحت ببراعة في تحويل تفوقها في مجالات الأمن السيبراني، وتقنيات المراقبة المتقدمة، وأنظمة الدفاع الصاروخي، إلى أداة “قوة ناعمة ذات نصل حاد”، تُستخدم ليس فقط لتعزيز الأمن الخارجي ضد إيران ووكلائها، بل أيضاً لضمان الاستقرار الداخلي وحماية العروش في مواجهة تحديات العصر الرقمي. هذا التحول النوعي يعكس فهماً إسرائيلياً عميقاً لاحتياجات الأنظمة الخليجية، التي وجدت في التكنولوجيا الإسرائيلية حلاً تكنولوجياً مثالياً لمعضلات سياسية وأمنية لا يمكن معالجتها بالوسائل الدبلوماسية التقليدية.
يوضح المؤلفان كيف أن الشركات التكنولوجية الإسرائيلية، التي غالباً ما تعمل بغطاء أو تشجيع ضمني من المؤسسة الأمنية، باتت تلعب دور “الدبلوماسي التكنولوجي” الذي يفتح الأبواب الموصدة دون الحاجة إلى تطبيع سياسي رسمي. ففي ظل غياب الثقة الكاملة في الموردين الغربيين الذين قد يفرضون قيوداً أخلاقية أو قانونية على استخدام تقنيات المراقبة والتحكم، وجدت الأنظمة الخليجية في “النموذج الإسرائيلي” شريكاً يمتلك التكنولوجيا الأكثر تطوراً في العالم، ويشاركها الرؤية ذاتها بضرورة “الاستقرار فوق كل اعتبار”. يحلل الكتاب كيف ساهمت هذه الصفقات التقنية -من برمجيات التجسس المتطورة إلى أنظمة الأمن السيبراني- في خلق شبكة من المصالح التجارية والمهنية المتبادلة بين نخب أمنية وتقنية من الطرفين، مما أوجد واقعاً مؤسسياً لا يمكن العودة عنه، حيث أصبحت الأنظمة الأمنية الخليجية تعتمد هيكلياً على الخبرة الإسرائيلية في تأمين البنية التحتية الحيوية ومراقبة الفضاء الرقمي.
إن جوهر هذا التعاون التكنولوجي، بحسب جونز وجوزانسكي، يكمن في كونه “غير مسيّس” في ظاهره؛ فهو يتم عبر شركات خاصة وعقود تجارية، مما يجنب الحكومات الخليجية الحرج السياسي أمام شعوبها أو أمام الانتقادات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. وهكذا، تحولت التكنولوجيا إلى وسيط دبلوماسي صامت، يسمح بتبادل الخبرات وتوطيد العلاقات بعيداً عن أعين الرأي العام وعن تعقيدات القضية الفلسطينية التي تظل حاجزاً أمام العلاقات العلنية. يرى المؤلفان أن هذا التعاون السيبراني ليس مجرد صفقة تجارية، بل هو تجسيد لما يسميانه “عقدة الأمن التكنولوجي”، التي تحمي الأنظمة من التهديدات الداخلية (مثل المعارضة الرقمية) والتهديدات الخارجية (مثل الحروب السيبرانية الإيرانية)، مما جعل إسرائيل طرفاً لا غنى عنه في معادلة بقاء واستقرار ممالك الخليج، وهو دور يتجاوز بمرات تأثير المساعدات أو الوعود الأمنية التقليدية التي كانت تقدمها واشنطن.
يختتم الكتاب هذا الجزء بالإشارة إلى أن هذا الاعتماد المتبادل تقنياً خلق نوعاً من “التطبيع الوظيفي” الذي يسبق التطبيع السياسي بمسافات طويلة، حيث باتت المصالح التكنولوجية والأمنية المشتركة تشكل حصانة ضد أي تقلبات سياسية مستقبلية. فمهما تصاعدت التوترات السياسية أو تباينت المواقف حول القضية الفلسطينية، فإن خيوط الشراكة التكنولوجية المتشابكة تظل قوية، لأنها تمس عصب الأمن القومي المباشر لكل طرف، مما يجعل من نظام الأمن الضمني واقعاً استراتيجياً مُعاشاً وليس مجرد رهان سياسي مؤقت، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لتحويل هذا التعاون من “السر” إلى “العلن” عبر اتفاقيات أبراهام، التي لم تكن إلا تتويجاً لسنوات طويلة من العمل خلف الكواليس.
مآلات النظام الضمني والرهانات المستقبلية: البناء الجيوسياسي الهش وتحولات ما بعد العلن
في هذا القسم الختامي يتناول المؤلفان كلايف جونز ويوئيل جوزانسكي آفاق الاستدامة وعوامل الهشاشة الكامنة في صلب “نظام الأمن الضمني” الذي صاغ العلاقات الإسرائيلية-الخليجية لعقود خلف الأبواب المغلقة. يجادل الكتاب بأن التحول من قنوات الاتصال السرية والمستترة إلى آفاق الإشهار الدبلوماسي، والذي توج لاحقاً بما عُرف باتفاقيات أبراهام، لم يكن قطيعة مع الماضي بقدر ما كان خروجاً طبيعياً ومحسوباً لنمط من الشراكة الاستراتيجية الوظيفية التي بلغت حد النضج البنيوي. ومع ذلك، فإن هذا الانتقال من “الضمني” إلى “العلني” يحمل في طياته، حسب تحليل المؤلفين، معضلات جديدة تمس جوهر الشرعية السياسية للأنظمة الخليجية، وتضع الاتفاقات على محك الاختبار أمام أي تصعيد عسكري واسع النطاق في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو الواقع الذي يثبت أن القضية الفلسطينية، وإن تراجعت في أولويات النخب الحاكمة، إلا أنها تظل محددًا عاطفيًا وأيديولوجيًا حاسمًا في الشارع العربي لا يمكن تجاوزه بالكامل دون أثمان سياسية داخلية باهظة.
يسلط المؤلفان ضوءاً على التباينات الجوهرية بين المقاربات الخليجية نفسها تجاه هذا النظام؛ فبينما اندفعت دول مثل الإمارات والبحرين نحو مأسسة العلاقات وتحويلها إلى شراكات اقتصادية وسياحية وثقافية مفتوحة، تتبنى قوى إقليمية وزانة كالمملكة العربية السعودية مقاربة أكثر حذراً وتأنياً. يرى الكتاب أن الرياض، بمكانتها الدينية كقاطبة للعالم الإسلامي وإرثها السياسي المرتبط بمبادرة السلام العربية لعام 2002، تدرك أن ثمن الخطوات العلنية الشاملة يجب أن يقابله تنازلات إسرائيلية حقيقية وملموسة تجاه حل الدولتين. هذا التمايز الخليجي يمنح نظام الأمن الضمني مرونة بيبنوية من جهة، ولكنه يكشف من جهة أخرى عن حدود السقف الجيوسياسي الذي يمكن لإسرائيل أن تبلغه في محيطها الإقليمي، حيث تظل التفاهمات الأمنية تحت الطاولة هي القناة الأكثر أماناً واستدامة لإدارة المصالح الحيوية المشتركة بعيداً عن أزمات الشرعية والصخب الإعلامي.
إن العبرة التحليلية الأساسية التي يخلص إليها جونز وجوزانسكي في دراستهما هي أن نظام الأمن الضمني بين إسرائيل وممالك الخليج يمثل نموذجاً فريداً لـ “السياسة الواقعية” في القرن الحادي والعشرين؛ فهو تحالف وظيفي فرضته الضرورات الأمنية المباشرة والمخاوف المشتركة من التمدد الإيراني وتراجع الموثوقية الأمريكية، ولم يكن نتاج تقارب قيمي أو ثقافي. وبناءً على ذلك، فإن مستقبل هذه الشراكة سيظل محكوماً بالديناميكيات المتغيرة لطبيعة التهديد الخارجي؛ فإي تحول في السلوك الإيراني، أو أي إعادة تموضع استراتيجي كبرى لواشنطن في المنطقة، قد يعيد ترتيب حسابات التكلفة والعائد لدى العواصم الخليجية. يبقى كتاب “الأعداء الأشقاء” وثيقة أكاديمية واستخباراتية بالغة الأهمية، نجحت في فك شيفرة العلاقات الأكثر سرية في الشرق الأوسط، وقدمت إطاراً نظرياً متماسكاً يفسر كيف يمكن للخصوم التاريخيين أن يصبحوا شركاء استراتيجيين خلف الكواليس، دون أن يكفوا تماماً عن كونهم “أعداء أشقاء” في العلن.




